العودة   منتديات صحابي > أقسام المرحلة الجامعية و الدراسات العليا > منتدى العلوم الإنسانية و إجتماعية > منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,



كـفـاحــي . لـ : أدولـف هـتـلـر

منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,


كـفـاحــي . لـ : أدولـف هـتـلـر

كـفـاحــي . لـ : أدولـف هـتـلـر (1889 - 1945) تمهيد : قد يكون أدولف هتلر أهم الشخصيات السياسية في القرن العشرين .. ومن المعروف إن وجود صورته على ظهر كتاب

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-07-2009   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Peace


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 2207
المشاركات: 4,023 [+]
بمعدل : 1.16 يوميا
اخر زياره : 05-16-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 16

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Peace غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
كـفـاحــي . لـ : أدولـف هـتـلـر

(1889 - 1945)

تمهيد :
قد يكون أدولف هتلر أهم الشخصيات السياسية في القرن العشرين .. ومن المعروف إن وجود صورته على ظهر كتاب يزيد مبيعاته بنسبة 20% . وقد وُلد كما يقص في مذكراته لأسرة متواضعة ، وعاش جل أعوام طفولته وشبابه الأول خارج ألمانيا. ثم عاد لوطنه الأم وساهم في تأسيس الحزب النازي. وخلال عشرة أعوام ، بات قائداً للأمة الألمانية.
في كفاحي، يقص هتلر حكاية صراعه في سبيل الوصول للفلسفة التي يؤمن بها أولا ، ثم الكفاح في سبيل تحقيق ما يعتبره طموحات الشعب الألماني. نختار أولا وصف هتلر لطفولته الباكرة وحياته الأسرية الباكرة ثم معاناته من الفقر المدقع في فيينا ، وصولاً إلى آرائه التي لم يغيرها أبدا بشأن القضية اليهودية .


الفصل الأول : طفولتي

يبدو وكأن القدر تعمد اختيار براو ناو موقعاً لأولد فيه : فتلك المدينة الصغيرة تقع على الحدود بين دولتين سعينا نحن الجيل الجديد لتوحيدهما بكل ما لدينا من قوة.
فلابد من عودة ألمانيا النمساوية للوطن الأم ، وليس بسبب أي دوافع اقتصادية. بل وحتى أن الحق الاتحاد أضرارا اقتصادية، فلابد منه. دمائنا تطلب وطناً واحداً، ولن تستطيع الأمة الألمانية امتلاك الحق الأخلاقي لتحقيق سياسة استعمارية حتى تجمع أطفالها في وطن واحد. وفقط حين تشمل حدودنا آخر ألماني، ولا نستطيع تامين رزقه، سنمتلك الحق الأخلاقي في احتلال أراض أخرى بسبب معاناة شعبنا. سيصير السيف أداة الحرث ، ومن دموع الحرب سينبت الخبز للأجيال القادمة. وهكذا يبدو لي إن هذه القرية الصغيرة كانت رمزاً للمسؤولية الغالية التي انيطت بي ، ولكن هنالك صورة بائسة أخرى تذكرنا تلك المدينة بها. فقبل مائة عام، كانت مسرحاً لكارثة مأساوية ستخلد في صفحات التاريخ الألماني. فحين انحطت الأوضاع إلى أسوء حال ممكن تحت وطأة الاحتلال الفرنسي، استشهد جوهانا، بائع الكتب، في سبيل الوطن الذي أحبه. وقد رفض التخلي عن شركائه وشجب الذين كانوا أفضل منه في قدراتهم. وقد ابلغ احد ضباط الشرطة الألمان عنه الفرنسيين، وبقى العار ملحقاً باسمه حتى الساعة.

في هذه المدينة الصغيرة، المضيئة ببريق الشهادة في سبيل الوطن، والتي حكمتها النمسا وان كان دم شعبها ألمانيا، عاش والدي في أواخر الثمانينات من القرن الماضي: وبينما كان والدي موظفا حكومياً، رعت أمي أفراد الأسرة. ولم يبق حالياً في ذاكرتي سوى القليل عن هذا المكان لأننا سرعان ما رحلنا منه لبلدة باسو في ألمانيا.
وخلال تلك الأيام كان التنقل مصيراً محتوماً على الموظف. وهكذا انتقل والدي مرة ثالثة إلى لينز، وهناك أخيرا تمت إحالته على التعاقد. ولكن ذلك لم يعن له الراحة أبدا. فمنذ طفولته كان لا يطيق البقاء في المنزل بلا عمل، وهرب في سن الثالثة عشر إلى فيينا وتعلم حرفة وحصل على التجربة والنجاح قبل سن السابعة عشر، ولكنه ما قنع بكل هذا ، بل إن معاناة الأعوام الأولى دفعت للسعي وراء مستقبل أفضل . وهكذا بحث على وظيفة حكومية، وبعد عشرين عاماً من الصراع الدؤوب ، عثر عليها. وهكذا حقق قسمه القديم، وهو ألا يعود لقريته الصغيرة ألا بعد إن يكون قد كون نفسه.
حقق الرجل حلمه، ولكن لا احد في القرية تذكر الطفل الذي هاجر، بل وبدت له قريته غريبة تماماً، وكأنه يراها لأول مرة. وأخيرا، وفي سن السادسة والخمسين، بعد تقاعده، ما استطاع احتمال الفراغ، فاقتنى مزرعة وعمل في زراعتها كما فعل أجداده من قبل.
وخلال تلك الفترة تكونت داخلي بوادر الشخصية الأولية. اللعب في الحقول، المشي إلى المدرسة، وخصوصاً الاختلاط مع أصدقائي العنيفين الذي أقلقت علاقاتي معهم والدتي، كل هذه جعلتني من النوع النشط الذي لا يرتاح للبقاء في المنزل. وبالرغم من عدم تفكري بالحرفة المستقبلية، ما كانت عواطفي أبدا تتجه نحو المسير الذي اتخذه والدي لنفسه. أؤمن باني حتى آنذاك تمتعت بقدرات بلاغية مميزة ظهرت في شكل حوارات عنيفة مع زملاء الدراسة. بل وبت زعيماً لمجموعة: ونجحت في المدرسة بالفعل، ولكني كنت شديد المراس. اشتركت في النشاطات الكنائسية ، وأسكرتني عظمة هذه المؤسسة العريقة. وبدا لي القس مثالاً لما ينبغي إن أكونه، كما بدا لوالدي من قبل. ولكن الأخير فشل في التعامل مع قدرات ابنه البلاغية وما استطاع تصور مستقبل ممكن له، بل وأقلقه هذا الوضع كثيراً.
هذا الحلم ألكنائسي تخلى عني سريعاً، بعد إن عثرت على بعض الكتب العسكرية التي وصفت المعارك بين فرنسا وألمانيا عام 1870 - 71. عشقت هذه النصوص ، وصارت الصراعات البطولية النشاط الفكري والخيالي الأساسي لكياني. ومنذ ذلك الوقت صرت اعشق كل ما له علاقة بالجنود. ولكن الأسئلة الصعبة بدأت تفرض نفسها على فكري: هل هناك فوارق - بين الألمان الذين خاضوا تلك المعارك والآخرين؟ ولماذا لم تشترك النمسا فيها؟ ولماذا لم يطلب من والدي الاشتراك؟ ألا ننتمي جميعاً لذات الوطن؟ ألا ننتمي سوية؟ بدأت هذه التساؤلات تشغل بالي لأول مرة. طرحت الأسئلة وأجابوني بحذر قائلين إن الألمان غير المحظوظين لا ينتمون لذات الدولة التي أسسها بسمارك، وكان هذا الوضع عسيراً على الفهم، ثم قالوا لي إن الأوان قد حان للذهاب للمدرسة الثانوية.
أكد والدي انه يرغب في إن اذهب لمدرسة خاصة لإعداد الموظفين. فهو - بسبب تجاربه الحياتية - ما رأى طائلاً وراء المدارس العادية. كانت رغبته هي إن أصير موظفاً حكومياً مثله، بل وأفضل لأنني كنت سأتعلم من أخطائه واستفيد من تجاربه، لأنه تصور استحالة إن ارفض السير على دربه، كان قراره واضحاً، مؤكداً. معاناة عمر طويل ومشاق الحياة وهبته طبيعة متعسفة. وبدا له من المستحيل أن يترك الأمر لابنه غير المجرب، الغير قادر على احتمال المسئوليات. بل وتصور انه سيكون مذنباً إن لم يستخدم سلطته لتحديد مستقبله، ورأى إن هذه مسؤولية تحتمها عليه الوظيفة الأبوية.
ومع ذلك سارت الأمور بطريقة مغايرة: فقد رفضت الفكرة بشكل قاطع، وما كان عمري أكثر من إحدى عشر سنة. ولم ينجح الترغيب أو الترهيب كليهما في تغيير رأيي. وكل مساعي والدي الذي قص علي قصصاً عن تجاربه في العمل ، راجياً إن اقنع به وأحبه، أدت لنتائج عكسية. تثاءبت واهناً إذ تصورت إنني سأقضي العمر أمام مكتب ، بدون إن يكون وقتي ملكاً لي، قاضياً حياتي في تحويل الدنيا إلى فراغات يقوم احدهم يملأها في صورة طلب أو وظيفة. وأي أفكار كان يمكن لمشهد كهذا أن يخلقه في نفس طفل طبيعي؟ الوظائف المدرسية كانت سهلة، وامتلكت الوقت الحر لدرجة أن الشمس عرفتني أكثر من حيطان حجرتي. وحين يبحث أعدائي السياسيين في الماضي البعيد، ويعثرون على ما يؤكد إن هتلر كان طفلاً شقياً ، اشكر الله على أنهم قد أعادوا لفكري ذكريات بعض تلك الأيام السعيدة. الغابات والحقول باتوا حلبات الصراع التي قضيت فيها حياتي، والمدرسة الجديدة لم تغير هذا الوضع، وطالما كانت معارضتي الأساسية لفكرة والدي نظرية، استطعنا التعايش سوياً. فقد احتفظت بارآئي الخاصة، وما خالفته بصوت مرتفع. ولكن - وفي سن الثانية عشر - بدأت اطمع في إن أصير رساماً. ومع إن والدي كان يشجع هذه الهواية، ألا انه لم يتصور أبدا إن أسير في هذا الاتجاه.

