العودة   منتديات صحابي > أقسام بلادي الجزائر > منتدى التاريخ الجزائري


منتدى التاريخ الجزائري مراحل تاريخ, الجزائر ,على مر العصور, وسيرة أبطالها, وشهدائها الأبرار,


المد الإسلامي عبر التاريخ أرجوا التثبيت

منتدى التاريخ الجزائري


المد الإسلامي عبر التاريخ أرجوا التثبيت

المد الإسلامي عبر التاريخ (1) في قمة جبل «حِراء» الواقع في شمال «مكة» وفي المكان المشهور تاريخيا باسم غار " حراء " هذا المكان الذي يستغرق الصعود إليه

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-27-2007   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محب الإسلام


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 31
المشاركات: 2,700 [+]
بمعدل : 0.71 يوميا
اخر زياره : 07-16-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 18

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محب الإسلام غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى التاريخ الجزائري

المد الإسلامي عبر التاريخ (1)

في قمة جبل «حِراء» الواقع في شمال «مكة» وفي المكان المشهور تاريخيا باسم غار " حراء " هذا المكان الذي يستغرق الصعود إليه ساعات ، يتسلق فيها الإنسان بين الصخور الوعرة بدأ المد الإسلامي ، حيث نزل على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ـ الذي تعوّد أن يعتزل الناس فيه بعض الأيام والليالي ، متفكرا متدبرا في ملك الله وعظمته بعيدا عن حياة الصخب التي غالبا ما تهيمن على فكر الإنسان فتشغله بلهوه وملذاته أو مشاكله وأعبائه عن التأمل في مصيره وغايته من الحياة ـ أول آيات القرآن الكريم ، ذلكم الكتاب الذي يحوي الأسس اللازمة لحياة الإنسان حياة مستقيمة ومعتدلة ، تناسب طبيعته كمخلوق مميز على سائر المخلوقات ، وملبية ـ بانسجام ـ كل حاجاته.




تلكم الآيات التي أمرته أولا بالتعرف على خالق الإنسان , وكيفية خلقه ، والغاية من خلقه " اقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم ".



فتلقاها محمد صلى الله عليه وسلم وهبط بها ذاهبا إلى بيته وسط مكة ، ليجد هنالك ـ بعد أن سكن فؤاده ـ الملك ( روح القدس جبريل ) الذي نزل عليه بالغار مبلغا إياه أمر الله له بأن يشرع في توصيل رسالة الإسلام إلى الناس جميعا بعد أن يؤمن بها " يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجز فاجر ....." .



تلكم الرسالة التي تتمثل في نشر الحب والسماحة والمودة والرحمة بين الناس , وبر الوالدين , وصلة الأرحام , وإطعام الفقراء والمساكين واليتامى وكسوتهم , ومساعدة المحتاجين , والوفاء بالعهد ، والصدق والأمانة والكرم , وحسن الحديث , واحترام الصغير للكبير , وعطف الكبير على الصغير, والإحسان إلى الجيران , وحسن المعاشرة بين الأزواج .



وتعلم العلم الذي يفيد البشرية , ونظافة البدن والملابس والبيوت والطرق , والمحافظة على الصحة والتجمل والتزين , وإتقان العمل , ونصرة المظلومين , وتحرير العبيد , واحترام آدمية الإنسان الذي خلقه الله بيديه ، وكرمه على سائر المخلوقات , ونشر الخير في الأرض , والرفق بالحيوان ورحمته , والاهتمام بزراعة الأشجار التي تفيد الإنسان وغير الإنسان , والمحافظة على الطبيعة التي وهبها الله لنا .



والنهى عن الاعتداء , وسفك الدماء إلا بالحق , وعن الوقوع في الفواحش وسائر المنكرات ، وتناول المسكرات والخمور والمخدرات التي تضر بجسم الإنسان وتذهب بعقله ، وعن الكذب والخيانة والغدر ، وقول الزور ، وأكل الميتة , وعن السرقة والاغتصاب , وأكل مال اليتيم , وأكل أموال الناس بالباطل , وأخذ الرشوة , والحذر من الظلم , والتجبر والإفساد في الأرض , ومن نقص المكيال والميزان في البيع والشراء , والتعصب للون أو الجنس , وقتل الحيوانات لغير الحاجة أو إيذائها , وقطع الأشجار النافعة إلا لضرورة وحاجة .



وكان رد فعله لذلك الأمر الإلهي "قم فأنذر " هو قوله لزوجه "ذهب النوم يا خديجة " أي ذهب وقت الراحة , وكيف ينام وقد كلفه الله بإرجاع البشرية في مشارق الأرض ومغاربها إلى مسارها الصحيح ، إلى رشدها ، إلى فطرتها التي فطرها الله عليها , بعد أن أغواها الشيطان فضلت , وانحرفت عن طريق الخير , بل ومواجهة كل جبار أو طاغ أو باغ أو سفيه يحول بينه وبين أداء تلك المهمة ؟!! .



وانطلق صلى الله عليه وسلم إلى إنذار الناس كما أُمر , جاعلا شعاره " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " فأسرعت زوجه " خديجة " بالاستجابة له , وآمنت به , وأعانته على أمره , وكان لا يسمع شيئا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له ، فيحزنه ذلك ، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها ، تثبته وتخفف عليه ، وتصدقه وتهون عليه أمر الناس ، فكانت مثالا للمرأة المخلصة بحق لزوجها.



وتبعه على دينه أيضا بناته (1), إذ كن مثل أمهن أسرع استجابة ، وأكثر طاعة له , وأسلم خادمه زيد بن حارثة , وابن عمه " علي بن أبي طالب " وكان ربيبه (أي نشأ وتربى معه ) وهكذا اجتمع شمل الأسرة على الإسلام بعد أيام قليه من بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم .



ثم دعا صديقه أبا بكر فأسرع دون تردد بإعلان إسلامه؛ لما كان يعرفه من صدقه صلى الله عليه وسلم ، وأنه لا يقول على الله إلا الحق حتى قال عنه رسول الله : "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عنده كبوة ونظر وتردد ، إلا ما كان من أبي " (2)أي إنه بادر إليه .



وصار صلى الله عليه وسلم يدعو من يعرفه إلى دينه هذا سراً وجهراً , كما يقول الزهري ، فاستجاب له من شاء من أحداث الرجال ( صغار السن )وضعفاء الناس حتى كثر من آمن به , كما شاركه في نشر دعوته أصحابه الذين أسلموا معه ، وخاصة أبو بكر الصديق الذي بادر بدعوة زوجته وأبناءه إلى اعتناق الإسلام فأسلم أكثرهم , ولم يترك أحدا من أصحابه المقربين إلا وأرشده إلى خير هذا الدين , معتمدا على مكانته بين الناس , إذ كان كما قال ابن إسحاق " " رجلا تاجرا ، ذا خلق ومعروف ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر ، لعلمه وتجارته وحسن مجالسته "(3).



وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقي بمن أسلموا معه فرادى و جماعات بعيدا عن أعين المشركين ؛ حتى لا يحدث احتكاك أو صدام بين الطرفين ( المسلمين والمشركين ) وكان يربيهم في لقاءاته على مبادئ توحيد الله سبحانه وتعالى , ويرغبهم في تزكية النفوس , ويحثهم على مكارم الأخلاق ، والتحلي بالفضائل ، والبعد عن الرذائل .



ويقرأ عليهم آيات الله التي تصف الجنة , وما أعده الله فيها لمن أطاعه مثل قوله تعالى:" مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ "(4) وقوله: " فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ "(5).



والآيات التي تصف النار وما يلقاه الكفار والمعاندون فيها من عذاب مثل قوله تعالى " وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ولا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِؤُونَ (6) وقوله تعالى:"يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنجِيهِ كَلا إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لِّلشَّوَى تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى . وقوله تعالى:"إنها ترمي بشرر كالقصر، كأنه جمالة صفر، ويل يومئذ للمكذبين"(7).



وهذه الآيات لم يكن يتلوها عليهم مجملة , وإنما في مواقف متنوعة , فالله سبحانه وتعالى كان يذكر التكليف في القرآن ثم يتبعه بعرض الآيات التي ترغب في ثواب عمله أو عقاب تركه مما جعل النفس السوية سريعة إلى الاستجابة له .



كما كان المسلون يؤدون في تلك اللقاءات الصلاة التي شرعها الله لهم بداية من بعثته صلى الله عليه وسلم .. .



ولم يمض وقت غير طويل حتى أقبل الناس ـ كما قال ابن إسحاق ـ يدخلون في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء ، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة , بل توافد أصحاب الفطرة السليمة ممن سمع به خارج مكة ليعلنوا إسلامهم مثل أبي ذر الغفاري ، وعمرو بن عبسة الذي قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فقلت: من أنت؟ قال: نبيّ . قلت: وما النّبيّ؟ قال: رسول الله . قلت: الله أرسلك؟ قال: نعم، قلت بم أرسلك؟ قال: بأن تعبد الله ، وتكسر الأوثان ، وتوصل الأرحام، قلت: نعم ما أرسلت به.. فأسلمت وقلت: أتبعك ( ألزمك ) يا رسول الله، قال: لا ولكن الحق بقومك، فإذا أخبرت بأنّي قد خرجت ( أي انتشرت دعوتي) فاتبعني ، ثم أوصاه كما أوصى أبا ذر قبله أن ينقل رسالة الإسلام إلى قومه, وأن يتلطف في عرضها .



وبعد مرور ثلاث سنوات من بعثته أمره الله أن يوسع دائرة دعوته , وألا يكتفي بدعوة من يألفه فقط ، وأن يعلن للناس جميعا أنه مبعوث من عنده سبحانه وتعالى إليهم كافة , ويدعوهم للدخول في الإسلام , وينذر من خالف أمره بغضب الله وعذابه الأليم في الآخرة , ويبشر من أطاعه بالنعيم الدائم في جنة الله , وأن يبدأ بعشيرته وأقربائه , فقال تعالى :"وَأّنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبينَ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المْؤْمِنِينَ "(8).



فاشتد عليه ذلك وضاق به ذرعا ؛ خشية من أن يكذبوه , وأن يواجههم بأمر لا يحبوه , يقول علي بن أبي طالب : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" عرفت أنّي إن بادأت قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتّ عليها، فجاءني جبريل فقال: يا محمد إنّك إن لم تفعل ما أمرك به ربّك عذّبك " وأنزل الله عليه " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ .. "(9).



فصنع طعاما ودعا إليه أفراد أسرته , وبعد أن طعموا خطب فيهم قائلا : "الحمد لله أحمده وأستعينه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وِأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إنّ الرائد لا يكذبه أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني لَرسولُ الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة، واللهِ لَتمُوتُنَّ كما تنامون ، وَلتُبعثُنَّ كما تستيقظون، ولَتُحَاسَبُنَّ بما تعملون، ولتجزون بالإحسان إحسانا , وبالسوء سوءا ، وإنها للجنة أبداً ، أو النار أبداً ، وأنتم أول من أنذر " (10) .



ثم أخبرهم بأن الله قد أمره أن يعلن دعوته على الملأ , فقال له عمه أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك! وأقبلنا لنصيحتك! فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأنفعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب , وقال له باقي أفراد أسرته كلاما لينا إلا أبا لهب .



ثم تكرر لقاؤه بهم حتى إذا أيقن بوقوفهم معه , وتعهد أبي طالب بحمايته ممن يريد به سوءا عند مواجهة الناس بأمره قام بتبليغ دعوته إلى سائر أهل مكة.



فصعد على جبل يسمى جبل "الصفا" ونادى: يا معشر قريش! فقال الناس بعضهم لبعض محمد على الصفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا, فقالوا : مالك يا محمد؟ قال أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوني؟ قالوا : نعم , أنت عندنا غير متهم , وما جربنا عليك كذبا قط, قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد, يا بني عبد المطلب! يا بني عبد مناف! يا بني زهرة ! حتى عدد الأفخاذ من قريش , إن اللّه أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين , وإني لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من الآخرة نصيباً إلا أن تقولوا لا إله إلا اللّه (11).



