العودة   منتديات صحابي > أقسام القانونية Droit > منتدى القانون العام > منتدى السنة الأولى


منتدى السنة الأولى المدخل للعلوم القانونية و نظرية الحق, القانون الدستوري, المنهجية و فلسفة القانون, المجتمع الدولي, تاريخ النظم القانونية, الاقتصاد السياسي, المصطلحات القانونية, الإمتحانات و الاستجوابات, النصوص القانونية, التساؤلات القانونية


محاضرات في القانون الدستوري من اعداد الاستاذ دحامنية علي 2008-2009

منتدى السنة الأولى


محاضرات في القانون الدستوري من اعداد الاستاذ دحامنية علي 2008-2009

اشكر كل من ساهم في مساعدتي في جمع اكبر دروس لي حقوق اشكر فريق منتدى جزائرنا الذي يسهر على توفير كل ما هو جيد لي دراستكم نسال الله ثبات وا

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-21-2009   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: المدير العام ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Dzayerna


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5342
المشاركات: 18,093 [+]
بمعدل : 5.95 يوميا
اخر زياره : 05-31-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1893

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Dzayerna غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى السنة الأولى
محاضرات في القانون الدستوري من 106730.imgcache


اشكر كل من ساهم في مساعدتي في جمع اكبر دروس لي حقوق اشكر فريق منتدى جزائرنا الذي يسهر على توفير كل ما هو جيد لي دراستكم نسال الله ثبات
وا تحية خاصة مني اليكم
وعلى راسهم الشيخ وا معلم
الاستـــــــــاذ


وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة محمد خيضر بسكرة

كلية الحقوق والعلوم السياسية

قسم الحقوق LMD

السنة الأولى









محاضرات في مقياس القانون الدستوري











الأستاذ: دحامنية علي

السنة الجامعية:

2008/2009

مقدمة:
الإنسان بطبعه يحتاج إلى الاجتماع مع غيره لتلبية حاجاته، لكن حب السيطرة والتسلط لديه يدفع به للصدام مع غيره، مما يتطلب وجود سلطة تقوم بمهمة حماية الحقوق وتنظيم حياة الأفراد.
وبظهور السلطة التي تنظم العلاقة بين الحكام والمحكومين تظهر السمات الأساسية للدولة، التي تضطر إلى تحديد نطاق سلطتها ومداها، وذلك من خلال النظام القانوني الذي يحكم العلاقات داخل الدولة، وهو ما يعرف بقواعد القانون الدستوري التي تحدد نظام الحكم في الدولة.
لتناول موضوع القانون الدستوري يستدعي البحث في مسألة النظرية العامة للدولة، ثم نفرد قسما خاصا للنظرية العامة للدساتير، نتبعه بقسم نتناول فيه طرق ممارسة السلطة والنظم السياسية المعاصرة.













الفصل الأول: النظرية العامة للدولة.
إذا كانت النظرية العامة للدولة لم تكتمل بعد بسبب اختلاف الفقهاء في تحديد تعريف للدولة نفسها يكون جامعا مانعا، فإن الدراسات الفقهية والبرامج الدراسية التي تناولتها تتفق على تناول المواضيع التالية:
تعريف الدولة وبيان أصل نشأتها ثم أركان الدولة وخصائصها ثم أشكال الدول ووظائفها، هذا ما سنتناوله خلال المباحث التالية.
المبحث الأول: تعريف الدولة.
منذ القدم والدولة تعد مجال اهتمام كبير لدى الفقهاء ورجال القانون والسياسة، واتخذت مفاهيم متعددة عبر العصور عندما تكونت الأسر والعشائر والقبائل، إلى أن أصبحت دول كما هي الآن، وعليه سوف نتناول من خلال هذا المبحث التعريف اللغوي وكذا التعريفات الاصطلاحية للدولة في مطلبين.
المطلب الأول: المعنى اللغوي للدولة.
نلاحظ أن كلمة (دولة) بضم الدال تدل على الشيء الذي يتداول به وهذا ينطبق خاصة على المال، الذي ينتقل من يد إلى يد، وفي هذا المعنى جاء قوله تعالى: » كي لا يكون دُولة بين الأغنياء منكم.» كما تدل كلمة دولة على السنن المتغيرة، أما لفظ (دَولة) بفتح الدال فيشير إلى حالة الانتصار في الحرب أو الانهزام فيها، كما يقال اللهم أدلني على فلان أي انصرني عليه، وفي هذا المعنى يقال كذلك الدَولة لنا أي الغلبة لنا والنصر حليفنا. وهذا المعنى الأخير هو الأقرب إلى المدلول الاصطلاحي للدولة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t20044.html#post183918
المطلب الثاني: المعنى الاصطلاحي للدولة.
اختلف الفقهاء في موضوع مفهوم الدولة ولم يتوصلوا إلى وضع تعريف شامل وموحد لها، وذلك راجع إلى أن الدولة هي ظاهرة اجتماعية معقدة تطورت بتطور المجتمعات البشرية.
ـ الدولة عند أفلاطون وأرسطو: في الحقيقة إن تعبير الدولة كان معروفا منذ القدم عند أفلاطون، وأرسطو الذي يرى بأن الدولة تتمثل في مدينة أثينا في اليونان والتي عاش فيها ويعرفها كالآتي : (هي ذلك المجتمع من الأفراد الذي يتألف ابتغاء تحقيق مصلحة عامة). أما عند الرومان فقد عرف مصطلح الدولة مدلوله السياسي الذي يعني دولة المدينة (CITY STATE) وهي تتكون من روما التي تشتمل على عدة قبائل يحكمها ملك منتخب يعانوه مجلس استشاري تجسيدا لمبدأ الشعب هو مصدر السلطة، والتي توسعت بسبب الغزو والحروب إلى أن أصبحت إمبراطورية في القرن الأول قبل الميلاد.
ـ الدولة عند ميكيافلي: هذا المفكر الإيطالي كتب عن الدولة ووظائفها وأركانها في كتابه الأمير سنة 1513 ومن بين ما جاء في كتابه ( هي المنظمة المخولة بما تملكه من سلطة فعلية للتحكم في استعمال القوة على شعب معين في إقليم معين.) وهنا يشترط القوة كشرط أساسي لوجود الدولة واستمرارها وهو في ذلك متأثر بما عايشه من أحداث لإمبراطوريات حكمت شعوبها بالحديد والنار.

ـ الدولة عند دوجي ودي مالبيرج: حاول هذان الفقيهان إعطاء مفهوم محدد لمصطلح الدولة حيث جاء في تعريف دي مالبيرج في عام 1920 بأنها ( مجموعة من الأفراد تستقر على إقليم معين تحت تنظيم خاص يعطي جماعة معينة فيها سلطة عليا تتمتع بالأمر والإكراه.).
ـ الدولة عند هوريو وجيكول: يعرفان الدولة بأنها ( جماعة مستقرة داخل إقليم معين تحتكر سلطة الإكراه المادي.).
ـ الدولة عند الفقيه هنسلي: يعرفها هذا الفقيه الإنجليزي بأنها (مؤسسة سياسية يرتبط بها الأفراد من خلال تنظيمات متطورة.).
ـ الدولة عند الأستاذ محسن خليل: حيث يعرفها بأنها ( جماعة من الأفراد تقطن على وجه الدوام والاستقرار إقليما جغرافيا معينا وتخضع في تنظيم شؤونها لسلطة سياسية تستقل في أساسها عن أشخاص من يمارسونها.).
رغم تعدد التعريفات إلا أنها تصب في اتجاه واحد.
تعريف الأمم المتحدة: هذا التعريف معتمد من قبل الأمم المتحدة ومعمول به حاليا وفحواه أن الدولة ( هي الكيان السياسي والقانوني الذي يثبت وجود شعب يقيم على إقليم معين يتمتع بسيادة تامة وله حكومة مستقلة.) هذا التعريف تتضح من خلاله أركان الدولة وهي الشعب والإقليم والسلطة السياسية. وهو ما سنتناوله بالتفصيل في موضوع أركان الدولة.




المبحث الثاني: أصل نشأة الدولة.
اختلاف العلماء في تحديد أصل نشأة الدولة يرجع إلى صعوبة حصر كل الظروف والعوامل التي ساهمت في تكوينها، لأن الدولة ـ كما هو معلوم ـ هي ظاهرة اجتماعية معقدة ترجع جذورها إلى الحضارات القديمة، وهي في تطورها تتفاعل مع الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة.
ونتيجة ارتباط السلطة بالدولة، فإنه أصبح من المتعذر فصل إحداهما عن الأخرى، لذلك فإن النظريات التي قيلت بشأن الدولة تصلح أيضا لتفسير أساس السلطة السياسية فيها.
ومن أهم النظريات التي سنتناولها، النظريات الدينية ( التيوقراطية) نظريات القوة والغلبة، النظريات العقدية(الديمقراطية) نظريات التطور، والنظريات المجردة.
المطلب الأول: النظريات الدينية.
وهي التي ترجع أصل نشأة الدولة وتأسيس السلطة إلى الإرادة الإلهية والحاكم يدعي أنه يستمد سلطته من قوى غيبية عليا تسمو على طبيعة البشر. هذه النظريات بالرغم من التقائها حول فكرة إرجاع السلطة في الدولة إلى الإرادة الإلهية فإنها اختلفت في تفسير ذلك إلى ثلاث اتجاهات هي:
الفرع الأول: نظرية تأليه الحكام.
تقوم هذه النظرية على أساس أن الحاكم من طبيعة إلهية يعبد ويقدس، وهذا المفهوم كان سائدا في الحضارات القديمة وبصفة خاصة في الحضارة الفرعونية في مصر حيث كان الفرعون (رع) يدعي الألهية وكان يعبد من قبل الأفراد، وكذلك الشأن في الصين كانت سلطات الإمبراطور تقوم على أساس ديني، وكذلك الأمر في الهند حيث كان الملوك يدعون اتصاف الآلهة في صورة بشر ويستمدون سلطتهم من الإله الأكبر ( البراهما) وفي العصر الملكي المطلق في روما كان الملك هو الكاهن الأعظم بحيث يسن القوانين ويعدلها ويفسرها.
وقد وجدت هذه النظرية صدى لها حتى في العصر الحديث، فالشعب الياباني كان إلى غاية الحرب العالمية الثانية يعتبر الإمبراطور بمثابة إله يعبده الأفراد ويقدسونه.



الفرع الثاني: نظرية الحق الإلهي المباشر.
يذهب أنصار هذه النظرية إلى أن الله هو الذي اختار بنفسه مباشرة الحكام وأودعهم السلطة، فالحاكم وإن كان من البشر إلا أنه يستمد سلطته من الله مباشرة . ظهرت هذه النظرية بعد ظهور المسيحية، والتي لم يعد بعدها ينظر إلى الحاكم من البشر على أنه إله، وجعلت الدين لله ولا عبادة لغيره وأضافت تبريرا لوجودها بأن جعلت السلطة للبابا.
وقد اعتبر القديس سان بول (ST-PAUL ) بأن كل سلطة مصدرها الإرادة الإلهية، ومنه تكون سلطة الحاكم ملزمة لأنه ليس إلا منفذا لإرادة الله، ومن عصى الأمير فقد عصى الله. كما استخدم هذه النظرية ملوك فرنسا لتدعيم سلطاتهم على الشعب وقالوا إن الله هو مصدر السلطة لا الشعب ولا يسأل الملوك عن سلطاتهم إلا أمام الله.
واضح أن هذه النظرية تهدف إلى تبرير سلطان الملوك المطلق وجعلهم غير مسئولين أمام رعاياهم ولا يراقب أعمالهم أحد.

الفرع الثالث: نظرية الحق الإلهي غير المباشر.
نظرية الحق الإلهي غير المباشر كانت نتيجة لانهيار الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس ميلادي حيث سيطرت الكنيسة على العالم المسيحي ولم يعد الملك يستطيع ممارسة مهامه إلا بعد قيام الكنيسة بالطقوس الدينية الخاصة بتتويجه، نظرا لكونها ممثلة الشعب المسيحي مما أدى إلى ظهور نظرية التفويض الإلهي غير المباشر ومفادها أن الله لا يتدخل بطريقة مباشرة في اختيار الحاكم وإنما بطريقة غير مباشرة يوجه الأحداث ويرتبها على نحو يساعد الناس على اختيار نظام الحكم والحاكم الذي يرتضونه.
ولقد لعبت هذه النظرية دورا بالغا في تقييد سلطة الملوك وبالمقابل ساهمت في تدعيم سلطة الكنيسة ممثلة الشعب المسيحي. إذا كانت هذه النظرية قد أسهمت في ظهور بعض الدول إلا أنها تقوم على أساس عقائدي يفتقر إلى العقل والمنطق، وذلك لأنه لم يثبت تاريخيا وجود هذا التفويض الإلهي لأي حاكم من الحكام، ولكن كان الهدف الأساسي هو إسقاط المسئولية عن الحكام أمام المحكومين، وبالتالي استعملت كباقي النظريات لتكريس استبداد الحكام وتجبرهم.


المطلب الثاني: نظريات القوة والغلبة.
يرى أنصار هذه النظرية وعلى رأسهم الفقيه الألماني الشهير أوبنهيمر (Oppenheimer) والكاتب الفرنسي شارل بيدان (Charles boudant) أن الدولة كانت عبارة عن نظام اجتماعي معين، فرضه شخص أو فريق على بقية أفراد الجماعة مستخدمين القوة من خلال الحروب والصراعات تتشكل الدول.
ونظرا لكثرة الاتجاهات واختلافها حول هذا الموضوع وإن كانت تعتمد كلها على القوة والغلبة المادية والجسمانية أو المعنوية غير الدينية فإننا سنكتفي بذكر أهمها على التوالي:
الفرع الأول: نظرية ابن خلدون.
يقول العلامة ابن خلدون رائد هذه النظرية ( ولما كانت الرياسة إنما تكون بالغلب وجب أن تكون عصبية ذلك النصاب هو أقوى من سائر العصائب ليقع الغلب وتتم الرياسة لأهلها وكل عصبية منهم إذا أحست بغلب عصبية الرئيس لهم أقروا بالإذعان والإتباع ) ويفسر ابن خلدون قيام الدولة بثلاثة عوامل أساسية هي الزعامة والعصبية و العقيدة.
أولا: الزعامة .
تقوم الدولة من خلال ظهور زعيم تتوفر فيه شروط الزعامة مثل الاستقامة والكرم والشجاعة والمروءة ويفرض نفسه بالقوة.
ثانيا: العصبية.
تلعب العصبية دورا أساسيا عند البدو قبل طور الحضارة في مجال التماسك الاجتماعي، مما ينتج عنه شعور الأفراد بالانتماء إلى جماعة معينة على تشكيل قوة تدفعها إلى إخضاع الجماعات الأخرى الضعيفة.
ثالثا: العقيدة.
إن العقيدة عند ابن خلدون هي العامل الأساسي والقوي في تماسك الجماعات وقد اعتبر أن قيام مجتمع على أساس العصبية والعقيدة سيزيد في استقراره ودوامه وأعطى مثال لذلك بالمرابطين الذين قاموا على الدين والعصبية واستطاعوا الصمود كثيرا كقوة اجتماعية.


الفرع الثاني: النظرية الماركسية.
والتي ترى أن الدولة جاءت نتيجة الصراع الطبقي في المجتمع، وجاءت كتنظيم للحفاظ على مصالح الطبقة المسيطرة وهي الطبقة البرجوازية المالكة لوسائل الإنتاج، وعلى هذا الأساس فالدولة في نظر ماركس هي تنظيم مؤقت مرتبط بصراع الطبقات وسوف تزول بزوال البرجوازية وانتصار الطبقة الشغيلة في العالم.
الفرع الثالث: نظرية التضامن الاجتماعي.
يرى الأستاذ الفرنسي ليون دوجي أن الدولة ما هي إلا نتيجة لأربعة عوامل أساسية هي:
1) ـ انقسام الجماعة إلى أقوياء حكام يفرضون إرادتهم على الضعفاء محكومين.
2) ـ الخلاف السياسي يظهر سلطة الدولة، وهي لا تظهر إلا بانقسام الجماعة واستحواذ إحدى الطبقات على السلطة.
3) ـ عامل الإكراه يفرض سلطة الدولة بالقوة.
4) ـ التضامن الاجتماعي يجب أن يسمو فوق الفوارق الاجتماعية وفوق شدة الأقوياء وهو العامل الذي يجمع بين الطبقتين في دولة واحدة.
تقدير نظرية القوة والغلبة.رغم عدم بعد هذه النظرية عن الواقع فمن المؤكد أنها لا تصلح لتفسير نشأة جميع الدول، كما أنه حتى ولو قامت دولة ما على القوة فإنها سرعان ما تعود إلى الاستناد على الإرادة الشعبية لأن القوة وحدها لا تكفي لبناء دولة مستقرة.
المطلب الثالث: النظريات العقدية (الديمقراطية).
بالرغم من أن أصحاب معظم هذه النظريات انطلقوا من فكرة مفترضة واحدة والمتمثلة في أن اتفاق وقع بين الأفراد للخروج من الحياة الفطرية إلى الحياة المنظمة هي أساس نشأة المجتمع السياسي أي الدولة، إلا أن كل فقيه له تصوره الخاص للحياة التي كان يعيشها الأفراد قبل العقد والأطراف المشاركة في العقد والآثار المترتبة عنه. وسيتم تفصيل ذلك من خلال أراء الفقهاء الثلاثة : هوبز ولوك وروسو.



الفرع الأول: نظرية العقد الاجتماعي عند هوبز. (1588ـ 1679)
يعتبر توماس هوبز من أهم القائلين بفكرة العقد الاجتماعي كأساس للسلطة ولنشأة الدولة، فهو يرجع أصل الجماعة المنظمة إلى تعاقد الأفراد فيما بينهم، وأن التعاقد هو الذي نقل الأفراد من الحالة الطبيعية إلى مجتمع منظم تسود فيه طبقة حاكمة، وأن حالة الأفراد قبل العقد كانت فوضى واضطراب يسيطر فيها الأقوياء لكن حرص الفرد على البقاء وحب إشباع الحاجات والمصالح الذاتية ولد لديه الإحساس بضرورة التعاقد على أن يعيشوا معا تحت سلطان أو ملك واحد يتنازلون له عن كافة حقوقهم الطبيعية على أن يتولى حماية مصالحهم وليعيشوا في مجتمع منظم تسوده العدالة والمساواة، وعليه فهوبز يرى أن العقد تم بين الأفراد دون اشتراك الملك وعليه فهو صاحب سلطة مطلقة والأفراد ليس لهم حق المناقشة ولا مراقبة أو محاسبة الملك. ومنه فالنقد الموجه لهوبز يتمثل في أنه منح سلطات مطلقة للملك على حساب الشعب وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى الاستبداد.
الفرع الثاني: نظرية العقد السياسي لجون لوك. (1632ـ 1704 )
تتفق نظرة لوك مع هوبز في فكرة أن الأفراد كانوا في حالة الفطرة ثم انتقلوا إلى مجتمع منظم، لكن لوك يختلف عنه في تصوير حالة الأفراد في مرحلة الفطرة والتي يرى أنها لم تكن حالة فوضى بل كان يحكمها العدل والمساواة في ظل القانون الطبيعي، وإنما سبب إبرام العقد هو الرغبة في حياة أفضل وأكثر تنظيما عن طريق إقامة سلطة تحكمهم وتحميهم، كما يعتبر لوك أن الأفراد لم يتنازلوا عن جميع حقوقهم للحاكم الذي هو طرف في العقد إنما تنازلوا له عن جزء من حقوقهم فقط، وبذلك تصبح سلطة الملك مقيدة بما تضمنه العقد من التزامات، وإذا تجاوز الحاكم حدود الصلاحيات المخولة له فإنه يحق للشعب مقاومته وعزله.
الفرع الثالث: نظرية العقد الاجتماعي لروسو. (1712ـ 1778 )
يرى حون حاك روسو أن حياة الفطرة للأفراد كان يسودها الحرية المساواة غير أن هذه الحالة تغيرت بسبب تضارب المصالح وظهور الملكيات الخاصة والصناعة وازدياد الثروات واتساع مجالات الاختلاف والصراعات مما حول سعادة الأفراد إلى شقاء ودفع بالأغنياء على وجه الخصوص إلى التعاقد للقضاء على الخلافات والانتقال إلى حياة منظمة أفضل ومن خلال هذا العقد تنازل الأفراد عن جميع حقوقهم للمجتمع مقابل الحصول على الحقوق المدنية، وهكذا تسود المساواة والحرية والعدل في المجتمع المنظم، وما تجدر الإشارة إليه عند روسو أن الحاكم ليس طرفا في العقد إنما يحكم بإرادة الأمة فهو وكيلها ويحق لها عزله متى انحرف عن العقد ومما يمكن ذكره كذلك أن نظرية روسو أثرت كثيرا على رجال الثورة الفرنسية وترجمت في إعلانات الحقوق ودساتير ما بعد الثورة الفرنسية.

نقد النظريات العقدية: على الرغم من أن النظريات العقدية قد حققت أغراضها وكان لها أثر كبير على دساتير العديد من الدول وبخاصة فرنسا، إلا أنه وجهت لها عدة انتقادات أهمها:
1) ـ إن فكرة التعاقد الذي تم بين الأفراد للانتقال من حالة الفطرة إلى حالة المجتمع المنظم حسب ما ذهب إليه أصحاب هذه النظرية هو مجرد افتراض وفكرة خيالية لا سند لها في الواقع.
2) ـ إن النظرية العقدية عند هوبز وروسو تؤدي إلى تبرير السلطان المطلق للحكام وخضوع الأفراد لهم خضوعا كليا.
3) ـ إن إبرام العقد لإقامة نظام معين يتطلب وجود جماعة منظمة بشكل مسبق ونصوص قانونية تحدد حقوق وواجبات الطرفين، ولذلك فإن هذه النظرية تفتقر للإطار القانوني.
المطلب الرابع: نظريات التطور.
تنطلق هذه النظريات من أن الدولة لم تنشأ طفرة واحدة، وإنما كان ذلك نتيجة تطور أصاب المجتمع ويمكن تقسيم وجهة النظر هذه إلى اتجاهين رئيسيين هما: نظرية التطور العائلي ونظرية التطور التاريخي.
الفرع الأول: نظرية التطور العائلي.
يقول أنصار هذه النظرية ـ وعلى رأسهم أفلاطون وأرسطو وبودان وسير هنري مين ـ بأن أصل الدولة والسلطة يجد مصدره الأول في السلطة الأبوية وأن الدولة ما هي إلا أسرة تطورت ونمت بشكل تدريجي.
ويستند أنصار هذه النظرية في تدعيم رأيهم هذا على أن الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع نشأت لتلبية حاجات فطرية يتصف بها الإنسان وتوسعت إلى أن ظهرت العشائر ثم القبائل ثم القرى والمدن والتي بتطورها احتاجت إلى تنظيم معين هو الدولة.
واجهت هذه النظرية انتقادات لأن العائلة تختلف في طبيعتها عن طبيعة الدولة وأن سلطة رب الأسرة تنقطع بغيابه أما الحاكم فلا تنتهي السلطة في شخصه وعلاقة رب الأسرة تعتمد على العاطفة والاعتبارات النفسية، أما علاقة السلطة بالمحكومين فتحكمها اعتبارات موضوعية.