-"رسام"؟

تشكك حتى في عقلي، وربما تصور انه لم يفهم ما اعنيه. ولكن بعد إن فهم، عارض الفكرة بكل ما في طبيعته من عناد. "رسام! فقط بعد موتي.” ولكنة اكتشف أن ابنه قد ورث منه ذات العناد. وهكذا بقي الحال زمناً طويلاً . وما كانت النتائج طيبة. فقد أصابت المرارة نفس الرجل الكبير، وما كان باستطاعتي الرضوخ له. وهكذا حين أكدت استحالة دراستي للفن، قررت إيقاف الدراسة بشكل عملي، متصوراً انه حين سيرى فشلي الدراسي، سيسمح لي بالسير في الاتجاه الذي اختاره. كانت نتائجي المدرسية آنذاك غير طبيعية: فكل ما له علاقة بالرسم جلبت فيه أفضل النتائج، وفي الباقي اسواءها. ولكن انجازاتي كانت مميزة في حقلي الجغرافيا والتاريخ الألمانيين، لأنني عشقت هاتين المادتين وكنت أفضل التلاميذ فيهما ، وحين أتطلع لتلك المرحلة الآن، بعد مرور السنوات الكثيرة، ألاحظ حقيقتين هامتين: فأولا ، صرت قومياً، وثانياً ، تعلمت معنى التأريخ. ففي دولة متعددة الأجناس كالنمسا، كان من الصعب جداً أن يعرف المرء معنى الانتماء لألمانيا. فبعد المعارك الفرنسية الألمانية، قل الاهتمام بالألمان في الخارج، ونساهم البعض تماماً. ومع ذلك، فلو لم يكن الدم الألماني طاهراً قوياً، لما استطاع العشرة مليون ألماني ترك بصمتهم واضحة جلية في دولة تتكون من أكثر من خمسين مليون نسمة، لدرجة إن الناس تصورت إن النمسا كانت دولة ألمانية مستقلة.
القليلون أدركوا قسوة الصراع الوحشي الذي خضناه للحفاظ على اللغة الألمانية، المدارس الالممانية، والأسلوب الخاص للحياة: اليوم فقط، حين يحلم الملايين من الألمان بالعودة للوطن الأم، ساعين على الأقل للحفاظ على لغتهم القوية، يدرك جل الناس صعوبة هذا الصراع، وربما يقدر بعضهم أهمية هؤلاء الأفراد الذين حموا الوطن من الهجمات من الشرق، وحاربوا من اجل إبقاء اللغة المشتركة حين ما اهتمت الحكومات الألمانية ألا بالمستعمرات البعيدة ، متناسية معاناة الألمان في الجوار. وحتى الأطفال اشتركوا في الصراع القومي: إذ رفضنا ترديد الأغاني غير الألمانية، وارتدينا الثياب التقليدية ، بالرغم من التهديد والعقوبات. فمنذ طفولتي لم يعني شعور “الوطنية” أي شيء لي، بينما عنت المشاعر القومية كل شيء. وقد كانت دراسة التاريخ دافعاً قوياً لخلق الحس القومي، نظراً لعدم وجود تاريخ نمساوي مستقل. بل إن مصير هذه الدولة مرتبط بالمانيا لدرجة إن ظهور تاريخ نمساوي خاص يبدو مستحيلاً. فتقسيم ألمانيا لموقعين هم في حد ذاته جزء من التاريخ الألماني.
ضرورة توحيد الألمان والنمساويين كانت نتيجة حلماً بقي في قلوب الجماهير بسبب تذكرها للتاريخ الذي كان بئراً لا ينضب. وخاصة في أوقات النسيان، سما التاريخ فوق الثراء المرحلي وهمس الماضي للشعب بأحلام المستقبل.
تعليم التاريخ في ما يسمى المدارس الثانوية لا يزال حتى اليوم في حال يرثى لها. والقلة من الأساتذة تفهم إن الهدف من دراسته ليس حفظ أرقام أو تواريخ، مثل يوم معركة، أو ساعة ميلاد زعيم، أو حتى حين وصول ملك للسلطة. فمعرفة التاريخ تعني معرفة القوى التي تسبب النتائج المسماة أحداثا تاريخية. والمعرفة هي: القدرة على تذكر الأساسي، ونسيان كل ما هو غير ضروري.
وقد يكون احد أهم أسباب تشكيل شخصيتي الحالية دراستي للتاريخ مع احد القلة الذين عرفوا هذه القواعد وراعوها في التدريس، الأستاذ ليولد بوتش. فقد كان ذلك الرجل العجوز خيراً متقناً لمادته، وتمتع أيضا بقدرة بلاغية مميزة سحرت اللب وجعلتنا، ونحن نستمع لبعض قصصه، ننسى الحاضر، وكأنه ساحر يأخذنا لعصور ماضية، عبر ضباب عشرات السنين، صانعاً من الأحداث التاريخية واقعاً معاشاً. وقد كنا من المحظوظين جداً لان هذا المدرّس عرف كيف ينير الماضي بأمثلة من الحاضر، وكيف يجلب من الماضي وقائع تلقي الضوء على الحاضر. ونتيجة لهذه القدرة فهم أكثر من غيره المصاعب التي نعانيها، واستغل مشاعرنا القومية لتقويمنا، مستندا بإحساسنا بالشرف للانتماء للوطن. وبهذه الطريقة نجح في تهذيبنا بشكل أفضل من أي أسلوب آخر ، هذا المدرس جعلني عاشقاً للتاريخ. وهكذا بت ثورياً بدون أن يسعى هو متعمداً لذلك. فمن يستطيع دراسة التاريخ الألماني مع أستاذ كهذا بدون أن يكره الدولة التي كادت تدمر مصير الأمة؟
الم نعرف إن النمسا ما حملت للألمان سوى البغضاء؟ الم نشاهد أفعالهم كل يوم؟ في الشمال والجنوب كان سم الدول الأخرى يدمر جسد وطننا ، وحتى فيينا تم تحويلها لمدينة لا ألمانية. فقد حاولت الأسرة الحاكمة جلب سكان البلاد الأخرى، وخصوصاً التشيك، بقدر الاستطاعة، وكان مقتل السيد فرانسز فوردناد، عدو الألمان الأول، على أيديهم دلالة على عدالة الرب الأزلي.