ولم يكتف بهذه الصيحة العالية التي أعلمت أهل مكة بأنه رسول الله إليهم,وجعلت دينه الجديد موضوع حديث الناس ونقاشهم , وإنما دفعه حب الخير للناس ، وحرصه على هدايتهم إلى أن يأتي الناس في منازلهم ومجالسهم ونواديهم ومتاجرهم وأماكن عملهم ، ليلا ونهارا ، غير عابئ بما يلقاه من جهد ومشقة ، أو سخرية واستهزاء , وإنما انطلق يشرح لهم حقيقة الإسلام , ويبين ما عليه المشركون في عصره من ضلال في عبادة الأصنام والأوثان , فهي حجارة جامدة صنعوها بأيديهم هم , وأن العقل والمنطق لا يقر ما هم عليه , وأن العبادة ينبغي أن تكون لله الذي خلقهم .



وذلك بأسلوب سهل مقنع بعيد عن الجدال , فكان يجلس إلى النفر من الناس فيقول لهم : من خلقكم ؟ فيقولون الله , فيقول : من خلق السماوات والأرض والجبال ؟ فيقولون الله , فيقول من عمل الأصنام ؟ فيقولون : نحن , فيقول : فالخالق أحق بالعبادة أم المخلوق ؟ فانتم أحق أن يعبدوكم وأنتم عملتموها , والله أحق أن تعبدوه من شيء عملتموه , فانقسم الناس أمام دعوته



1ـ ما بين مصدق له مؤمن به بمجرد أن يلقاه ويسمع حديثه , حتى ورد أن أحد الأعراب ما إن سمعه يقول : " إن الحمد لله أحمده وأستعينه وأومن به وأتوكل عليه "حتى أعلن إسلامه , وآخر يقول له : أستحلفك بالله ! آلله أرسلك وأمرك أن تبلغنا ؟ فلما قال : نعم , أعلن إسلامه , وهذا آخر يأتيه فيقول : يا محمد إلام تدعو ؟ قال : أدعوك إلى الله وحده لا شريك له , وأن محمدا عبده ورسوله , وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر ولا ينفع ولا يدري من عبده ممن لم يعبده ..."فاتبعه في الحال ، وصدق ما جاء به.



2ـ وما بين متردد يبحث عما يوصله إلى الله من خلال النقاش معه , وهؤلاء تولى القرآن الكريم الإجابة على استفساراتهم , وإزالة الشك من قلوبهم .



وذلك بلفت أنظارهم إلى التأمل في خلق الله , مثل قوله تعالى : " قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "(12) وقوله تعالى "قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ" (13)



وكان القرآن يلفت نظره صلى الله عليه وسلم أيضا إلى طريقة حوار الأنبياء السابقين مع أممهم ؛ ليسترشد بهم , مثل قوله تعالى : " وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ .."(14).



3ـ وما بين جاهل بما جاء به صلى الله عليه وسلم من الحق متبعا أو مقلدا لغيره , ومع إن هذا الصنف يمثل الأغلبية من الناس , إلا أنهم كثيرا ما كانوا يقعون تحت تأثير الكبراء ، ويسيرون وراءهم في الإعراض عنه أو معاداته ؛ رغبا أو رهبا منهم, كعادة الناس في كل عصر , وقد نعى الله عليهم هذا الفعل , ونبههم إلى أنهم سيندمون على ذلك يوم القيامة , فقال تعالى :" يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً"(15).



4ـ وما بين مكابر معاند مصر على كفره وشركه, وهؤلاء تمثلوا في الملأ من قريش والسادة الذين حسبوا أن الدين الجديد سيحول بينهم وبين البغي والتعالي على الناس , والتجبر في الأرض , وأكل أموال الناس بالباطل , وهي العلة التي تجعل الملوك والكبراء يقفون في وجه الأنبياء والرسل وسائر المصلحين في كل حين , ويحرضون عليهم الجهلة من الناس , البعيدين عن معرفة الحقيقة.



فقد أنكروا عليه أن يصف الأصنام والأوثان وسائر الآلهة المزعومة التي يتسترون وراءها بما وصف , وأجمعوا خلافه , وذهبوا على عمه أبي طالب , وطلبوا منه أن يكفه عن دعوة الناس إلى الإسلام , وافتروا عليه ما لم يفعله أو يقله ، فقالوا: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإمّا أن تكُفّه عنّا ، وإمّا أن تُخلّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكَهُ (أي يقتلونه دونه ).



ومن العجب أن هؤلاء كانوا يعلمون أن الرسول محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن سبابا , ولا عيابا , ولا فحاشا , وكل ما فعله أنه كان يقرأ على الناس قوله تعالى :" وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ"(16). ويبين ما هم عليه من ضلال , وأن الأصنام التي يعبدونها لا تستحق العبادة , ولم تطلب منهم ذلك , وإذا كان آباؤهم لم يجدوا من يرشدهم , فما عذرهم هم ؟ .



ولم يبال صلى الله عليه وسلم بإعراضهم , ومضى يظهر دين الله ، ويدعو إليه , وكان موسم الحج إلى بيت الله الحرام قد اقترب فخشي هؤلاء الملأ من المعاندين أن يلتقي صلى الله عليه وسلم بالحجاج ، ويعرفهم بدعوته فيقبلون عليها ، فاجتمع سادتهم وصاروا يبحثون عن تهمة يرمونه بها ، ويشيعونها بين الناس ؛ حتى لا يكون لدعوته أثر في نفوسهم، فقال لهم رجل يسمى "الوليد بن المغيرة‏":‏ أجمعوا فيه رأيـًا واحدًا ، ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضًا، ويرد قولكم بعضه بعضًا، قالوا‏:‏ فأنت فقل، وأقم لنا رأيًا نقول به‏.‏ قال‏:‏ بل أنتم فقولوا أسمع‏!‏ قالوا‏:‏ نقول‏:‏ كاهن‏,‏ قال‏:‏ لا والله ما هو بكاهن، لقد رأينا الكهان فما هو بزَمْزَمَة الكاهن ولا سجعه‏.‏



قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ مجنون، قال‏:‏ ما هو بمجنون، لقد رأينا الجنون وعرفناه، ما هو بخَنْقِه ولا تَخَالُجِه ولا وسوسته‏.‏ قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ شاعر‏.‏ قال‏:‏ ما هو بشاعر، لقد عرفنا الشعر كله رَجَزَه وهَزَجَه وقَرِيضَه ومَقْبُوضه ومَبْسُوطه( يقصد أصناف الشعر العربي ) فما هو بالشعر، قالوا‏:‏ فنقول‏:‏ ساحر‏.‏ قال‏:‏ ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنَفْثِهِم ولا عقْدِهِم‏.‏



قالوا‏:‏ فما نقول‏؟‏ قال‏:‏ والله إن لقوله لحلاوة، ‏وإن عليه لطلاوة‏,‏ وإن أصله لعَذَق، وإن فَرْعَه لجَنَاة، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه لأن تقولوا‏:‏ ساحر‏.‏ جاء بقول هو سحر، يفرق به بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجته، وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بذلك ‏(17) وتناسوا أنه كان يأمر أتباعه بالبر والإحسان إلى أقاربهم وإن أساءوا إليهم , ووصلهم وإن قاطعوهم .



المصدر : موقع التاريخ



الهوامش :



(1) لم يكن لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم ذكور ، وإنما ماتوا جميعا في صغرهم .



(2) ابن سيد الناس : عيون الأثر ج1 ص178



(3) ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 120



(4) سورة " محمد " : آية 15



(5) سورة " الصافات " :الآيات من44 : 49



(6) سورة " الحاقة " : الآيات 25: 37



(7) سورة " المرسلات " : الآيات 32: 33



(8) سورة " " الشعراء " : الآيات 214 : 215



(9) سورة " المائدة " : الآية 67



(10) ابن كثير : البداية جـ 3 ص 38



(11) المصدر السابق جـ 3 ص 38



(12) سورة " العنكبوت " : الآية 20



(13) سورة " يونس " : الآية 101



(14) سورة " الشعراء " : الآيات 69 : 77



(15) سورة " الأحزاب " : الآيات 66 :68



(16) سورة " البقرة " : الآية 170



(17) ابن هشام : السيرة النبوية جـ 2 صـ 105

المد الإسلامي عبر التاريخ (2)

انتهى بنا الحديث في الحلقة السابقة عند خشية زعماء المشركين من تعرف الناس خارج مكة على دعوة الإسلام أثناء موسم الحج ، واجتماعهم لبحث السبل التي يحولون بها بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين الاحتكاك بأفواج الحجيج ، لكنه صلى الله عليه وسلم لم يعبأ بما فعلوا ، وانطلق متوكلا على ربه يطوف بين القبائل العربية التي نزلت في المشاعر المقدسة ـ لأداء مناسك الحج ـ ويتبع الناس في منازلهم بالأسواق (عُكَاظ ومَجَنَّة وذى المَجَاز) يدعوهم إلى الله ، ويقول لهم متوددا: "اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ".




ويمشي وراء الناس في الطرقات ، وينادي "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وأبو جهل أو أبو لهب يسير خلفه يسفّ عليه التّراب، ويقول: لا يغرّنّكم هذا عن دينكم، فإنّما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزّى (1)..



وذُكر أيضا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان ينادي بأعلى صوته : أيها الناس ! قولوا : لا إله إلا الله ، وأبولهب يتبعه يرميه بالحجارة حتى أدمى كعبيه وعرقوبيه ويقول : يا أيها الناس ! لا تطيعوه فإنه كذاب ! (2).



وليتخيل معي القارئ هذا المشهد الذي ترسمه هذا الكلمات ؛ ليعرف الجهد الذي بذله رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في جذب الناس إلى الفلاح والنجاح ، إلى رضوان الله سبحانه ، وكيف يكون حال البشرية لو اتبع الدعاة الآن هذا الأسلوب في دعوتهم ، وانطلقوا داعين إلى الله بتلك الحمية .



لذلك لم ينته موسم الحج حتى وصل أمر دعوته إلى مسامع كثير من العرب الذين تناقلوها إلى أنحاء الجزيرة العربية ، وانتشر ذكره كما يقول ابن إسحاق في بلاد العرب ‏، ولم تفلح جهود معانديه في الحيلولة دون ذلك ، بل جاءت مع بعض الأفراد بعكس ما أرادوا.



فهذا " الطفيل بن عمرو الدوسي " يذكر أنه لما قدم مكة مشى إليه رجال من مشركي قريش فقالوا: يا طفيل ! إنك قدمت بلادنا ، وهذا الرجل ( يقصدون رسول الله ) بين أظهرنا قد أعضل بنا ، وفرق جماعتنا ، وإن قوله كالسحر ، يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه ، وبينه وبين زوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ، فلا تكلمه ولا تسمع منه.



يقول الطفيل : فواللّه ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئا ، ولا أكلمه حتى حشوت أذني كُرْسفُاً ـ أي قطنا ـ فرقا ( خوفا ) أن يبلغني من قوله ، وأنا أريد أن لا أسمعه، فغدوت إلى المسجد الحرام ، فإذا رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه ، فأبى اللّه إلا أن يسمعني قوله، فسمعت كلاماً حسناً ، فقلت في نفسي : وا ثكل أمي ! واللّه إني لرجل شاعر لبيب ! ما يخفى عليّ الحسن من القبيح ، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ إن كان الذي يأتي حسنا قبلته ، وإن كان قبيحاً تركته.