الفرع الثاني: نظرية التطور التاريخي.
يرى أنصار هذه النظرية ـ ومن بينهم الفقيه برتلميBarthelemy) ( وجارنر ) Garner( وسبنسر(Spencer) ـ بأن الدولة لم تنشأ نتيجة القوة أو التطور العائلي أو العامل الديني أو العقد، وذلك أن الظواهر الاجتماعية ومن بينها الدولة لا يمكن رد نشأتها إلى عامل واحد، فالدولة عندهم هي نتاج تطور تاريخي وتأثيرات متعددة كان نتيجتها ظهور عدة دول تحت أشكال مختلفة، لذلك فإن السلطة في تلك الدول لا تستند في قيامها هي الأخرى على عامل واحد بل تستوجب تضافر عدة عوامل منها القوة والدهاء والحكمة والدين والمال والشعور بالمصالح المشتركة التي تربط أفراد الجماعة بعضهم ببعض، فالدولة وفق رأي أنصار هذه النظرية هي ظاهرة اجتماعية نشأت بدافع تحقيق احتياجات الأفراد. وعليه فهذه النظرية بالرغم من عموميتها تعد أقرب النظريات إلى الصواب.
المطلب الخامس: النظريات المجردة.
وهي النظريات التي تناولها الفقه الدستوري المعاصر ولم تعرف أي تطبيق في الواقع، ومن جملة هذه النظريات :
ـ نظرية النظام القانوني لكلسن(Kelsen) ،حيث يعتبر أن الدولة هي نظام قانوني قائم على تسلسل وتدرج القواعد القانونية في شكل هرمي مركزي، القاعدة العليا فيه هي الدستور.
ـ نظرية تأسيس السلطة للفقيه جورج بيردو(G.Burdeau) حيث يرى أن الدولة كيان معنوي مستقل عن أشخاص الحكام يتم عبر تأسيس السلطة السياسية المستقلة المتمتعة بالشخصية المعنوية.
ـ نظرية المؤسسة للفقيه موريس هوريو(Maurice Hauriou) يرى هذا الفقيه أن الدولة ما هي إلا مؤسسة مثل بقية المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية تنشأ باتفاق الأشخاص الذين تجمعهم فكرة واحدة مشتركة وهي إنشاء نظام اجتماعي وسياسي بطريقة قانونية.
ـ نظرية الوحدة للفقيه الألماني جيلنيك (Jéllineck) حيث يرى هذا الفقيه أن اتجاه إرادة الأفراد إلى إنشاء دولة إنشاء قانونيا موضوعيا وهو يختلف عن العقد الخاص الذي ينظم مصالح خاصة بين الأفراد.


المبحث الثالث: أركان الدولة
رأينا من خلال التعاريف التي حاولت التصدي إلى موضوع الدولة أنها كانت تدور كلها حول فكرة أنها (جماعة من الأفراد تقيم على أرض معينة بصفة دائمة ومستقرة وتخضع لسلطة سياسية عليا ذات سيادة.)
ومن خلال هذا الطرح يمكن إجمال أركان الدولة في ثلاث ركائز أساسية هي: الشعب والإقليم والسلطة السياسية.
المطلب الأول: الشعب.
الشعب هو الركن الأساسي لقيام أي تنظيم أو ظهوره ولولاه ما وجدت الدولة لذلك لا يمكن تصور قيام دولة بدون شعب، مع أن عدد أفراد الشعب لا يهم في الحقيقة إلا من حيث اعتبار ذلك عاملا من عوامل القوة للدولة سياسيا واقتصاديا. فما هو مفهوم الشعب؟ وكيف نميزه عن غيره من المدلولات التي ترتبط به؟
هذا ما سنتناوله في الفرعين التاليين:
الفرع الأول: مفهوم الشعب.
يقصد بالشعب مجموعة من الأفراد يقيمون على أرض الدولة ويرتبطون بها برابطة قانونية هي الجنسية ويخضعون لسلطة سياسية، كما قد تتوفر ظاهرة أخرى هي الظاهرة الاجتماعية والتي يقصد بها توافر روابط معينة بين أفراد هذا الشعب أساسها مقومات مشتركة مثل الأصل والدين واللغة والتاريخ، هذه العناصر ليست شرطا لتكوين الدولة ولكن توافرها في شعب معين من شأنها أن تكون عنصر دعم ووحدة للدولة.
ومنه نخلص إلى أنه لا يشترط في شعب الدولة أن يكون أمة واحدة، فقد يكون جزء من أمة كما هو الشأن بالنسبة للشعوب العربية، ويكون شعب الدولة من عدة أمم مثل الشعب الهندي وشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أو قد يكون أمة واحدة كما هو الشأن بالنسبة للدولة الإسلامية سابقا أو الدولة الألمانية الحالية.
كما يجب التفرقة بين الشعب بمفهومه الاجتماعي عن الشعب بمفهومه السياسي.
1) الشعب بالمفهوم الاجتماعي. يقصد به مجموعة الأفراد الخاضعين لسلطة الدولة والمتمتعين بجنسيتها دون اعتبار لسنهم ومدى قدرتهم على إجراء التصرفات القانونية أو السياسية.
2) الشعب بالمفهوم السياسي. يقصد به كل المواطنين الذين يحق لهم المشاركة في تسيير أمور الدولة أي الذين يتمتعون بحق الانتخاب.
كما يجب التفرقة بين الشعب والسكان.
1) ـ الشعب هم الأفراد الخاضعين لسلطة الدولة ويحملون جنسيتها.
2) ـ السكان يشمل كل الأفراد المقيمين على إقليم الدولة سواء كانوا رعاياها أم أجانب.
الفرع الثاني: التمييز بين الشعب والأمة.
الشعب في الدولة يتكون من أمة أو جزء من أمة أو من عدة أمم. وهذا يبين أن هناك فرق بين المدلولين، فالشعب هو مجموعة من الأفراد يقطنون أرضا معينة أما الأمة فهي إلى جانب ذلك تتميز باشتراك أفرادها في عنصر أو عدة عناصر كاللغة والدين والأصل والرغبة في العيش المشترك.
العناصر المكونة للأمة تختلف باختلاف الفقهاء، فكل فقيه ينظر إليها من خلال انتمائه إلى بلد معين، مما يدفع به إلى التركيز على عناصر معينة وإهمال أخرى. وأهم ما يمكن الإشارة إليه في هذا المجال هو اندماج مفهوم الأمة والدولة أثناء الثورة الفرنسية حيث أصبح يقال الدولة الفرنسية والأمة الفرنسية.
ومن أهم النظريات التي تناولت موضوع الأمة وتحديد العناصر المكونة لها نذكر:
أولا: النظرية الألمانية.
تعتمد هذه النظرية على عنصر اللغة في تكوين الأمة ومن أشهر القائلين بها المفكران فيخت(Fichte)و هردر (Herder) وذلك تلبية لرغبة الألمان في ضم الألزاس واللورين إلى السيادة الألمانية لأنهما ناطقتان باللغة الألمانية.
ثانيا: النظرية الفرنسية.
جاءت كرد على النظرية الألمانية، حيث ترى أن العنصر المميز للأمة عن الشعب هو الرغبة والإرادة المشتركة في العيش معا داخل حدود معينة، وليس العرق ولا اللغة.
والنقد الذي وجه لهذه النظرية هو أن الرغبة في العيش المشترك هي نتيجة لظهور الأمة وليست عاملا في تكوينها.


ثالثا: النظرية الماركسية.
اقتصر أنصار الشيوعية في تحديد العناصر المكونة للأمة على العامل الاقتصادي. وهذه النظرية كذلك لاقت انتقادا شديدا من جمهور الفقهاء لأن العديد من الأمم استعمرت ولم تصمد سوى الأمم التي بنيت على العوامل المعنوية مثل العواطف والتاريخ المشترك واللغة والدين، ولكن العنصر المادي لم يكن له تأثير في تحريك الأمم ضد مستعمريها.
المطلب الثاني: الإقليم.
يعتبر الإقليم ركنا أساسيا لقيام الدولة، حيث يستقر عليه الشعب بصفة دائمة وتمارس عليه الدولة سلطتها وسيادتها بمفردها دون أن تنازعها أية دولة أخرى في الاختصاص التشريعي والقضائي والإداري، ولا يهم في الإقليم أن يكون كبيرا أو صغيرا، وهو يشمل ما فوق الأرض وما تحتها وطبقات الجو والمياه الإقليمية وما يعلوها إن وجدت. كما يجب أن يكون الإقليم محددا ولكن لا يهم إن كانت تلك الحدود طبيعية أو اصطناعية أو حسابية، كما لا يشترط في الإقليم أن يكون موحدا أو متصلا بل يمكن أن يكون مجزأ ومنفصلا كاندونيسيا واليابان.
ولتوضيح مشتملات الإقليم وطبيعته القانونية، نتناول في الفرع الأول مشتملات الإقليم وفي الفرع الثاني الطبيعة القانونية للإقليم.
الفرع الأول: مشتملات الإقليم.
يشتمل الإقليم على ثلاث مجالات رئيسية وهي المجال الجوي والمجال البحري والمجال الجوي.
أولا: المجال الأرضي.
وهو الجزء المتعلق باليابسة وما تتضمنه من جبال وأنهار وصحاري وغيرها فالمجال الأرضي هو المجال المكاني الذي تمارس عليه الدولة صلاحياتها وكثيرا ما تلجأ الدول إلى توقيع اتفاقيات فيما بينها لترسيم حدودها الإقليمية.
ثانيا: المجال البحري.
المجال البحري يشمل جزء من البحار الملاصقة لشواطئها والتي تسمى بـ: البحر الإقليمي وقد ثار خلاف حول تحديد نطاقه، حيث ذهب البعض إلى تحديده بثلاثة أميال وحددته دول أخرى بستة أميال (الميل = 1852 متر) .

ورغم هذا الخلاف وبعد إبرام الاتفاقية الدولية لسنة 1982 بدأت الدول تتجه إلى جعل الحدود الإقليمية البحرية بـ (12) ميلا على العموم، ستة (06) أميال للمياه الداخلية وفيها سيادة الدولة مطلقة وستة أميال أخرى يسمح فيها بالمرور دون قيد للسفن المدنية. كما أصبحت الدول تحرص على إضافة (12) ميلا أخرى للمنطقة المجاورة للبحر الإقليمي، ومائتي (200) ميلا للمنطقة الاقتصادية الخالصة.
ثالثا: المجال الجوي.
يعتبر من المجال الجوي كل ما يعلو حدود الدولة الإقليمية من هواء وفضاء جوي، وقد بدأ الاهتمام بهذا المجال مع بداية القرن العشرين مرحلة بداية عصر الطيران. ففي سنة 1919 أبرمت الاتفاقية الدولية المتعلقة بتسهيل الملاحة الجوية في باريس، ثم جاءت اتفاقية هافانا سنة 1928 مؤيدة لما جاء في الاتفاقية الأولى وفي سنة 1944 جاءت اتفاقية شيكاغو التي أكدت سيادة الدول على إقليمها الجوي.
وتكمن أهمية الإقليم في أنه المجال الذي تمارس عليه الدولة سيادتها وهو المعبر عن استقلالها غبر أن التطور العلمي في مجال الاتصالات من خلال الأقمار الصناعية بعد غزو الإنسان للفضاء أصبحت تطرح مشاكل في مجال حماية الإقليم مما يمكن أن يهدد سيادة الدولة على إقليمها، مما أصبح يستوجب البحث عن آليات جديدة تكفل حماية قانونية لموضوع سيادة الدولة على لإقليمها.
الفرع الثاني: طبيعة حق الدولة على لإقليمها.
ظهرت عدة نظريات حول طبيعة حق الدولة على إقليمها فمنهم من يكيفها على أنها حق ملكية ومنهم من يرى بأنها حق سيادة ورأي ثالث اعتبرها حق عيني نظامي.
أولا: حق ملكية.
يذهب هذا الرأي إلى أن الدولة هي صاحبة الإقليم وبالتالي فهي تملكه بمشتملاته، وقد انتقد هذا الرأي على اعتبار الدولة مالكة للإقليم يتعارض مع الملكية الخاصة للأفراد.




ثانيا: حق سيادة.
ويذهب البعض الأخر من الفقهاء إلى أن للدولة سيادة وهذه السيادة تتحدد بنطاق الإقليم، وقد انتقدت هذه النظرية أيضا لأن السيادة حسب البعض ترد على أشخاص وليس على أشياء، ويرد على هذا النقد أن السيادة في القانون الدولي لها مدلول قانوني، والذي يعني أن الدولة أعلى سلطة في داخل إقليمها، واعتبار هذا الإقليم النطاق الذي تباشر الدولة سلطتها فيه، وعليه فالسيادة تأخذ معنى السيطرة والهيمنة والإشراف عليه قصد حمايته.
ثالثا: حق عيني نظامي.
تجنبا للانتقادات الموجهة للآراء السابقة، حاول جورج بيردو إعطاء تكييف جديد لحق الدولة على إقليمها، وقال بأن حق الدولة على إقليمها هو حق عيني تأسيسي أو نظامي ( Droit Réel Institutionnel) ينصب غلى الأرض وعلى الإقليم مباشر. وقد انتقد هذا الرأي لعدم وضوح هذا التكييف، وأن فكرة حق عيني نظامي لا يكاد يختلف إلا من حيث الصياغة عن فكرة حق السيادة.
وبالرغم من كل الانتقادات التي وجهت للآراء السابقة، فإن حق السيادة مازال هو السائد في كثير من دساتير دول العالم.
المطلب الثالث: السلطة السياسية.
يستلزم لاستكمال كل العناصر المشكلة للدولة، إنشاء هيئة حاكمة منظمة تتولى باسم الدولة مهمة الإشراف على الإقليم وعلى الشعب المقيم عليه، ورعاية مصالحه وحمايته. لهذا تعتبر السلطة السياسية الركن الجوهري الذي يميز الدولة عن باقي الجماعات الأخرى هذا مع الإشارة إلى أن بعض الفقه أصبح يميز بين السلطة الشرعية والسلطة المشروعة، كما يفرد لسلطة الدولة مميزات خاصة بها.
الفرع الأول: السلطة الشرعية والسلطة المشروعة.
إذا كان الفقه لا يشترط أن تمارس هذه الهيئة الحاكمة السلطة برضا الشعب ويكتفي أن تفرض احترام إرادتها والخضوع لها بالقوة، فإنه مما لا شك فيه أن عامل الرضا والاقتناع بالسلطة الحاكمة مسألة هامة لضمان بقائها وديمومتها وحتى لا تبقى غير قانونية، لهذا يميز الفقهاء بين السلطة الشرعية والسلطة المشروعة.



ـ فالسلطة الشرعية هي السلطة التي تصل إلى سدة الحكم وفقا للقانون الساري المفعول في الدولة. وعندما يقال هذا عمل شرعي أي يتطابق مع القانون بصفة عامة كما يقال شرعية دستورية عندما تتطابق أعمال السلطة مع الدستور.
ـ أما السلطة المشروعة فهي صفة تطلق عادة على سلطة يعتقد الأفراد أنها جاءت وفق ما يؤمنون به من قيم ومعتقدات، وتأتي على العموم عند غياب الشرعية الدستورية ولهذا تستعمل عبارات المشروعية الثورية والمشروعية التاريخية.
وعليه فمصطلح الشرعية يعد أكثر دقة ووضوحا من مصطلح المشروعية الذي يعتمد على عوامل سياسية مختلفة.
الفرع الثاني: مميزات السلطة.
يمكن إجمالها باختصار في:
ـ أنها سلطة عامة وشاملة أي أنها ذات اختصاص يشمل جميع نواحي الحياة في الدولة ويخضع لها جميع الأفراد دون استثناء.
ـ أنها سلطة أصلية ومستقلة بحيث لا تستمد وجودها من غيرها، ومنها تنبع جميع السلطات الأخرى وتكون تابعة لها.
ـ أنها سلطة دائمة أي لا تقبل التأقيت ولا تزول بزوال الحكام.
ـ أنها سلطة تحتكر استخدام القوة العسكرية والمادية والتي تجعلها تسيطر على جميع أرجاء الدولة وهي تنفرد بوضع القوانين وتتولى توقيع الجزاء.
هذه هي الأركان الثلاثة تحضى بشبه إجماع بين الفقهاء، أما الأمر المختلف فيه هو: ما مدى اعتبار الاعتراف الدولي ركنا من أركان الدولة؟
ذهب الفقه في اتجاهين :
الاتجاه الأول يؤيد ضرورة وجود الاعتراف الدولي وهم أنصار الاعتراف المنشئ وهم يعتقدون أن الكيان الذي توافرت فيه الأركان الثلاثة ولم تعترف به الدول والمنظمات الدولية لا يعد دولة.
الاتجاه الثاني وهم أنصار فكرة الاعتراف المقرر وهم يرون أن الدولة تنشأ بمجرد توفر أركانها الثلاثة دون حاجة إلى الاعتراف الدولي لأنه مقرر لأمر سبق نشؤه وبالتالي فهو ليس ركنا من أركان الدولة.

وعليه وبالرجوع إلى واقع العلاقات الدولية لا يؤيد أي من الرأيين على إطلاقه. فالحقيقة أن الدولة تنشأ بمجرد توافر أركانها الثلاثة والاعتراف يعد عنصرا مهما من أجل مساعدتها على تبادل المنافع مع غيرها من الدول والمنظمات الدولية فغياب الاعتراف من شأنه أن يعرقل الدولة على مباشرة حقوقها مع الدول القائمة ومنه فعدم الاعتراف لا يعيق الدولة على التمتع بشخصيتها القانونية.

المبحث الرابع: خصائص الدولة.
تتميز الدولة عن غيرها من المنظمات الأخرى بخصائص رئيسية تتمثل في تمتعها بالشخصية المعنوية وتمتعها بالسيادة وكذا حريتها في تعديل القوانين التي تضعها بشرط انسجامها مع مبدأ خضوع الدولة للقانون.
المطلب الأول: تمتع الدولة بالشخصية المعنوية.
لا يكفي في الدولة توافر الأركان الثلاثة السالفة الذكر، فلكي تستطيع القيام بمهامها يجب أن تكون متمتعة بالشخصية الخاصة بها والمنفصلة عن الأشخاص المكونين لها. مما دفع ببعض الفقهاء إلى تعريف الدولة بأنها تشخيص قانوني للأمة. والدولة بمنحها هذه الشخصية تكون أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات شأنها شأن الأفراد الطبيعيين، مما يجعلها متميزة عن الأشخاص المسيرين لها وكذا استقلال ذمتها المالية عنهم.
غير أن فكرة الشخصية المعنوية للدولة كانت ولا تزال محل خلاف وجدل بين الفقهاء، والذين انقسموا إلى قسمين، الأول ينكرها على الآدمي، والثاني يعترف بها للدولة ولغيرها من التنظيمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى.
وسبب هذا الانقسام يعود في الأساس إلى الخلط بين المدلول اللغوي للشخص والذي يفيد الإنسان الآدمي، والمدلول القانوني للشخص والذي يعني كل من يستطيع أن يكون أهلا لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات وفقا للقانون سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا.
الفرع الأول: الرأي المنكر للشخصية المعنوية للدولة.
ويتمثل هذا الاتجاه في ثلاث مجموعات من الفقهاء هي:


أولا: مجموعة دوجي وأنصاره.
إذ يعتبرون أن الدولة عبارة عن ظاهرة اجتماعية طبيعية تظهر إلى الوجود بمجرد انقسام أفراد المجتمع إلى فئتين فئة حاكمة وفئة محكومة، والفئة الحاكمة هي التي تجسد القانون وتفرض احترامه وتطبيقه، أي الذي يجسد شخصية الدولة هو الحاكم، وأن القول بتمتع الدولة بالشخصية المعنوية أو نسبة إرادة الحاكمين إلى شخص معنوي هي مجرد افتراض، وأنه ليست هناك حاجة لهذا الافتراض طالما كانت تصرفات الأفراد الحاكمين في حدود اختصاصاتهم وتتمشى والقانون، لأنها تكون ملزمة للأفراد استنادا إلى فكرة التضامن الاجتماعي.
نقد: ما يؤخذ على أنصار هذه النظرية أنهم لا يقدمون البديل عن الشخصية المعنوية، الذي يعد كأساس لتفسير مباشرة الدولة لنشاطها كوحدة قانونية، وعليه فهم يحملون الحكام والمسيرين الأخطاء التي ترتكبها الدولة والأشخاص العامة.
ثانيا: مجموعة زعماء النازية.
وعلى رأسهم(روزنبرج) بحيث يرون أن الشغب هو محور النظام السياسي وذلك لأنه هو الذي ينشئ الدولة ويفرض القانون ويمنح السلطة للزعيم رمز الوحدة العرقية الذي يقود المجتمع، ولا يعتبرون الدولة سوى مجرد أجهزة وأنظمة لا تتمتع لا بالسلطة ولا بالشخصية المعنوية.
نقد: لا شك أن هذا الاتجاه كان يهدف إلى تدعيم أنظمة الحكم العنصرية وتبرير الاستبداد في الداخل والاعتداء في الخارج.
ثالثا: مجموعة الفقهاء الماركسيون.
يرى هؤلاء أن الدولة ما هي إلا جهاز وضعته الطبقة الحاكمة لفرض سيطرتها على الطبقة المحكومة، وأن منح الشخصية المعنوية لها ما هو إلا مجرد حيلة لإخفاء ذلك الاستغلال وإجبار الطبقة المحكومة على قبول الأمر الواقع والإيمان بأن ذلك هو قانون الطبيعة أو سنة الحياة، وعليه فالماركسيون يدعون الطبقة المستغلة إلى الثورة من أجل الإطاحة بالنظام وإقامة دولة البرولتارية في مرحلة أولى تمهيدا للانتقال إلى المجتمع الشيوعي حيث تزول الدولة بزوال الصراع.
نقد: في الحقيقة أن الأفكار الماركسية إذا كانت ترى الدولة جهاز استبداد فإن العيب يعود للفلسفة التي يضعها الأفراد لقيام تلك الدولة وتطبيقها.