كانت الأثقال التي ناء بحملها الشعب الألماني هائلة ، إذ دفعوا المال والدم ، وبلا فائدة . ولكن ما أغضبني ادعاء إن كل هذا نتج عن علاقات متميزة بين ألمانيا والنمسا، نتج عنها إن الشعب الألماني تم تدميره بموافقة من الحكومة الألمانية ذاتها . وكانت نتيجة هذا النفاق هو ازدياد الكراهية للحكومة الألمانية لدرجة الازدراء. ولكن حكام ألمانيا ما فقهوا كل هذا ، ومثل رجل أعمى، عاشوا بجوار الجثة متصورين في سكون الموت ساعة ميلاد حياة جديدة. وهذا التصور الخاطئ أدى للحرب العالمية الأولى والدمار الناتج عنها.

أدركت في هذه الفترة إن الأمة الألمانية ستبقى فقط لو تم تدمير النمسا، وما هو أهم ، إن الحس القومي يتعارض كلية مع مشاعر التبجيل للملك. عرفت إن هذه الأسرة الحاكمة لا هدف لها سوى إخماد نار الأمة الألمانية. ومع ذلك أحببت النمسا كجزء من الوطن الأم.

طبع التفكير التاريخي الذي تعلمته خلال هذه الأيام ما هجرني أبدا بعد ذلك. بات التاريخ العالمي مورداً لا ينضب عرفت عن طريقه مغزى الأحداث المعاصرة. وهكذا تحولت باكراً إلى سياسي ثائر.

ما كان المسرح سيئاً في شمال النمسا. فقد شاهدت المسرحيات المختلفة في سن الثانية عشر ، وبعض أعمال الأوبرا كذلك.

كل هذه العوامل دفعتني لرفض العمل الذي أراد والدي إعدادي له . أيقنت إنني لن استطيع الوصول للراحة النفسية في أي وظيفة حكومية. سأكون رساماً، ولن تقدر أي قوة في العالم على جعلي موظفاً.

ومع ذلك ، تحولت مع مرور الأعوام إلى حب المعمار أكثر من الرسم.

وعلى كل حال ، فقد تدخل القدر، وأصيب والدي بالجلطة، وانتهت رحلته الدنيوية، وتركنا جميعاً في حالة من الحزن العميق. لقد كان طموحه الأخير مساعدة ابنه حتى لا يعاني كما عانى ويكرر ذات الأخطاء. وان لم ينجح ألا إن البذور التي زرعها لعبت دورها في خلق مستقبل لم يستطع هو - ولا أنا- إدراكه آنذاك.

وقد رغبت أمي في إن استمر في الدراسة كما أراد والدي. ثم أصبت بمرض ساعدني على التغلب على هذا الصراع المنزلي. إذ أكد الطبيب إنني لا استطيع البقاء في مكتب ، وألح على ابتعادي عن المدرسة لعام كامل. وهكذا حققت لي الأقدار الهدف الذي سعيت له.

وافقت أمي مكرهة أخيرا على إن ادرس في المعهد الفني. كانت اسعد أيام العمر أمامي - ألا أنها بقت أحلاما لان والدتي توفيت بعد وفاة والدي بعامين نتيجة لمرض قاتل أصابها على حين غرة. احترمت والدي، ولكنني أحببت أمي، وقد أحزنني رحيلها كثيراً.

وهكذا وجدت نفسي مضطراً لاتخاذ قرارات صعبة. الأموال القليلة المتبقية كانت قد أنفقت في علاج أمي، وما قدمته الحكومة للأيتام ما كان كافياً حتى لشظف العيش . وهكذا كان أمامي مسؤولية الاستقلال الاقتصادي.

وضعت ثيابي القليلة في حقيبة ، وفي قلبي إرادة جديدة، واتجهت إلى فيينا. مثل والدي، قررت إن انتزع من القدر مصيراً مميزاً ، وان أكون شيئاً خاصاً ، أي شيء ، باستثناء موظف حكومي.

الفصل الثاني:

أعوام الدراسة والمعاناة في فيينا . . .

حين ماتت والدتي ، حدد القدر أجزاء كثيرة من مصيري المستقبلي .

خلال الشهور الأخيرة من مرضها ، ذهبت إلى فيينا لاجتياز الاختيار المبدئي لدخول المعهد الفني. كنت قد أعددت بعض اللوحات ، متأكدا من إن الامتحان سيكون في غاية السهولة . فقد كنت الأفضل في الفصل في مجال الرسم دائماً ، ومنذ ذلك الوقت ، تقدمت قدراتي بسرعة، فأصابني الغرور .

ومع ذلك، شعرت بالمرارة لان قدراتي على الرسم الهندسي فاقت بكثير قدراتي كرسام. وكل يوم كان ولعي بالفنون المعمارية يتزايد - خصوصاً بعد رحلة لمدة أسبوعين قضيتها في فيينا في سن السادسة عشر. وقد كان هدف تلك المرحلة هو دراسة متحف الفن، وان وجدت نظراتي تتطلع أكثر لهيكل المتحف. فمنذ الصباح الباكر وحتى المساء، تجولت في الأروقة متابعاً كل ما يشغف فكري، وان كان جل اهتمامي قد انصب على المتحف ذاته. لساعات وقفت أمام مبنى الأوبرا، وبدا لي المكان ساحراً مثل قصور ألف ليلة وليلة.

والآن كنت في المدينة الخلابة للمرة الثانية، منتظراً على أحر من الجمر نتائج الامتحان. كنت متأكدا من النجاح لدرجة إن سقوطي أصابني بذهول مطبق. وحين تحادثت مع المسؤول، وطلبت منه التوضيح، أكد لي إن اللوحات التي قدمتها تشير إلى عدم توافر الموهبة المطلوبة للرسم لدي، وان أكد إن مجال الرسم الهندسي هو الملائم لي ولم يصدق إنني لم ادرسه البتة. مكتئباً تركت البنى، لأول مرة في حياتي غير عارف بما يجدر بي فعله.

عرفت الآن انه لابد لي من دراسة الهندسة . وكان الطريق صعباً: فكل مارفضت دراسته خلال صراعي مع والدي بات ضرورياً. ما كان ممكناً دخول كلية الهندسة بدون الشهادة الثانوية. وهكذا بدا إن حلمي الفني لن يتحقق أبدا.

حين عدت لفيينا مرة ثالثة، بعد وفاة والدتي، كان الطموح والعناد قد عادا لي. قررت إن أصير مخططاً هندسياً ، وكل الصعاب كانت التحدي الذي لابد لي من اجتيازه. كنت مصمماً على مواجهة العقبات، وأمامي صورة أبي، الذي بدأ حياته مصلحاً للأحذية ، وصعد بجهوده الخاصة إلى موقع حكومي جيد. توفرت لدي إمكانيات أكثر، وهكذا بدا إن الصراع سيكون أسهل، وما بدا لي آنذاك سوء الحظ، امتدح اليوم كمساعدة القدر الحكيم. فبينما ازدادت معاناتي اليومية، ازدادت إرادة المقاومة داخل ذاتي وفي نهاية المطاف تفوقت على غيرها من العوامل . تعلمت خلال تلك الأيام الشدة ، وتحولت من طفل مدلل إلى رجل قُذف به إلى قلب المعاناة والفقر المدقع. ومن ثم تعرفت على أولئك الذين سأدافع عنهم في أيام مستقبلية.

خلال تلك المرحلة أدركت وجود خطرين مدقعين يحيطان بالشعب الألماني، وهما اليهودية والشيوعية. ولا تزال فيينا، التي يتصورها الكثيرين مدينة اللذات البريئة، تجلب لذهني أسوء صور المعاناة الإنسانية التي عرفتها لمدة خمسة أعوام اضطررت خلالها للعمل ، أولا كمستأجر يومي، ثم كرسام.