ثم يقول : فمكثت حتى انصرف رسول اللّه ـ صلى اللّه عليه وسلم ـ إلى بيته ، فأتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قالوا لي كذا وكذا ، ثم إن اللّه أبى إلا أن أسمع قولك ، فسمعت قولاً حسناً ، فأعرض عليّ أمرك، فعرض عليّ الإسلام ، وتلا عليّ القرآن ، فواللّه ما سمعت قولاً قط أحسن منه ! ولا أمرا أعدل منه ! فأسلمت (3)



وإسلام مثل هذه الشخصيات قد غاظ الملأ من قريش ، وزاد من هذا الغضب أن القرآن بدأ يشتد في نقاشهم ، ويقدم الأدلة والبراهين على بطلان معتقداتهم ، وزيف آلهتهم .



فعادوا إلى أبي طالب مرة ثانية وقالوا له : يا أبا طالب إنَّ لك سِنّاً وشرفاً ومنزِلة فينا ، وإنّا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنّا، وإنّا والله لا نصبر على هذا حتى تكفّه عنا أو ننازله وإيّاك في ذلك ( نقاتلكم )حتى يهلِك أحد الفريقين.



فبعث إليه من يحضره ، فلما جاءه قال: يا ابن أخي! ..أبقِ عليَّ وعلى نفسك ، ولا تُحمِّلْني من الأمر ما لا أُطيق ، فظنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- أنه خاذِله ومُسلِمه، وأنه قد ضعُف عن نصرته والقيام معه ، فقال: "يا عم ! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك فيهِ ما تَرَكْتُهُ " ثم بكى صلّى الله عليه وسلَّم ليس خوفا ، وإنما حسرة على هؤلاء ، ثم قام منصرفا، فلما ولّى ناداه أبو طالب فقال: أقبِل يا ابن أخي فقل ما أحببت ، فوالله لا أُسلمك لشيء أبداً (4).




: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t1806.html#post12178
وذُكر أيضا : أنه - صلّى الله عليه وسلَّم- قال لهم وقد حلّق ببصره إلى السّماء : أما تَرَوْنَ هذه الشّمس ؟ قالوا: نعم، قال: مَا أَنا بأقْدَرَ على أن أدعَ ذلكَ مِنكُم على أَنْ تَسشْعِلوا مِنها شُعْلَةً، فقال أبو طالب: ما كذبنا ابن أخي قطّ فارجعوا.



فالنبي الذي يصطفيه الله ، ويكلفه بتيليغ دعوته ، ليس مخيرا في هذا الأمر ، فيقبله أو يدعه ، وإنما هو إلزام من الله تعالى ، وسيؤدي ما عليه رضي الناس أم أبوا ، سالموه أو عادوه ، ولا راد لقضاء الله ...



أما زعماء المشركين فقد انصرفوا ثم عادوا إلى أبي طالب مرة ثالثة بحيلة أخرى ، حيث أحضروا معهم فتى يسمى "عُمارَة بن الوليد بن المغيرة " فقالوا له: يا أبا طالب! قد جئناك بفتى قريش جمالاً ونسباً ، فخذه فلك نصره وعَقْله وميراثه، واتخذه ولداً فهو لك، وأسلِم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك، ودين آبائك .. فنقتله ، فإن ذلك أجمع للعشيرة وأفضل في عواقب الأمور مَغَبَّة ، وإنما هو رجل برجل ، ولم يجد أبو طالب ردا لهذا الطلب المضحك سوى قوله : والله ما أنصفتموني، أتعطونني ابنكم أغذوه ( أطعمه وأسقيه ) لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟! هذا والله لا يكون أبداً (5)



وأمام هذا التصميم من رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغ رسالة الله ، وإصرار إبي طالب على عدم التخلي عنه وعن نصرته لجأ ملأ قريش من المشركين إلى أساليب أشد حدة لمواجهة دعوة الإسلام ، ومنع انتشاره بين الناس ، وتمثلت تلك المواجهات في :



1ـ أسلوب السخرية والاستهزاء وإشاعة الأكاذيب عن رسول الله ، والافتراء عليه بما يجعل الناس تنفر منه ، وقد أكثروا من ذلك ، وتفننوا فيه بحيث لا يبقى لعامة الناس مجال للتدبر في دعوته والتفكير فيها ، فكانوا يقولون عن القرآن‏:‏ " أضغاث أحلام "‏ يراها محمد بالليل ويتلوها بالنهار، ويقولون‏ :‏ ‏"‏بَلِ افْتَرَاهُ‏"‏ من عند نفسه ويقولون‏:‏ ‏"‏إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ‏"‏ وقالوا‏:‏ ‏"‏إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ‏" أي اشترك هو وزملاؤه في اختلاقه‏.‏ ‏"‏ورد الله عليهم أن " أْتُوا بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ".



وهذا الأسلوب كان يحزن رسول صلى الله عليه وسلم ، إنه رجل يتعب ليلا ونهارا ، وأجهد نفسه من أجل هدايتهم إلى ما فيه سعادة الدنيا والآخرة يكون هذا جزاؤه منهم.



لكن الله طمأنه بأن هذا قد حصل مع الأنبياء السابقين ، فقال تعالى : "‏وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ‏‏ " (6). وقال تعالى : "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا" ثم كفاه الله مئونة الرد عليهم ، وقال له سبحانه وتعالى : "إنا كفيناك المستهزئين" (7).



2ـ أسلوب الإغراء بالمال : فقد جاء في كتب السيرة أن عتبة بن ربيعة لما رأى أصحاب النبي يزدادون كل يوم كثرة قال: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً ؛ لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ، ويكف عنا ؟ فقالوا: بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عُتبة حتى جلس إلى رسول اللّه ، فقال: يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من الشرف في العشيرة والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ..، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها ؛ لعلك تقبل منا بعضها ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: قل يا أبا الوليد أسمع.



قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً ، وإن كنت تريد به شرفاً سوّدناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ..، فلما فرغ عتبة من عروضه قال له صلى الله عليه وسلم : أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال : نعم ، قال : فاسمع مني. ثم قرأ عليه قول الله تعالى : "بِسْمِ اللّه الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ. حَم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أكْثَرُهُمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ " ثم مضى رسول اللّه فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، متعمداً عليهما يستمع منه ، ثم انتهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ، ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك .



ولما أكثر الجدال معه قال : يا أبا الوليد : ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني فيكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا ، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .



فقام عتية إلى أصحابه ، ولما رآه بعضهم من بعيد قالوا : نحلف والله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس قالوا: ما وراءك ؟ قال : ورائي أنّي سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشّعر ولا بالسّحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني، واجعلوها بي ، خلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكوننّ لقوله نبأ ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب ، فملكه ملككم ، وعزّه عزّكم ، وكنتم أسعد النّاس به ..



ولو كان في الناس بقية عقل لسلموا بما قاله عتبة ، ولكن العناد غلبهم فجعلوا يقولون: سحرك والله محمد بلسانه ، فقال لهم : هذا رأيي فيه ، فاصنعوا ما بدا لكم (8)



3ـ أسلوب التعجيز : بمعنى أنهم بدءوا يسألونه أشياء فوق قدرة البشر ، فقالوا له : يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلداً ، ولا أقل ماء ، ولا أشد عيشا منا ، فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ، وليبسط لنا بلادنا ، وليخرق لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ..



وليكن فيمن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب (وهو من أجداد رسول اللّه) فإنه كان شيخ صدق ، فنسألهم عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك ، وعرفنا منزلتك من اللّه، وأنه بعثك رسولا كما تقول.



فقال لهم : ما بهذا بعثت إليكم ، إنما جئتكم من اللّه بما بعثني به ، وقد بلغتكم ما أرسلت به ، فإن تقبلوا فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وأن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم.



قالوا : فإذا لم تفعل هذا لنا فسل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ، ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزاً من ذهب وفضة ، يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك ، إن كنت رسولا كما تزعم (9)



ولو كان هؤلاء يسألونه الآيات أو المعجزات لتطمئن بها قلوبهم ؛ لاستجاب لهم في ذلك ، ولكنهم قصدوا تعجيزه ، بدليل أن أحدهم قال : " فواللّه لا أؤمن بك أبداً حتى تتخذ في السماء سلماً ، ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها ، ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة ، يشهدون لك أنك كما تقول ، وايم اللّه لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك " وبالفعل فإن رسول الله لما رُقي إلى السماء ليلة الإسراء والمعراج ، وآتاهم بالبينات لم يزدادوا إلا نفورا .



فهذه سنة متبعة على مدار التاريخ ، يسأل المعاندون عن الآيات ، فإذا جاءت لا يؤمنون بها ، فقديما قال فرعون لموسى عله السلام " إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ " فكانت آيته أن" أَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ " فردوا عليه " إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ " (10)



لذلك كان جوابه صلى الله عليه وسلم " ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن اللّه بعثني بشيراً ونذيراً ، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرّ ، وإن تردوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم " (11)



4ـ أسلوب التعذيب والاضطهاد : وذلك أنهم لما فشلوا في أساليبهم السابقة اتفقوا فيما بينهم على أن يؤذوا ويعذبوا من تبعه بكل ما يستطيعون ؛ ليصرفوا الناس عنه ، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين ، فجعلوا يحبسونهم ، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش ، ويسحبونهم على الصخر إذا اشتد الحر ، يفتنونهم عن دينهم ، فمنهم من يُفتن من شدة البلاء الذي يصيبه ، ومنهم من يصلب ( يقوى ويشتد ) لهم ، ويعصمه الله منهم ‏‏.‏



وكان أبو جهل إذا سمع بالرجل قد أسلم ، له شرف ومنعة ، أنَّبه وأخزاه ‏‏، وقال ‏‏:‏‏ تركت دين أبيك وهو خير منك ، لنسفهن حلمك ، ولَنُفيِّلَنّ رأيك ، ولنضعن شرفك ؛ وإن كان تاجرا قال ‏‏:‏‏ والله لنُكسدنّ تجارتك ، ولنهلكن مالك ؛ وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ، وجروا عليهم ويلات تقشعر منها الجلود، وأخذوهم بنقمات تتفطر لسماعها القلوب.



يقول عبد الله بن عباس ‏ : إن كانوا ليضربون أحدهم ويجُيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به ، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ، حتى يقولوا له : آللات والعزى إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، حتى إن الجُعَل ليمر بهم ، فيقولون له : أهذا الجعل إلهك من دون الله ؟ فيقول : نعم ، افتداء منهم مما يبلغون من جهده (12)



ولم يقف أثرياء المسلمين مكتوفي الأيدي أمام هؤلاء ، والإسلام يأمر بالتكافل ، وإنما سعوا في شراء هؤلاء العبيد المعذبين وتحريرهم ، وعلى رأس هؤلاء أبو بكر الصديق الذي اشترى سبعة من ماله الخاص ، وأعتقهم لوجه الله تعالى (13).



ومن العجب أن هؤلاء المستضعفين المعذبين لم ينسوا القيم والفضائل التي رباهم عليها محمد صلى الله عليه ، وامتلأت قلوبهم بالعطف حتى على من يعذبهم ، فقد مر أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يوما بامرأتين منهما ، وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها ، وهي تقول ‏‏:‏‏ والله لا أعتقكما أبدا ، فقال لها :‏‏ حل يا أم فلان ؛ فقالت ‏‏:‏‏ حل ، أنت أفسدتهما فأعتقهما ؛ قال ‏‏:‏‏ فبكم هما ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ بكذا وكذا ؛ فقال لها‏‏:‏‏ قد أخذتهما وهما حرتان ، ثم دفع ما طلبته المرأة من ثمن ، والتفت إلى الجاريتين وقال لهما : أرجعا إليها طحينها ، فإذا بهما تطلبان منه وتستسمحانه أن يمهلهما حتى يطحنا لها طحينها ، فقال : " وذلك إن شئتما ‏‏" (14).



ولا يدري الإنسان من أيّ يعجب ، أمن سرعة أبي بكر رضي الله عنه في تحرير الجاريتين ؟؟ أمن رقة قلبيهما حيث آثرتا إلا تتركا للمرأة طحينها وقد خرجتا من تحت عبوديتها ؟ أم من جهل البشرية الآن ـ بمن فيهم بعض المسلمين ـ بتلك النماذج الملائكية التي رباها رسول الله صلى الله عليه وسلم.