وعليه يمكن الرد على الاتجاه الرافض لفكرة الشخصية المعنوية للدولة بأن مذهبهم لا يتفق مع بعض الحقائق والواقع الملموس، كما أنه يعجز عن تفسير بعض الظواهر المسلم بها والتي يصعب تفسيرها بغير الاعتراف بالشخصية المعنوية للدولة ومن ذلك:
1) ـ استمرار شخصية الدولة رغم تغير نظام الحكم أو تغير الحكام فيها.
2) ـ وجود ذمة مالية مستقلة بالدولة متميزة عن ذمم الحكام.
3) ـ يعترف بعض المنكرين لشخصية الدولة بالشخصية المعنوية لبعض التقسيمات الإدارية كالمؤسسات وهي جزء من الدولة وهي التي تمنح هذه الوحدات الشخصية المعنوية، وهذا خطأ منطقي إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه.
الفرع الثاني: الرأي المؤيد للشخصية المعنوية للدولة.
يشكل هذا الاتجاه الرأي الغالب في الفقه، فالقانون الروماني أعترف بالشخصية المعنوية للدولة ولبعض الجمعيات والمستشفيات، حيث علاوة على أهمية التمتع بالحقوق وتحمل الالتزامات، هناك تأكيد على الانفصال الحكام والسلطة مما يعني أن الدولة وحدة قانونية مستقلة عن أشخاص الحكام الذين يمارسونها، وأن هذه الوحدة لها طابع الدوام والاستمرار ولا تزول بزوال الأفراد الذين يباشرون الحكم.
ويترتب على الاغتراف بالشخصية المعنوية للدولة عدة نتائج أهمها:
أولا: وحدة الدولة ودائميتها.
ظهور شخص قانوني متميز ومنفصل يعد النتيجة المنطقية للإقرار للدولة بالشخصية المعنوية، والتي تمنح لها صفة الدوام والاستمرار وأن زوال الأشخاص لا يؤثر عنها، فلا يسقط حقوقها ولا يحللها من التزاماتها الداخلية والدولية.
ثانيا: تمتع الدولة بذمة مالية.
يقضي الاعتراف بالشخصية المعنوية للدولة الاعتراف لها بالاستقلال عن الأشخاص الحاكمين، وهذا الاستقلال ينتج عنه أن الدولة لها حقوق وعليها التزامات وللحصول على حقوقها والوفاء بالتزاماتها يجب أن تكون لها ذمة مالية مستقلة عن ذمم الأشخاص المسيرين لها، ومنه فالأعمال والتصرفات التي يقوم بها الأشخاص باسم الدولة ولحسابها تعود إلى ذمة الدولة سواء كانت حقوقا أو التزامات.


ثالثا: المساواة بين الدول.
الاعتراف للدولة بالشخصية المعنوية بعد اكتمال أركانها ينتج عنه ظهور شخص قانوني دولي جديد متساوي مع الدول الأخرى في المعاملة، هذا من الناحية النظرية، أما في الواقع العملي نجد هناك تفاوت بين الدول تتحكم فيه اعتبارات أخرى سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو سكانية في مجال تأثيرها على مجريات الأحداث الدولية.
والخلاصة أن هناك إجماع بين الفقهاء على ضرورة الاعتراف بالشخصية المعنوية والقانونية للدولة، وهي حقيقة لابد منها وليست حيلة قانونية، والاعتراف بها يحقق الكثير من الأهداف ويعين على تفسير الكثير من المشاكل وحلها.
المطلب الثاني: تمتع الدولة بالسيادة.
يعني مصطلح السيادة من الناحية اللغوية المجد والشرف والعلو والسيطرة. أما اصطلاحا فهو يعني السلطة العليا في الدولة وهي مشتقة من الأصل اللاتيني (super attus) وأول من استخدم هذه الكلمة جان بودان في كتابه الجمهورية عام 1576 . ويعرف بعض الفقهاء السيادة بأنها ( السلطة العليا التي تحكم بها دولة ما وأن هذه السلطة يمكن مباشرتها في الداخل أو في الخارج، والسيادة في الخارج تتركز في استقلال مجتمع سياسي معين بالنسبة لكل المجتمعات الأخرى.) والسيادة بالمعنى القانوني هي خاصية من خصائص السلطة السياسية.
ولدراسة موضوع السيادة لابد من التمييز بين سيادة الدولة كخاصية لها أو مظهر من مظاهرها، والسيادة في الدولة أي من هوصاحب السيادة الفعلي في الدولة.
الفرع الأول: سيادة الدولة .
السلطة السياسية في الدولة تتميز بأنها ذات سيادة، والسيادة تعرف على أنها (مجموعة من الاختصاصات تنفرد بها السلطة السياسية في الدولة وتجعل منها عليا وآمرة وتمكنها من فرض إرادتها على غيرها من الأفراد والهيئات، كما تجعلها غير خاضعة لغيرها في الداخل أو في الخارج.).
تعتبر الدولة كاملة السيادة إذا كانت تتمتع بكامل مظاهر سيادتها الداخلية والخارجية وبأن تكون حرة في وضع دستورها واختيار نظام الحكم الذي ترتضيه وتبني النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي تراه مناسبا لها. وتعتبر ناقصة السيادة إذا شاركتها دولة أجنبية أو هيئة دولية في ممارسة اختصاصاتها الأساسية.

وعليه فالسؤال الذي يطرح ما هي مظاهر هذه السيادة وما هي خصائصها؟
أولا: مظاهر السيادة.
أجرى الفقه عدة تقسيمات لسيادة الدولة يمكن حصرها في التقسيمات الرئيسية التالية:
1) ـ السيادة القانونية والسيادة السياسية.
السيادة القانونية معناها سلطة الدولة في إصدار القوانين وتنفيذها، أما السيادة السياسية فتنصرف على الشعب بمفهومه السياسي الذي يتولى عملية اختيار من يسيرون الدولة ويمارسون السيادة القانونية.
2) ـالسيادة الداخلية والسيادة الخارجية.
السيادة الداخلية هي حق الأمر والنهي في مواجهة كل المواطنين وكل القاطنين على إقليم الدولة، دون أن تكون هناك سلطة موازية أو منافسة لسلطة الدولة مع عدم خضوع الدولة في ممارستها لهذه العملية لأي ضغط مادي أو معنوي من أي كان. أما السيادة الخارجية فمعناها عدم خضوع الدولة لأية سلطة أو دولة أجنبية، أي تمتعها بالاستقلال التام أمام غيرها من الدول والمنظمات الدولية، بما ينفي عنها اندماجها أو تبعيتها لوحدات سياسية خارجية، مما يفيد معنى الاستقلال السياسي.
3) ـ السيادة الإقليمية والسيادة الشخصية.
السيادة الإقليمية تعني ممارسة سلطة الدولة على كامل إقليمها وكل ما يوجد به وما يقع عليه من أعمال وتصرفات، أي انسحاب أوامرها ونواهيها وتنفيذ قوانينها على المقيمين على أرضها من أشخاص ( مواطنين أو أجانب)، وأشياء أو حوادث. أما السيادة الشخصية فهي تعني أن سلطة الدولة تتحدد على أساس عنصر الشعب بمعنى أن الدولة يمكنها تتبع الأفراد المكونين لشعبها بأوامرها ونواهيها وقوانينها سواء كانوا داخل أو خارج إقليمها.
4) ـ السيادة السلبية والسيادة الايجابية.
يتجلى مضمون السيادة السلبية في عدم إمكانية إجبار الدولة على القيام بأي نشاط داخلي أو خارجي لا ترغب في القيام به من أي كان سواء دولة أو منظمة دولية. أما السيدة الايجابية فيتجلى مضمونها في عدم إمكانية منع الدولة من القيام بأي نشاط داخلي أو خارجي ترغب في القيام به من أي كان في الداخل أو في الخارج.

ثانيا: خصائص السيادة. يمكن إيجاز خصائص السيادة في الآتي:
1) ـ سيادة الدولة قانونية، أي أنها ليست مجرد حقيقة مادية بل هي حالة أجازها القانون وقررها.
2) ـ إنها عليا وشاملة، أي أنها تسمو فوق الجميع ولا تخضع لأحد وكذلك طاعتها واجبة على كل الأفراد من دون استثناء.
3) ـ إنها دائمة، حيث تتعدى في مداها الزمني عمر جيل كامل، ولا تخضع لعمر القائمين عليها.
4) ـ إنها غير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها ولا تقبل التجزئة.
الفرع الثاني: السيادة في الدولة.
السيادة في الدولة تعني من هو صاحب السيادة الفعلي في واقع الدولة؟
ولعل سبب طرح هذا السؤال يعود بالأساس إلى أن الدولة شخص معنوي مجرد ولابد للسلطة من صاحب يمارسها بصورة فعلية، بمعنى تحديد المالك الفعلي للسيادة. وعلى هذا الأساس ظهرت عدة اتجاهات أهمها:
أولا: السيادة للحاكم.
حتى أواخر القرن الثامن عشر كان يعتقد بأن السيادة للحاكم (الملك) الذي تسلمها من الله، وهي سيادة مطلقة. وساد آنذاك الخلط بين فكرة السلطة السياسية وشخص الملك، وبعد ظهور المبادئ الديمقراطية في العصر الحديث تم هجر هذا الاتجاه، وانقسم الفقهاء إلى اتجاهين في تحديد صاحب السيادة في الدولة، الأول يحصر السيادة في الأمة والثاني ينيطها بالشعب.
ثانيا: السيادة للأمة.
تنسب نظرية سيادة الأمة إلى الفقيه الفرنسي جون جاك روسو الذي ركز في مؤلفه الشهير (العقد الاجتماعي) على مبدأ أساسي هو سيادة الإرادة العامة التي نشأت بالعقد الاجتماعي، وهذه الإرادة ليست حاصل جمع الإرادات الجزئية للأفراد ولكنها إرادة الكائن الجماعي، لذلك قيل بأن السيادة وحدة واحدة لا تتجزأ وغير قابلة للتصرف فيها أو التنازل عنها فهي ملك للأمة وحدها، وقد اعتنقت الثورة الفرنسية هذه الفكرة وحولتها إلى مبدأ دستوري، إذ نص إعلان حقوق الإنسان والمواطن عام 1789 على أنه (الأمة هي مصدر كل سيادة).

ومن أهم النتائج المترتبة عن هذه النظرية:
1) ـ إنها لا تتفق مع الديمقراطية المباشرة وشبه المباشرة التي تأخذ بمبدأ الاستفتاء الشعبي ولكنها تتناسب مع الديمقراطية النيابية والتي يقتصر فيها دور الأفراد على انتخاب ممثليهم في المجلس النيابي، وبالتالي يصبح الانتخاب وظيفة عامة ويمكن اعتماد الاقتراع الإجباري.
2) ـ يعتبر النائب في المجلس النيابي ممثلا للأمة في مجموعها وليس مجرد نائب عن دائرته الانتخابية أو حزبه السياسي فهو وكيل عن الأمة.
وجهت لهذه النظرية عدة انتقادات نوجزها فيما يلي:
1) اعتبار الأمة وحدة مستقلة عن أفرادها يؤدي إلى الاعتراف لها بالشخصية المعنوية، وعليه نصبح أمام شخصين هما الدولة والأمة فأيهما يكون صاحب السيادة.
2) الأخذ بهذه النظرية يؤدي إلى الاستبداد لأن السيادة مطلقة.
3) تشكل هذه النظرية خطرا على حقوق وحريات الأفراد، بحيث تعتبر القوانين مجرد تعبير عن الإرادة العامة وما على الأفراد إلا الخضوع لها حتى لو كانت ضد مصالحهم.
بعد أن أدت هذه النظرية دورها في مواجهة النظريات السابقة التي كانت تعطي السيادة للحاكم، وأمام الانتقادات التي وجهت لها اتجه الفقه إلى البحث عن نظرية أخرى فكان أن ظهرت نظرية سيادة الشعب.
ثالثا: السيادة الشعبية.
تعترف هذه النظرية بالسيادة للشعب باعتباره مكون من أفراد ولدوا أحرارا ومتساوين، بحيث تنقسم السيادة بينهم بشكل متساوي بحيث يكون لكل فرد جزء من هذه السيادة والمقصود بالأفراد هنا هم الشعب بمدلوله السياسي.
من أهم النتائج المترتبة عن هذه النظرية:
1) الانتخاب حق لأن المواطن له جزء من السيادة.
2) الانتخاب حق عام لكل أفراد الشعب بالمفهوم السياسي.
3) تتناسب مع الديمقراطية المباشرة وشبه المباشرة.

4) لا تتماشى إلا مع النظام الجمهوري.
5) القانون يعد تعبيرا عن إرادة الأغلبية بما يجرده من صفة القداسة ويجعله قابلا للمعارضة والإلغاء والتعديل.
6) النائب يعتبر ممثلا لناخبيه وبالتالي لهم حق عزله إذا تجاوز حدود الوكالة الممنوحة له.
وجهت لهذه النظرية عدة انتقادات كذلك وهي تتمثل في:
1) ـ إذا كانت نظرية سيادة الأمة تؤدي إلى بروز شخصين معنويين يتنازعان السيادة فإن نظرية السيادة الشعبية تجزؤها بين أفراد الشعب، فكيف يمكن ممارستها؟ ومن الذي يمارس السيادة الفعلية؟
2) ـ يعتبر النواب تابعين لجمهور الناخبين سواء كانوا على خطأ أو على صواب، دون مراعاة لمصلحة الأجيال القادمة.
3) ـ منطق هذه النظرية قد يؤدي إلى الوقوع في عيب استبداد هيئة الناخبين بالنواب، لما لهم من حق المحاسبة وحتى العزل.
والخلاصة أنه ليس هناك مجال للمفاضلة بين النظريتين لأنهما في الواقع العملي تشتركان في دساتير العديد من دول العالم، حيث حاولت الأخذ بإيجابيات النظريتين عن طريق طرح عدة مبادئ في دساتيرها مثل الاقتراع العام وكذلك استقلالية النواب والاستفتاء الشعبي.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=183918
* وضع المسألة في الدساتير الجزائرية.
في دستور 1963 نجده يشير صراحة إلى أن الشعب هو صاحب السيادة في البند 25 من مقدمة الدستور والمادة العاشرة منه تقضي بأن من أهداف الجمهورية ممارسة السلطة من طرف الشعب وتضيف المادة 27 أن السيادة الوطنية للشعب يمارسها بواسطة ممثليه في المجلس الوطني.
أما دستور 1976 في المادة الخامسة منه نصت على (السيادة الوطنية ملك للشعب يمارسها عن طريق الاستفتاء أو بواسطة ممثليه المنتخبين.)
أما دستور 1989 فقد نصت المادة السادسة على أنه ( السيادة الوطنية ملك للشعب)


أما تعديل 1996 فقد نصت المادة السادسة الفقرة الثانية (السيادة الوطنية ملك للشعب وحده) وأضافت المادة السابعة الفقرة الثانية والثالثة أنه : (...يمارس الشعب سيادته بواسطة المؤسسات الدستورية التي يختارها، يمارس الشعب هذه السيادة عن طريق الاستفتاء وبواسطة ممثليه المنتخبين..)
المطلب الثالث: خضوع الدولة للقانون.
لقد أصبحت مسألة خضوع الدولة للقانون خاصية تتميز بها الدولة الحديثة ومبدأ من المبادئ الدستورية التي تجتهد كل الدول في تطبيقها واحترامها، ويعني هذا المبدأ بصفة عامة خضوع الحكام وكافة أجهزة ومؤسسات الدولة الممارسة للسلطة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) للقانون، أي أن تتقيد جميع قرارات وأعمال السلطات العامة بالقانون الموضوع سلفا مثلها مثل الأفراد، إلى أن يعدل أو يلغى ذلك القانون طبقا لإجراءات وطرق معروفة ومحددة مسبقا، ويعرف هذا المبدأ بمبدأ الشرعية. ومنه فالدولة ليست لها حرية مطلقة في وضع القانون وتعديله بل هناك ضوابط وشروط محددة يجب التقيد بها.
الفرع الأول: النظريات المفسرة لخضوع الدولة للقانون.
أهم هذه النظريات تتمثل فيما يلي:
أولا: نظرية القانون الطبيعي.
ترى هذه النظرية أن هناك قانون طبيعي يسمو على الجميع وهو يعني مجموعة المبادئ الخالدة التي يجب أن تحكم السلوك البشري، لأنها منبثقة عن طبيعة الإنسان باعتباره كائنا عاقلا واجتماعيا، هذا القانون يعد سابقا في وجوده للدولة ولذلك فهو قيد على الحكام الذين عليهم الالتزام به.
تنتقد هذه النظرية بسبب غموضها، حيث يمكن للحكام أن يضعوا ما يشاءون من القوانين والادعاء بأنها مطابقة أو مستخلصة من القواعد الطبيعية. الأمر الثاني إن القانون متغير ومتطور حسب تطور المجتمع في حين تكون القوانين الطبيعية ثابتة.
ثانيا: نظرية الحقوق الفردية.
مفادها أن للفرد حقوقه الطبيعية التي تولد معه ولذا فهي سابقة للدولة للجماعة نفسها، وأن الفرد لا يتنازل عنها بانضمامه إلى أي تنظيم سياسي كالدولة بل إن الدولة تنشأ من أجل حماية ودعم تلك الحقوق التي تشكل علة وجودها.

ثالثا: نظرية التقييد الذاتي.
الدولة بحكم سيادتها لا يصح لها أن تخضع للقانون الذي تضعه بنفسها خضوعا مطلقا، أو أن يكون هناك من يجبرها على احترامه لأن ذلك يفقدها الحرية من أجل أداء مهامها، غير أن الدولة مضطرة لأن تحترم القانون وتطبقه من أجل القيام بوظيفتها وتحقيق العدالة والأمن ومن أجل ضمان طاعة المحكومين لها.
أهم انتقاد وجه لهذه النظرية جاء من الفقيه الفرنسي ليون دوجي الذي خلص إلى أنه لا خضوع إذا كان الخضوع مصدره محض الإرادة الذاتية للخاضع، أن القيد الذي ينشأ ويعدل ويلغى بإرادة من يتقيد به ليس قيدا على الإطلاق، فهذه النظرية تبقي الباب مفتوحا على عدم الالتزام بالقانون من قبل الحكام، لأن من يضع القانون يستطيع التحلل منه بمجرد تعديله أو إلغائه.
رابعا: نظرية التضامن الاجتماعي.
دعا إليها ليون دوجي، والذي يرى بأن الدولة مقيدة بقواعد القانون الوضعي الذي يفرضه التضامن الاجتماعي باعتباره حقيقة وضرورة اجتماعية وهو الذي أدى إلى نشأة الدولة ويفسر أساس مشروعية السلطة وعليه فالتضامن الاجتماعي هو الذي يحد من سلطة الحاكم ويعتبر قيدا عليها.
لقد انتقدت هذه النظرية، لأن الصفة الوضعية للقاعدة القانونية لا تكتسب إلا بواسطة الدولة وهي التي تحدد مضمون القاعدة وهي مصدرها وليس اعتناق الأفراد لها.
هذه هي النظريات التي حاولت إيجاد أساس لتفسير التزام السلطة بالقواعد القانونية عندما تمارس مهامها، وتعد نظرية التقييد الذاتي للإرادة أقرب النظريات للواقع.
الفرع الثاني: الوسائل العملية الكفيلة بخضوع الدولة للقانون.
أهم ما يميز الدولة القانونية عن غيرها من الدول هو كونها خاضعة للقواعد القانونية في جميع نشاطاتها، ولكي تستطيع تجسيد دولة القانون حقيقة يجب أن تتوفر على ضمانات أساسية من أهمها ما يلي:
أولا: وجود دستور للدولة، أي أن يكون الدستور مكتوبا وغير قابل للتعديل إلا وفق شروط وإجراءات خاصة ومعقدة أحيانا، مما يلزم الحكام باحترامه وعدم تغيير القوانين بحسب أهوائهم فهو المحدد لسلطات الدولة وحقوق وحريات الأفراد.

ثانيا: تدرج القواعد القانونية، ويقصد به وجوب خضوع القاعدة الأدنى للقاعدة الأعلى شكلا ومضمونا فيكون الدستور على رأس هذه القوانين التي يجب أن تصدرها السلطة من خلال إتباع إجراءات محددة، فيكون هذا التسلسل على النحو التالي الدستور ثم المعاهدات الدولية بعد توقيع وتصديق الدولة عليها، ثم القوانين العضوية فالقوانين العادية وأخيرا اللوائح والقرارات التنظيمية التي تشكل قاعدة هذا الهرم.
ثالثا: مبدأ الفصل بين السلطات، بحيث يجب على كل سلطة من السلطات العامة في الدولة أن تحترم القواعد التي وضعها الدستور لممارسة اختصاصاتها بحيث لا تخرج عن حدود هذه الاختصاصات أو تتعدى على اختصاصات سلطة أخرى، وهذا يلزم تخصص السلطة التشريعية في سن القوانين والسلطة التنفيذية في تنفيذ تلك القوانين والسلطة القضائية في تطبيق القوانين على المنازعات التي تنشأ أثناء التنفيذ. وهكذا يمكن لكل سلطة أن توقف الأخرى إذا تعدت اختصاصاتها وهذا ما عبر عنه مونتسكيو في مؤلفه الشهير روح القوانين(L'épris des lois ) بأن (السلطة توقف السلطة) ومنه يصبح هذا المبدأ ضمانة أساسية لدولة القانون.
رابعا: سيادة القانون أي أن على الجميع احترام القوانين بحيث تتحقق من خلال مبدأ المساواة بين أفراد الشعب أمام النصوص القانونية.
خامسا: الاعتراف بالحقوق والحريات العامة، حيث يفترض نظام الدولة القانونية كفالة مبدأ المساواة وحماية حقوق الأفراد وحرياتهم في مواجهة سلطة الدولة ولا يطلب من الدولة مجرد احترام تلك الحقوق بل يفرض عليها كفالتها وضمان ممارستها.
سادسا: تنظيم رقابة قضائية واستقلاليتها، حيث تعتبر الرقابة القضائية وسيلة ناجعة لحماية الفرد من تعسف السلطة بمختلف أشكاله وهذا لا يسود إلا بالتأكيد على استقلال القضاء وعدم تبعيته لأي سلطة.