ما جلبته من مال ما كفى حتى لإشباع الجوع اليومي. كان الجوع صديقاً لي آنذاك، وما تركني للحظة، بل شاركني في كل شيء. كل كتاب اقتنيته ، وكل مسرحية شاهدتها، جعلته اقرب إلي. ومع ذلك، درست خلال تلك الأيام أكثر من أي فترة أخرى. باستثناء زياراتي النادرة للأوبرا التي دفعت ثمنها جوعاً ، ما كان لدي أي لذة سوى القراءة. وهكذا خلال تلك الفترة قرأت كثيراً وبعمق. كل وقت الفراغ المتاح لي بعد العمل قضيته في القراءة، وبهذه الطريقة جمعت خلال بضع أعوام المعارف التي تغنيني حتى الساعة .

خلال تلك الأعوام، تكونت في ذهني صورة للعالم تبقى القاعدة التي استخدمها في كل قرار اتخذه ، وكل تصرف أقوم به. وأنا اليوم مقتنع بان كل سلوكياتنا تنبع من آراء تنتج أثناء شبابنا. فحكمة النضوج تحوي الآراء الخلاقة التي ينتجها الفكر الشاب ولا يمكن تطويرها آنذاك، مضافاً لها الحذر الذي يتعلمه الإنسان بالتجربة. وهذه العبقرية الشبابية ستكون الأداة الأساسية لخطط المستقبل، التي سيمكن تحقيقها فقط لو لم تدمرها تماماً حكمة النضج.

كانت طفولتي مريحة، بلا قلق يذكر. كنت انتظر مجيء الصباح، بلا أي معاناة اجتماعية. فقد انتميت لطبقة الرأسمالية الصغيرة ، وكنت لهذا السبب بعيداً عن الطبقات العاملة. وبالرغم من إن الفرق الاقتصادي بين الطبقتين كان محدوداً ، ألا إن الفاصل بينهما كان شاسعاً . وقد يكون سبب العداء بين الطبقتين هو إن الموظف، الذي ما استطاع ألا بصعوبة ترك الطبقات العاملة ، يخشى من العودة إلى تلك الطبقة المحتقرة، أو على الأقل إن يتصوره الناس جزءاً منها. هناك أيضا الذكريات المخيفة للفقر، وانعدام المعايير الأخلاقية بين الطبقات المنحطة، وهكذا يخشى الرأسمالي الصغير أي اتصال مع هذه الطبقة. وهذا الصراع عادة يدمر كل شعور بالرحمة. فصراعنا للبقاء يدر عواطفنا لأولئك الذين تخلفوا ورائنا.

اشكر القدر الذي اجبرني على العودة لعالم الفقر والخوف، لان التجربة أزاحت عن عيوني غشاء نتج عن تربية الرأسمالية الصغيرة. عرفت الآن معاناة الإنسانية ، وتعلمت التفرقة بين المظاهر الفارغة والكائن الموجود في داخلها.

كانت فيينا التي شاهدتها إحدى أكثر مدن أوربا تخلفاً. الثراء الفاحش والفقر المدقع تجاورا. في مركز المدينة وحاراتها شعرت بنبض 52 مليوناً . أما المحكمة الفخمة والمناطق المجاورة لها، وخصوصاً المباني الحكومية،

فجذبت لها الذكاء والثراء. وهذه المناطق كانت كل ما يوحد الشعوب المختلفة الموجودة في هذه الدولة. فالمدينة كانت العاصمة الثقافية والسياسية والاقتصادية. مجموعة مديري الشركات العامة والخاصة، موظفي الحكومة، الفنانين، والمدرسين والمثقفين، عاشت في مواقع قريبة بجوار الفقراء، وواجهت جيوشاً من العمال كل يوم. خارج القصور المعروفة تشرد ألاف من العاطلين، وفي ظلال أسوارها رقد من لا يملكون مسكناً.

معرفة هذه الأوضاع المزرية ودراستها لن يتم من مواقع عالية : لا احد ممن لم يسقطوا في أشداق هذه المعاناة يمكن له إن يفهم ألآمها. ومن حاولوا دراستها من الخارج غرقوا في لغو الحديث والعاطفة ، وأنا لا ادري إن كان تجاهل الأغنياء للفقير أكثر ضرراً من أفعال أولئك الذين يدعون الشفقة عليه بتكبر وغرور. والنتيجة دائماً سلبية على كل حال، بينما تزداد الأوضاع سوءاً. ولا يجدر بالفقير إن يرضى بصدقة بدلاً من إن تعاد له بعض حقوقه.

لم اعرف الفقر من بعيد: بل ذقت طعم الجوع والحرمان، ولم ادرسه بطريقة موضوعية، بل خبرته داخل روحي. وكل ما استطيع فعله الآن هو وصف المشاعر الأساسية، وذكر بعض ما تعلمته من هذه التجارب.

لم يكن العثور على وظيفة صعباً ، نظراً لافتقاري للتجربة. وهكذا اضطررت للعمل كمساعد عامل أو كعامل باجر يومي. حلمت بالهجرة إلى أمريكا. تحررت من الأفكار القديمة عن الحرفة والمركز، المجتمع والتراث، وسعيت وراء أي فرصة متاحة، وتقبلت أي عمل، مدركاً إن أي عمل شريف لا يجلب العار لصاحبه. عرفت بسرعة إن العمل متوفر ويمكن الحصول عليه بسهولة، ولكن يمكن أيضا بسهولة إن يفقده المرء. بدا لي إن عدم ضمان الوصول لرغيف العيش كل يوم كان أسوء ما عانيته.

العامل المدرب لا يجد نفسه في الشارع بيسر مثل العامل غير المحترف، ألا انه قد يواجه ذات المصير أيضا. ولذلك ترى العمال يضربون عن العمل: مما يؤدي للإضرار باقتصاد المجتمع ككل.

ذلك الفلاح الذي يهاجر إلى المدينة، متخيلاً سهولة العمل، وقلة ساعاته، والأضواء الكهربائية الملونة، كان قد اعتاد على نوع من الضمان بخصوص لقمة العيش. ففي القرية، لن يترك عمله ألا إذا ضمن لنفسه عملاً أفضل منه. ونظراً لوجود حاجة دائمة للأيدي العاملة في الفلاحة، تبقى إمكانيات البطالة محدودة. ومن الخطأ تصور إن الفلاح الذي يهاجر للمدينة أكثر كسلاً من ذلك الذي يبقى في عقر داره. العكس هو الصحيح: فالمهاجر عادة يكون الأكثر صحة ونشاطاً. ولذلك لا يخاف من مواجهة الصعاب. هو يصل أيضا للمدينة ومعه مدخراته. ولذلك لا يخاف إن لا يصل للوظيفة المرغوبة من أول يوم. ولكن الأمور تزداد سوءاً إن عثر على وظيفة ثم فقدها. فالعثور على غيرها، خصوصاً في فصل الشتاء، سيكون شاقاً بل ومستحيلاً . ومع ذلك، سيعيش وستعاونه الفوائد الحكومية للعاطلين. ولكن، حين تنضب هذه الموارد مع مرور الوقت، ستبدأ المعاناة الحقيقية. سيتشرد الفتى الجائع في الشوارع، وسيبيع أو يرهن ما يملك، وستسوء حال ثيابه، وينحط إلى مستوى مادي وروحي في غاية التعاسة. فتتسمم روحه. وان فقد سكنه في الشتاء، وهو مايحدث كثيراً ، فستكون معاناته فظيعة. وفي نهاية المطاف، سيعثر على وظيفة أخرى، ثم تتكرر ذات القصة مرة ثانية وثالثة، وشيئاً فشيئاً يتعلم عدم المبالاة، ويصير التكرار عادة. وهكذا يتحول هذا الرجل النشيط سابقاً إلى كسول يستخدمه الآخرين لمصالحهم. وقد عاش حياة البطالة لوقت طويل بدون ذنب حتى ما عاد بهمه طبيعة العمل الذي يقوم به، حتى إن كان هدفه تدمير القيم السياسية الثقافية الاجتماعية. وحتى إن لم تعجبه فكرة الإضراب، فلن يبالي بها. وقد شاهدت ألاف القصص المشابهة للتي أقصها. وكلما شاهدت المزيد ، ازدادت كراهيتي للمدينة الكبيرة التي تمتص دماء الرجال وتدمرهم.

فحين جاءوا فراداً، انتمى كل منه للمجتمع، وبعد أعوام، ما انتموا لأي شيء.