هذا ولم يقتصر التعذيب على هؤلاء الموالي أو العبيد ، وإنما طال كثيرا من المسلمين إلا من كان له عشيرة تحميه ، فها هو عثمان بن عفان كان له عم يلفه في حصير من ورق النخيل ، ثم يدخنه من تحته ، ومصعب بن عمير لما علمت أمه بإسلامه منعته الطعام والشراب ، وأخرجته من بيته ، وكان من أنعم الناس عيشًا، فتَخَشَّفَ جلده تخشف الحية ، وصهيب بن سنان الرومي كان يُعذَّب حتى يفقد وعيه ولا يدرى ما يقول‏.‏



‏هذه نماذج معدودة لما كان يلقاه المسلمون من الظلم والخسف والجور على أيدي طغاة المشركين ، الذين كانوا يزعمون أنهم أهل الله وسكان حرمه ، كما يزعم طغاة اليوم أنهم دعاة سلام وحماة لحقوق الإنسان، وهؤلاء الناس وغيرهم ممن يعذب من المؤمنين المستضعفين في كل عصر ما رفعوا سلاحا في وجه أحد ، وما أساءوا إلى أحد بقول أو فعل ، وكل ما فعلوه أنهم قالوا : "ربنا الله"‏.‏



هذا ولم يقتصر ترهيبهم على من أسلم فقط ، بل كانوا يبطشون حتى بمن حاول أن يستفسر عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهذا رجل من خارج مكة يقول : "جئت إلى مكة فسألت أين هذا الرجل الذي تدعونه الصابئ ؟ ... فمال أهل الوادي عليّ بكل مدَرَةٍ وعظم، حتى خررت مغشياً عليّ ، فارتفعت حين ارتفعت كأني نُصُب أحمر" (15)



وحتى رسول الله رغم حماية وحراسة عائلته له لم يسلم من أذاهم واعتداءاتهم ، فقد قال صلى الله عليه :" لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأُخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة ، وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد؛ إلا ما يواري إبط بلال (16).



ورغم هذا البلاء استمر يدعو إلى الله تعالى ليلاً نهاراً، سراً وجهراً، لا يصرفه عن ذلك صارف، ولا يرده عن ذلك راد، ولا يصده عن ذلك صاد، يتبع الناس في أنديتهم ومجامعهم ومحافلهم، وفي المواسم ومواقف الحج، يدعو من لقيه من حر وعبد، وضعيف وقوي، وغني وفقير، جميع الخلق في ذلك عنده سواء ، ويوصي من يشكو إليه إيذاء المشركين له بالصبر.



يقول أحد أصحابه أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة( ملتف بعبايته) وهو في ظل الكعبة ، وقد لقينا من المشركين شدة ، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر وجهه ، فقال : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين ، ما يصرفه ذلك عن دينه ، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون" (17).



وإلى اللقاء مع حلقة أخرى إن شاء الله



المصدر : موقع التاريخ



الهوامش :



(1) تاريخ الطبري : ج 1 ص 556



(2) السيرة لابن حبان : ج 1 صـ 69



(3) ابن كثير : البداية ج3 صـ 99



(4) ابن سيد الناس : عيون الأثر ج1 وابن كثير : السيرة النبوية ج1 ص 474



(6) ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 128



(7) سورة "الأنعام " : الآية 10



(8) ابن إسحاق : السيرة النبوية صـ 187



(9) ابن كثير : السيرة النبوية ج1 صـ 477 وما بعدها



(10) سورة "الأعراف " : الآيات 106 : 108



(11) ابن كثير : السيرة ج1 صـ 477



(12) ابن هشام : السيرة النبوية ج2 صـ 162



(13) المصدر السابق : ج2 صـ 160 وما بعدها



(14) المصدر السابق : ج2 صـ 160 وما بعدها



(15) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص140



(16) سنن الترمذي رقم 2472



(17)ابن كثير: البداية والنهاية

المد الإسلامي عبر التاريخ ( 3)

بينا في الحلقة الثانية من المد الإسلامي عبر التاريخ بعض الأساليب التي لجأ إليها زعماء المشركين بمكة لإيقاف هذا المد ، وانتهى بنا الحديث عند وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالصبر لما شكوا إليه ما يلقونه من إيذاء على يد المشركين ، حيث قال مقولته المشهورة : " لقد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ، ما دون عظامه من لحم أو عصب ؛ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه ، فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليُتمّنّ الله هذا الأمر ؛ حتى يسير الراكب من (صنعاء) إلى (حضر موت) ما يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون"(1)..




ولكن الناس طبائعها تختلف أمام تحمل البلاء ، فمنهم يصبر عليه إلى درجة أنه لا يراه شيئا بجانب رضا الله عنه ، ومنهم من تخور قواه فلا يستطيع التحمل والتجلد ، لذلك لما رأى صلى الله عليه وسلم أن بعض المسلمين بدأ يفتن تحت ضغط التعذيب لم يشأ أن يحملهم فوق ما يطيقون ، أو أن يتركهم يدخلون في صراع لا تحمد عواقبه مع المشركين الذين يستفزونهم كل حين ، وأذن لهم بالهجرة إلى الحبشة حيث كان يعلم ( ربما من خلال رحلاته التجارية) أن بها ملكا عادلا لا يظلم عنده أحد ، وقال لهم : " لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتى يجعل الله لكم فرجا ومخرجاً مما أنتم فيه"(2) ..



غير أنه صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم بذلك ، وإنما ترك لهم حرية الاختيار بين البقاء والصبر على الأذى بمكة أو الخروج إلى الحبشة .



فخرج إليها سرا قرابة مائة مسلم ومسلمة ، تاركين وراءهم المال والأهل والوطن إلى بيئة تختلف عن بيئتهم في كل شيء حتى في اللغة ؛ كي يستطيعوا أن يحافظوا على إيمانهم بالله تعالى.



ولم يرض الطغاة من قريش عن هذا الفعل ، فهم يصرون على ألا يعبد الله في الأرض ، ولو كان خارج ديارهم ، وعز عليهم أن يجد المؤمنون بالله مأمنا لأنفسهم ودينهم، فاختاروا رجلين منهما ، وأرسلوهما بهدايا مستطرفة لملك الحبشة ولبطارقته ليرشوهم بها ، وطلبوا منه أن يطرد المسلمين من بلاده ، ويعيدهم إلى مكة ، وقالا له : أيها الملك، إنه قد ضَوَى إلى بلدك غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك ، وجاءوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ؛ لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم ، وعاتبوهم فيه (3).



وهي عبارات تحمل نفس معنى الألفاظ التي يرددها المردة المنسلخون من الإسلام الذين يحاولون أن يوقفوا الصحوة الإسلامية الآن ، ويحرضون على أبنائها القاصي والداني ؛ حتى تظل الشعوب المسلمة تائهة ؛ فيعيثون فيها فسادا ، ويهيمنون على خيراتها دون سائر الناس .



لكن ملك الحبشة كان ـ كما حسبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عادلا منصفا ، ولم يشأ أن يستجيب لهم قبل أن يقابل المسلمين ، ويتعرف على حقيقتهم ، ومدى صدق رسل قريش فيما ادعوه ، فأرسل إليهم من يحضرهم بين يديه ، فجاءوه وقد أجمعوا على الصدق معه كائنًا ما كان‏ ،‏ فقال لهم مستفسرا ‏:‏ ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل ‏؟‏.



فقال أحدهم وهو" جعفر بن أبي طالب" ابن عم رسول الله : أيها الملك كنا قومًا أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار، ويأكل منا القوي الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله وحده ، لا نشرك به شيئًا.



وعدد عليه أمور الإسلام ثم قال له: فصدقناه وآمنا به ، واتبعناه على ما جاءنا به من دين الله ، فعبدنا الله وحده ، فلم نشرك به شيئًا ، وحرمنا ما حرم علينا ، وأحللنا ما أحل لنا ، فعدا علينا قومنا ، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى ، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث ، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا ، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك ، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك‏(4).‏



فقال له ملك الحبشة‏ :‏ هل معك مما جاء به ( رسول الله ) عن الله من شيء ‏؟‏ فقال له جعفر‏:‏ نعم‏.‏ فقال له النجاشي‏:‏ فاقرأه عليّ ، فقرأ عليه مقدمة سورة "مريم " وهي "‏ كهيعص ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ..... ".



فبكى النجاشي ( ملك الحبشة) حتى ابتلت لحيته من كثرة بكائه ، وكذلك أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال ( أي النجاشي ):‏ إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مصدر واحد ـ أي كلاهما من عند الله ـ ثم قال لرسولي قريش : انطلقا، فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون ( من الكيد ).



فخرجا من عنده وهما عازمان على أن يحتالا عليه بحيلة أخرى ـ كحال بطانة السوء مع كل حاكم عاقل ـ لعلها توقع بينه وبينهم ، فأتياه من الغد فقالا : أيها الملك ، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما ، وهي العبارة التي يرددها الآن من يعملون على بث كراهية المسلمين في قلوب العوام من النصارى ، ثم قالا له ليزداد غضبا : أرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه ، فأرسل إليهم ليسألهم عنه ، فأجابه جعفر بن أبي طالب : نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم: " هو عبد الله ورسوله وروحه ، وكلمته ألقاها إلى مريم العذارء البتول " .



وكان النجاشي من المؤمنين بذلك من قبل ، فصدق قوله ، ورد رسل قريش بهديتهم التي جاءوا ليرشوه بها ، ثم أوصى أهل مملكته بالإحسان إلي ضيوفه المسلمين ، وعدم التعرض لهم بسوء ، فاستجابوا له ، ونفذوا وصيته خير تنفيذ ، حتى قال أحد هؤلاء المهاجرين : " فجاورنا خير جوار ، أمنا على ديننا وعبدنا اللّه ، لا نؤذى ، ولا نسمع شيئا نكرهه.



ولم يضيع الله عليه جميل هذا الصُنع ، إذ لم يمض على تلك الحادثة غير قليل حتى خرج عليه بعض البغاة يريدون خلعه من المُلك فنصره الله عليهم .



وعاد الرسولان إلى مكة خائبين بعد رفض النجاشي الاستجابة لطلبهما " فاستشاط المشركون غضبًا، وكادوا يتميزون غيظًا، واشتدت ضراوتهم على من بقي من المسلمين بمكة وعلى رسول الله ، فقد حرضوا عتيبة بن أبي لهب يومًا فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتسلط عليه بالأذى ، وشق قميصه.



كما جاء إليه نفر منهم وهو قائم يصلي عند الكعبة ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، وأحاطوا به ، وأخذوا بمجمع ردائه ، فقام أبو بكر دونه ، وهو يبكي ويقول‏:‏ أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله‏ ؟‏ فلُهوا عنه ، وأقبلوا على أبي بكر يضربونه حتى كاد أن يهلك .



فسمع بنو تيم قومه بذلك فأسرعوا إلى المسجد ، فأجلوهم عن أبي بكر وقالوا لهم : والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عُتبة بن ربيعة ( أعظم الحاضرين) ثم حملوه في ثوب ، وهم لا يشكّون في موته، حتى أدخلوه منزله ، وجعلوا يكلمونه حتى أجاب فتكلّم آخر النهار ، فكان أول ما قاله : ما فعل رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم ؟ فعاتبوه على ذلك.



وهذا الاعتداء وذلكم التعذيب قد جعلا قلوب بعض العقلاء ترقُّ للإسلام ، فقد رجع حمزة بن عبد المطلب ـ رضي الله عنه ـ يوما من رحلة صيد ، فقابلته جارية عند الكعبة ، وقالت له : لو رأيت أبا الحكم وهو يسب ابن أخيك وهو ساكت لا يكلمه ، فأخذته الحمية ومشي إلى أبي جهل فضربه في رأسه فَشَجَّهُ ، وقال له : تشتم ابن أخي وأنا على دينه ‏؟‏ .