المبحث الخامس: أشكال ووظائف الدول.
لا شك أن سبب قيام الدولة هو تحقيق الأمن والخير والرفاهية، وعليه فقد حاولت المذاهب المختلفة التوفيق بين مهام توفير الحاجات العامة للأفراد ـ ولن يتأتى ذلك إلا بتدعيم سلطة الدولة ـ وبين الرغبة في الحفاظ على حريات الأفراد وحقوقهم مما يدفع نحو البحث عن توازن وتوفيق بين الحرية للأفراد والدعم لسلطة الدولة فشكل هذه السلطة هو الذي يحدد شكل الدولة والوظيفة المناطة بها وطبيعة تلك الوظيفة. وعليه سنتناول أشكال الدول في المطلب الأول ووظائفها في المطلب الثاني.
المطلب الأول: أشكال الدول.
تنصب دراسة هذا العنصر حول الصور التي يمكن أن تتخذها الدولة في مجال تركيب وتكوين السلطة فيها، فقد توصف بأنها موحدة عندما لا توجد على إقليم الدولة سوى سلطة واحدة، فيطلق عليها تسمية الدولة البسيطة أو الموحدة، وقد تتعدد فيها السلطة فتسمى دولة مركبة أو دولة اتحادية.
الفرع الأول: الدولة البسيطة أو الموحدة.
نحاول في البداية تعريف الدولة البسيطة ثم التطرق إلى أساليب التسيير الإداري في هذا النوع من الدول.
أولا: تعريف الدولة البسيطة.
يقصد بالدولة البسيطة أو الموحدة كما يدل عليها اسمها الدولة التي تبدو في أبسط صورها ككتلة واحدة من الناحية الداخلية والخارجية، حيث تباشر فيها السلطات التنفيذية من طرف هيئة واحدة ولها دستور واحد وهيئة تشريعية واحدة وشخصية وسيادة واحدة، إلى جانب وحدة القضاء. ومن هنا يظهر أن الدولة الموحدة هي دولة ذات نظام واحد بغض النظر على شكل الحكم، فقد يكون جمهوريا أو ملكيا أو ديمقراطيا أو ديكتاتوريا. ومن أمثلة الدول البسيطة الجزائر وليبيا والمغرب.
غير أن وحدة التشريع والقضاء وخضوع الدولة لدستور واحد لا يعني أيضا ضرورة وحدة التنظيم الإداري فقد تتبع الدولة أسلوب المركزية الإدارية بتجميع الوظيفة الإدارية في يد السلطة التنفيذية التي تعيين موظفين يتولون إدارتها على مستوى القمة وفي الإقليم، والأخذ بهذا النظام ينتج عنه مباشرة رقابة مركزية مستمرة على الأجهزة الإدارية والإقليمية على السواء.


ثانيا: الدولة البسيطة واللامركزية الإدارية.
قد تتبع الدولة أسلوب اللامركزية فتوزع الوظيفة الإدارية بين السلطة المركزية والهيئات اللامركزية المستقلة، فتقوم هذه الأخيرة بوظيفتها الإدارية دون الخضوع أو الرجوع إلى السلطة المركزية، وإن كانت تخضع لرقابتها حتى لا تنعدم وحدة الاتجاه الإداري في الدولة. وهذا يعني أن اللامركزية تختلف عن المركزية ليس في الدرجة وإنما في الطبيعة، وأن الهيئة المحلية تتمتع بسلطة التسيير الذاتي الأمر الذي يجعلها بمثابة سلطة مضادة للحكومة، فضلا عن أن اللامركزية تهدف إلى تحقيق ديمقراطية أوسع، وعليه فاللامركزية تتطلب تمتع الهيئات المحلية بالاستقلالية الإدارية وبالشخصية المعنوية، هذا من الناحية الإدارية أما من الناحية التشريعية فإن وحدة السلطة التشريعية في الدولة لا تمنع من تعدد التشريعات في الأقاليم المختلفة التابعة للدولة الموحدة إذا كان مصدر التشريع واحد ويتمثل في السلطة التشريعية في الدولة وهي البرلمان.
الفرع الثاني: الدولة المركبة.
يطلق مصطلح الدولة المركبة في الفقه الدستوري عندما يظهر اتحاد بين دولتين أو أكثر ويرتبونها من أضعفها إلى أقواها كما يلي:(الاتحاد الشخصي ثم الاتحاد الحقيقي أو الفعلي تم الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي وأخيرا الاتحاد المركزي أو الفدرالي.) ولكن الشكل الذي يصح حقا أن يعتبر دولة مركبة هو الاتحاد الأخير أي الاتحاد الفدرالي المركزي، أما الاتحادات الأخرى فهي اتحادات بين دول يهتم بدراستها القانون الدولي أكثر من اهتمام القانون الدستوري بها.
وعليه سوف نتناول في الفرع الأول الاتحادات بين الدول ثم الفرع الثاني نفرده للدولة الاتحادية الفدرالية.
أولا: الاتحادات بين الدول.
أهم هذه الاتحادات هي الاتحاد الشخصي والاتحاد الحقيقي والاتحاد التعاهدي، نتناولها على النحو التالي:
1) الاتحاد الشخصي: هو اتحاد بين دولتين تحت سلطة رئيس واحد نتيجة ارتباط عرشين بفعل المصاهرة، كأن يتزوج ملك دولة بملكة دولة أخرى أو اتفاق بين رئيسي دولتين أو أكثر لإقامة اتحاد شخصي، ويعتبر هذا الاتحاد من أضعف أنواع الاتحادات لأن المظهر يكمن في وحدة رئيس الدولة المتحدة لا غير والدول تبقى محتفظة بشخصيتها الدولية.

ومن أهم الأمثلة على الاتحادات الشخصية ذلك الذي وقع بين انجلترا وهانوفر سنة 1714 وكذلك الاتحاد بين لوكسمبورج وهولندا عام 1815 وانتهى في 1890.
2) الاتحاد الحقيقي: ينشأ ا الاتحاد بين دولتين أو أكثر، غير أنه لا يكون عرضيا بل نتيجة اتفاق يقع بين الدول التي تريد إنشاءه، فيظهر بذلك شخص دولي جديد يتمثل في دولة الاتحاد، حيث تفقد الدول شخصيتها الدولية، فيكون لها رئيس واحد وتبرم المعاهدات والعقود باسمها.
ومن أمثلة هذا الاتحاد ذلك الذي قام بين النمسا والمجر من عام 1867 إلى 1918 والاتحاد بين السويد والنرويج من عام 1815 إلى 1905.
3) الاتحاد التعاهدي أو الاستقلالي (الكونفدرالي): هو اتحاد يضم دولتين أوأكثر على أن تبقى كل دولة لها سيادتها الداخلية والخارجية ورئيسها الخاص، ويقوم هذا الاتحاد على أساس اتفاق يرمي إلى تنسيق الشؤون الاقتصادية أو الاجتماعية أو العسكرية، فتنشأ هيئة تسمى مجلس أومؤتمر تكون مهمتها تحقيق الأغراض التي وجد من أجلها، هذه الهيئة تختارها حكومات الدول المتحدة وقراراتها ليست ملزمة إلا إذا وافقت عليها الدول الأعضاء.
وأهم ما يترتب على هذا النوع من الاتحاد ما يلي:
ـ الدولة تبقى مستقلة داخليا وخارجيا.
ـ قيام هذا الاتحاد لا يتطلب تشابه الأنظمة.
ـ الحرب التي تقوم بين دول الاتحاد تعد حربا دولية.
ـ العضو الذي لا يتقيد بما ورد في الاتفاق يمكن فصله بالإجماع من قبل الأعضاء .
وأهم نماذج عن هذا النوع من الاتحادات الاتحاد السويسري في بداية تكوينه والاتحاد الأمريكي بعد استقلال 13 مقاطعة عن بريطانيا عام 1776 .هذا قبل أن يتحولا إلى اتحاد فيدرالي فيما بعد.ويرى بعض الفقهاء أن جامعة الدول العربية المنشأة عام 1945 وكذلك منظمة الوحدة الإفريقية تعد نوعا من الاتحادات التعاهدية أو الاستقلالية.


ثانيا: الاتحاد الفيدرالي.
ينشأ هذا النوع من الاتحادات نتيجة اندماج دولتين أو أكثر في اتحاد دائم قصد توحيد أوجه النشاط، بحيث تعد الأكثر انصهارا من بين الاتحادات بين الدول وأقواها ارتباطا بحيث تفقد الدول شخصيتها الدولية وسيادتها الخارجية، وهو يمثل دولة موحدة على المستوى الخارجي ودول متحدة على المستوى الداخلي، وأي نزاع يقع بين الدويلات يعد نزاعا داخليا ويتم حله بحسب النصوص الدستورية وليس حسب قواعد القانون الدولي. ورعايا الاتحاد لهم جنسية واحدة هي جنسية دولة الاتحاد، أما السيادة الداخلية فإنها مشتركة بين الدويلات ودولة الاتحاد المركزية. ووفقا لذلك يكون لكل دويلة في الاتحاد دستورها الخاص بها، وبالتالي لها سلطاتها الثلاث مثلما هو مقرر في الدستور الاتحادي، المنظم لسلطات واختصاصات ومجالات نشاط دولة الاتحاد.
وقد يتكون هذا الاتحاد إما بتجمع دول كانت في الأصل مستقلة، وإما بتفكك دولة كانت في الأصل موحدة إلى دويلات ولكنها لا ترغب في الانفصال التام والكلي عن الدولة الأم ولكن تريد أن تبقى مرتبطة في إطار اتحاد يمنح لها الاستقلال الذاتي الداخلي. ويتميز هذا الاتحاد بأنه ينشأ عن طريق دستور وليس عن طريق معاهدة وبالتالي فالعلاقة بين الدويلات الأعضاء في الدولة الاتحادية تحكمها نصوص الدستور وليس القانون الدولي.
يتميز هذا الاتحاد بخصائص أساسية نجملها فيما يلي:
1) توزيع الاختصاصات بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات وتكون إما بتحديد اختصاصات الحكومة المركزية والباقي يترك للولايات مثل الاتحاد السوفيتي، وإما بتحديد اختصاصات الولايات ويترك الباقي للحكومة المركزية مثل كندا، وإما بتحديد اختصاصات كل من الحكومة المركزية والولايات على سبيل الحصر، وهذه الأخيرة عيب عليها أنها لا تراعي التطور الذي يعرفه المجتمع والدولة.
2) وجود دستور مكتوب.
3) ضرورة وجود قضاء فيدرالي.
4) تمثيل الدويلات في الهيئة التشريعية للاتحاد.
5) تمتع رعايا الاتحاد بجنسية واحدة.


هذا النوع من الاتحادات يتميز بتنوع واختلاف أنماطه من دولة لأخرى ولا يمكن توضيح الأمر إلا من خلال استعراض نماذج من هذه الدول
1) النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية: يقوم نظام السلطة المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية على ثلاثية الهيئات، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
ـ الهيئة التشريعية وتتمثل في مجلسين حفاظا على تمثيل الشعب والولايات بطريقة عادلة، مجلس النواب ينتخب من قبل الشعب ومجلس الشيوخ يمثل الولايات بالتساوي اثنان عن كل ولاية بصرف النظر عن عدد سكانها.
ـ الهيئة التنفيذية ويوجد على رأسها شخص واحد هو رئيس الدولة المنتخب من قبل الشعب ويساعده في ذلك كتاب دولة (وليسوا وزراء) يعينهم ويقيلهم متى شاء ولا يتقيد بآرائهم إلا عن رض منه والرئيس هو المكلف بتنفيذ القوانين.
ـ الهيئة القضائية و تتمثل في السلطة القضائية المركزية والتي أسندت إلى المحكمة العليا الفيدرالية التي تقوم بدور أساسي في تفسير أحكام الدستور والفصل في المنازعات التي تثور بين الولايات والحكومة المركزية أو المنازعات التي تثور بين الولايات فيما بينها كما تقوم بمراقبة مدى احترام الدستور والقوانين والأحكام الصادرة عن المحاكم الموجودة على مستوى الولايات .
2) النظام الفيدرالي السويسري: يضم هذا الاتحاد المركزي (22) مقاطعة بعد الاتفاق الذي وقع عام 1815 والذي توج بدستور 12 سبتمبر 1848 والمعدل عام 1874. والهيئات المركزية في الاتحاد السويسري هي:
ـ مجلس الدول: والذي تمثل فيه المقاطعات بالتساوي ويهتم بالمسائل التشريعية والتنفيذية غير أن هذه الوظيفة يعهد بها إلى مجلس اتحادي يختاره مجلس الدول لمدة أربع سنوات، توجد إلى جانب المجلس محكمة فيدرالية يعهد لها حل المنازعات التي تقوم بين المقاطعات والدولة الاتحادية، وأهم ما يميز النظام السويسري مظهر الديمقراطية المباشرة عن طريق أسلوب الاستفتاء.





المطلب الثاني: وظائف الدول.
هناك جملة من النظريات تناولت الوظيفة الأساسية للدولة، وكان الاختلاف يعتمد أساسا على تباين نظامين اقتصاديين هما النظام الليبرالي والنظام الاشتراكي ثم محاولة التوفيق بين التوجهين لطرح نظرية ثالثة.
الفرع الأول:وظائف الدولة في ظل النظام الليبرالي الحر.
الأفكار التي تقوم عليها الأنظمة الحرة تجد أساسها الفلسفي في المذهب الفردي فهو يشجع روح التنافس والابتكار فتكثر الخيرات ويزداد التطور وكل ذلك في صالح المجتمع، وبالتالي فإن الملكية الخاصة ضرورية للفرد، وطبقا لهذا المذهب فإن الدولة لا تمارس إلا تلك الوظائف التي تسمح لها بالحفاظ على كيانها وبقائها لمواجهة العدوان الخارجي والحفاظ على الأمن والنظام داخل إقليمها، وبالتالي فإن وظائفها تنحصر في مرافق الدفاع والأمن والقضاء. وتعتبر أن تجاوز هذا الحد يؤدي إلى المساس بحقوق وحريات الأفراد.
ولكن بسبب الحرب العالمية الأولى وكذا الأزمة الاقتصادية العالمية وجدت الدولة نفسها مضطرة للتدخل لحل مشاكلها ومواجهة الأزمات، وبالتالي تخلت عن مفهوم الدولة الحارسة، وتبنت مفهوم الدولة المتدخلة.
الفرع الثاني: وظائف الدولة في ظل النظام الاشتراكي.
يعد القرن العشرين هو بحق قرن الاشتراكية، حيث وجدت فيه الأفكار الاشتراكية طريقها للتطبيق العملي الناجح، ولكن معتنقي هذه الأفكار انقسموا إلى متطرفين ومعتدلين، وبالرغم من هذا الانقسام هناك خصائص مشتركة بينهما يمكن إجمالها في ما يلي:
1) من الناحية السياسية: تؤمن هذه المذاهب بأن المصلحة العامة فوق المصلحة الخاصة، وتقوم بتطبيق هذا التوجه فعلا.
2) من الناحية الاجتماعية: تهدف إلى إلغاء الفوارق بين الطبقات أو الفئات المختلفة داخل المجتمع.
3) من الناحية الاقتصادية: تهدف إلى القضاء على الرأسمالية وتحويل أغلب وسائل الإنتاج على الأقل إلى ملكية عامة .
هذه جملة من النقاط المشتركة بين المذاهب الاشتراكية المتطرفة منها والمعتدلة، إلا أن هناك نقاط اختلاف جوهرية فيما بينها منها:

1) بالنسبة للملكية الخاصة نجد الاشتراكية المتطرفة ترى ضرورة إلغائها نهائيا، أما الاشتراكية المعتدلة فتقتصر على وجوب جعل أغلب وسائل الإنتاج ملكية عامة وتبقي الملكية الخاصة في نطاق ملكية وسائل الاستهلاك أو وسائل الإنتاج الصغيرة.
2) أما توزيع الدخل القومي فترى الاشتراكية المتطرفة يوزع بحسب حاجات كل فرد عند وصولها إلى مرحلة الشيوعية، في حين ترى الاشتراكية المعتدلة أن التوزيع ينبغي أن يكون بحسب عمل وظروف كل فرد.
3) أما النظام النقدي فترى الاشتراكية المتطرفة ضرورة إلغائه عند بلوغ مرحلة الشيوعية، فيحصل كل فرد على حاجاته عينا. في حين ترى الاشتراكية المعتدلة ضرورة استمرار النظام النقدي فيحصل الأفراد على نصيبهم من الدخل القومي في صورة أجور ومرتبات نقدية.
4) في موضوع الدولة ترى الاشتراكية المتطرفة أنها نظاما مؤقتا يزول بزوال الصراع الطبقي عند مرحلة الشيوعية. بخلاف الاشتراكية المعتدلة التي ترى فيها نظام لابد منه.
5) ترى الاشتراكية المتطرفة أن التحول إلى الاشتراكية لا يتم إلا بالعنف والقضاء على الخصوم وإلغاء الملكية الفردية عن طريق المصادرة واستيلاء الطبقة العاملة على السلطة لتحكم حكما دكتاتوريا تمهيدا للشيوعية. في حين ترى الاشتراكية المعتدلة ضرورة أن يتم التحول الاشتراكي بوسائل دستورية ديمقراطية بعيدة عن العنف والدكتاتورية.
ومنه نخلص إلى أن وظيفة الدولة الاشتراكية تهدف أساسا إلى تحقيق العدالة وذلك عن طريق تدخلها وتملكها لوسائل الإنتاج والقضاء على الاستغلال والمنافسة بين الأفراد وتوزيع الإنتاج بينهم من خلال إعلاء مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد.
تعرض هذا المذهب إلى جملة انتقادات من قبل المذاهب الأخرى ومن أهمها:
1) القضاء على نشاط الأفراد وإضعاف روح الابتكار عندهم نتيجة حرمانه من حق الملكية.
2) تعويض استغلال الطبقة الرأسمالية لجهد العمال باستغلال أخر يتمثل في الطبقة البيروقراطية والتقنوقراطية، ومحترفي السياسة.

الفرع الثالث: الوظيفة الحديثة (المذهب الاجتماعي).
هذه الوظيفة الحديثة حولت الدولة إلى متدخلة في مختلف المجالات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة لارتباط مختلف النشاطات ببعضها، الأمر الذي يستلزم تدخل الدولة لتنظيم هذه النشاطات بطرق مختلفة، فضلا عن أن هذه النشاطات تهم الأفراد والدولة مكلفة بحماية مواطنيها، حيث لم تعد تقتصر على الأمن والدفاع والقضاء.بل أصبح كل ما يتصل بالفرد يهم الدولة فغدت الدولة تهتم بالتعليم وتنظمه وتشرف عليه وتهتم بالنشاطات الاقتصادية بل وتمارسها وتشجع الفن وتحمي الطبيعة وما إلى ذلك من أوجه الحياة التي تقتضي تدخلها بهدف التنمية وتوفير كل ما يحتاجه الفرد والجماعة بتوجيه الإنتاج الاقتصادي والثقافي وتنظيم توزيعه بما يضمن استدراك التخلف الذي عرفته بسبب قلة مواردها المختلفة أو بسبب سوء استعمالها. كما يهدف تدخل الدولة إلى إشباع الحاجات العامة والمتزايدة والمتشابكة وتهيئة المناخ الاقتصادي والاجتماعي الملائم للممارسة الفعلية للحقوق والحريات(الدفاع عن الفرد وعن الجماعة ضد البطالة والفقر.).













الفصل الثاني: النظرية العامة للدساتير.

الدولة الحديثة تسعى دوما للتوفيق بين الحريات الفردية والمصلحة العامة وعلى هذا الأساس فإن الدستور هو الذي ينظم هذا التعايش السلمي بين سلطة الدولة وحرية الأفراد، بين أنانية الفرد وحاجات الجماعة عن طريق النصوص الدستورية.
لكن ما يمكن التنبيه إليه هو أن الدستور بصورته الحالية لم يظهر في أوربا إلا في أواخر القرن الثامن عشر إبان الثورتين الفرنسية والأمريكية، لأنه قبل ذلك كانت المجتمعات الغربية تعتمد بصفة أساسية على العرف في تسيير حياتها العامة.
يدور مفهوم القانون الدستوري حول فكرة تنظيم الحكم في الدولة وحول طريقة ممارسة السلطات العامة لاختصاصاتها.
وعليه سنتناول خلال هذا الفصل المباحث التالية:
المبحث الأول: مفهوم القانون الدستوري.
المبحث الثاني: مصادر القانون الدستوري.
المبحث الثالث: أنواع الدساتير وأساليب نشأتها.
المبحث الرابع: سمو الدساتير والرقابة على دستورية القوانين.








المبحث الأول: مفهوم القانون الدستوري.
يمكن القول بأن فكرة الدستور لم تظهر متأخرة عن نظام الدولة، وإنما كانت معاصرة لقيام أي مجتمع سياسي منظم، باعتبار أن الصراعات السياسية على السلطة كانت قائمة منذ العصور القديمة وهو ما دفع إلى وجوب الاستمرار في البحث من أجل إيجاد وسائل وأدوات ملائمة لتنظيم أعمال السلطة في المجتمع من أجل التحكم في الأوضاع القائمة وعدم السماح بقيام حكم الطغيان والاستبداد. وعليه وعبر امتداد التاريخ نشأت قواعد قانونية تضبط أعمال السلطة فتجعلها منتظمة في إطار القانون.
بناء على ما ترسب في الغرب من أفكار سياسية والتي قامت أساسا على فكرة القانون الطبيعي والعقد الاجتماعي، فإن قواعد القانون الدستوري كانت تخضع بالأساس إلى فلسفة واضعي الدستور.
نتناول خلال هذا المبحث ثلاثة مطالب هي المطلب الأول تعريف القانون الدستوري، والمطلب الثاني موقع وعلاقة القانون الدستوري بفروع القانون الأخرى والمطلب الثالث التفرقة بين القانون الدستوري والمصطلحات المشابهة له.
المطلب الأول: تعريف القانون الدستوري.
إذا كان لابد لكل مجتمع من قواعد قانونية ينصاع أفراده إليها فمن باب أولى أن يكون لكل مجتمع سياسي ـ الدولة ـ قانون أساسي ينظم الحياة الدستورية فيها. وهذا يعني أن القواعد المنظمة للحكم في الدولة التي لها علاقة بموضوعات القانون الدستوري والتي تكون معاصرة لقيام أي مجتمع سياسي. فمن خلال تراكمات تجارب الدول والبحث عن حلول للصراعات القائمة تولدت القواعد الدستورية في الدولة. لكن يبقى أن نشير إلى أنه رغم كثرة الدراسات وشيوع اصطلاح (القانون الدستوري) في الفقه الدستوري الوضعي، إلا أن الفقهاء اختلفوا في وضع تعريف جامع مانع، وتنوعت تعريفاتهم من حيث الزاوية التي ينظر من خلالها كل فقيه لهذا الموضوع، وبحسب المعايير التي يعتمد عليها في تحديد نطاقه وتعريفه، وتنحصر أهم المعايير في المعيار اللغوي والمعيار التاريخي والمعيار الشكلي والمعيار الموضوعي.
الفرع الأول: المعيار اللغوي.
بعني اصطلاح كلمة دستور (Constitution) باللغة الفرنسية والانجليزية التأسيس أو البناء أو النظام. أما باللغة العربية فالمصطلح من أصل فارسي يتكون من كلمتين (دست) ومعناها قاعدة و(ور) ومعناها صاحب.