وأنا أيضا عانيت وعثاء حياة المدينة: شعر جسدي بصعابها وامتصت روحي معاناتها. وقد شاهدت أيضا إن التنقل السريع بين العمل والبطالة، وما ينتج عنه من تقلب اقتصادي، يدمر شعور الفرد بأهمية الاقتصاد. بدا إن الجسد يعتاد على التبذير حين يتوفر المال، ويستحمل الجوع حين انعدامه. وبصراحة، إن الجوع يقضي على أي إرادة تسعى للتنظيم الاقتصادي حين يتوافر المال لأنه يضع أمام ضحيته المعذبة سراب الحياة السعيدة لدرجة إن الرغبات المريضة ستدمر أي قدرة على التحكم ساعة الوصول لأي موارد. وهكذا حين يصل الرجل للمال ينسى كل أفكار تتعلق بالنظام والترتيب، ويعيش حياة البذخ ويسعى وراء اللذات الآنية. وغالباً ما سيكون لهذا العامل زوجة وأطفال وسيعتادون جميعاً على التبذير ثلاث ليال من الأسبوع، والجوع باقية. وفي ساعات الظهيرة سيجلسون سوياً أمام الصحون شبه الفارغة، منتظرين يوم وصول المرتب، متحدثين عنه، حالمين طوال ساعات الجوع بلذات التبذير.

وهكذا يعتاد الأطفال منذ طفولتهم على هذه الأوضاع السيئة.

وقد شاهدت هذه الأوضاع مئات المرات وتقززت منها أولا، ثم فهمت حقيقة المأساة التي يعيشها هؤلاء الناس الذين باتوا ضحايا لظروف اجتماعية سيئة. وما كان أكثر بؤساً هو أوضاع السكن السيئة . بل إنني اشعر بالغضب حتى هذه الساعة حين أتذكر الغرف الصغيرة والأكواخ الخشبية المحاطة بالقاذورات والأوساخ من كل جانب. وقد خشيت ذلك اليوم المرعب، حين سيخرج هؤلاء العبيد من أقفاصهم للانتقام من قسوة البشرية عليهم.

والمسؤولون والأثرياء يتركون الأمور تسير على مجاريها: وبدون أي تفكير يفشلون حتى في الشك بان القدر يخطط للانتقام من هذا الجور. أما أنا فعرفت إن تحسين هذه الأوضاع ممكن بطريقتين: فلابد من وجود إحساس عميق بالمسؤولية لخلق أسس أفضل للتقدم ، ومعه إرادة وحشية تدمر كل ما سيقف في طريقها ويعوق تقدمها. وكما لا تركز الطبيعة جهودها في الحفاظ على ما هو موجود، بل تسعى لخلق أجيال مستقبلية أفضل، سيكون من الضروري صناعة قنوات جديدة أكثر صحية منذ البداية.

تجاربي المختلفة في فينا علمتني إن المشاريع الخيرية غير مفيدة ، والمطلوب تدمير الفوضى الاقتصادية التي تؤدي إلى انحطاط الأفراد الخلقي. بل إن عدم قدرتنا على استخدام الوحشية في الحرب ضد المجرمين الذين يهددون المجتمع سببها هو عدم تأكدنا من براءتنا التامة من الأسباب النفسية والاجتماعية لهذه الظواهر. شعورنا الجمعي بالذنب تجاه مآسي الانحطاط الأخلاقي يشل قدرتنا على اتخاذ اقل الخطوات قسوة في الدفاع عن مجتمعاتنا. وفقط حين نتحرر من سلطة عقدة الذنب هذه سنقدر على الوصول للقوة والوحشية والضروريين لتدمير الأعشاب الضارة والأفكار المارقة.

وبما إن النمسا كانت عملياً بلا قانون اجتماعي صالح، لم تكن الدولة قادرة على التعامل مع هذه الأمراض البتة.

ولا اعرف حتى الساعة ما أرعبني أكثر: هل كان سوء الأوضاع الاقتصادية لمن عرفت، أم انحطاطه الخلقي، أم الضعف الفكري؟

تصور مثلاً هذا المشهد: في شقة تتكون من حجرتين سكنت أسرة عامل تتكون من سبع أشخاص. بين الأطفال الخمسة، كان هناك طفل في الثالثة، وهو السن الذي تتكون خلاله انطباعات الفرد الأولى. هناك بعض الموهوبين الذين يتذكرون هذه الانطباعات حتى أرذل العمر. مجرد ضيق الشقة وازدحامها لا يؤدي لخلق ظروف صحية ونفسية ملائمة للنمو. قد تحدث مثلاً خلافات بسيطة بين أفراد كل أسرة، وعادة يذهبون كل إلى حجرة مختلفة، وينتهي الأمر. أما في شقة صغيرة، فكل سيرى نفسه في مواجهة الآخرين طوال الوقت. بين الأطفال، الخلاف شيء طبيعي، وهم ينسون أسبابه بسرعة. ولكن إن شاهد الأطفال الأبوين في حال خصام دائم، تستخدم خلاله الألفاظ النابية، وربما العنف، فستكون النتائج سلبية. سيتصور الطفل العالم بطريقة تخيف من يقدر على تصورها. فقد تم تسميمه أخلاقيا، وما تغذى جسده كما ينبغي. ومن ثم يذهب هذا المواطن الصغير إلى المدرسة. بعد صراع مضن، قد يتعلم القراءة والكتابة، أما الواجب المنزلي، فانجازه مستحيل. بل إن والديه سيقذعان المدرسة بأبشع الألفاظ. كل ما سيسمعه الطفل لن يعلمه احترام مجتمعه. سيكره المدرسين وكل أنواع السلطة. وحين يُطرد من المدرسة بعد ذلك، سيلاحظ الناس غبائه، وجهله ، وكذلك سوء أخلاقه. أي موقع سيستطيع هذا الشاب اليافع لوصول إليه في ظروف مثل هذه؟ كل ما لديه هو كراهية المجتمع والبشرية. وبعد هذا، في سن الخامسة عشر، سيبدأ ذات الحياة التي عاشها والده، فيذهب للخانات، ويعود متأخرا لمنزله، وينتهي به الأمر في السجن.

وكم من مرة غضب الرأسمالي إذ سمع العامل الفقير يقول انه لا يهتم سواء أكان ألمانيا أم لا، ما دام يجد الغذاء والكساء: فقدان الشعور القومي بهذه الطريقة فظيع. كم من الألمان في عصرنا يشعرون بالفخر إن تذكروا انجازات أمتهم الثقافية والفنية؟ وهل يدرك المسؤولين إن الشعور بالفخر والعزة الوطنية لا يصل ألا لقلة من أفراد الشعب.

لذلك لا بد من تحسين الأوضاع المعيشية ومن إن يركز التعليم على قيم أساسية تتفشى في أذهان الناس عبر التكرار.

ولكن ألمانيا، بدلاً من الدفاع عن القيم القليلة الموجودة، تسعى لتدميرها. والفئران التي تبث سمومها في القلب والذاكرة تنجح في الوصول لغاياتها، بمساعدة الفقر والمعاناة: يوماً بعد يوم، في المسارح ودور السينما، نرى السم يُقذف على الجماهير، ثم يتحير الأثرياء عن أسباب انحطاط القيم الأخلاقية للفقراء، وانعدام الشعور الوطني بينهم.

قضية خلق الشعور الوطني إذاً تعتمد على توفير ظروف ملائمة لتعليم الأفراد لان أولئك الذين يتعلمون عن طريق الأسرة والمدرسة فقط هم الذين سيستطيعون تقدير الانجازات الثقافية والاقتصادية والسياسية لوطنهم لدرجة الانتماء لذلك الوطن. استطيع إن أحارب فقط من اجل ما أحب، وأحب فقط ما احترمه، واحترم على الأقل ما اعرفه.

ومع ازدياد اهتمامي بالقضايا الاجتماعية ، بدأت اقرأ المزيد عنها ، وفتح عالم جديد أبوابه لي.