ثم ذهب إلى رسول الله فأعلن إسلامه، ‏ولم يمض غير قليل حتى أسلم عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ بعد حادث اعتداء منه على أخته المسلمة وزوجها جعل قلبه يرق لما هم عليه ..



وكانت هذه انفراجة يسيرة في حياة المسلمين ؛ وذلك لأن هذين الرجلين كان قد شاع صيتهما في القوة والشجاعة والبأس ، مما جعل كثيرا من السفهاء بمكة يهابونهما فيرتدعون عن التعرض للمسلمين .



ورغم ذلك لم ييئس زعماء الكفر من البحث عن وسائل أخرى لمحاربة المسلمين والتضييق عليهم ، فبعد فشل أسلوب الاضطهاد والتعذيب في إيقاف المد الإسلامي ، وفرار كثير من المضطهدين إلى الحبشة ، وإسلام حمزة وعمر الذين زادا المسلمين منعة ، لجئوا إلى أسلوب آخر لعله يكون أشد تأثيرا ، وهو أسلوب التجويع أو الحصار الاقتصادي ، فهو أفتق واشد ..



فقد اجتمع سادة المشركين بمكة ، واتفقوا على أن يكتبوا كتاباً يتعاقدون فيه على معاقبة المسلمين والمناصرين له من بني هاشم وبني المطلب ، بأسلوب أشد تأثيرا ، وهو ألا يبايعوهم ، ولا يخالطوهم ، ولا يزوجوهم ، أو يتزوجوا منهم ، ولا يجالسوهم ، ولا يدخلوا بيوتهم ، ولا يقبلوا منهم صلحاً أبداً ، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول اللّه للقتل ..



يعنى أنهم اتفقوا وتعهدوا على مقاطعتهم مقاطعة تامة ؛ انتقاماً منهم لإسلامهم ودفاعهم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكتبوا بذلك صحيفة توكيداً لأنفسهم ، وعلقوها في جوف الكعب في أول المحرم سنة سبع من النبوة ، واضطروهم إلى الانتقال والمعيشة في شعب يسمى "شعب أبي طالب"(5)..



وصاروا لا يتركون طعامًا يدخل مكة ، ولا بيعًا إلا بادروه فاشتروه، وكان أبو لهب يحض التجار ، ويقول لهم : يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا معكم شيئا ، فقد علمتم مالي ووفاء ذمتي ، وأنا ضامن ألاّ خسارة عليكم ، فيزيدون عليهم في قيمتها أضعافا ، وصار الرجل من المسلمين يخرج إلى السوق ، ويرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يديه شيء يتقوون به ، ويغدو التجار على أبي لهب فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس حتى بلغ بالمسلمين ومن حالفهم الجهد، واضطروا إلى أكل الأوراق والجلود (6).



وكان لا يصل إليهم شيء من طعام إلا سرًا ، ولا يخرجون من الشعب لشراء الحوائج إلا في الأشهر الحرم ، حتى صار يُسمع من وراء الشعب أصوات نسائهم وصبيانهم يصرخون من الجوع ..



وقد صور سعد بن أبي وقاص مدى ما كان يعانيه من جوع بقوله : خرجت ذات ليلة لأبولَ فسمعت قعقعة تحت البول فإذا قطعة من جلد ، فأخذتها وغسلتها ثم أحرقتها ثم رضضتها وسففتها بالماء ، فتقويت بها ثلاثا ، ‏وللقارئ أن يتأمل إلى أي حد وصل الأمر به حتى يأكل مثل ذلك .



وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد بذل ما في وسعه لتخفيف حدة هذا الحصار ، إذ أنفق وزوجته خديجة رضي الله عنها مالهما كله على المحاصرين ، وكذلك أبو طالب حتى صاروا إلى حد الضر والفاقة ...



ولبث المسلمون وبنوهاشم في هذا الشعب ثلاث سنين حتى اشتد عليهم البلاء والجهد.



ورغم ذلك لم يخرجوا عن الأخلاق التي رباهم عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ضجر أحدهم بالإسلام وما ناله من الشدة بسبب اتباعه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما اُضطر أحدهم لأن يسلك في سبيل الحصول على لقمته سلوكا مشينا ، وما خان أحدهم نبيّه بالميل إلى المشركين وممالأتهم طمعا في الحصول على طعامه.



ومن العجب أن أبا طالب رغم أنه لم يكن على دين رسول الله إلا أن شدة الحصار لم تزده إلا حرصا على حمايته والدفاع عنه ، فكان إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضطجع على فراشه ؛ ليرى ذلك من أراد به مكرا أو اغتيالا ، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه...



وشاء الله أن يتحرك أصحاب القلوب الرحيمة من عامة قريش وبعض سادتها ممن تأثروا بما أصاب المحاصرين ، وأظهروا كراهيتهم لهذه الصحيفة الظالمة ، ومن هؤلاء "هشام بن عمرو بن الحارث" الذي كان يأتي بالبعير ليلا وقد حمله طعاما ، حتى إذا بلغ فم الشعب المحاصرين فيه خلع خطامه من رأسه ، ثم ضرب على جبينه فأدخله الشعب عليهم ، ثم يأتي به مرة أخرى ، وقد حمله بُرا ( نوع من القمح ) فيفعل به مثل ذلك.



وظل يستحث رفاقه حتى اجتمع نفر منهم ، ولام بعضهم بعضا على ما يحدث لهؤلاء دون أن يقترفوا أثما أو خطيئة ، واتفقوا فيما بينهم على السعي في نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه ، ورءوا أن اختلافهم مع المسلمين ليس مبررا للقسوة عليهم إلى هذا الحد ، وكان مما قاله لأحد أقاربه : أرضيت أن تأكل الطعام ، وتلبس الثياب وتلهو ، وأخوالك حيث علمت لا يأكلون ولا يلبسون لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟... ، أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام (أبي جهل) ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا(7)..



وتعاطف هؤلاء ومن قبلهم ملك الحبشة دليل على أن غير المسلمين ليسوا كلهم مجتمعين على معاداة الإسلام وإيقاف مده ، وأن من بينهم من يمتلأ قلبه بالسماحة والرأفة ، ومن بينهم من هو على استعداد للمساهمة بماله ووقته وفكره ورأيه لنصرة قضيتهم ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ينظر لمثل هؤلاء نظرة احترام وتقدير كما سنرى بعد قليل ، حيث قال عن " المطعم بن عدي " بعد غزوة بدر : لو كان حيا لتركت له هؤلاء الأسرى ؛ إكراما له.



وبدأ هؤلاء النفر الذين سعوا في فك الحصار عن المسلمين في كسب الرأي العام لمساعدتهم في نقض صحيفة الغدر ، فأقبل أحدهم على الناس وقال : يا أهل مكة أنأكل الطعام ، ونلبس الثياب ، وبنو هاشم هلكى ، لا يبتاعون ولا يبتاع منهم ، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة ، فقال أبو جهل "رأس الكفر" : والله لا تشق ، فرد عليه آخر بقوله : أنت والله أكذب ، ما رضينا كتابتها حين كتبت ، فقال ثالث: صدق لا نرضى ما كتب فيها ، ولا نقر به ، فقال رابع : صدقتما وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها ، وقال خامس : مثل ذلك .



ولم يجد أبو جهل ومن على غدره غير التسليم لهم ، ونجحوا في فك الحصار عن المؤمنين الذي دام ثلاث سنين(8).



والآن المسلمون من الممكن أن يستفيدوا من وقفة أصحاب القلوب الرحيمة من غير المسلمين في نصرة قضاياههم في المحافل الدولية ، وتخفيف وطأة الحصار على من يقع عليهم في فلسطين وغيرها ، وما أكثر هؤلاء !.



وأحس زعماء الشرك بالهزيمة أمام رسول الله بعد نجاح أصحاب القلوب الرحيمة في فض الحصار ، وبدءوا يتنازلون عن فكرة قتله ، وسعوا في مفاوضته على أن يتركوه وشأنه ، ويتركهم وما يعبدون ، لا يتعرض لآلهتهم المزعومة ، فذهبوا إلى أبي طالب وقالوا‏ :‏ يا أبا طالب ، إنك منا حيث قد علمت ، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك ، فادعه فخذ له منا ، وخذ لنا منه ؛ ليكف عنا ، ونكف عنه ، وليدعـنا وديننا ، وندعه ودينه .



وما كان أرضى رسول الله بذلك لو صدقوا ، وقد أنزل الله ســورة " الكافرون " لتؤكد لهم هذا الميثاق الذي طلبوه ، ألا يكرههم على الإسلام ، ولا يكرهونه على عبادة أصنامهم ، فقال سبحانه وتعالى : " قل يا أيها الكافرون ، لا أعبد ما تعبدون ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، ولا أنا عابد ما عبدتم ، ولا أنتم عابدون ما أعبد ، لكم دينكم ولي دين " .



لكنهم سرعان ما نكثوا عهودهم ، إذ لم يمض غير وقت قصير حتى مات أبو طالب ، وسبق ذلك بقليل أو لحقه وفات خديجة ـ رضي الله عنها ـ فانتهزوا تلك الفرصة وعاد سادتهم إلى ما كانوا عليه من عداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وتعرضوا له بالإيذاء في كل طريق ، وأصابه من الأذى ما لم يصبه من قبل ، ونسي هؤلاء ما قالوه لأبي طالب " ليكف عنا ونكف عنه" وتنكروا لما جاء في ميثاق الله تعالى " لكم دينكم ولي دين ".



وحال هؤلاء المشركون تماما بينه وبين الالتقاء بالناس ليعرفهم بالإسلام ، فاجتمعت عليه صلى الله عليه وسلم الأحزان ، حزن على عمه الذي كان يحوطه ويرعاه وينصره ، وضاعف من هذا الحزن أنه مات على شركه ، وكان يتمنى له ـ وهو أحب الناس إلى قلبه ـ الهداية ، وحزن على زوجته خديجة ، والتي صحبته فكانت نعم الزوجة ، أذهبت عنه همه ، وخففت عنه حزنه ، ووضعت مالها وتجارتها في خدمة دعوته ، وأعانته على ما كلف به من ربه ، وحزن على قومه الذين لم تزدهم دعوته لهم إلا إعراضا ، يدعوهم إلى الجنة ، ويتفلتون منه إلى النار...



مع الحلقة الرابعة إن شاء الله



الهوامش



([1]) ابن كثير : البداية ج1 ص 59.

(2) ابن هشام : السيرة النبوية ج2 : صـ 66.

(3) السابق : جـ 2 صـ 69 .

(4) انظر القصة كاملة في سيرة ابن كثير الجزء الثاني .

(5) ابن هشام : السيرة النبوية جـ 2 صـ 195 وما بعدها .

(6) الروض الأنف ج1 ص 179.

(7) ابن هشام : السيرة ج2 ص 199 وما بعدها .

(8) تاريخ الطبري ج1 صـ 553.

المد الإسلامي عبر التاريخ (4)

تحدثنا في اللقاء السابق عن العوائق التي وضعها مشركو مكة أمام المد الإسلامي ، وكيف أنهم أردوا أن يدخلوا في مفاوضات مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنهم سرعان ما تملصوا منها لما مات أبو طالب ؛ ووقفوا لرسول الله في كل طريق ، وتسلطوا عليه بالإيذاء هو وأصحابه الكرام .

ولكنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وجدهم وقفوا له في طريق التمس آخر , وإذا سدوا عليه منفذا جد في البحث عن غيره ، ينشر عن طريقه دعوته ، لذا خرج بعد وفاة أبي طالب إلى قبيلة تسمى " ثقيف " بالطائف ، وهي بلدة تبعد عن مكة نحو ستين ميلا ، قطعها ماشيًا على قدميه ، جيئة وذهابًا، ومعه مولاه زيد بن حارثة ؛ لعله يجد هناك من يستجيب لأمره ، وأقام بها عشرة أيام ، لا يدع أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه .

لكنه وجدهم أكثر إعراضا وكفرا من أهل مكة ، وقالوا ‏:‏ اخرج من بلادنا‏ ، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ، ويصيحون به حتى اجتمع الناس عليه ، وقعدوا له صفين على طريقه ، وصاروا يقذفونه بالحجارة ، وجعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة ، حتى سال الدم من قدميه ، وشُجت رأس مولاه زيد بن حارثة (1) .

فعلوا ذلك به لأنه قال لهم : اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ، ولأنه أراد لهم أن يخرجوا من الظلمات إلى النور ، من غضب الله وعقابه إلى رضوان الله وجنته .

وهذا الموقف لو عاشه أحد غير رسول الله لغلبه اليأس ، ولما فكر في أن يعود إلى دعوة الناس مرة أخرى ؛ لكنه صلى الله عليه وسلم ما ضجر ، ولم يزد على أن رفع يديه إلى السماء ، وردد هذه الكلمات " اللّهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني ؟ إلى بعيد يتجهمني ! أو إلى عدوّ ملّكته أمري ! إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك ، أو تحل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك"(2) .

كلمات تدل على كمال تجرده لله ، تجرد جعل نفسه تسلم بكل ما قضاه الله ، وإخلاص جعل نفسه تتحمل كل عسير في سبيل رضا الله وعدم غضبه ، وثقة في موعود الله سبحانه وتعالى بأنه سيجعل له بعد العسر يسرا ، طمأن بها مولاه قائلا : إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا ، وإن الله ناصر دينه ، مظهر نبيه .

وعاد إلى مكة بعد هذه الرحلة المضنية ، وكانت الأخبار قد سبقته إليها بما لاقاه على يد أهل الطائف من إهانة ، فازدادوا في تعنتهم ، وعزموا على عدم إدخاله إليهم ، لولا أنه استجار برجل من كبار قريش ، ممن سعوا في رفع الحصار من قبل وهو "المطعم بن عدي" مما جعل أبا جهل يسخر منه قائلا : هذا نبيكم يا بني عبد مناف .

وكانت تلك الفترة أشد الفترات حرجا في تاريخ الإسلام ، إذ انكمش مده ، واستتر المؤمنون بإيمانهم بعد أن اشتدت وطأة المشركين عليهم لدرجة أن أبا بكر الذي كان لا يصبر على فراق رسول الله استأذنه في الخروج إلى الحبشة ؛ ليستريح من عنتهم فأذن له ، وهمّ بالخروج لولا أن رجلا من أصحاب الزعامة في قومه ويسمى "ابن الدغنة" عز عليه أن يخرج من مكة رجل مثل أبي بكر ، يستفيد من خيراته الصغير والكبير ، فقال له وهو في طريقه : إلى أين يا أبا بكر ؟ قال : أخرجني قومي ، فأريد أن أسيح في الأرض ، وأعبد ربي ، فقال ابن الدغنة : فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج ، إنك تكسب المعدوم ، وتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فأنا لك جار ، ارجع واعبد ربك ببلدك (3).

وشاء الله أن يُري رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة هؤلاء المعاندين ، وغيرهم من سائر المشركين الذين وقفوا في وجه المد الإسلامي ، وحجم الأرض التي يتفاخرون بقوتهم عليها بالنسبة للكون الذي بسطه الله سبحانه وتعالى ، فأرسل جبريل "الملاك" واصطحبه إلى بيت المقدس ، حيث كان يعيش كثير من الأنبياء الذين سبقوه ؛ ليذكره بحالهم وحال الأمم التي سبقتهم في مخالفة أوامر الله سبحانه وتعالى ، ثم عرج به إلى السماء ، إلى حيث لم يبلغ أحد من البشر ؛ لينظر من هناك إلى ملك الله الواسع الفسيح ، وينظر إلى الأرض ، ويعلم أين هي وسط مليارات النجوم التي تسبح في الفضاء ، وكم تساوي هي ومن عليها بالنسبة لكون الله الواسع ، وحجم الذين يصدونه عن دين الله ، ويتحدون بكل ما أوتوا من قوة .

ثم عاد به الملاك بعد أن رأى من آيات ربه الكبرى ما ازداد به يقينا على يقينه ، وقد فرض الله عليه وعلى المسلمين في هذه الرحلة الصلوات الخمس ، وكأن الله تعالى يقول له : بعد أن وقفت أمامي ورأيت عظمتي وعظمة ملكي ؛ فصغرت في عينك الأرض ومن عليها ، ها هي الصلوات الخمس تقف فيها أنت والمسلمون أمامي خمس مرات كل يوم ، تكبرون الله فيها ، فتزدادوا يقينا وثقة وعزا ، ويصغر في عينكم كل متكبر يظن في نفسه القوة والعظمة .

فأقبل رسول الله بعد عوده من تلك الرحلة على دعوته ورسالته يواصل تبليغها إلى كل من يلقى ، وقد زال عنه كل هم ، وكان موسم الحج الذي يجمع العرب بمكة قد أقبل ، فصار لا يسمع بقبيلة إلا وذهب ليدعوها ، ويعرض عليها ما أرسله الله به ، ويقول : يا بني فلان ! إني رسول الله إليكم ، آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد ، وأن تؤمنوا بي ، وتصدقوا بي ، وتمنعوني حتى أبين عن الله ما بعثني به .

ويقول : لا أُكره أحدا منكم على شيء ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه فذلك له، ومن كره لم أُكرهه .

ولكن مع شدة حرصه على جذب الناس إليه لم يشأ أن يسلك غير سبيل الدعوة إلى الإيمان المجرد من كل مصلحة دنيوية ، ولم يجعل لمن وافق على اتباعه سوى الوعد بجنة الله سبحانه ، فقد أتى على قوم يسمون " بني عامر" فقال له سيدهم : أرأيت إن نحن تابعناك في أمرك هذا ثم أظهرك الله على من يخالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : الأمر لله يضعه حيث يشاء ، فقال له : أفنعرض نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا ، لا حاجة لنا بأمرك(4) ...

لم يقبل رسول الله من هؤلاء الإسلام المشروط بمكاسب الدنيا ؛ لأن الله يريد من المسلم أن تكون عبادته له خالصة من كل شائبة ، ولا ينتظر على إسلامه أجرا .

وأتى على قوم من أهل اليمن ممن جاوروا الفرس ، فقالوا : له إلام تدعو؟ فقال صلى الله عليه وسلم أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأني رسول الله ، وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به ، فان قريشا قد تظاهرت على أمر الله ، وكذبت رسوله ، واستغنت بالباطل عن الحق ، والله هو الغني الحميد ، فقال له أحدهم : وإلا مَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟.



فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه قوله تعالى :" قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا " (5) إلى قوله : "ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون " فقال له : وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش ؟ فوالله ما هذا من كلام أهل الأرض ، ولو كان من كلامهم لعرفناه ، فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون"(6) فقال له : دعوت والله يا أخا قريش إلى مكارم الأخلاق ، ومحاسن الأعمال ، ولقد أفك( قالوا بهتانا ) قوم كذبوك وظاهروا عليك(7) .

وأشار إلى رجل آخر منهم يسمى " هانئ بن قبيصة "وقال : وهذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا ، فرد عليه هانئ هذا قائلا : قد سمعت مقالتك يا أخا قريش ، وصدقت قولك ، وإني أرى إن تركنا ديننا واتبعناك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر ، ولم نتفكر في أمرك وننظر في عاقبة ما تدعو إليه فإن هذا زلة في الرأي ، وطيشة في العقل ، وقلة نظر في العاقبة ، وإنما تكون الزلة مع العجلة ، وإن من ورائنا قوما نكره أن نعقد عليهم عقدا ، ولكن ترجع ونرجع وتنظر وننظر.

والتفت إلى رجل ثالث أحب أن يشركه في الكلام يسمى "المثنى بن حارثة " فقال : وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا ، فقال المثنى : قد سمعت مقالتك ، واستحسنت قولك يا أخا قريش ، وأعجبني ما تكلمت به ، والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة ، وإنا إنما نزلنا بين صريين ، أحدهما اليمامة ، والآخر السماوة .

فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما هذان الصريان ؟ فقال له أما أحدهما : فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فارض فارس وأنهار كسرى ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى ، أن لا نحدث حدثا ، ولا نؤوى محدثا ، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك ، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور ، وعذره مقبول ، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور ، وعذره غير مقبول ، فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي العرب فعلنا .

ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ذكرنا من قبل يهمه جذب الناس إليه فقط ، وبأي وسيلة كما يحدث من كثيرين من أصحاب الأفكار والمذاهب والأحزاب، وإنما غايته إرشاد الناس إلى الله وتعاليمه ؛ ليكونوا بعد ذلك متبعين لأمره سبحانه وتعالى ؛ لذا عذر صلى الله عليه وسلم هؤلاء فيما قالوا ، كان رده عليهم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق إنه ، لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه .

غير أنه بث في قلوبهم التفاؤل ، وبشرهم بمستقبل المد الإسلامي ، وبموعود الله الذي ينتظره وينتظر من آمن معه ، فقال لهم صلى الله عليه وسلم : أرأيتم إن لم تلبثوا إلا يسيرا حتى يمنحكم الله بلادهم وأموالهم ، أتسبحون الله وتقدسونه ؟ فقال له أحدهم وكأنه ذهل لما سمع هذا الكلام : اللهم !! وإن ذلك لك يا أخا قريش ؟! (8).

ويبدو أن سطوة كسرى وبطشه كانت تماثل سطوة بوش الأمريكي الآن ، الذي يرهب الناس عن مخالفة أمره ، ولو كان خطأ ، ولذا كان ذهول الرجل ، ولكن الواقع أجاب بصدق رسول الله ، فما هي إلا سنوات حتى كان المثنى بن حارثة أحد المتكلمين الثلاثة يتوغل بقومه هؤلاء في أرض فارس كما سنرى فيما بعد ، فاتحا منها ما شاء الله أن يفتح في خلافة أبي بكر الصديق ، وصدقت فيهم نبوءة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أدهشتهم .

وواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه على القبائل ، وبينما هو يسير عند مكان يسمى "العقبة " بمنى (مكان تجمع الحجاج بمكة) لقي رهطا من أهل يثرب فقال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج ، قال أفلا تجلسون أكلمكم ؟ قالوا: بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، فأجابوه فيما دعاهم إليه ، وصدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا له : إنا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم (9) .

وكان إسلامهم بداية للتوسع الحقيقي للمد الإسلامي خارج مكة ؛ لأن هؤلاء المسلمين الجدد ما إن رجعوا إلى قومهم بيثرب حتى وفوا لرسول الله بما قالوا ، إذ انطلقوا داعين إلى الإسلام فأسلم كثير من أهلهم ، حتى إذا كان العام المقبل وافى موسم الحج منهم اثنا عشر رجلاً ، فلقوه عند العقبة التي لقوه فيها العام الماضي ، فبايعوه على ألا يشركوا بالله شيئاً ، ولا يسرقوا ، ولا يزنوا ، ولا يقتلوا أولادهم ، ولا يأتوا ببهتان يفترونه بين أيديهم وأرجلهم ، ولا يعصونه في معروف .

ثم قال لهم - صلّى الله عليه وسلَّم -:" فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئاً فأخذتم بحدّه في الدنيا (أي عوقبتم عليه) فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله تعالى ، إنْ شاء عذب ، وإن شاء غفر" وقد سمي هؤلاء ومن تبعهم فيما بعد من قومهم باسم الأنصار ؛ لأنهم نصروا رسول الله (10).