وفي اللغة الفارسية المعاصرة أصبحت تعني القاعدة أو القانون. وقد استعمله العثمانيون لأول مرة في دستورهم الوضعي الصادر في 1876 . أما في القديم فإنه استعمل بمعنى دفتر أو مجلد تدون فيه قوانين الدولة.
وعليه ومن خلال هذا المفهوم اللغوي للقانون الدستوري جاء تعريفه بأنه: (مجموعة القواعد القانونية التي تنظم أساس الدولة وتحدد تكوينها) هذا التعريف يوسع نطاق القانون الدستوري إلى مجالات ليست من اختصاصه بحسب ما أجمع عليه الفقه مثل القانون الإداري والنظام القضائي وحتى قوانين الجنسية، ومنه وجهت لهذا التعريف انتقادات كثيرة.
الفرع الثاني: المعيار التاريخي.
منذ أواخر القرن الثامن عشر بدأت الجامعات الايطالية في تدريس مادة القانون الدستوري وبالضبط في عام 1797، في جامعة فيراري. أما في فرنسا فقد أنشئ أول كرسي القانون الدستوري من طرف (جيزو) وزير التعليم عام 1834، في عهد حكومة لويس فيليب الأورلياني. فقد حاول جيزو ربط القانون الدستوري بالدستور حيث حاول نشر الأفكار الليبرالية والنظام النيابي الذي تأثرت به فرنسا في تلك الحقبة. وعليه عرف الفقهاء القانون الدستوري في القرن التاسع عشر بأنه (مجموعة القواعد القانونية التي تحدد السلطات العامة وحقوق الأفراد في ظل نظام نيابي حر) وبالتالي فهم يعتبرون أن القانون الدستوري لا يوجد إلا في ظل النظام النيابي الحر.
الفرع الثالث: المعيار الشكلي.
هناك من الفقهاء من يعتمد في تعريف القانون الدستوري على الجانب الشكلي وعلى ما احتوت عليه الوثيقة الدستورية الرسمية من قواعد، أما باقي القواعد الدستورية غير المدونة فلا يعتبرها هذا الاتجاه الفقهي من القواعد الدستورية الرسمية. بالرغم من أهمية وواقعية هذا الاتجاه الذي يمتاز بالوضوح، وتطبيقه مرتبط بالوثيقة الدستورية التي يسهل التعرف عليها، إلا أنه وجهت لها عدة انتقادات أهمها:
1) هناك موضوعات تعد من صميم القانون الدستوري ولا يتم إدراجها ضمن الوثيقة الدستورية.
2) هناك ما يمكن أن يدرج ضمن الوثيقة الدستورية وهو ليس من موضوعات القانون الدستوري مثل صرف المياه وإنتاج الأدوية أو تهمل نصوص هامة مثل نظام الانتخابات والأحزاب السياسية.

وعليه يمكن اعتبار المعيار الشكلي عاجز عن تقديم تعريف جامع مانع يحدد المدلول الحقيقي للقانون الدستوري.
الفرع الرابع: المعيار الموضوعي.
بسبب الانتقادات الشديدة التي وجهت إلى المعيار الشكلي الذي أخذ بالاعتبارات الشكلية لتعريف القانون الدستوري، ظهر المذهب الموضوعي أو المادي لإعطاء تعريف يتجاوز تلك الانتقادات، وعليه فوفقا لهذا الاتجاه يتضمن القانون الدستوري جميع القواعد التي لها علاقة بموضوع السلطة سواء جاءت في الوثيقة الدستورية الرسمية المعتمدة لدى الدولة أم هي قواعد عرفية غبر مدونة أم قواعد تشريعية تصدر من البرلمان لتنظيم السلطة كقانون الانتخابات مثلا فكل القواعد المنظمة للسلطة واختصاصاتها والتي تبين نشاطات السلطة العامة والعلاقات التي تربط فيما بينها أو التي تبين طبيعة الأنظمة كلها تعتبر من القواعد الدستورية في إطار المعيار الموضوعي. وقد استند أغلب الفقه على هذا المعيار لتعريف القانون الدستوري التي يمكن تلخيصها في جملة من التعريفات أهمها:
ـ (القانون الدستوري هو مجموعة من القواعد القانونية التي بموجبها يتقرر تنظيم الحكم ومباشرة السلطة السياسية.).
ـ ( هو القانون الأساسي المشتمل على المبادئ الرئيسية التي ترتكز عليها الدولة، وعلى الأحكام العامة التي تضبط عمل السلطات والهيئات في الدولة.).
المطلب الثاني: موقع وعلاقة القانون الدستوري مع غيره من فروع القانون.
بعد تحديد مفهوم القانون الدستوري من خلال المعايير التي استند إليها الفقه في تحديد تعريفات مختلفة لمضمونه، يجب البحث في موقع هذا القانون وكذا علاقته مع غيره من فروع القانون الأخرى.
الفرع الأول: موقع القانون الدستوري من بين فروع القانون الأخرى.
درج الفقه على تقسيم القانون إلى قسمين، قانون خاص وقانون عام.
يعرف القانون الخاص بأنه ( القانون الذي ينظم العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض أو بينهم وبين الدولة باعتبارها شخصا عاديا كباقي الأشخاص، وليس باعتبارها صاحبة سلطة وسيادة.) وهو ينقسم إلى عدة فروع منها القانون المدني والقانون التجاري والقانون الدولي الخاص وقانون الإجراءات المدنية.


أما القانون العام فهو( القانون الذي ينظم العلاقة بين الدولة والأفراد أو بين مصالح الدولة فيما بينها بوصفها صاحبة سلطة وسيادة، ويهتم بنشاط الدولة سواء كان سياسيا أو إداريا أو ماليا.) وهو ينقسم بدوره إلى قانون عام داخلي وهو يهتم بدراسة الدولة وتنظيم نشاطها في مختلف الميادين الضرورية ويشمل القانون الدستوري والقانون الإداري والقانون المالي والقانون الجنائي. وقانون عام خارجي وهو القانون الدولي العام الذي يدرس علاقة الدولة بغيرها من الدول والمنظمات الدولية.
ما يمكن استنتاجه إن موضوعات القانون العام تشترك في دراسة موضوع واحد وهو الدولة ثم تهتم في تخصصها بدراسة صورة معينة من نشاط الدولة.
الفرع الثاني: علاقة القانون الدستوري مع فروع القانون الأخرى.
من خلال تحديد موقع القانون الدستوري من بين فروع القانون نجد أن له صلات وثيقة بفروع القانون العام، ولكن ذلك لا يمنع من وجود صلات بين القانون الدستوري وفروع القانون الخاص وإن كانت بقدر أضعف نسبيا.
أولا: علاقة القانون الدستوري مع فروع القانون العام.
1) علاقة القانون الدستوري بالقانون الدولي العام: القانون الدولي يهتم أساسا بنشاطات الدولة في المجال الخارجي. أما القانون الدستوري فيبحث في القواعد التي تحدد نظام الحكم في الدولة وشكل واختصاصات السلطات العامة فيها. وبالرغم من في مجال اهتمامات القانونين إلا أنه توجد بينهما بينها صلات قوية تتمثل في:
ـ القانون الدولي تضع قواعده الدول من خلال الاتفاقيات والمعاهدات التي تبرمها، أما القانون الدستوري فإنه يحدد ويبين طرق وإجراءات ووسائل نشاط الدولة في المجتمع الدولي.
ـ الأشخاص الذين يمثلون الدولة في الخارج ويملكون حق إبرام المعاهدات باعتبارهم يمثلونها تعد من موضوعات القانون الدولي العام وهم أنفسهم أعضاء السلطة التنفيذية التي هي من اهتمامات القانون الدستوري.
ـ هناك العديد من المبادئ القانونية الدولية تنص عليها دساتير الدول وتكرسها مثل المساواة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

ـ كما تحدد الدساتير مدى القوة الإلزامية للمعاهدات الدولية داخل الدولة.
2) علاقة القانون الدستوري مع فروع القانون العام الداخلي:
ـ علاقة القانون الدستوري بالقانون الجنائي: القانون الجنائي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة وهو يشمل بيان الجرائم والعقوبات المقررة لها والإجراءات الواجب إتباعها جنائيا، وتظهر العلاقة بين القانون الجنائي والقانون الدستوري في أن القانون الجنائي يعمل على حماية الدستور ونظام الحكم في الدولة ويعاقب على محاولة المساس بأمن الدولة، كما أن القانون الدستوري يحدد المبادئ التي يبنى على أساسها القانون الجنائي مثل اعتبار المتهم بريء حتى تثبت إدانته من جهة قضائية.
ـ علاقة القانون الدستوري بالقانون الإداري: من مظاهر العلاقة بين القانون الدستوري والقانون الإداري، إن القانون الدستوري يضع الأسس التي يبنى القانون الإداري والفلسفة التي تقوم عليها الإدارة، ويهتم القانون الإداري بتنفيذ تلك المبادئ الدستورية.
ـ علاقة القانون الدستوري بالقانون المالي: إن القانون المالي يستمد مبادئه الرئيسية من الدستور الذي يحدد قواعد وضع الميزانية خاصة فيما يتعلق بالضرائب والإيرادات وطرق الإنفاق.
ثانيا: علاقة القانون الدستوري بفروع القانون الخاص.
الدستور يترك العلاقات الخاصة في الغالب للتنظيم بشكل حر ودون تدخل من جانبه خاصة وأن القوانين التي تضبط تلك العلاقات يغلب عليها الاستقرار والثبات، مثل القانون المدني وقانون الأسرة، ولكن رغم ذلك نجد القانون الدستوري يتضمن المبادئ والأسس العامة للتنظيم الاقتصادي والاجتماعي مثل النص على أن الملكية الخاصة مضمونة وحق الإرث وكذلك حماية الأسرة، ويعود إلى القوانين الخاصة تنظيم وتجسيد تلك المبادئ وتفصيلها.
وما يمكن ملاحظته في العلاقة بين القانون الدستوري والقوانين الخاصة أنها ضعيفة نسبيا بحكم أن القانون الدستوري يهتم بنظام الحكم وشكل السلطة، بينما تهتم القوانين الخاصة بالعلاقات القائمة بين الأفراد والأشخاص الاعتبارية الخاصة وكذلك العمة ولكن هذه الأخيرة ليس بوصفها صاحبة سلطة وسيادة.


المطلب الثالث: الفرق بين القانون الدستوري وبعض المصطلحات المشابهة له.
بجانب اصطلاح القانون الدستوري مصطلحات أخرى تشبهه وهي قريبة منه ولكن ليس لها ذات المعنى، ونقصد من بين تلك المصطلحات الدستور والنظام الدستوري، ونظرا للتشابه اللغوي الكبير والاختلاف في المعنى يتوجب التمييز بين هذه التسميات.
الفرع الأول: القانون الدستوري والدستور.
يميز الفقهاء بين اصطلاح القانون الدستوري والدستور من خلال التعريف الذي يعطونه لكل منهما فيعرف الدستور بأنه:(الوثيقة القانونية التي تصدر عن هيئة معينة طبقا لإجراءات خاصة تتضمن القواعد المتعلقة بنظام الحكم في الدولة في وقت معين.) أما القانون الدستوري فقد يتعرض إلى بحث مجموعة القواعد القانونية التي تبين نظام الحكم في مختلف الدول أي أن القانون الدستوري قد يبحث من ناحية المقارنة بين مختلف الدول أما الدستور فإنه ينصرف مدلوله إلى دولة بالذات.
فالدستور بمفهومه الموضوعي موجود في كل الدول ولو أنه شكلا غير موجود في بعضها لأنه لا يتصور قيام مجتمع سياسي دون دستور، وفضلا عن ذلك فإن المفهوم الشكلي للدستور يجعل منه مصدرا من مصادر القانون الدستوري وإن كان يحتل المرتبة الأولى.
قد يتطابق مفهوم القانون الدستوري والدستور متى أخذ بالمفهوم المادي (الموضوعي) لأن الاصطلاحين يمكن تعريفهما في هذه الحالة بـ (مجموعة القواعد القانونية التي تتعلق بنظام الحكم في الدولة.)
أما إذا أخذ بالمفهوم الشكلي للدستور فهو يمثل الوثيقة الرسمية المكتوبة ويتضمن قواعد ذات طبيعة دستورية وأخرى غير دستورية بطبيعتها.
الفرع الثاني: القانون الدستوري والنظام الدستوري.
النظام الدستوري هو الذي يحقق خضوع السلطة لقواعد تحكم وسائل ممارستها دون أن يكون باستطاعة هذه السلطة الخروج عن هذه القواعد، أو هو الهيكل العام الذي يقرره الدستور. النظام الدستوري يقصد به ذلك النظام الحر أي الحكومة الدستورية في الدولة،ولكي تكون كذلك يشترط الفقه الفرنسي لإضفاء صفة النظام الدستوري على النظام السياسي في الدولة أن تكون الحكومة خاضعة لقواعد قانونية دستورية أعلى منها ولا يجوز لها التحلل منها والخروج عنها بل يجب التقيد بما جاء فيها من قيود وفصل بين السلطات وتكون الغلبة للبرلمان المنتخب من طرف الشعب.

هذا الرأي لم يصبح مقبولا في الحقيقة في عصرنا الحاضر لأن المفهوم الحديث للدستور لم يعد يهتم بشكل النظام ولا أساسه ولكنه يمثل الوثيقة المتضمنة نظام الحكم في الدولة فقط . ومنه نخلص إلى أن القانون الدستوري أوسع من النظام الدستوري، وبالتالي فإن انعدام هذا الأخير لا يؤثر ولا يحول دون وجود الأول.



















المبحث الثاني: مصادر القانون الدستوري.
يميز الفقه بين المصادر الرسمية التي تتمثل في التشريع والعرف والمصادر غير الرسمية أو التفسيرية والتي تشمل القضاء والفقه. باعتبار أن النوع الأول يعمل على إعلان القواعد الملزمة، إما عن طريق السلطة العامة من خلال التشريع وإما نتيجة إلزاميتها في ضمائر الناس من خلال أطرادها واستقرارها بالنسبة للعرف.
أما دور الفقه والقضاء فليس تشريع القواعد القانونية وإنما يقتصر على مجرد شرح وتفسير القانون، ولكن هذا التقسيم قد يتغير بالنسبة للمجتمعات التي تأخذ بنظام السوابق القضائية الملزمة مثل بريطانيا.
مادام أغلب الفقه يقسم هذه المصادر إلى رسمية وتفسيرية فإننا سوف نتناول في المطلب الأول المصادر الرسمية وفي المطلب الثاني المصادر التفسيرية.
المطلب الأول: المصادر الرسمية.
تشتمل المصادر الرسمية في معظم كتب الفقه على التشريع والعرف بالنسبة للدول التي تأخذ بالدساتير المكتوبة.
الفرع الأول: التشريع كمصدر رسمي للدستور.
عند دراسة التشريع كمصدر رسمي للقانون الدستوري، فإننا نأخذ بالمفهوم الموضوعي لتعريف القانون الدستوري (المعيار المرجح لدى الفقه لتعريف القانون الدستوري) يمكن أن يشمل التشريع كل القواعد والنصوص التي تتناول بالتنظيم موضوعا من موضوعات القانون الدستوري، هذه القواعد سواء وردت في وثيقة دستورية مكتوبة أو وردت في القوانين الأساسية الصادرة من البرلمان والتي تنصب على موضوعات دستورية، أو إعلانات الحقوق وكذا مقدمات الدساتير.
أولا: الوثيقة الدستورية المكتوبة.
أهم ما يميز الدولة الدستورية الحديثة في نظر فقهاء القانون الدستوري هو تدوين الأعمال المنظمة للسلطة في الدولة في وثيقة تسمى الدستور، وهي القواعد التي كانت عرفية حتى القرن الثامن عشر، حيث كان الحكام يتمتعون بسلطة مطلقة ولا يتقيدون بأي نظام قانوني يحد من سلطتهم.



يعد الدستور الذي أصدره كرومويل بعد استيلائه على السلطة في انجلترا عام 1653 أول وثيقة دستورية مكتوبة ينطبق عليها هذا المعنى، والذي استوحى فيه أحكام ميثاق الشعب والمبادئ التي صدرت من المجلس الحربي لكرومويل. فقد نص هذا الميثاق على أن السيادة للشعب وهو صاحب الحق في إصدار الدستور.
أما أول الدساتير التي تجلت فيها الأغراض السياسية للدولة الحديثة هو دستور الولايات المتحدة الأمريكية لعام 1787 والدستور الفرنسي لعام 1791. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية عمت فكرة الدساتير المدونة وأصبحت هي البناء الأول الذي تفكر فيه الحركات التحريرية بعد حصولها على الاستقلال.
ثانيا: القوانين الأساسية (العضوية).
توجد بالدول التي تأخذ بالدساتير المكتوبة نصوص قانونية تنظيمية تصدر عن السلطة التشريعية (البرلمان)، تأخذ وصف القوانين الأساسية، وهي تتميز عن القوانين العادية شكلا ومضمونا. ومن أهم هذه القوانين الأساسية، القوانين المتعلقة بالانتخابات، والنظام الداخلي للبرلمان وقانون الأحزاب السياسية.
ومن بين الأسباب التي دفعت إلى ابتكار هذا النوع من التشريع (القوانين) هو تسهيل مهمة تعديلها لمعالجة موضوعات دستورية لا يمكن إدراجها خلال الوثيقة الدستورية الجامدة. كما قد تكون تكملة لنصوص ناقصة في الدستور.
يعتمد الفقه في تحديد مدلول القوانين الأساسية على معيارين أساسيين هما المعيار الشكلي والمعيار الموضوعي.
ـ المعيار الشكلي: يرتكز أنصار الاتجاه الشكلي في تعريف القوانين الأساسية على التفرقة التي جاء بها الدستور الفرنسي لعام 1958 في مادته (46) بحيث تنص على أن القوانين الأساسية هي القوانين التي ورد النص عليها في الوثيقة الدستورية ويتبع بشأن إصدارها إجراءات خاصة تختلف عن الإجراءات المقررة للقوانين العادية. وهو ما نص عليه الدستور الجزائري المعدل عام 1996 في المادة (123) منه.
ـ المعيار الموضوعي: يعتمد هذا المعيار على جوهر ومضمون القاعدة القانونية دون النظر إلى الشكل والإجراءات التي تتبع في وضعها، سواء تضمنتها الوثيقة الدستورية أو تم النص عليها في قوانين صادرة عن البرلمان.


أما فيما يخص قيمتها القانونية، فالقوانين الأساسية أو العضوية فهي تأتي في المرتبة الثانية بعد القواعد الدستورية، ولكن الدول تختلف في ترتيبها بحسب ما نصت عليه دساتيرها من حيث إجراءات الإقرار أو التعديل فقد تكون مشابهة لإجراءات وضع القواعد الدستورية وبالتالي تكون لها نفس القيمة وقد تكون بدرجة أخف وأكثر مرونة مما يجعلها في المرتبة الثانية بعد القواعد الدستورية المدونة في الوثيقة الدستورية.
ثالثا: إعلانات الحقوق ومقدمات الدساتير.
توجد إلى جانب الوثيقة الدستورية المكتوبة وثائق أخرى تعلن فيها مبادئ عامة وتوضح فيها فلسفة المجتمع وتسمى إعلانات الحقوق والحريات، كما يمكن أن تدرج تلك الفلسفة والمبادئ في دساتيرها على شكل مقدمات أو ديباجات. ومن أهم الأمثلة على ذلك إعلان الحقوق الأمريكي الصادر في عام 1776 وإعلان الحقوق الفرنسي الصادر في عام1789 . وبالنسبة للقيمة القانونية لتلك الإعلانات والمبادئ فقد اختلف الفقه في مدى أهميتها ومن بين الاتجاهات نذكر:
1) اتجاه يعتبرها مجرد مبادئ فلسفية أخلاقية ينكر عليها أي قيمة قانونية.
2) اتجاه يؤيد فكرة إضفاء القوة الإلزامية على الإعلانات.
3) اتجاه ثالث يرى ضرورة التمييز بين النصوص القانونية والنصوص التوجيهية في الإعلانات، حيث يرى إلزامية الأولى وعدم إلزامية الثانية.
الفرع الثاني: العرف كمصدر رسمي للقواعد الدستورية.
يعتبر العرف من أقدم المصادر الرسمية للقاعدة القانونية بصفة عامة والمصدر الأساسي إلى يومنا هذا للقواعد الدستورية في الدول التي تأخذ بالدساتير العرفية. إن تقسيم الدساتير إلى دساتير مدونة ودساتير عرفية هو تقسيم يقوم على العنصر الغالب لهذه القواعد في الدولة، فعندما يكون العنصر الغالب هو القواعد المكتوبة يوصف الدستور بأنه من الدساتير المدونة، أما إذا كان العكس أي القواعد العرفية هي العنصر الغالب فيعتبر من الدساتير العرفية.
ومنه يبرز التمييز بين الدستور العرفي والعرف الدستوري.
ـ الدستور العرفي هو الذي تكون أغلب قواعده غير مدونة كالدستور الإنجليزي، وهذا لا يمنع من وجود وثائق قليلة مدونة تتضمن قواعد دستورية.


ـ أما العرف الدستوري فهو مجموعة القواعد التي لم تدون في وثيقة الدستور المكتوب، والتي تعرف بالسوابق الدستورية التي اعتادت السلطات الحاكمة على إتباعها دون أن تلقى معارضة ويعتبر الأفراد أنها ملزمة. وعليه فالعرف الدستوري يقوم على ركنين، ركن مادي وهو اعتياد السلطات الحاكمة على إتباع سلوك معين. وركن معنوي يتمثل في الشعور بإلزامية ذلك السلوك المتبع.
ويأتي هذا العرف إما لتفسير ما يشوب الوثيقة الدستورية من غموض أو ليكمل نقصا أو يدخل تعديلا عليها بما يتماشى وأهداف معينة.
أولا: العرف المفسر.
يظهر هذا النوع من العرف في حالة وجود غموض وعدم وضوح في الوثيقة الدستورية، وعليه فهو لا ينشئ قواعد دستورية جديدة وإنما يبين التطبيق السليم أو المعنى الحقيقي للنص المكتوب.
ثانيا: العرف المكمل.
ينشأ هذا العرف ليكمل المجالات التي لم تنظم في الوثيقة الدستورية، أي تظهر نصوص عرفية جديدة إلى جانب الوثيقة المكتوبة لاستكمال نقص معين غفل عنه المؤسس الدستوري.
ثالثا: العرف المعدل.
ويقصد به ذلك العرف الذي ينصرف أثره إلى تعديل حكم ورد في الدستور سواء باستحداث قاعدة دستورية جديدة أو بحذف بعض أحكامها، فتسمى الحالة الأولى التعديل بالإضافة وتسمى الحالة الثانية التعديل بالحذف.
أما القيمة القانونية للعرف المعدل، فالعرف المعدل محل خلاف بين الفقهاء ويمكن تلخيص خلافهم في اتجاهين هما:
الاتجاه الأول: لا يقر ولا يعترف تماما بشرعية العرف المعدل بحجة أن تعديل الدستور الجامد يتطلب إجراءات مشددة ولا يجوز مخالفتها وفي حالة استحداث هذا التعديل العرفي فسيكون عملا غير مشروع.ويرون أن العرف المعدل يتعارض مع سيادة الشعب.