خلال الأعوام 1900 -1910 تغيرت أوضاعي لأنني ما عدت اعمل كعامل ، بل بدأت العمل كخطاط وراسم بالألوان المائية. ومع إن المال ما كان كافياً ، ألا انه كفى لتحقيق طموحي آنذاك. إذ استطعت الرجوع للمنزل وأنا قادر على القراءة بدون إن يدفعني التعب من عمل اليوم للنوم فوراً. بات بعض وقتي ملكاً لي.

تصور الكثيرون إنني غير طبيعي : ولكنني تابعت ما اعشق، الموسيقى والعمران. كنت أجد في الرسم والقراءة كل اللذات وسهرت كثيراً حتى الصباح مع لوحة أو كتاب. وهكذا كبرت طموحاتي، وحلمت بان المستقبل سيحقق أمالي، وان بعد حين. كذلك تابعت قضايا السياسة وقرأت المزيد عنها لأنني أرى إن التفكير في شؤونها وظيفة تقع على عاتق كل مواطن يفكر. وبدون معرفة شيء عن طبيعتها لا يحق للفرد النقد أو الشكوى.

ما اعنيه بالقراءة يختلف عما يقوله دعاة الثقافة في عصرنا. فقد عرفت رجالاً قرؤوا كثيراً ، ولكنهم ما كانوا متثقفين. نعم، هم عرفوا الكثير من المعلومات، ولكنهم ا استطاعوا تسجيلها وتنظيمها. وهكذا افتقدوا فن تمحيص القيم من الغث، والتحرر مما كان بلا فائدة، والاحتفاظ بالمفيد معهم طول العمر. فالقراءة ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لتحقيق الغايات. وظيفتها الأساسية هي ملأ الفراغ المحيط بالمواهب والقدرات الطبيعية للأفراد. المفروض هو إن نقدم للفرد المعدات التي يحتاجها لعمله الحياتي بغض النظر عن طبيعة هذا العمل. كذلك، يجدر بالقراءة إن تقدم رؤية معينة للوجود. وفي كلا الحالتين، الضروري هو ألا تتحول محتويات الكتاب إلى الذاكرة بجوار كتب لاحقة، بل إن توضع المعلومة المفيدة بجوار غيرها لتوضيح الرؤية الأساسية في فكر القارئ. وان لم يحدث هذا، ستتجمع المعلومات بشكل فوضوي في الذهن، بلا قيمة سوى خلق الكبرياء. فالقارئ من هذا النوع سيتصور انه قد عرف المزيد ، وان كان في الواقع يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع حتى ينتهي المطاف به في مستشفى المجانين.. أو مجلس الشعب، وهو ما يحدث كثيرا. وهو لن يستطيع إذاً الاستفادة مما قراه.

أما القارئ الناجح، فيستطيع بسرعة إدراك ما سيستفيد منه وترك الباقي. المعلومة المفيدة ستصحح الأخطاء، وتوضح الصورة الكلية. ثم، حين تضع الحياة سؤالاً أمام القارئ، ستعرف ذاكرته كيف تجلب الأجزاء المطلوبة للإجابة، وتقدمها للعقل حتى يختبرها ويتحقق بشأنها، حتى تتم الإجابة على السؤال. وهذه هي القراءة المفيدة. ومنذ صباي حاولت القراءة بهذا الأسلوب، وفي هذا المسعى عاونني الذكاء والذاكرة. أما تجارب الحياة اليومية فقد دفعتني لقراءة المزيد والتفكر بشأنه. وفي هذا السعي عاونني الذكاء والتجارب. وهكذا وجدتني أخيرا قادراً على الربط بين النظرية والواقع ، وعلى اختبار النظرية في ظل الواقع، ونجوت بهذه الطريقة من الكبت الذي تخلقه النظرية لمن لا يعرف سواها، ومن التفاهة التي يحياها من لا يعرف سوى الواقع اليومي المعاش.

خلال تلك المرحلة دفعتني تجارب الحياة إلى دراسة سؤالين آخرين، كانت الماركسية احدها. فما عرفته عن الفكر الديمقراطي كان قليلاً وغير دقيق. آنذاك، أسعدتني فكرة الصراع من اجل حقوق الانتخاب. فحتى في ذلك الزمن الباكر، أدركت بان هذا سيضعف من سطوة السلطة الجائرة في النمسا. وكلما زادت اللغات المستخدمة في مجلس الشعب النمساوي الذي بات مثل - بابل - بدا تشتت تلك الدولة الحتمي وشيكاً ، ومعه ساعة تحرر الشعب الألماني.

نتيجة لكل هذا، لم أتضايق من حركات الديمقراطية الاجتماعية. بل إن ادعاءاتها بمساعدة الطبقات الفقيرة بدت لي من العوامل التي وقفت في صفها. ولكني رفضت في هذه الحركات عدائها لكل محاولات المحافظة على الشخصية الألمانية، ومغازلتها "للرفاق السلاف"، الذين ما تقبلوا من أفكارها ألا ما سيستفيدون منه، وتركوا الباقي باحتقار تام.

حدث لقائي الأول مع هذه الحركات خلال عملي كعامل بناء.

وكانت التجربة سيئة منذ البداية: كانت ثيابي نظيفة، ولغتي جيدة، وسلوكي حذراً. كنت لا أزال أسعى وراء مصيري لدرجة تجاهل الناس حولي. بحثت عن العمل فقط خوفاً من الجوع، وللاستمرار في الدراسة. ربما ما كانت القضية ستهمني البتة لو لم يطلبوا مني في اليوم لرابع الانضمام لتجمعهم. ونظراً لجهلي بالموضوع، رفضت موضحاً إنني لا اعرف ما يكفي عنهم للانضمام أليهم. ربما لهذا السبب لم يعادونني ، بل ورغبوا في إقناعي بالانضمام إلى صفوفهم. ولكنني خلال الأسبوعين القادمين عرفت أفكارهم جيداً، وما عاد باستطاعتي البتة الانضمام لمجموعة بغضتها.

ساعة الظهيرة حين كنا نتناول الطعام في الحانة: كنت اشرب الحليب وآكل الخبر في زاوية متطلعاً لهم بحذر أو متأملا حظي السيئ. وهكذا استمعت لهم، بل أنهم جاءوا بجواري حتى استمع واتخذ موقفاً. وما كان أمامي منفذ آخر لان أرائهم أغضبتني جداً: قالوا إن الحس الوطني نتج عن إعلام الطبقات الرأسمالية، وانه عبارة عن سلاح يستخدمه الأثرياء لاستغلال العمال، والمدرسة ليست سوى مؤسسة لإنتاج العبيد وأسيادهم، أما الدين فادعوا انه أسلوب لتخدير الشعوب حتى تسهل السيطرة عليهم، والأخلاق ليست سوى دلالة على الغباء. ما كان هناك ما لم يلقونه في الوحل. في البداية لذت بالصمت، ولكنني سرعان ما بدأت باتخاذ مواقف فكرية مخالفة، وقرأت فكرهم وناقشتهم بشأنه. واستمر النقاش حتى قرروا استخدام سلاح يقهر العقل بسهولة: وهو البطش والإرهاب. وهكذا طلبوا مني الذهاب وهددوني بأنهم سيلقونني في الخارج إن رفضت. وهكذا خسرت عملي، وفي نفسي سؤال مرير: هل هؤلاء فعلاً بشر؟ وهل يستحقون شرف الانتماء لأمة عظيمة؟ وكان السؤال صعباً. وان كانت إجابته بالإيجاب، فان الصراع في سبيل القومية لن يستحق التضحية والمعاناة، أما إن كانت الإجابة بالنفي، فان أمتي ستفتقر بالفعل للإنسان.

ومن المؤكد إن ملايين العمال بدؤوا برفض الحركات اليسارية ، ولكن الرأسماليين ذاتهم دفعوهم لاحتضانها بطريقة مجنونة: إذ إن الأثرياء رفضوا كل محاولات تحسين أوضاع العمال، سواء أكان الهدف تحسين الأوضاع الصحية في المصانع عبر تطوير الآلات، أو منع عمالة الأطفال، أو حماية المرأة الفقيرة أثناء فترة الحمل. وقد كان رفض هذه الأفكار مخزياً بالفعل، ودفع العمال لاحتضان اليسار. ولن تستطيع الرأسمالية أبدا التحرر من أضرار رفضها للإصلاح الذي بذر الكراهية بين الغني والفقير ودفع بالعمال إلى الأحزاب اليسارية.