وبعد أن تمت مبايعتهم بعث صلى اللّه عليه وسلم معهم رجلا من أصحابه يسمى " مصعب بن عمير" يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام ، ويقيم لهم الصلاة ، ويساعدهم في دعوة باقي قومهم ، ويهيء له الوضع بيثرب قبل أن ينتقل إليها ـ كما وعده هؤلاء ـ وأوصاه بالصبر والإخلاص والوضوح والحكمة وحبّ الخير .

فقام مصعب بما كلفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصار يلتقي بهم في إحدى الحدائق ؛ ليفقههم في أمور الإسلام ، وبينما هو جالس معهم ذات يوم إذ رآه اثنان من سادتهم ممن لم يسلموا بعد ، فتوجه إليه أحدهم ويسمى"أسيد بن حضير" شاتما ومهددا ، وقال : ما جاء بك إلينا تسفه ضعفاءنا ، اعتزلنا إن كانت لك بنفسك حاجة !.

ولم يكن قوله هذا إلا بناء على أفكار مسبقة استقرت في ذهنه دون أن يعرف حقيقة الإسلام ، وقد قدر ذلك مصعب رضي الله عنه ؛ لذا لم يعاتبه على قوله ، أو يبادله الرد القاسي ، وإنما قال له : أو تجلس فتسمع فان رضيت أمرا قبلته ، وإن كرهته كُف عنك ما تكره ؟؟ والرجل وأي رجل مهما كان عناده أحسب أنه لن يجد أمامه غير التسليم لمصعب بما قال ، بل والحرج على ما بدر منه .

وهذا ما حصل بالفعل ، إذ قال له في حياء : أنصفت ، وجلس إليه فكلمه مصعب بالإسلام ، وقرأ عليه ما تيسر من القرآن ، فقال : ما أحسن هذا وأجمله ! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين ؟ قال له : تغتسل فتطهر ، وتطهر ثوبيك ، ثم تشهد شهادة الحق ، ثم تصلي ، فقام فاغتسل وطهر ثوبيه ، وتشهد شهادة الحق ، ثم قام فركع ركعتين ، ثم قال له : إن ورائي رجلا إن اتبعك لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليك الآن .

وأتى إليه الثاني ويسمى " سعد بن معاذ " فقال له : ما قاله للأول فأسلم في الحال ، وعاد إلى عشيرته ، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم ؟ قالوا : سيدنا وأفضلنا رأيا ، وأيمننا نقيبة ، قال : فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله ، يقول الراوي : فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل ( قومه) رجل ولا امرأة إلا مسلما أو مسلمة.

ثم ذهب سعد بن معاذ ومصعب رضي الله عنهما إلى منزل أحد الذين أسلموا بمكة من قبل وهو " أسعد بن زرارة " فأقاما عنده يدعوان الناس إلى الإسلام ، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ثلاثة أو أربعة دور (11. ..

وإلى اللقاء مع الحلقة الخامسة

ــــــــــــــــــــــــ

([1]) ابن كثير : البداية ج3 ص 136

(2) ابن كثير : السيرة ج2 ص149 وتاريخ الطبري ج1 ص554 وابن هشام : السيرة ج2 ص268

(3) ابن كثير : البداية ج3 ص 94

(4) ابن كثير : البداية ج3 ص 139 والسيرة لابن حبان ص 93

(5) سورة " الأنعام " : الآية 151 : 153

(6) سورة " النحل" : الآية 90

(7) الروض الأنف : ج1 ص209

(8) عيون الأثر : ج1 ص 257

(9) عيون الأثر : ج1 ص 262

(0[1]) السابق : ج2 ص 178 وما بعدها

(1[1]) السابق : جـ 2 صـ 177 وما بعدها

المد الإسلامي عبر التاريخ (5)

انتهى بنا الحديث في الحلقة الرابعة من المد الإسلامي عند انتقال الإسلام إلى يثرب ( المدينة ) بعد بيعة العقبة الأولى وانتشاره بين كثير من سكانها على يد مصعب بن عمير ومن ساعده من سادة الأنصار ، واليوم نكمل حديثا فنقول ـ وبالله التوفيق ـ إن مصعب بن عمير عاد إلى مكة في العام التالي لحضور موسم الحج , وبرفقته من تبعه على الإسلام من أهل يثرب ، إضافة إلى الفوج الأول الذي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الماضي ..


وقد خرجوا فرادى وجماعات مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة , وهناك علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضورهم فأرسل من يتفق معهم على أن يلتقوا به صلى الله عليه وسلم سرا عند العقبة التي التقوا عندها في العام الماضي في أواسط أيام التشريق ؛ كي لا يعلم بهذا اللقاء أحد من المشركين فتقع الفتنة بين الطائفتين ( المسلمة والكافرة ) في مكان قدسه الله وعظمه ، وجعله ملتقى لأداء مناسك الحج ..

فخرجوا إليها متسللين رجلا ورجلين بعد أن مضى ثلث الليل , حتى اجتمعوا كلهم دون أن يشعر بهم أحد من المشركين , وكانوا قرابة السبعين أو ثلاثة وسبعين, وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المكان بيعة سميت ببيعة "العقبة الثانية"(1). .

وكان مما قاله لهم رسول الله : تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل , والنفقة في العسر واليسر , وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وأن تقولوا الحق لا تخافوا في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم , فقالوا : فما لنا إن بايعنك على ذلك ؟ قال : لكم الجنة , فأخذ بيده رجل منهم يسمى " البراء بن معرور" و قال : نعم . فوالذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (أهلينا وأنفسنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحروب ورثناها كابرا عن كابر , فرد عليه رسول الله بقوله: "وأنا منكم وأنتم مني ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم ".

فقام ثان ويسمى " أسعد بن زرارة " وقال : رويدا يا أهل يثرب !! فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل (أي نسافر المسافات الطويلة) إلا ونحن نعلم أنه رسول الله , وإن إخراجه اليوم مناوأة ( معاداة ) للعرب كافة ، وقتل خياركم , فإن كنتم قوما تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله ، وأن كنتم قوما تخافون من أنفسكم خيفة فذروه , فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله , فقالوا : أبط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة ، ولا نسلبها أبدا .

وأراد "العباس بن عبادة" أن يؤكد على كلام أسعد فقال : يا معشر الخزرج ! هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم , قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس , فان كنتم ترون أنكم إذا أنهكت أموالكم مصيبة وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة , وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال , وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة .

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف, فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا؟ قال : الجنة, قالوا :أبسط يدك فبسط يده فبايعوه , فأنزل الله فيهم " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"(2)..

هؤلاء هم الناس الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية في يثرب التي سماها رسول الله فيما بعد "المدينة المنورة" وهذه هي الشروط التي اشترطها رسول الله على من يريد أن ينضم إلى حزبه (حزب الله) في إقامة دولة الإسلام , وفي نشره على مر التاريخ ، شروط بعيدة كل البعد عن مكاسب الدنيا , بل تجعل الواحد يتجرد من كل شيء , ويبذل كل غال ورخيص , ويضحي بماله ونفسه في سبيل شيء واحد فقط وهو الجنة , ومع إن رسول الله كان في أمس الحاجة إلى هؤلاء لينصروا دعوته بمفهومنا الدنيوي إلا أنه وضح لهم حقيقة الطريق الذي سيسيرون عليه معه وتبعاته (3)..

كما أن هذه الشروط التي أخذها الأنصار على أنفسهم لم تكن مجرد وعود يرضون بها رسول الله , وإنما وفوا بها خير وفاء , فقد فتحوا بيوتهم لمن هاجر إليهم من مكة , وأشركوهم في أموالهم وهم سعداء بذلك , حتى قال عنهم القرآن "والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة " (4). ..

وخاضوا معه كل المعارك التي خاضها حتى كانوا أكثر العرب شهداء , فقد قتل منهم يوم أحد سبعون، ويوم بئر معونة سبعون، ويوم اليمامة سبعون .

وبعد أن بايعهم رسول الله قال : أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم بما فيهم, فأخرجوا تسعة من الخزرج , وثلاثة من الأوس عينهم عليهم ليتولوا شئونهم؛ لأنه كان يحب النظام , ويحب أن يدير أصحابه شئونهم على النظام .

ثم عادوا إلى يثرب جميعا دعاة إلى الله , وفي عنقهم بيعة الحق، وأخذوا يدعون من بقي من قومهم على شركه لاعتناق الإسلام , حتى إذا صارت الغلبة فيها للإسلام وأهله ، وأن من بقوا على شركهم صاروا قلة قليلة ولا شوكة لهم أمر صلى الله عليه وسلم أتباعه من أهل مكة بالهجرة إليها ، وقال لهم ‏‏:"‏‏ إن الله عز وجل قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها , فاخرجوا إلى يثرب " .

فخرجوا مستخفين متسللين ؛ كي لا يعلم بهم أحد من مشركي قريش , تاركين وراءهم أموالهم وأمتعتهم , إلا ما خف منها وسهل حمله , وهجروا منازلهم مفتحة تعصف بها الريح , تثير شجن كل من ينظر إليها إلا غلاظ الأكباد من طغاة الكافرين, حيث كان أحدهم يمر بالدار منها فيفرح لما حل بها من خراب .

ليس فقط بل وسطوا على ديار الأغنياء من المهاجرين ، وباعوها كأنها ملك لهم , فلما بلغهم ذلك شكوا لرسول الله فقال لهم :‏‏ ألا ترضون أن يعطيكم الله بها دارا خيرا منها في الجنة ‏‏؟‏‏ قالوا ‏‏:‏‏ بلى ؛ قال ‏‏:‏‏ فذلك لكم ‏‏.‏‏

ولم يقتصر المهاجرون على التضحية بأموالهم وديارهم , وإنما اضطر بعضهم إلى ترك كل شيء حتى أهله وأولاده , وخرجوا تعلوهم مشاعر الحزن والفرح في آن واحد , حزن على فراق الأحبة وترك الوطن الذي نشئوا وترعرعوا فيه , وهي مشاعر لا يحسها إلا من عاشها , وفرح لأن الله جعل لهم مخرجا من بين الطغاة , وهيأ لهم أرض صدق يعبدون الله فيها وهم آمنون , وأصحابا يحبونهم ويؤثرونهم على أنفسهم‏‏ , حتى كان أحدهم يقول لصاحبه : إن لي بيتين فاختر أحدهما أعطه لك.‏‏

أما هو صلى الله عليه وسلم فقد مكث وأبو بكر الصديق بمكة بقيّة ذي الحجّة والمحرّم وصفر حتى اطمـأن إلى خروج كل أصحابه ، ولم يبق إلا نفر قليل حبسهم قومهم , وحالوا بينهم وبين الهجرة .

ويبدو والله أعلم أنه كان عازما على عدم الخروج حتى يتأكد من خروجهم جميعا لولا أن مشركي قريش عاجلوه وأجمعوا على قتله أو حبسه , حيث اجتمعوا في دار تسمى " دار الندوة " وقالوا فيما بينهم :إننا والله ما نأمنه على الوثوب علينا بمن اتبعه من غيرنا , وقال بعضهم: لكأنه قد كرّ عليكم بالرجال، فأثبتوه( أي اسجنوه) أو اقتلوه حتى لا يتمكن من الالتقاء بأصحابه في المدينة، فأخبره الله بمكرهم , وأنهم اتفقوا على قتله ليلا , وأمره ألا يبيت في بيته الليلة القادمة (5)..

فخرج صلى الله عليه وسلم حتى أتى أبا بكر في وقت الظّهيرة, فلما استأذن ودخل عليه قال: قد أُذن لي في الخروج, ثم اتفق معه على أن يأتيه ليلا , فأمر أبو بكر أهل بيته بأن يجهزوه سريعا , ويعدوا له رحله وما يحتاجانه من زاد .