الاتجاه الثاني : يعترف بالعرف المعدل ويعتبره وليد الإرادة العامة ولا يتعارض مع السيادة الشعبية، ولكنهم يختلفون حول مرتبة هذا العرف فمنهم من يرى أن هذا العرف يأخذ مرتبة القواعد العادية، ومنهم من يرى أنه يأخذ مرتبة النصوص الدستورية.
المطلب الثاني: المصادر التفسيرية.
وهي موجودة في كل الدول سواء ذات الدساتير العرفية أو المكتوبة، وتتمثل في مصدرين هما القضاء والفقه.
الفرع الأول: القضاء كمصدر من مصادر القانون الدستوري.
يقصد بالقضاء كمصدر للقانون بوجه عام ( مجموعة الأحكام التي تصدر عن المحاكم في صدد تطبيقها للقانون على المنازعات التي تعرض عليها) وهذا يعني أن الأحكام التي تصدر من المحاكم والمتضمنة مبادئ لم ينص عليها، ولها حجج قانونية عامة تعتبر من مصادر القانون.
وبما أن الموضوع هو القضاء كمصدر للقانون الدستوري، والذي يعني مجموعة القواعد المستنبطة من أحكام المحاكم في المجال الدستوري، وقد تنشأ بعض القواعد منة خلال ما يعرف بالرقابة على دستورية القوانين، فعندما تقضي المحاكم الدستورية بدستورية أو عدم دستورية قانون ما، فإن هذه الأحكام قد تتضمن نصوص مفسرة أو مكملة لما يعتري النصوص من غموض أو نقص. كما قد تنشأ قواعد دستورية من خلال الأحكام الصادرة عن المحاكم الإدارية عند فحصها لمشروعية أعمال الإدارة المتصلة بالحقوق والحريات العامة للأفراد.
الفرع الثاني: الفقه كمصدر من مصادر القانون الدستوري.
يقصد بمصطلح الفقه كمصدر للقانون (مجموعة البحوث والآراء والدراسات المتخصصة في القانون.) فعندما يقوم الفقهاء بتحليل الأحكام وإجراء مقارنات ونقد وتقييم الأعمال فهم بذلك يسهمون في إبراز النقائص والعيوب في التشريع والقضاء. ومنه فالفقه له دور في شرح القواعد الدستورية الوضعية، وله كذلك دور هام كمصدر مادي في التأثير على السلطة التشريعية عند وضعها للقوانين والقضاء عند تطبيقه لها.



وينقسم الفقه من حيث دوره إلى قسمين هما:
ـ الفقه الموجه: عندما يقوم بدور إنشائي من خلال دراسة ومعالجة المسائل الدستورية، ومن الأمثلة على ذلك مبدأ سيادة الأمة عند (روسو) ومبدأ الفصل بين السلطات عند (مونتسيكيو).
ـ الفقه المفسر: وهو يقوم بتحليل وشرح القوانين الدستورية فيبرز ما بها من نقص أو غموض أو إبهام ويسترشد بآرائه التشريع والقضاء على حد سواء.

جدول يبين التقسيم الفقهي لمصادر القانون الدستوري.



البلدان ذات الدساتير العرفية
البلدان ذات الدساتير المكتوبة
المصادر
الرسمية
مصادر أصلية
ـ العرف
ـ القضاء
ـ الدساتير المكتوبة
مصادر احتياطية
ـ القواعد
المكتوبة
ـ العرف الدستوري
المصادر
التفسيرية

ـ الفقه
ـ القضاء
ـ الفقه







المبحث الثالث: أنواع الدساتير وأساليب نشأة الدساتير المكتوبة.
يقسم الفقهاء الدساتير من حيث الشكل إلى دساتير عرفية وأخرى مكتوبة أو مدونة أما من حيث إجراءات التعديل فتقسم إلى دساتير مرنة وأخرى جامدة. كما يقسمون الدساتير المكتوبة من حيث طرق وأساليب نشأتها إلى دساتير ذات نشأة غير ديمقراطية، وأخرى ذات منشأ ديمقراطي.
هذا ما سنتناوله خلال المطالب التالية: المطلب الأول أنواع الدساتير والمطلب الثاني: أساليب وطرق نشأة الدساتير.
المطلب الأول: أنواع الدساتير.
يقسم الفقه الدستوري إلى أنواع من حيث الشكل وأيضا من حيث إجراءات التعديل.
الفرع الأول: تقسيم الدساتير من حيث الشكل.
تقسم الدساتير من حيث الشلك إلى دساتير عرفية وأخرى مكتوبة أو مدونة.
أولا: الدساتير العرفية( Coutumière ).
ويقصد بها الدساتير غير المدونة والتي نشأت عن طريق العرف نتيجة إتباع السلطات العامة في الدولة عند تنظيم شؤونها لسلوكيات محددة استمرت لمدة طويلة فتحولت إلى عرف دستوري ملزم بالنسبة لهذه السلطات. ومن أهم الأمثلة على ذلك الدستور الإنجليزي. والملاحظ أن هذه الدساتير كانت هي السائدة في العالم إلى أن صدر أول دستور في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1787.
وبالرغم من اعتماد الدول ذات الدساتير العرفية على القواعد العرفية إلا أن ذلك لا يمنع من وجود وثائق مكتوية تدون فيها بعض القواعد. ولكن التساؤل يثور حينما يتعارض نصان أحدهما عرفي والثاني مكتوب فلمن تكون الأولوية؟
المشكلة تثور حينما تكون القاعدة المكتوية موجودة وتنشأ قاعدة عرفية مخالفة لها. الرأي الغالب لدى الفقه يرى أن القاعدة العرفية أولى من القاعدة المكتوبة لغلبة الجانب العرفي في الدستور على المكتوب.



ثانيا: الدساتير المدونة أو المكتوبة(Ecrite).
ويقصد بها الدستور المدون في وثيقة أو عدة وثائق معينة، وهي تعد الأكثر شيوعا في العالم. إذ أن معظم الدول لها دساتير مكتوبة وهذا الأسلوب أصبح يعمل به لأجل حاجة الدول حديثة العهد بالاستقلال لتنظيم شؤونها وبناء حكم يسوده الاستقرار وتجنبا للفوضى. إلى جانب ذلك هناك أشكال من الدول خصوصا الاتحادات الفيدرالية أو المركزية لا يضمن بقاءها ويحدد صلاحيات الحكومة المركزية والحكومات المحلية إلا القواعد المحددة في الدستور الفيدرالي المكتوب.
تتميز الدساتير المكتوبة بالوضوح والثبات مما يحقق استقرار أنظمة الحكم في تلك الدول ويضمن حقوق الأفراد وحرياتهم.
كما يعاب عليها أنها تصبح عاجزة على مسايرة التطورات الحاصلة في المجتمع من خلال تطور العصر وتغيير الظروف وتسارع الأحداث مما يشكل عائق في طريقها نحو التطور والتقدم.
الخلاصة أن هذا التقسيم يعد نسبيا مقبول، ولكن لا يمكن إطلاقه دون استثناءات لأنه في واقع المجتمع الدولي لا توجد دولة ذات دستور مكتوب من دون وجود قواعد عرفية، وبالمقابل كذلك ليس هناك أنظمة ذات دساتير عرفية ليست لها بعض الوثائق الدستورية المكتوبة، ومنه فهذا التقسيم يركز على العنصر الغالب من القواعد الدستورية أهي عرفية أم مكتوبة؟
الفرع الثاني: تقسيم الدساتير من حيث إجراءات التعديل.
تقسم الدساتير من حيث إجراءات التعديل إلى دساتير مرنة ودساتير جامدة.
أولا: الدساتير المرنة (Souple).
يقصد بالدساتير المرنة تلك التي يمكن تعديلها بإتباع الإجراءات المقررة لتعديل القوانين العادية، وأن السلطة التي تتولى ذلك هي نفس السلطة التي تقوم بسن القوانين العادية، أي السلطة التشريعية. وما يمكن قوله في هذا الصدد أن أغلبية القواعد الدستورية العرفية تعتبر مرنة ولا يشترط عند تعديلها أية إجراءات خاصة.
والمثال على ذلك اختصاص البرلمان الإنجليزي بتعديل النصوص الدستورية حيث يتبع نفس الإجراءات المحددة لتعديل القوانين كما يلغي منها ما يشاء.


كما أن صفة المرونة قد ترد على الدساتير المكتوبة ومثال ذلك دستور الاتحاد السوفيتي الصادر عام 1918 حيث كان مرنا وكذلك دستور إيطاليا 1848 وفرنسا عام 1830 وارلندا الحرة 1922.
ومن عيوب هذه الدساتير تأثرها بالأغلبية البرلمانية والأهواء السياسية والحزبية لسهولة تعديلها.
ثانيا: الدساتير الجامدة (Rigide).
ويقصد بها الدساتير التي لا تعدل نصوصها إلا بإتباع إجراءات خاصة غير تلك المتبعة في تعديل القوانين العادية، ولعل السبب في ذلك المحافظة على ثباته واستقراره، وبالتالي فالجمود هنا لا يعني عدم إمكانية التعديل تماما ولكن وجود إجراءات خاصة منصوص عليها في الدستور، عادة ما تكون على النحو التالي:
اقتراح التعديل ومن ثم إقراره مبدئيا ثم إعداده وأخيرا إقراره نهائيا.
المرحلة الأولى: اقتراح التعديل قد يكون من البرلمان أو من الحكومة أو الاثنين معا. وفي الدستور الجزائري لعام 1989 في مادته 163 المبادرة بتقديم مشروع تعديل الدستور تعود إلى رئيس الجمهورية، وفي تعديل 1996 فإن المبادرة مقررة لرئيس الجمهورية بحسب المادة 174 ولثلاثة أرباع (4/3) أعضاء غرفتي البرلمان بحسب المادة 177.
المرحلة الثانية: مرحلة إقرار مبدأ التعديل وتكون من خلال عرضه على غرفتي البرلمان للتصويت عليه حسب الإجراءات المنصوص عليها لتشريع القوانين.
المرحلة الثالثة:الإقرار النهائي للتعديل في ظل دستور 1996 فإن التصويت يتم عليه بالأغلبية البسيطة في حالة ما إذا كان اقتراح التعديل وارد من رئيس الجمهورية، أما إذا كانت المبادرة من البرلمان فيعرضه الرئيس على الاستفتاء غير أن لرئيس الجمهورية إمكانية إصدار نص التعديل متى أحرز على ثلاثة أرباع أصوات أعضاء البرلمان وكان لا يمس المبادئ العامة التي تحكم المجتمع وحقوق الإنسان ولا يمس التوازنات الأساسية للسلطات والمؤسسات الدستورية ويشهد على ذلك رأي المجلس الدستوري بحسب المواد(174،176،177).
هذا فيما يخص إجراءات التعديل، أما بالنسبة لحظر ومنع التعديل فيتمثل في الحظر الزمني والحظر المطلق

ـ الحظر الزمني ويكون لفترة زمنية محددة يمنع فيها إجراء أي تعديل للدستور ومثال ذلك الدستور الفرنسي لعام 1791 والذي حظر تعديله لمدة أربع سنوات وكذلك دستور الكويت لعام 1962 والذي نص على عدم تعديله لمدة خمس سنوات.
ـ كما قد يكون الحظر مطلقا إذا ما تعلق بجوانب محددة من القواعد الدستورية مثلما جاء في دستور الجزائر لعام 1976 في مادته 195 حيث نص على عدم جواز تعديل الدستور في الصفة الجمهورية للحكم ودين الدولة والاختيار الاشتراكية.....الخ
والجدير بالذكر أن الدستور الجامد يؤدي إلى ترتيب أثار هامة تتمثل في مبدأ سمو الدستور مما يؤدي إلى ظهور مبدأ ثاني وهو الشرعية والمتمثلة في خضوع الجميع للقانون حكاما ومحكومين.
المطلب الثاني: أساليب وطرق نشأة الدساتير.
تتوقف نشأة الدساتير على نظام الحكم السائد في الدولة أثناء وضع الدستور فقد ينشأ بطرق غير ديمقراطية مثل المنحة والعقد بين الحاكم والشعب، أو بطرق ديمقراطية مثل الجمعية التأسيسية أو الاستفتاء الشعبي.
الفرع الأول: الطرق غير الديمقراطية لنشأة الدساتير.
أولا: المنحة.
ظهر هذا الأسلوب كطريقة يتجنب من خلالها الملوك ثورة الشعب عليهم والقضاء على سلطتهم، فحاولوا وضع حد لاستياء الشعب بأن تنازلوا عن بعض سلطاتهم له ضمن وثيقة مكتوبة ليشعروه بأنه يشاركهم الحكم. وعليه وصفت بأنها منحة من الملك، ومن الأمثلة على ذلك الدستور الفرنسي الصادر في 04جوان1814 والذي منحه لويس الثامن عشر للأمة عقب سقوط نابليون الأول.
ثانيا: العقد أو الاتفاق.
ينشأ هذا النوع من الدساتير غالبا بعد ثورة أو انقلاب أو تأثير الشعب أو ممثليه عن الملك فيخضعونه لإرادة الشعب، أحسن من أن يفقد سلطانه نهائيا فيشاركون الشعب في وضع دستور النظام الجديد. ومن أهم الأمثلة على ذلك الدستور الفرنسي لعام 1830 والدستور البحريني لعام 1973.


الفرع الثاني: الطرق الديمقراطية لنشأة الدساتير.
هناك طريقتان أساسيتان هما الجمعية التأسيسية والاستفتاء الشعبي.
أولا: الجمعية التأسيسية.
في هذا الأسلوب ينفرد الشعب بوضع الدستور بواسطة هيئة تأسيسية منتخبة بطريقة ديمقراطية من قبله، نظرا لتعذر سنه بالطريق المباشر. ويكون الدستور الذي تضعه هذه الهيئة واجب النفاذ بمجرد إقراره من قبلها. ومن الأمثلة على ذلك دستور الولايات المتحدة الأمريكية بعد استقلالها عام1787.
ثانيا: الاستفتاء الشعبي.
تختلف هذه الطريقة عن وضع الدستور بواسطة الجمعية التأسيسية، نظرا لأن الدستور في هذه الحالة يصدر من الشعب مباشرة فيبدي رأيه فيه ولا يصبح نافذا إلى بعد موافقته عليه من خلال استفتاء.
وهنا يجب التمييز بين الاستفتاء الدستوري المتعلق بمسائل دستورية والاستفتاء السياسي الذي يتعلق بشؤون الحكم حول قرار أو خطة سياسية معينة.
وقد اتبع الاستفتاء الدستوري في وضع الدساتير الجزائرية لعام 1976 و1989 و1996. وتعتبر هذه الطريقة الأكثر ديمقراطية من بين الطرق المتبعة في وضع الدساتير.









المبحث الرابع: سمو الدستور والرقابة على دستورية القوانين.
نظرا لما يحتويه الدستور من مبادئ وقواعد أساسية لتحديد السلطات وبيان اختصاصاتها وضبط مختلف العلاقات في الدولة، كان لابد من إقرار ضمانات تكفل حسن تطبيقه وحمايته، ومن بين أهم هذه الضمانات التي يتناولها الفقه الدستوري الوضعي مبدأ سمو الدساتير والرقابة على دستورية القوانين. وهو ما سنتناوله من خلال المطلبين التاليين:
المطلب الأول: سمو الدستور.
الدستور بما أنه هو الذي يقيم النظام القانوني في الدولة ويبين قواعد تنظيم ممارسة السلطة والعلاقات بينها وبين الأفراد، ويرسم الحدود التي تمارس فيها الوظائف وعليه فإن السلطة تكون دائما مقيدة به ولا يجوز لها مخالفة أحكامه. ومنه تعد القواعد الدستورية من أسما القواعد القانونية الأخرى، ولتوضيح هذه المكانة التي يحتلها الدستور يفضل تناول الجوانب التي يظهر من خلالها هذا السمو، لأنها قد تستند إلى مضمون قواعده أي موضوعه، وتسمى في هذه الحالة بالسمو الموضوعي أو قد تستند إلى الطريقة والإجراءات التي يتم من خلالها وضع الدستور وطرق تعديله ويطلق عليها تسمية السمو الشكلي.
الفرع الأول: السمو الموضوعي.
يتحقق هذا السمو للدستور بالنظر إلى طبيعة القواعد الدستورية ومضامينها فهذه القواعد باعتبارها تتعلق بأساس وبناء الدولة ونظام الحكم فهي التي تنشئ السلطات العامة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) وبالتالي فهي تعتبر الأساس الشرعي لجميع الأنظمة القانونية الموجودة في الدولة ومصدر جميع ما في الدولة من أنشطة قانونية.
وبناءا عليه يمكن القول أن السمو الموضوعي للدستور يترتب عليه نتيجتين هامتين هما:
ـ تأكيد وتدعيم مبدأ الشرعية، بحيث تكون الدولة القانونية بصفة عامة وهذا يعني أن تكون جميع التصرفات في الدولة متفقة مع أحكام القانون وأن تسود فيها قاعدة القانون فوق الجميع، حكاما ومحكومين.



عدم إجازة تفويض السلطات والصلاحيات إلا في إطار الدستور،هذه النتيجة أصبحت حتمية بعدما صار الحكام لا يمارسون السلطة بوصفهم أصحاب حق ولكن باعتبارهم مفوضين من قبل الشعب وفي إطار ما يحدده الدستور.
الفرع الثاني: السمو الشكلي.
يوصف الدستور الذي لا يعدل إلا بإتباع إجراءات مخالفة لتلك التي تتبع لتعديل القواعد العادية بالدستور الجامد، وهذا الجمود هو الأداة التي تعطي للقاعدة الدستورية المكانة التي تنفرد بها عن باقي القواعد القانونية الأخرى، لهذا فالسمو الشكلي لا يتحقق إلا في إطار الدستور الجامد والذي يتطلب لوضعه وتعديله إجراءات أكثر تعقيدا من تلك المتبعة في القوانين العادية، لأن الهدف من هذه الإجراءات هو حماية الدستور وإلزامية الخضوع لأحكامه.
المطلب الثاني: الرقابة على دستورية القوانين.
وقد تأخذ أسلوب الرقابة السياسية أو أسلوب الرقابة القضائية، اعتمادا على الهيئة التي تتولى القيام بهذه الرقابة.
الفرع الأول: أسلوب الرقابة السياسية.
تسمى الرقابة الدستورية هنا بالرقابة السياسية عندما تتولى جهة غير قضائية مهمة الفحص والتحقق من مدى مطابقة القوانين الصادرة لأحكام الدستور وقد تسمى بالسياسية عندما يغلب على التشكيلة المكونة لها الطابع السياسي. وهذه الرقابة منها ما يكون سابق لصدور القانون وتسمى بالرقابة السابقة، ومنها ما يكون بعد صدور القانون وتسمى بالرقابة اللاحقة. وتشكل لهذا الغرض هيئة سياسية لممارسة هذا الاختصاص الرقابي ، ولكنها في الواقع العملي تعتبر وسيلة غير فعالة لأنها غي الغالب تتشكل من نفس الجهة السياسية صاحبة الأغلبية في البرلمان، ولا يتصور أن تعارض تشريعات صدرت بموافقة نفس التيار، مما جعل معظم الدول تأخذ بالرقابة القضائية.
الفرع الثاني: أسلوب الرقابة القضائية.
والمقصود من ذلك إعطاء الحق للجهة القضائية بأن تتولى عملية فحص دستورية القوانين لكي تتحقق من مدى مطابقتها أو مخالفتها لقواعد الدستور، هذه الرقابة رغم تنوعها إلا أن الفقه الدستوري يركز على نوعين أساسيين هما : الرقابة القضائية عن طريق الدعوى الأصلية والرقابة عن طريق الدفع.


أولا: الرقابة القضائية عن طريق الدعوى الأصلية.
وتعني السماح لصاحب المصلحة ليبادر برفع دعوى ابتداء أمام المحكمة المختصة للمطالبة بإلغاء القانون المخالف للدستور ولا ينتظر حتى يطبق عليه القانون ليدفع بعدم دستوريته، كما هو متبع في أسلوب الدفع الفرعي، وغالبا ما تعهد مهمة الرقابة على دستورية القوانين إلى محكمة متخصصة ومحددة للقيام بها. وإذا ما تحققت المحكمة من مخالفة القانون للدستور قامت بإلغائه من خلال قبول الدعوى.
ثانيا: الرقابة عن طريق الدفع (الدعوى الفرعية).
تعني الرقابة في هذه الصورة وجود نزاع مطروح على القضاء، ثم يدفع أحد الخصوم بعدم دستورية القانون المراد تطبيقه عليه، وفي هذه الحالة بتعين على القاضي أن يفحص هذه الدعوى، فإذا تحقق من مخالفة القانون للدستور امتنع عن تطبيقه ولكنه لا يلغيه، وإذا تحقق من عدم مخالفة القانون للدستور فإنه يرفض الدعوى ويصدر حكمه وفقا للقانون الساري المفعول.
الفرع الثالث: موقف الدستور الجزائري من مسألة الرقابة على دستورية القوانين.
مسألة الرقابة على دستورية القوانين تناولتها مختلف الدساتير الجزائرية على النحو التالي:
أولا: دستور1963 أوكل مهمة الرقابة إلى المجلس الدستوري كهيئة سياسية وهو ما نصت عليه المادة 63 منه، ولكن هذا المجلس لم يؤسس ولم يمارس مهامه وذلك بسبب تعليق العمل بالدستور بتاريخ 03/10/1963.
ثانيا: في دستور 1976 لم يذكر المجلس الدستوري وغيب تماما، ولكن تمت الإشارة فقط إلى ضرورة حماية القواعد الدستورية، وهو ما نصت عليه المادة 111 الفقرة(03).
ثالثا: في ظل تعديل 23/02/1989 نص على إنشاء مجلس دستوري في المادة 153 وخوله مهمة ضمان سمو الدستور عن طريق النظر في مدى دستورية المعاهدات والقوانين والتنظيمات، كما يسهر على سلامة الاستفتاء الانتخابات.