خلال تلك الفترة، رفضت أيضا اتحادات العمال، وان كنت خاطئاً في هذا الاتجاه. ففي سن العشرين عرفت إن الاتحاد العمالي سعى للدفاع عن الحقوق الاجتماعية لهذه الطبقة، وان هدفه الأساسي كان تحسين أوضاعها الاجتماعية. فالعامل لا يستطيع إن ما رضي بعمله، استبداله بآخر. فأما إن يكون تحسين الأوضاع الاجتماعية في مصلحة المجتمع أو لا يكون. وان كان ، فلابد من الصراع لتحسين هذه الأوضاع. ولكن العامل لا يقدر وحيداً على مواجهة قوة الرأسمالي الثري. ولذلك كانت الاتحادات ضرورية . ولكنها منذ بدايات القرن العشرين بدأت تفقد دورها الاجتماعي الأساسي ، ومع مرور الأعوام تحولت إلى سلاح تستخدمه الأحزاب الشيوعية في صراعها الطبقي. وهكذا بات هدفها تدمير اقتصاد المجتمع، وتغييره، بدلاً من إصلاح الأوضاع السيئة - التي كان إصلاحها خطراً إذ انه قد يقنع العمال بتقبل أوضاعهم، ولا يسمح للشيوعيين باستغلالهم بذات الطريقة البشعة. تطلع زعماء الاتحادات بخوف لإمكانيات الإصلاح لدرجة أنهم رفضوا أي محاولة للتغيير للأفضل، وهاجموها بقسوة شديدة. ثم تقدموا بطلبات مستحيلة ما كان للرأسماليين بد من رفضها، ثم ادعوا إن هناك مؤامرة لتدمير العمال واستغلالهم. ونظراً لضعف قدرات هذه الطبقة الفكرية، ما كان النجاح صعباً.

وهكذا عرفت طبيعة العلاقة بين هذه العقيدة المدمرة والطبائع الحقيقية لأناس ما عرفت بعد أي شيء عنهم. وقد كانت معرفتي باليهود فقط هي ما أوضح لي الطبيعة الحقيقية الخفية لنشاطات اتحادات العمال، الديمقراطية ظاهراً، الشيوعية في الخفاء.

لا أتذكر بالضبط متى بدأت بالتفكير بشكل جدي بالقضية اليهودية. لا اعتقد إنني استمعت لهذه الكلمة في منزلنا أثناء طفولتي. اعتقد إن والدي كان سيتضايق من الاهتمام بهذه القضية بل ويعتبر التركيز عليها نوعاً من أنواع التخلف. وبسبب تجاربه المختلفة، وصل لنوع من العالمية التي، بالرغم من وطنيته، أثرت على بشكل ما. وما رأيت في المدرسة ما دفعني لتغيير أفكاري. وأتذكر الآن وجود شاب يهودي معنا في المدرسة، ولم نكن نثق به بسبب تسريبه للأخبار من شخص لآخر. ولكن هذا لم يدفعني للتفكير بالأمر بشكل جدي.

في سن الخامسة عشر، استمعت لحوارات دينية وسياسية تناولت القضية اليهودية، ولكني ضقت ذرعاً بها نظراً لطبيعتها الدينية. كان هناك بعض اليهود في لينز. ومع مرور القرون، تغيرت طباعهم ومظهرهم لدرجة إنني اعتبرتهم ألمانا. يا للبلاهة! تصورت انه لا فرق بيننا وبينهم سوى الدين. حقيقة معاناتهم للاضطهاد بسبب دينهم، كما تصورت واهماً ، دفعتني للغضب حين سمعت الناس ينتقدونهم.

ثم جئت إلى فيينا.

وبسبب اهتمامي بالمعمار والصعاب التي واجهتها، لم ألاحظ وجود مئتا ألف يهودي بين المليونين الذي يقطنونها. غمرتني الأفكار والقيم الجديدة. وفقط مع عودة الوعي والتروي وضحت الرؤية. في البداية ، أغضبتني للغاية انتقادات بعض الصحف المحلية لليهود، وتصورت أنها رجعة لتطرف العصور الوسيطة. وبما إن المجلات المعنية ما كانت حسنة السمعة، تصورت إن القضية لا تزيد عن كراهية وحسد. وأكد صحة هذا الرأي الأسلوب النبيل الذي استخدمته الصحف الكبيرة في الرد على هذه الاتهامات، أو رفضها أحيان كثيرة مجرد التعليق عليها، وقتلها بالصمت المطبق.

قرأت الصحافة الدولية وأذهلني وسع افقها ومواضيع مقالاتها. احترمت سموها الفكري، وان ضايقني أحيانا ما اعتبرته نوع من النفاق على حساب الحقيقة. فقد رأيت مغازلة هذه الصحف للسلطة. وما حدث أمر يتعلق بالحكومة، ألا ووصفوه بحماس منقطع النظير. وفي ذات الآن، كانوا أحيانا يهاجمون الحكومة القيصرية في ألمانيا. كانت موضوعيتهم إذا عبارة عن احترام مصطنع لاتفاقية بين دولتين. شعرت بسطحية هذه الصحافة، وبدأت ألاحظ نقاط ضعفها. قرأتها الآن بحذر، ولاحظت إن الصحافة المعادية لليهود، كانت أكثر صراحة أحيانا. بل إن بعض ما نُشر على صفحات الأخيرة كان يدفع للتفكير.

وفي يوم لاحظت يهودياً في شوارع فيينا وتطلعت له متسائلاً: هل هذا الرجل ألماني؟ كالعادة قمت بالقراءة عن هذا الموضوع، وكانت الكتب سيئة. الكتاب تصوروا إن القارئ يعرف كل ما هو ضروري عن أساسيات الموضوع، وجله قدم أفكارا غير علمية البتة. تراجعت، وخشيت إن تتكون لدي أراء غير عادلة بهذا الشأن.

ما بات واضحاً لي هو إن اليهود ما كانوا ألمانا ، بل شعباً خاصاً. فمنذ إن بدأت بدراسة الموضوع بت ألاحظهم. وكانت تصرفاتهم وأخلاقياتهم وأشكالهم تخالف تماماً الألمان العاديين. بل إنني عرفت إن هناك بينهم حركة تدعى الصهيونية تؤكد على أنهم شعب خاص. وكان واضحاً إن بعضهم وافقوا على هذه الفكرة، وعارضها آخرين. ولكن المعارضين للصهيونية بدوا لي كاذبين لأنهم ما رفضوا الصهاينة كمارقين، بل كيهود يقدمون أفكارا خطيرة وأساليب ضارة للتعبير عن هويتهم الدينية. وهكذا كانوا جميعاً جسداً واحداً ، الصهاينة وغيرهم.

خلال فترة قصيرة تقززت من الحوار بين اليهود الصهاينة واليهود غير الصهاينة لان الحوار بدا لي مبنياً على خداع كاذب لا يتلاءم مع السمو الخلقي والطهارة التي يدعيها الشعب المختار لنفسه.

ثم لاحظت أيضا الدور الذي يلعبونه في الحياة الثقافية: ولا ادري هل يوجد أي نوع من أنواع الفساد الأخلاقي والثقافي بدون إن يكون احدهم وراءه. لاحظت دورهم في الصحافة، الفن، الأدب ، المسرح. لم احتاج سوى لقراءة الأسماء وراء كل إنتاج يسعى لهدم البنية الأخلاقية للمجتمع، وفي جميع الميادين. إن أنتجت الطبيعة واحداً مثل جوثة، فهناك مقابله آلاف من هؤلاء الذين يبثون السموم في أرواح الناس. وبدا كأن الطبيعة قد خلقت اليهود للقيام بمثل هذه الأدوار.

تسعة أعشار القذرات في ميداني الأدب والمسرح أنتجها الشعب المختار، وهم لا يزيدون عن 1% من السكان. أما الصحافة الدولية التي أحببتها يوماً فكان غالب كتابها منهم. أدركت الآن إن أسلوبهم الموضوعي في الرد على مهاجميهم ، والتزامهم الصمت أحيانا، ما كانا سوى خداعاً يهدف للسيطرة على الناس. لاحظت إن الأعمال المسرحية والأدبية التي يمتدحونها هي التي يقدمها اليهود، أما الأعمال الأدبية الألمانية، فانتقدوها دائماً بقسوة بالغة. ما اختبأ وراء الموضوعية المصطنعة كان العداوة الشديدة لكل ما هو ألماني.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t15755.html#post156845

ولكن ، لمصلحة من كان كل هذا؟

هل كان كله محض صدفة؟

بت غير واثق شيئاً فشيء.