ثم خرج يبحث عن دليل ماهر يرشدهما إلى طريق آمن في هجرتهما , وبعد أن اتفق معه دفع إليه راحلتين كان قد أعدهما لذلك من قبل , وواعده غار ثور بعد ثلاث ليال(6)وهو الغار الذي اتفق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يختفيا فيه قبل أن يبدأ السفر , ويقع هذا الغار في جبل بأسفل مكة في الاتجاه المخالف لطريق المدينة, على بعد خمسة أميال من مكة القديمة , وهو جبل شامخ، وَعِر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة.

وأما رسول الله فقد عاد إلى بيته , واتفق مع ابن عمه علي بن أبي طالب على أن يؤخر هجرته حتى يؤدي الودائع التي كانت عنده للناس ( لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده ، لما يُعلم من صدقه وأمانته) (7) ثم يلحق به بعد ذلك. ‏

وخرج صلى الله عليه وسلم آخر الليل من خلف بيته كي لا يحس به أحد من المشركين , وترك عليا نائما في فراشه ؛ ليوهم من يتصنتوا عليه أنه مازال نائما فلا يتبعوا أثره , وطمأن عليا بأنه لن يناله منهم مكروه , وقد كانوا ينتظرون خروجه للصلاة بالمسجد الحرام ليلا كعادته , فيقتلوه في الظلام كي لا يُعرف قاتله.

واصطحب أبا بكر إلى الغار المتفق عليه , واختفيا فيه ثلاث ليال , سعى فيها مشركو مكة كل السعي في العثور عليهما , وبثوا عيونهم في كل مكان , واستعانوا بخبراء الأثر من الأعراب في تتبع أثر أقدامهما, حتى وصلوا إلى الغار أو قريبا منه ؛ لكن الله عم عليهم , وصار أبو بكر يقول : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه (8) فقال : يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما, يا أبا بكر لا تخف إن الله معنا , ثم قام يصلي ، وقد كان عليه السلام إذا أحزنه أمر قام فصلى , فوقوفه أمام الله كان يصغر في عينه كل عظيم.

وسجل الله في القرآن الكريم هذا المشهد في قوله تعالى " ‏إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم "(9) ليعلم المؤمن أن معية الله تحفظ من كل سوء ، وتحمي من كل عدو , وأن هذه المعية تحصل للمؤمن بالوقوف أمامه سبحانه وتعالى , وبالتضرع إليه في الصلاة .

وخلال الأيام الثلاثة التي مكثا فيها في الغار كان عبد الله بن أبي بكر يطوف بمكة يتسمع الأخبار , وما يقوله المشركون في شأنهما , ثم يأتي إليهما بما سمع من أخبار دون أن يشعر به أحد، ويتبعه خادم أبي بكر الصديق "عامر بن فهيرة "بالغنم ليخفي آثار أقدامه, حتى إذا اطمأنا إلى أن الطلب قد هدأ خرج بهما الدليل تجاه ساحل البحر الأحمر , ثم صار بهم في طريق غير مألوف .

وقبل أن يتحركوا التفت رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- إلى مكة , وأخذ ينظر إليها ويقول في شوق: ما أَطيبَكِ من بلدٍ وأَحبَّكَ إلي! ولولا أنَّ قومكِ أخرجُوني منكِ ما خرجتُ ، ثم ابتهل إلى الله تعالى بالدعاء فقال: الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً، اللَّهمَّ أَعِنِّي على هَوْلِ الدنيا، وبوائق الدهرِ، ومصائبِ اللَّيالي والأيامِ، اللَّهُمَّ! اصحبني في سفري، واخلُفْني في أهلي، وبارِكْ لي فيما رَزَقتني، ولكَ فَذلِّلْني، وعلى صالحِ خُلُقي فقَوِّمْني، وإليكَ رَبِّي فحببني، وإلى الناس فلا تكلني، رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض، وكشفت به الظلمات، وصَلُحَ عليه أمر الأولين والآخرين أن تُحِلَّ عليَّ غضبك، وتنزِلَ بي سخَطَك، أعوذُ بكَ من زَوالِ نِعمتكَ، وفَجاءةِ نِقمتك، وتحَوُّلِ عافيتِك، وجميع سَخَطِكَ، لك العُتْبَى حتى ترضى ولكن عافيتك أوسع عندي، ولا حولَ ولا قوَّة إلا بك "(10).

وقد أشار القرآن إلى إن تضرع رسول الله في تلك الأوقات كان بأمر من الله تعالى ، وذلك في قوله : " وقل رب أخرجني مخرج صدق وأدخلني مدخل صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا" (11) فمن في مثل حاله من المطاردة ينبغي أن يكون دائم الاستغاثة بالله تعالى.

ولما عجز المشركون عن العثور عليهما أذاعوا في سائر القبائل العربية المحيطة بمكة أن من عثر عليه أو دل عليه فله مائة ناقة , فجن جنون الأعراب لسماع هذا الخبر , وبدأت الأحلام تراود الكثير منهم بأنه سيصبح من أثرى الأثرياء لو فاز بتلك المكافئة , فانطلقوا في كل اتجاه ـ وهم أهل خبرة بسبل الصحراء ـ حتى رآهما أعرابي من قبيلة تسمى " بني مُدْلج" فجاء إلى قومه وهم جلوس، فقال‏ ، إني رأيت آنفًا أسْوِدَة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه‏.

فسمعه رجل يسمى " سراقة" فطمع في المكافئة دون غيره , فقال له‏:‏ إنهم ليسوا بهم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، وذلك حتى يضلله ولا يخبر أحدا غيره , ثم انطلق يريد اللحاق بهما ؛ حتى إذا دنا منهما وسمع قراءة رسول الله -صلّى الله عليه وسلَّم- عَثَرَتْ به فرسه فخر عنها، فقام وركبها حتى إذا دنا منهما مرة أخرى وسمع قراءة رسول الله عَثَرَتْ به وسقط من فوقها , وأبو بكر يكثر الالتفات إليه , والرسول غير عابئ .

فلما ركبها في المرة الثالثة غاصت أرجلها في الأرض كما حكى سراقة نفسه , وخرج من تحتها دخان كالإعصار , وعلم حينئذ أن رسول الله محفوظ من ربه , وأنه لن يستطيع أن يصل إليه بسوء , فناداه بالأمان وقال له‏:‏ إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبره بما يريد الناس به، وعرض عليه المساعدة فلم يسأله شيئا غير أنه قال‏ له:‏ ‏أَخْفِ عنا(12) ‏.‏

وقول رسول الله له " أَخْفِ عنا" لم يكن سوى التزام منه بسنن الكون , والأخذ بالأسباب , وإلا فكما عجز هذا الرجل ومن وصلوا إليه في الغار عن النيل منه سيعجز غيره, وكان صلى الله عليه وسلم يعلم هذه الحقيقة جيدا ؛ لأن الله سبحانه وتعالى أخبره قبل أن يستعد للهجرة بأن مكر أعدائه لن يكون شيئا أمام حفظ الله , فقال تعالى : " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "(13) بل إن الله تكفل له بحفظه قبل أن يأمره بإعلان الدعوة على الملأ , فقال تعالى : " والله يعصمك من الناس " (14).

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=12178

وأحسب ـ والله أعلم ـ أن رسول الله حرص على الحيطة والحذر والأخذ بكل الأسباب ؛ ليبدو أمام الناس ببشريته التي يريد الله للناس أن يسيروا عليها ويقتدوا به , فهو نموذج قدمه الله تعالى للبشرية ليحتذوه , وليرفع عنه القداسة التي قد يظنها بعض الناس , وذلك لأمرين :

الأول :أن رسول الله نشأ في بيئة عبد الناس فيها كل ما تخيلوا فيه النفع أو الضر, ورفعوه إلى مرتبة الألوهية .

والثاني : أنه صلى الله عليه وسلم بعث بعد عيسى عليه السلام الذي أدى الغلو فيه إلى وقوع أكثر البشرية وإلى الآن في مشاكل عقدية في منتهى الخطورة , وذلك بسبب سوء تفسير بعض الناس للآيات التي أيد بها مثل " إحياء الموتى " "وشفاء المرضى" .

وقد زجر صلى الله عليه وسلم من أراد أن يرفعه فوق مكانته البشرية بقوله : " لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد ، فقولوا عبد اللّه ورسوله(15) ".

ومع ذلك فقد أكد الله على أن الأخذ بالأسباب ليس منتهى كل شيء فهناك معيته , وهناك مشيئته , إذ نجح المطاردون له في الوصول إليه في أكثر من موطن , وكادت أيديهم أن تصل إليه لولا تلك المعية وهذه المشيئة .


ـــــــــــــــــــ

([1]) عيون الأثر : ج1 ص 271

(2) السابق : جـ 2 صـ 177 وما بعدها

(3) سورة " التوبة " : الآية 111

(4) سورة " الحشر " : الآية 9

(5) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص89

(6) الذهبي : تاريخ الإسلام ج1 ص89

(7) ابن هشام : السيرة ج3 ص 11

(8) ابن كثير : البداية ج3 ص271

(9) سورة " التوبة" : الآية رقم 40

(10) ابن كثير : السيرة ج3 ص 234

(1[1]) سورة " الإسراء " : الآية 81

(12) عيون الأثر : ج1 ص 289 والسيرة لابن حبان ج1 127

(3[1]) سورة " الأنفال " : الآية 30

(4[1]) سورة " المائدة " : الآية 67

(5[1]) رواه مالك والبخاري وأحمد

:souaad[1]:



hgl] hgYsghld ufv hgjhvdo Hv[,h hgjefdj










عرض البوم صور محب الإسلام   رد مع اقتباس

قديم 03-31-2008   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية PeaCe_4algeria


البيانات
التسجيل: Oct 2007
العضوية: 171
المشاركات: 3,179 [+]
بمعدل : 0.86 يوميا
اخر زياره : 07-27-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 14

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
PeaCe_4algeria غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محب الإسلام المنتدى : منتدى التاريخ الجزائري
افتراضي

بارك الله فيك
تم التثبيت









عرض البوم صور PeaCe_4algeria   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2009   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية wafia


البيانات
التسجيل: Oct 2008
العضوية: 3279
المشاركات: 5,501 [+]
بمعدل : 1.64 يوميا
اخر زياره : 10-03-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 22

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
wafia غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محب الإسلام المنتدى : منتدى التاريخ الجزائري
افتراضي










عرض البوم صور wafia   رد مع اقتباس
قديم 05-18-2009   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد بديع


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2366
المشاركات: 5,459 [+]
بمعدل : 1.59 يوميا
اخر زياره : 08-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 29

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد بديع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محب الإسلام المنتدى : منتدى التاريخ الجزائري
افتراضي

جازاك الله خير الجزاء
وجعلها في ميزان حسناتك









عرض البوم صور محمد بديع   رد مع اقتباس
قديم 06-30-2009   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة


البيانات
التسجيل: May 2009
العضوية: 5159
المشاركات: 37 [+]
بمعدل : 0.01 يوميا
اخر زياره : 07-31-2009 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
mnop545 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محب الإسلام المنتدى : منتدى التاريخ الجزائري
Damier canvas with adjustable leather shoulder strap and terracotta microfiber liningGold brass pieces Large flap with magnetic closure Carried on the shoulder or across the body N51260 Louis Vuitton Damier Musette Salsa Size: 8" x 8'









عرض البوم صور mnop545   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
فصائل الدم .. أرجوا التثبيت للأهمية حياة منتدى العلوم و المعرفة 3 06-02-2011 11:20 PM
عالم المعرفة 267 كتاب ....أرجوا التثبيت رياح الحنين منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية 11 04-20-2011 07:46 PM
طلب إجازة من المنتدى -أرجوا التثبيت - سـ 39 ـاري منتدى أرشيف المواضيع المخالفة و المكرره 68 03-22-2011 02:18 PM
مواقيت الصلاة - أرجوا التثبيت - سـ 39 ـاري المنتدى الاسلامي العام 14 08-10-2010 10:50 PM
تواقيع إسلامية 2 أرجوا التثبيت محب الإسلام منتدى التهاني 24 06-24-2008 02:40 PM


الساعة الآن 12:02 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302