رابعا: التعديل الدستور 28/11/1996 نصت المادة 163 الفقرة (01)على إنشاء المجلس الدستوري بحيث يتشكل من تسعة أعضاء، ثلاثة يعينهم رئيس الجمهورية واثنان يختاران من المجلس الشعبي الوطني واثنان من مجلس الأمة وعضو واحد من المحكمة العليا وعضو واحد من مجلس الدولة، ويترأس المجلس أحد المعينين من قبل رئيس الجمهورية. وتكون العضوية لمدة ستة سنوات ويجدد نصف الأعضاء كل ثلاث سنوات عن طريق القرعة في المرة الأولى. أعضاء المجلس يتوقفون عن ممارسة أي وظيفة أو تكليف طيلة فترة انتسابهم إلى المجلس. ويمارس المجلس مهمة الرقابة عن طريق الإخطارات من رئيس الجمهورية أو رئيس المجلس الشعبي الوطني أو رئيس مجلس الأمة بحسب المادة 166، أما فيما يخص القوانين العضوية فلا يكون الإخطار إلى من قبل رئيس الجمهورية بحسب الفقرة الثانية من المادة 165، والرقابة على القوانين العضوية لا تكون لاحقة كما هو الحال بالنسبة للمعاهدات والقوانين العادية بحسب الفقرة الأخيرة من المادة123. وحسب ما نصت عليه المادة 167 يصدر المجلس قراره في خلال عشرون يوما من تاريخ إخطاره. أما بالنسبة للقوة الإلزامية لقرارات المجلس الدستوري فقد نصت المادة 49 من النظام المحدد لقواعد عمل المجلس الدستوري نصت على أنها ملزمة لكافة السلطات العمومية والقضائية والإدارية وغير قابلة لأي طعن.



lphqvhj td hgrhk,k hg]sj,vd lk hu]h] hghsjh` ]phlkdm ugd 2008-2009










عرض البوم صور Dzayerna   رد مع اقتباس

قديم 10-21-2009   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: المدير العام ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Dzayerna


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5342
المشاركات: 18,093 [+]
بمعدل : 5.95 يوميا
اخر زياره : 05-31-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1893

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Dzayerna غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Dzayerna المنتدى : منتدى السنة الأولى
افتراضي