ثم لاحظت الأخلاقيات اليهودية في الشارع. علاقتهم بالدعارة، بل وباستعباد البيض، كان واضحاً جداً في فيينا. وهكذا حين أدركت إن اليهودي هو ذلك المرابي البارد القلب، المنعدم الحياء، الذي يستثمر أمواله في هذه التجارة الفاسدة التي تدمر المجتمع، ارتعشت أطراف جسدي.

بدأت بمناقشة القضية اليهودية، وتعودت إن أراهم في مختلف فروع الحياة الثقافية. ولم استغرب حين عرفت إن زعيم الحزب الديمقراطي الذي تحدثت عنه أعلاه كان يهودياً.

وحتى في علاقاتي اليومية مع العمال، لاحظت قدراتهم المذهلة على تقبل أراء متعاكسة، متذبذبين بين اتجاه وآخر أحيانا خلال ساعات أو أيام محدودة. لم استطع إن افهم كيف يمكن لأناس، حين تتحدث مع احدهم ، يبدو لك منطقياً واقعيا، إن يتحول فجأة تحت تأثير رفاقه لأراء معاكسة لكل منطق. أحيانا شعرت باليأس التام المطبق. فبعد ساعات قضيتها في حوار مضني، شعرت بأنني ساعدت في تحرير احدهم من هراء آمن به، وسعدت لنجاحي، ولكني سمعته يكرر ذات الهراء ثانية صباح اليوم التالي، وذهب جهدي هباء.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=156845

فهمت أنهم ما كانوا قانعين بأوضاعهم وبغضوا القدر الذي عاملهم بقسوة شديدة ، والرجال الذي بخسوهم الأجر وما فهموا معاناتهم، وأنهم تظاهروا ضد ارتفاع الأسعار، كل هذا كان مفهوماً. ولكن ما لا افهمه كان كراهيتهم لجنسهم ووطنهم، واحتقارهم له، وتدميرهم لتاريخه. كان هذا الصراع ضد جنسهم وقبائلهم وبلادهم تدميراً للذات. وان أمكن معالجتهم منه، فلساعات محدودة.

ثم لاحظت إن صحافة الديمقراطيين تحكم فيها اليهود: ومع إن ظروف العمل في هذه الصحف شابهت غيرها، ألا إنني لم أجد بينها واحدة يمكن اعتبارها حسب رؤيتي الخاصة، وطنية. كانت الصحافة التي يديرها اليهود شيوعية في العادة، وأسعدني هذا. إذ عرفت إن الحزب الذي كنت أتصارع معه منذ شهور كان أجنبيا، فاليهود ما كانوا أبدا ألمانا.

عرفت الآن من أغوى شعبنا لطريق الظلال.

عرفت أيضا إن إنقاذه ممكن.

أما اليهودي، فأرائه الضالة لا تتغير أبدا.

فقد حاولت آنذاك مناقشتهم: تحدثت كثيراً وأوضحت شرور الفكر الماركسي، ولكن بلا فائدة سوى إن يبح صوتي. وأحيانا ،حين نجحت في إصابة احدهم بضربة فكرية مميتة، وشاهد جميع السامعين هذا، واضطر غريمك للموافقة، فانه سيعود صباح اليوم التالي لموافقة ذاتها، وكأن أي تغيير لم يحدث.

وكان لكل هذا فائدة: فكلما فهمت أساليب اليهود وخداعهم بشكل أفضل، زاد عطفي على العمال وأدركت أنهم ضحايا لهذه الأساليب وإغوائها.

تراجعت عن الأفكار الدولية وبت ناقماً على اليهود. وحين درست نشاطاتهم عبر القرون، تساءلت : هل كتب القدر لهم التوفيق والسيطرة على الآخرين، لأسباب لا نعرفها؟ هل يمكن إن يكون النصر حليفاً لأمة ما عاشت ألا للدنيا؟

تفكرت مرة أخرى في عقائد الماركسية ، وتعلمت أشياء جديدة: إن هذه العقيدة ترفض فكرة الصفوة الارستقراطية الموجودة في الطبيعة وتستبدل القوة الفكرية بالكثرة العددية. وهي لهذا السبب ترفض أي قيمة فردية، وتعارض الفكر القومي، وتسحب من الإنسانية ثقافتها. إنها فكرة كفيلة بتدمير أي حضارة، وان انتصر اليهودي بمعونة هذا الفكر، فان نصره سيكون الدمار النهائي للإنسانية.
ولذلك اشعر إنني أتصرف بمعاونة الخالق العظيم ومن اجل تحقيق أهدافه السامية لمصلحة البشرية حين أدافع عن نفسي ضد اليهودية وأعلن الحرب عليها.



;JtJhpJJd > gJ : H],gJt iJjJgJv










عرض البوم صور Peace   رد مع اقتباس

قديم 08-08-2009   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نجمة البحر


البيانات
التسجيل: Jan 2008
العضوية: 642
المشاركات: 5,435 [+]
بمعدل : 1.50 يوميا
اخر زياره : 08-04-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 19

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نجمة البحر غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي

ماذا هناك لماذا إختفت الردود وتغير الموضوع ؟؟؟هدى هل عندك تفسير؟؟









عرض البوم صور نجمة البحر   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد بديع


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2366
المشاركات: 5,459 [+]
بمعدل : 1.59 يوميا
اخر زياره : 08-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 29

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد بديع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي

شخصية عظيمة
بنت نفسها على تحقيق الأحلام إلى واقع
وسيظلّ هتلر أسطورة القرن العشرين









عرض البوم صور محمد بديع   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نائــي الجبل


البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5207
المشاركات: 239 [+]
بمعدل : 0.08 يوميا
اخر زياره : 02-04-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نائــي الجبل غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي



رغم فكره العنصري إلا أنه استطاع بعث الهمم في الشعب الألماني .









عرض البوم صور نائــي الجبل   رد مع اقتباس
قديم 08-08-2009   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية اميرة سلام


البيانات
التسجيل: Oct 2008
العضوية: 3325
المشاركات: 9,952 [+]
بمعدل : 2.97 يوميا
اخر زياره : 01-18-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 20

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
اميرة سلام غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي










عرض البوم صور اميرة سلام   رد مع اقتباس
قديم 09-19-2009   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: Banned ::
الرتبة


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5343
المشاركات: 1,836 [+]
بمعدل : 0.61 يوميا
اخر زياره : 01-22-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 18

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Flacon Nuit غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي

لماذا لا ناخذ العنصر الاجابي منه ونطبقه في الحياة هلنخشى ان نصبح امة متطورة









عرض البوم صور Flacon Nuit   رد مع اقتباس
قديم 09-19-2009   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية بنت الصحراء


البيانات
التسجيل: Sep 2008
العضوية: 3209
المشاركات: 15,271 [+]
بمعدل : 4.53 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 2500

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
بنت الصحراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي










عرض البوم صور بنت الصحراء   رد مع اقتباس
قديم 09-27-2009   المشاركة رقم: 8 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Peace


البيانات
التسجيل: Jun 2008
العضوية: 2207
المشاركات: 4,023 [+]
بمعدل : 1.16 يوميا
اخر زياره : 05-16-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 16

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Peace غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي

شكرا لكل من مر من هنا









عرض البوم صور Peace   رد مع اقتباس
قديم 10-23-2009   المشاركة رقم: 9 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية MOHFBI


البيانات
التسجيل: Oct 2009
العضوية: 5713
المشاركات: 1,021 [+]
بمعدل : 0.34 يوميا
اخر زياره : 08-06-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 44

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
MOHFBI غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Peace المنتدى : منتدى العلوم السياسة والعلاقات الدولية,
افتراضي










عرض البوم صور MOHFBI   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة



الساعة الآن 05:49 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302