الفرع الثاني: المنهج التاريخي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية تختلف المناهج العلمية باختلاف الموضوعات التي تدرسها، كما أن لكل منهج وظيفة خاصة ووسائل يستخدمها كل باحث في مجال اختصاصه، وعليه فالمنهج كيفما كان نوعه هو بوجه عام الطريقة التي سلكها الباحث للوصول إلى نتيجة معينة. وإذا كان الباحثون يتجنبون المناهج الخاطئة لأنها لا تقودهم إلى الحلول الصحيحة، فإنهم يحرصون على استخدام المناهج العلمية التي أثبتت نجاعتها فيسعون إلى الإجادة في استخدامها ومنه اختيار الأسلوب الملائم لكل قضية يدرسونها، ومنه فإذا كان البحث يدور حول موضوع تاريخي فإنه يتعين على الباحث أن يعتمد على المنهج التاريخي. فما هو المنهج التاريخي؟ وما هي خطوات هذا المنهج؟ وما هي تطبيقاته في مجال العلوم القانونية ؟ هذا ما سنحاول توضيحه من خلال العناصر التالية: العنصرالأول: مفهوم المنهج التاريخي. العنصر الثاني: خطوات المنهج التاريخي. العنصر الثالث: تطبيق المنهج التاريخي في مجال العلوم القانونية.
أولا: مفهوم المنهج التاريخي. للوقوف على المعنى الحقيقي للمنهج التاريخي نستعرض في البداية تعريف علم التاريخ ومن ثم تعريف المنهج التاريخي. 1( تعريف علم التاريخ. عرفه هومر هوشيث Humer Hochet ( التاريخ هو السجل المكتوب للماضي أو للأحداث الماضية.) كما عرفه (ألان نفنس) Allen Ne vins (هو وصف الحوادث أو الحقائق الماضية وكتابتها بروح النقد والبحث عن الحقيقة الكاملة.) أما (كارترـ ف ـ جود Carter.V.Good فيرى أن التاريخ واسع كاتساع الحياة نفسها وهو يضم الميدان الكلي الشامل للماضي البشري. 2( تعريف المنهج التاريخي.هو أداة علم التاريخ في تحقيق ذاته بتحقيق ما ذكرناه من العمليات والأمور كما أنه أداة التاريخ في الوصول إلى التعميمات أو القوانين التي تفيد في التنبؤ بالنسبة للمستقبل وعليه فالمنهج التاريخي هو الطريق الذي يتبعه الباحث في جمع المعلومات عن الأحداث وفحصها ونقد وتحليلها وعرضها وترتيبها وتفسيرها واستخلاص التعميمات والنتائج العامة منها من أجل التخطيط للمستقبل. ومن التعريفات التي تتمتع بالدقة والشمولية في حصر عناصر المنهج التاريخي التعريف الذي يقرر بأنه يمكن تعريفه بأنه (مجموعة الطرائق والتقنيات التي يتبعها الباحث التاريخي والمؤرخ للوصول إلى الحقيقة التاريخية وإعادة بناء الماضي بكل دقائقه وزواياه وكما كان عليه في زمانه ومكانه وبجميع تفاعلات الحياة فيه، وهذه الطريق قابلة دائما للتطور والتكامل مع تطور مجموع المعرفة الإنسانية وتكاملها ونهج اكتسابها. ثانيا: خطوات المنهج التاريخي.يرتكز المنهج التاريخي كمنهج من بين مناهج البحث العلمي الأساسية على جملة من الخطوات التي يجب على الباحث التقيد بإتباعها والالتزام بها، وهذه الخطوات هي: 1( اختيار الموضوع وتحديد المشكلة. المقصود بتحديد المشكلة العلمية التاريخية هنا هو تحديد الموضوع العلمي التاريخي الذي تقوم حوله التساؤلات والاستفسارات العلمية التاريخية الأمر الذي يؤدي إلى تحريك البحث العلمي لاستخراج الفرضيات العلمية التي تمكن من الإجابة الصحيحة والثابتة لهذه التساؤلات والاستفسارات التاريخية، فالمشكلة العلمية هي تلك الفكرة المحركة والقائدة والموجهة للبحث العلمي التاريخي حتى الوصول نظريات وقوانين علمية ثابتة وعامة تفسر وتكشف الحقيقة العلمية التاريخية. 2( جمع البيانات والمعلومات التاريخية حصرها.نظرا لحيوية وأهمية وخطورة الدور الذي تقوم به الوثائق التاريخية والمصادر، حيث أن الوثائق التاريخية هي جوهر المنهج التاريخي، لذلك يطلق البعض على المنهج التاريخي تسمية منهج الوثائق أو بحث الوثائق. لذلك يستوجب الأمر هنا التصرف لتحديد معنى الوثائق وبيان معناها اللغوي والاصطلاحي وتحديد أنواعها المختلفة وتوضيح كيفية تحليلها ونقدها وتقيمها كأداة علمية للتجريب والتحليل والتركيب للوقائع والأحداث الماضية لاستنباط الحقائق العلمية في صورة فرضيات ونظريات وقوانين عامة وثابتة ودقيقة. وتعرف الوثيقة بأنها جميع الآثار التي خلفتها أفكار البشر القدماء. كما تعرف بأنها كل ما يمكن أن يكشف لنا عن ماضي الإنسان. تقسم الوثائق إلى وثائق ومصادر أصلية ووثائق ومصادر مشتقة وغير أصلية (مراجع)، كما تقسم إلى وثائق مكتوبة وأخرى غير مكتوبة، كما تقسم إلى الروايات المأثورة والمخلفات. 3( نقد المصادر والمعلومات.تأتي مرحلة فحص وتحليل هذه الوثائق تحليلا علميا دقيقا عن طريق استخدام كافة أنواع الاستدلالات والتجريب، للتأكد منت مدى أصالة وهوية وصدق هذه الوثائق التاريخية فيما تحمله من أدلة تاريخية للحقيقة التاريخية للموضوع أو المشكلة، وتعرف هذه العملية من فحص وتحليل بعملية النقد وتتطلب في الباحث صفات خاصة مثل الحس التاريخي القوي والذكاء اللماح والإدراك العميق والمعرفة الواسعة والثقافة المتنوعة وكذا القدرة على استعمال فروع العلوم الأخرى في تحليل ونقد الوثائق التاريخية. وهناك طريقتين في نقد الوثائق هما النقد الخارجي والنقد الداخلي. النقد الخارجي يستهدف التعرف على أصالة الوثيقة التاريخية والتأكد من مدى صحتها وكذا ترميم وتصحيح الوثيقة التاريخية إذا ما طرأت عليها تطورات وتغيرات في حالتها وإعادتها إلى حالتها ووضعها الأصلي. أما النقد الداخلي فإنه يأتي بعد النقد الخارجي ويهدف للتحقق من دقة وصدق الوثائق التاريخية ومدى الثقة في المعلومات التي تحتويها وذلك عن طريق الحصول على المعلومات التاريخية الحقيقية الصادقة من الوثائق والأصول التاريخية. وتتم هذه العملية عن طريق تحليل وتفسير النص التاريخي والمادة التاريخية وهو ما يعرف بالنقد الداخلي الايجابي، وبواسطة إثبات مدى أمانة وصدق المؤلف وموضوعيته ودقة معلوماته وهو ما يعرف بالنقد الداخلي السلبي. 4( صياغة الفروض وتحقيقها.تأتي عملية التركيب والتفسير التاريخي حتى تتم وتنجز عملية التاريخي الحقيقي حيث تكشف وتفسر الحقيقة التاريخية في صورة نظرية أو قانون ثابت وعام يكشف ويفسر الحقيقة العلمية التاريخية حول حدث أو واقعة من الأحداث والوقائع التاريخية، وتتضمن عملية التركيب والتفسير التاريخي للوقائع التاريخية المراحل التالية: أ) تكوين صورة فكرية واضحة لكل حقيقة من الحقائق المحصلة لدى الباحث التاريخي وللموضوع ككل. ب) تنظيم المعلومات والحقائق الجزئية والمتفرقة والمبعثرة المحصلة وتوصيفها وتصنيفها وترتيبها على أساس معايير وأسس منطقية مختارة. ج) عملية ملء التغييرات التي تظهر بعد عملية التوصيف والتصنيف والتركيب للمعلومات والحقائق التاريخية الجزئية والمتفرقة والمتناثرة في إطار وهيكل الترتيب. 5( استخلاص النتائج وكتابة تقرير البحث. وهي مرحلة ربط الحقائق التاريخية بواسطة علاقات حتمية وسببيه قائمة بينها أي عملية التسبيب والتعليل التاريخي وهي مرحلة البحث عن التعليلات المختلفة، فعملية التركيب والبناء والاستعادة التاريخية لا تتحقق بمجرد تجميع الوثائق التاريخية بل تكمن في البحث والكشف والتفسير والتعليل عن أسباب الحوادث وعن العلاقات الحتمية والسببية التاريخية للوقائع والحوادث التاريخية. وتنتهي عملية التركيب والتفسير التاريخي باستخراج وبناء النظريات والقوانين العلمية والثابتة في الكشف عن الحقائق العلمية والتاريخية وتفسيرها وتقريرها. ثالثا: تطبيق المنهج التاريخي في مجال العلوم القانونية.يضرب القانون بجذوره في التاريخ القديم إلى أمد بعيد، فربما بدأت فكرة التشريع في الحضارة البابلية عند حامورابي فيما عرف بمدونة حامورابي وانتقلت إلى مختلف الحضارات العالمية وتطورت في شكل يقترب إلى العلم في الحضارة الرومانية فيما عرف بالألواح الإثني عشر لجو ستينيان، فدراسة الأنظمة القانونية غبر التاريخ طريق شائك محاط بمخطر الفهم الخاطئ والتزييف والذاتية لذا وجب وضع كل ذلك في بوتقة المنهج التاريخي الذي يضبط طريقة تفكير الباحث في الظواهر التاريخية وتاريخ النظم القانونية، وذلك بمقارنة الأنظمة القانونية في مختلف الحضارات وفائدة ذلك يكمن في تتبع مراحل تطور القوانين وأسباب ذلك التطور، لنستطيع من خلال الماضي تحديد خلفيات وأهداف القانون في الوقت الحاضر. يضطلع المنهج التاريخي بدور حيوي في مجال الدراسات القانونية التي تتمحور وتتركز حول الوقائع والأحداث والظواهر القانونية والتنظيمية المتحركة والمتغيرة والمتطورة باعتبارها وقائع وأحداث وظواهر اجتماعية وإنسانية في الأصل الأساسي. فبواسطة المنهج التاريخي أمكن معرفة الحقائق العلمية والتاريخية عن أصل وأساس وغاية القانون في كافة مراحل وعصور ماضي التاريخ الإنساني في غابر الأزمان بطريقة علمية صحيحة. وتزداد أهمية المنهج التاريخي منفعة وقوة في ميادين الدراسات والبحوث العلمية القانونية، لأن معظم الأفكار والظواهر والنظريات القانونية ترجع في أصولها وجذورها إلى المنهج التاريخي كحتمية علمية ومنهجية قائمة في مجال الدراسات والبحوث القانونية. يسهم المنهج التاريخي في مجال الدراسات والبحوث القانونية من خلال تمكين الباحثين في الاستعانة بالأدوات التي يوفرها هذا المنهج كمنهج علمي موثوق في نتائجه بصورة ثابتة في مجال تتبع تطور التشريعات المقارنة عبر تنوع الأمصار وكذا تعاقب المراحل التاريخية، مما يكفل إمكانية الوقوف على أنجع الآليات والوسائل القانونية بحكم تجارب سابقة من أجل الاستفادة منها في الحاضر. الفرع الثالث: المنهج التجريبي وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية ظهر المنهج التجريبي على يد فرانسيس بيكون Francis Bacon ) ( وذلك عقب الانتقادات التي وجهت للمنهج الاستدلالي والنزعة الفلسفية التأملية عامة، وحينها لم يكن المنهج التجريبي يعبر عن مجرد منهج علمي وإنما شكل نزعة فلسفية سميت النزعة التجريبانية، وهي تقابل النزعة العقلانية التي أسسها المنهج الاستدلالي، وقد أحدثت منعرجا هاما في تاريخ العلم، مما دعا البعض إلى القول بأن العلم الذي لا يخضع للتجربة ليس بعلم، وعليه فما هو مفهوم المنهج التجريبي؟ وما هي أسسه ومراحله؟ وما هو دوره في مجال العلوم القانونية والإدارية؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال العناصر التالية: العنصر الأول: مفهوم المنهج التجريبي. العنصر الثاني: أسس المنهج التجريبي ومراحله. العنصر الثالث: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية. أولا: مفهوم المنهج التجريبي. سنحاول تحديد مفهوم المنهج التجريبي من خلال جزئين، في الجزء الأول نتناول أهم التعريفات وفي الجزء الثاني نبين أهم مميزات هذا المنهج. 1( تعريف المنهج التجريبي. توجد عدة تعريفات للمنهج التجريبي من بينها:(هو المنهج المستخدم حينما نبدأ من وقائع خارجة عن العقل سواء كانت خارجة عن النفس إطلاقا أوباطنة فيها) (البحث التجريبي تغيير متعمد ومضبوط للشروط المحددة لواقعة معينة وملاحظة التغييرات الناتجة في هذه الواقعة ذاتها وتفسيرها) (البحث التجريبي يتضمن محاولة لضبط كل العوامل الأساسية المؤثرة في المتغير أو المتغيرات التابعة في التجربة ماعدا عاملا واحدا يتحكم فيه الباحث ويغيره على نحو معين بقصد تحديد وقياس تأثيره على المتغير أوالمتغيرات التابعة) (البحث التجريبي يقوم أساسا على أسلوب التجربة العلمية التي تكشف عن العلاقات السببية بين المتغيرات المختلفة التي تتفاعل مع القوى التي تحدث في الموقف التجريبي) (البحث التجريبي هو ذلك النوع من البحوث الذي يستخدم التجربة في اختبار فرض معين يقرر علاقة بين عاملين أو متغيرين وذلك عن طريق الدراسة للمواقف المتقابلة التي ضبطت كل المتغيرات ماعدا المتغير الذي يهتم الباحث بدراسة تأثيره) 2( مميزات المنهج التجريبي. من خلال التعريفات السابقة نستطيع أن نستنتج بعض المميزات التي يتميز بها المنهج التجريبي والتي يمكن إجمالها في الآتي: أ) المنهج التجريبي أقرب المناهج إلى الطريقة العلمية، وهذه الخاصية هي التي جعلت بعض العلماء ينادون بضرورة تميز العلم بميزة التجريب على اعتبار أن العلم الذي لا يقبل التجريب ليس بعلم، لكن هذا الرأي متطرف لأنه ينكر الكثير من العلوم التي لا تخضع للتجربة. ب) المنهج التجريبي منهج علمي خارجي إذ يعتمد على التجربة الخارجة عن العقل، أي أن التجربة هنا لا تتم داخل العقل بل تأتي من الخارج لتفرض نتائجها على العقل، وهو بهذه الميزة يختلف عن المنهج الاستدلالي الذي يعتمد على أدوات داخلية، والتجربة التي يتضمنها المنهج الاستدلالي هي تجربة عقلية داخلية. ج) يوصف كذلك بأنه منهج موضوعي، فالنتائج المتحصل عليها عن طريق التجربة تفرض نفسها على العقل حتى وإن كانت تتعارض مع رغبة الباحث أو ميولاته النفسية. ثانيا: أسس المنهج التجريبي ومراحله. يتضمن المنهج التجريبي جملة من الأسس والمقومات يخلط البعض بينها وبين المراحل والتي يمكن أن تتشابه في الألفاظ ولكنها تختلف من حيث المضمون أو الهدف. وعليه سنبين في الفرع الأول أسس ومقومات المنهج التجريبي وفي الفرع الثاني نحدد مراحل أو الخطوات المتبعة أثناء استخدام المنهج التجريبي. 1( أسس ومقومات المنهج التجريبي. يتألف المنهج التجريبي من ثلاث مقومات أساسية هي:الملاحظة أو المشاهدة الفرضيات العلمية، التجريب. أ) الملاحظة أو المشاهدة العلمية: الملاحظة العلمية هي الخطوة الأولى في البحث العلمي، وهي من أهم عناصر المنهج التجريبي وأكثرها أهمية لأنها المحرك الأساسي لبقية العناصر، والملاحظة في معناها العام الواسع هي الانتباه العفوي إلى حادثة أو واقعة أو ظاهرة دون قصد أو سابق إصرار وتعمد أو إرادة، أما الملاحظة العلمية فهي المشاهدة الحسية المقصودة والمنظمة والدقيقة للحوادث والأشياء والظواهر بغية اكتشاف أسبابها وقوانينها ونظرياتها عن طريق القيام بعملية النظر في هذه الأشياء وتعريفها وتوصيفها وتصنيفها في أسر وفصائل، كل ذلك يتم قبل عملية وضع الفرضيات والتجريب. ويقسم الفقهاء الملاحظة إلى ملاحظة بسيطة وهي التي تكون من خلال الانتباه العفوي دون استعداد مسبق، أما الملاحظة العلمية المسلحة وهي التي تتم عن قصد مسبق وتكون منظمة ودقيقة. ومن بين أهم شروط الملاحظة العلمية ما يلي: ـ يجب أن تكون الملاحظة كاملة، أي يجب أن يلاحظ الباحث الملاحظ كافة العوامل والأسباب والوقائع والظواهر، ولا يمكن إغفال أي عنصر له صلة بالموضوع أو الظاهرة. ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية نزيهة وموضوعية ومجردة، ولا تتأثر بفرضيات وأحاسيس سابقة. ـ يجب أن تكون الملاحظة العلمية منظمة ومضبوطة ودقيقة، أي عليه أن يستخدم الذكاء والفطنة والدقة العقلية، وكذا يستخدم وسائل القياس والتسجيل والوزن والملاحظة العلمية التكنولوجية. ـ يجب أن يكون الملاحظ مؤهلا وقادرا ويكون مختصا وعالما في ميدانه. ـ يجب تسجيل كافة الملاحظات بدقة وترتيب محكم، وكذا تجنب الأخطاء التي يكون مصدرها الملاحظ نفسه، أو الأجهزة والأدوات المستعملة. ب) الفرضيات العلمية: الفرضية أو الفرضيات تعني لغة تخمين أو استنتاج أو افتراض ذكي في إمكانية صحة تحقق واقعة معينة أو عدم تحققها ومن ثم استخراج النتائج تبعا لذلك أو هي اقتراحات ونتائج تتطلب الفحص والاختبار والتجريب للتأكد من مدى صحتها. أما الفرضيات اصطلاحا فهي التفسير المؤقت لوقائع وظواهر معينة لا تزال بمعزل عن الامتحان، وبعد امتحانها تصبح قوانين تفسر الظاهرة. وقد تكون أسباب ومصادر نشأة الفرضيات خارجية أو داخلية في ذهن الباحث بحسب طبيعة الظاهرة المدروسة. تلعب الفرضيات دورا حيويا وهاما في مجال استخراج النظريات والقوانين والتعليلات والتفسيرات العلمية للظواهر والوقائع والأشياء وهي تنبئ عن عقل خلاق وخيال مبدع وبعد النظر. ومن أهم العوامل المساعدة على خلق الفرضيات العلمية داخليا الجبرية والمثالية والتواصل والاستمرار الاتصال والتكرار. ومن شروط صحة الفرضيات يجب أن تبدأ من ملاحظات علمية، كما يجب أن تكون قابلة للتجريب والاختبار وأن تكون خالية من التناقض وأن تكون شاملة ومترابطة وكذلك متعددة ومتنوعة للواقعة أو الظاهرة الواحدة. ج ) عملية التجريب: بعد عملية إنشاء الفرضيات تأتي عملية التجريب على الفرضيات لإثبات مدى سلامتها وصحتها، وإثبات صحة الفرضيات عن طريق عملية التجريب يتطلب عدة قواعد من بينها قاعدة تنويع التجربة وقاعدة إطالة التجربة وقاعدة نقل التجربة وكل هذه القواعد وضعها فرانسيس بيكون. وإذا ثبتت صحة الفرضيات علميا ويقينيا تتحول تلك الفرضيات قواعد ثابتة وعامة، ونظريات علمية تكشف وتفسر الظواهر وتتحكم فيها. 2( مراحل وخطوات سير المنهج التجريبي. للمنهج التجريبي ثلاث مراحل متسلسلة ومترابطة ومتكاملة وهي: أ) مرحلة التعريف والتوصيف والتصنيف:وهي مرحلة نظر ومشاهدة الظواهر والأشياء الخارجية والقيام بعمليات تعريفها ووصفها وتصنيفها في قوالب وأسر وفصائل وأصناف من أجل معرفة حالة الظاهرة أو الواقعة دون محاولة التجريب والتفسير. ب) مرحلة التحليل: والهدف من هذه المرحلة هو كشف وبيان العلاقات والروابط بين طائفة الظواهر والوقائع المتشابهة وذلك بواسطة عملية التحليل المعتمدة على تفسير الوقائع والظواهر بواسطة الملاحظة العلمية ووضع الفروض العلمية من أجل استخراج القوانين العلمية العامة المتعلقة بالظواهر المشمولة بالتجربة. ج) مرحلة التركيب: وهي مرحلة تركيب وتنظيم القوانين الجزئية لاستخراج القوانين الكلية والعامة منها في صورة مبادئ عامة أولية، يكون موثوق في صحتها وعلميتها. ثالثا: دور المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية.مع بداية القرن الثامن عشر أصبح إعمال وتطبيق المنهج التجريبي في البحوث والدراسات القانونية ميدان أصيل لهذا المنهج حيث بدأت تزدهر وتنضج النزعة العقلية العلمية الموضوعية التجريبية، وتسود حقول العلوم القانونية بصفة خاصة على حساب النزعة الفلسفية التأملية والميتافيزيقية. وعليه سنتناول في الفرع الأول تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية وفي الفرع الثاني تقييم وتقدير دوره في هذا المجال من البحوث العلمية. 1( تطبيقات المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية والإدارية. طبق هذا المنهج في العديد من الدراسات القانونية التي تضمنت بحوث في مجالات علاقة القانون بمبدأ تقسيم العمل الاجتماعي وعلاقة القانون بالبيئة الاجتماعية وكذا علاقة الدولة والسلطة والقانون والبحوث المتعلقة بالجريمة وفلسفة التجريم والعقاب. وكذا البحوث حول إصلاح السياسات التشريعية والقضائية موضوعيا وإجرائيا. كما طبق هذا المنهج في مجال علم الإدارة ولاسيما بعد ظهور الإدارة العلمية وبروز ظاهرة التداخل والترابط والتكامل بين ظاهرة الإدارة وعلم الاقتصاد وعلم النفس وعلم الأنثروبولوجيا. ولقد استخدم إميل دوركايم المنهج التجريبي في دراسة واكتشاف وتفسير الظواهر العلاقات التي تربط بينها في تبادل وتأثير مطرد، وذلك في كتابه المعروف (تقسيم العمل الاجتماعي) وفي مقاله المعنون بـ: ((قانونا للتطور الجنائي)) حيث استخلص العديد من النتائج والمبادئ العلمية ومن بينها حتمية حاجة الحياة الاجتماعية للقانون ليضبط العلاقات والأنساق الاجتماعية ضبطا قانونيا، كما استنتج حاجة المجتمعات البشرية إلى قوانين جنائية عند بداية نشأتهم أكثر من حاجتهم إلى القانون المدني. وقد ازدهرت استخدامات المنهج التجريبي في مجال العلوم الجنائية بعدما تم اكتشاف حتمية العلاقة والتكامل بين العلوم الجنائية وعلم النفس الجنائي وعلم الاجتماع القانوني وعلم الطب النفسي والطب العيادي وعلم الوراثة، وخصوصا بعد سيادة المدارس الجنائية العلمية التجريبية. وأكثر فروع العلوم القانونية قابلية لتطبيق المنهج التجريبي هي قانون الإجراءات والمرافعات والنظام القضائي والقانون الجنائي والعلوم الجنائية، والقانون الإداري والعلوم الإدارية نظرا لطبيعتها الخاصة وارتباطها بالواقع وكذا حركيتها وتغيرها. 2( تقدير قيمة تطبيق المنهج التجريبي في مجال العلوم القانونية. نظرا للدينامكية التي تتميز بها الدراسات القانونية وكذا التطور السريعة والمتزايد لكافة القواعد القانونية فهي دائما بحاجة إلى منهج علمي يوفر القابلية للتطبيق والتجاوب مع المتغيرات، وهذا ما توفر أدوات المنهج التجريبي بكافة أسسه ومراحله لأجل اكتشاف الحقيقة العلمية القانونية والإدارية بصفة تقنية نسبيا. بالرغم من صعوبة تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم الإنسانية والاجتماعية ومنها العلوم القانونية، إلا أن مجالات تطبيق المنهج التجريبي في ميدان العلوم القانونية كثيرة كما سبق بيان ذلك عن طريق الملاحظة العلمية الصحيحة والموضوعية للظواهر والمعطيات القانونية ووضع الفرضيات والبدائل بشأنها ثم القيام بالتجريب عن طريق التحليل والتركيب من أجل استنباط الحقائق ووضع النظريات والقوانين الثابتة. الفرع الثاني:المنهج الجدلي (الدياليكتيكي) وتطبيقاته في مجال العلوم القانونية والإدارية.تساهم مناهج البحث العلمي في إجراء البحوث العلمية بصورة منهجية دقيقة ومضبوطة وموثوق في سلامتها وعلميتها، مما يدفع الباحثين إلى حسن اختيار المنهج الملائم لطبيعة الدراسة وخصوصياتها ومن بين تلك المناهج المنهج الجدلي. فما هو المنهج الجدلي؟ وما هي قوانينه وخصائصه؟ وما مدى تطبيقه في مجال العلوم القانونية؟ هذا ما سنتناوله من خلال العناصر التالية: العنصر الأول: مفهوم المنهج الجدلي. العنصر الثاني: قوانين المنهج الجدلي وخصائصه. العنصر الثالث: تطبيق المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية. أولا: مفهوم المنهج الجدلي.يقوم المنهج الجدلي على أساس الحقيقة القائلة أن كل الأشياء والظواهر والعمليات والحقائق الطبيعية والاجتماعية والإنسانية والاقتصادية والسياسية هي دائما في حالات ترابط وتشابك وتداخل، وهي دائما في حالات تناقض وصراع وتفاعل داخلي قوي ومحرك ودافع للحركة والتغيير والتطور والارتقاء والتقدم من شكل إلى شكل ومن حالة إلى حالة جديدة. سنتناول خلال هذا العنصر نشأة هذا المنهج ثم نبرز أهم التعريفات التي أعطيت من خلال الجزئين التاليين: 1( نشأة المنهج الجدلي. يعتبر المنهج الجدلي منهجا قديما في فلسفته وأسسه وفرضياته، حديثا في اكتمال وإتمام صياغته وبنائه كمنهج علمي للبحث والدراسة والتحليل والتفسير والتركيب والتأليف بطريقة علمية. فلقد ظهرت نظرية الجدل قديما عند الإغريق على يد الفيلسوف اليوناني هير إقليتس قبل الميلاد، والذي صاغ أساس نظرية الدياليكتيك عندما اكتشف وأعلن أن كل شيء يتحرك وكل شيء يجري وكل شيء يتغير. ولقد تطور الدياليكتيك تطورا كبيرا وجديدا على يد الفيلسوف الألماني هيجل الذي بلور وجسد تلك النظرية وبناها وصاغها صياغة علمية شاملة وكاملة وواضحة وواعية كمنهج علمي لدراسة وتحليل الحقائق والأشياء والظواهر والعمليات وتفسيرها وتركيبها علميا ومنطقيا بطريقة شاملة ومتكاملة حيث أن هيجل هو الذي اكتشف القوانين والقواعد والمفاهيم العلمية للدياليكتيك والمتمثلة في قانون تحول التبادلات الكمية إلى تبادلات نوعية وقانون وحدة وصراع الأضداد، وقانون نفي النفي. يتميز الدياليكتيك عند هيجل بأنه دياليكتيك مثالي، وعلى هذا الأساس انتقد الفيلسوف الألماني لودفيغ فور باخ النزعة المثالية عند هيجل ونادى بضرورة اتسام واتصاف الدياليكتيك بالنزعة المادية حتى يصبح موضوعيا وواقعيا وعلميا. بعدها قام كارل ماركس، وهو من أنصار الدياليكتيك الهيجلي بإعادة صياغة نظرية الدياليكتيك صياغة مادية علمية عملية، فأبقى عليها بكل نظرياتها وأسسها وفرضياتها ولكن نزع منها الطبيعة المثالية. 2( تعريف المنهج الجدلي. يعرف المنهج الجدلي بأنه ذلك المنهج الذي يبحث عن الحقيقة من داخل الظاهرة ويتتبع مراحل تغير الظاهرة بناءا على الصراع الداخلي الذي يحدث للظاهرة، على عكس المنهج التجريبي الذي يدرس الظاهرة من الخارج عن طريق الملاحظة والتجربة. كما يعرف بأنه المنهج الذي يبحث عن الأجزاء التي تكون الظاهرة ويدرس مدى تناقضها ويبحث في إمكانية حدوث صراع بين هاته الأجزاء داخل الظاهرة. ثانيا: قوانين المنهج الجدلي وخصائصه. يتكون المنهج الجدلي من جملة من القوانين ويتميز بجملة من الخصائص نوردها على النحو التالي: 1( قوانين المنهج الجدلي. قوانين الجدل هي الآليات التي يطبق بها المنهج الجدلي في دراسة الظاهرة أو هي المفاتيح التي يستطيع الباحث أن يدخل بها إلى الظاهرة ويقف عند أجزائها أو عناصرها ليرى ما تحمله من بذور فنائها أو تحولها فهو يدرس الماضي ويتنبأ بالمستقبل، يدرس سبب تغير الظاهرة في الماضي ويتنبأ بالتغير المستقبلي وهذه القوانين هي: أ‌) قانون وحدة وصراع الأضداد:كل ظاهرة تحتوي على عناصر أو أجزاء، فهذا القانون يكشف عن تناقض هذه العناصر فيما بينها إذ يؤدي هذا التناقض أو الصراع إلى تغير طبيعة الظاهرة شكلا ومضمونا. كما يؤدي إلى بقائي الشيء وتطوره. ب‌) قانون تحول التغيرات الكمية إلى تغيرات نوعية: تتصارع أجزاء الظاهرة فيما بينها فتبدأ الظاهرة في التغير من الناحية الكمية أو حتى الشكلية وحينما يصل التغير الكمي إلى ذروته تتغير الظاهرة نوعيا ولا تحتمل هذا التغير الكمي على الوضع السابق أي لا تستطيع استيعابه ولا تستطيع التكيف معه إلا بوضع جديد هو الظاهرة الجديدة المفرزة. ج‌) قانون نفي النفي:حينما يصل التناقض ذروته تبدأ الظاهرة، وتبنى على أنقاضها ظاهرة تتألف من عناصر الظاهرة السابقة لكنها تختلف عنها فبعدما تتناقض هذه العناصر تتآلف من جديد لتنفي ما كان في السابق وتتخلص من عيوب الظاهرة السابقة ونفي النفي هنا النظام الصحيح. ومنه فقانون نفي النفي هو شرط التطور والبناء التصاعدي إلى الأمام، وعليه فهو يسمى قانون التطور والتقدم للظواهر والعمليات والأشياء والحقائق والحياة. 2( خصائص المنهج الجدلي. يمكن إجمال خصائص المنهج الجدلي في ثلاث خصائص أساسية هي: أ) إن الدياليكتيك منهج علمي موضوعي للبحث والتحليل والتركيب والتفسير والمعرفة، فهو يقوم على قواعد وقوانين ومفاهيم علمية موضوعية في تفسير حقائق وطباع الأشياء والظواهر والأفكار والعمليات. ب) إن الدياليكتيك منهج عام وشامل وكلي في كشف ومعرفة وتفسير كافة الحقائق والظواهر والعمليات العلمية النظرية والطبيعية والاجتماعية والسياسية والتنظيمية، وقد اكتسب المنهج الجدلي هذه الخاصية في مراحل تطوره الأخيرة. ج) كما أصبح هذا المنهج يتميز بعد تطوراته الأخيرة بأنه عملي، حيث أصبح يستخدم في الدراسات المرتبطة بموضوعات وظواهر من واقع الحياة، ولم يعد محصورا تحليل ومعرفة وتفسير وتركيب حقائق الظواهر والأشياء. ثالثا: تطبيق المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية.يعتبر المنهج الجدلي من بين مناهج البحث العلمي المستخدمة في مجال العلوم الاجتماعية بوجه عام والعلوم القانونية بصفة خاصة، وهكذا يضطلع هذا المنهج في نطاق النظرية الهيجلية والماركسية البينينية بدور كبير وحيوي في اكتشاف وتفسير النظريات والقوانين العلمية والتنبؤ في مجال دراسة الظواهر السياسية والقانونية بصورة موضوعية وعلمية. 1( تطبيقات المنهج الجدلي في مجال العلوم القانونية. في مجال العلوم القانونية قام ويقوم المنهج الجدلي بقسط كبير في اكتشاف وتفسير النظريات والقوانين العلمية والتنبؤ بها، فهكذا يلعب المنهج الجدلي دورا حيويا في اكتشاف القوانين العلمية المتعلقة بتفسير أصل وغاية الدولة وأصل وغاية القانون فبالرجوع لكتب المدخل لنظرية القانون والقانون الدستوري ونظرية الدولة والعلوم السياسية وعلم التنظيم الإداري، يظهر بجلاء دور المنهج الجدلي في تأصيل نظريات تفسير أصل الدولة والقانون وعلاقتهما وأغراضهما ووظائفهما. ويقوم المنهج الجدلي بدور كبير في تأصيل وتفسير ظاهرة الثورة وعلاقتها بالقانون ومبدأ الشرعية القانونية، تأصيلا وتفسيرا علميا موضوعيا سليما وصحيحا وواضحا، كما يقوم بدور فعال في تفسير ظاهرة التغير الاجتماعي وأثرها على النظام القانوني في الدولة والمجتمع. كما استخدم كارل ماركس المنهج الجدلي في الكشف وتفسير ظاهرة الثورة علميا وظهور دولة البروليتاريا والتفسير المادي الاقتصادي للتاريخ وفي الكشف عن ظاهرة القانون في المجتمع من أصله وأهدافه ووظائفه في المجتمع والدولة. كما طبق المنهج الجدلي في مجال العلوم الإدارية مما أدى إلى استنباط مبدأ المركزية الديمقراطية نتيجة لصراع وتضاد وتفاعل كل من النظام المركزي والسلطة الرئاسية ونظام اللامركزية والديمقراطية الإدارية. 2( تقدير دور المنهج الجدلي في مجال الدراسات القانونية. يعد المنهج الجدلي بقوانينه وخصائصه الذاتية من أكثر مناهج البحث العلمي صلاحية وملاءمة للدراسات القانونية المعقدة والمتشابكة والمترابطة والمتحركة والمتطورة باستمرار إذ أن المنهج الجدلي بمفهومه السابق هو المنهج الوحيد القادر على الكشف والتفسير للعلاقات والروابط والتفاعلات الداخلية للظواهر الاجتماعية والسياسية والقانونية وطبيعة القوى الدافعة والمحركة لهذه الظواهر وكيفية التحكم فيها، ومنه التنبؤ بالنتائج والنهايات الجدية المتعلقة بتطور وتقدم هذه الظواهر وكذا طريقة التحكم فيها علميا عمليا. المنهج الجدلي منهج علمي وموضوعي شامل وصالح للبحوث والدراسات العلمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقانونية وقد نشأ وانبثق هذا المنهج في مجال الدراسات والبحوث الاجتماعية والسياسية والقانونية فهو إذن منهج أصيل بالعلوم الاجتماعية والقانونية. المطلب الثاني:المناهج العلمية الفرعية هناك من يعتبر هذه المناهج مجرد أدوات بحث لأنها لا ترقى إلى درجة المنهج العلمي، فالمنهج هو ما يضبط طريقة تفكير الباحث، بينما أدوات البحث هي التي يستعملها الباحث في تنفيذ المنهج الذي يسير عليه في بحثه فهو يستعمل المقارنة بين المجموعة التجريبية والمجموعة الضابطة في المنهج التجريبي ويستعمل الإحصاء لتنفيذ التجارب في المنهج التجريبي، وكذلك يستعمل المقارنة والإحصاء في البحوث التي تعتمد المنهج التاريخي، ولهذا اعتبرت المناهج الفرعية مجرد أدوات تدخل ضمن منهج من المناهج الأساسية. وبالمقابل هناك من يعتبرها مناهج علمية مستقلة، وذلك نظرا لإمكانية قيامها ببحوث خاصة ووفائها بالغرض المطلوب. ومن بين أهم تلك المناهج المنهج الوصفي والمنهج الإحصائي، ومنهج التعليق على النصوص والقرارات القضائية وإعداد استشارة قانونية. أولا: المنهج الوصفي ودوره في الدراسات القانونية. هناك نوع من البحوث يركز فيها الباحث على وصف ظاهرة معينة ماثلة في الوقت الراهن فيقوم بتحليل تلك الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها ويتعدى البحث الوصفي مجرد الوصف إلى التحليل البيانات واستخراج الاستنتاجات ذات الدلالة والمغزى بالنسبة لمشكلة البحث. ويعتمد المنهج الوصفي على مناهج فرعية أو طرق بحث تتمثل في المنهج المسحي ومنهج دراسة الحالة والمنهج المقارن. 1( المنهج المسحي. عرفه (هويتني) بأنه محاولة منظمة لتحليل وتأويل الوضع الراهن لنظام اجتماعي أو لجماعة، وعرفه (مورس) بأنه منهج لتحليل ودراسة موقف أو مشكلة وذلك بإتباع طريقة علمية منظمة ويكون المسح دوما لدراسة موضوع ما في الحاضر وذلك بجمع البيانات وتفسيرها ثم تعميم النتائج بهدف التطبيق العلمي. ويمر البحث المسحي بالمراحل التالية: مرحلة تعريف البيئة وبيان حدودها ومرحلة الوصف الدقيق ومرحلة التحليل وإيجاد العلاقة السببية بين العوامل المختلفة. وهناك عدة أنواع من البحوث المسحية منها المسوح الوصفية والمسوح التفسيرية، والمسوح الشاملة والمسوح بالعينة، وهناك المسوح العامة والمسوح المتخصصة. أما بالنسبة لاستخدام المنهج المسحي في العلوم القانونية فإن أول من استخدمه هو (جون هوارد) John Howard حيث قام بمسح اجتماعي للوقوف على حالة المسجونين وبدأ بجمع الحقائق والأرقام عن السجن والمسجونين وأحصى السجون وقدم نتائج بحثه في مجلس العموم البريطاني وصدرت تشريعات مختلفة ترمي لإصلاح حالة المسجونين والسجون في إنجلترا. 2( منهج دراسة الحالة.إدا كانت الدراسة المسحية تدرس الظاهرة أفقيا فإن دراسة الحلة تتناول الموضوع عموديا، وهي تتبع الخطوات التالية: تصميم العينة من خلال تحديد الحالة المراد دراستها ثم مرحلة دراسة العينة وتتم عن طريق دراسة التاريخ الشخصي للحالة وتاريخ الحالة، ويجري دراسة التاريخ الشخصي للحالة للوقوف عند كل الحوادث التي مرت بالمبحوث من وجهة نظره ويتم ذلك بالإطلاع على المذكرات الشخصية التي كتبها بنفسه، أما تاريخ الحالة ويحصل على المعلومات من المحيط الذي تعيش فيه الحالة كالأسرة والمدرسة ومكان العمل. أما الإجراءات المتبعة في دراسة الحالة فهي: المقابلة الشخصية، الملاحظة المتعمقة، دراسة الوثائق والسجلات المكتوبة، وتسجيل معلومات دراسة الحالة. ويجري تطبيق منهج دراسة حالة في مجال العلوم القانونية على وجه الخصوص في العلوم الجنائية، فمثلا لمعرفة الدوافع الإجرامية يتوجب على الباحث التعمق في دراسة الحالة من أجل بناء نظريات جديدة تفسر السلوك الإجرامي. 3(: المنهج المقارن. يعتمد هذا المنهج على نتائج تم تحقيقها سابقا عن طريق مناهج بحث أخرى من أجل اختصار الوقت التي تتطلبه إعادة الدراسات من جديد، ومن بين الشروط الواجب التقيد بها عند تطبيق هذا المنهج هي: أن تكون الظواهر والأنظمة المقارنة متجانسة ويجب عزل المتغيرات. تكاد الدراسات القانونية لا تخلو من المقارنة، وذلك لأن النظام القانوني لا يمكن اكتشاف ما يكتنفه من نقص أو فراغ أو عدم انسجام إلا بمقارنته بنظم قانونية لدول أخرى، وتكاد تكون أغلب الرسائل الجامعية في العلوم القانونية دراسات مقارنة. ثانيا: المنهج الإحصائي ودوره في الدراسات القانونية. حاول الكثير من المفكرين أن يجعلوا من المنهج الإحصائي علما له قواعد وقوانين وحاول البعض أن يجعله علما تابعا للعلوم التجريبية أما التفكير الحديث فقد جعل الإحصاء أداة للقياس ومنهجا للبحث يقدم للباحث البيانات اللازمة للوصف والمقارنة من أجل إقامة النظريات. ويعتمد المنهج الإحصائي على الملاحظة وجمع البيانات ومقارنتها وتفسيرها ومن مميزات المنهج الإحصائي أنه يعتبر وسيلة جيدة للتجرد من الذاتية إذ ة تعكس النتائج الحقيقة العلمية بطريقة موضوعية، كما يتميز بتوافق النتائج التي يتوصل لها الباحثون رغم تعددهم إذا كانت الوقائع متجانسة ومتماثلة، ويتميز بأن نتائج البحث تكون في صورة كمية تعبر تعبيرا دقيقا عن الظاهرة، النتائج الكمية التي تفسر الظاهرة تسمح لنا بالتنبؤ الجيد بتطور الظاهرة مستقبلا، كما أسهم في حل العديد من المشكلات مثل الكثافة السكانية وتنامي ظاهرة الطلاق والتسرب المدرسي وغيرها. أما المراحل التي يمر بها البحث الإحصائي فهي: ـ تحديد المشكلة موضوع البحث. ـ جمع البيانات الإحصائية من المجتمع. ـ ترجمة البيانات في شكل جداول ومنحنيات بيانية. ـ تصنيف البيانات. ـ تحليل البيانات. ـ استخلاص النتائج القابلة للتعميم. أما عن دور هذا المنهج في مجال الدراسات القانونية فيظهر ذلك جليا في ما يوفره للباحث من أدوات رياضية يستطيع من خلالها ترجمة العبارات الفضفاضة مثل ( كثيرا، في غالب الأحيان ، وقلما) وتحويلها إلى أرقام دقيقة تعكس نتائج البحث وتضفي عليه طابع الدقة والعلمية. ثالثا: منهج التعليق على النصوص والقرارات وإعداد استشارة قانونية. سنتناول في هذا المطلب منهج التعليق على النصوص الفقهية والنصوص القانونية في الفرع الأول، وفي الفرع الثاني نتناول العليق على القرارات القضائية والفرع الثالث نخصصه لإعداد استشارة قانونية. 1( منهج التعليق على النصوص. سنتعرض خلال هذا العنصر إلى مسألة التعليق على النصوص الفقهية وكذا النصوص القانونية: أ) التعليق على نص فقهي. ويمر بالمراحل التالية: ـ تحديد موقع النص من خلال بعض المعلومات الخاصة بملابسات النص كي تساعدنا على فهمه ومن هذه المعلومات تاريخ صدوره، الظروف التي صدر فيها، المعلومات الخاصة بالكاتب، أهمية الموضوع، شكل النص الخارجي وأسلوبه. ـ التحليل الشكلي للنص وهنا نهتم بالوصف الخارجي للنص من حيث طول وقصر النص وعدد الفقرات التي احتواها، البناء اللغوي للنص وأسلوبه. ـ التحليل الموضوعي للنص، وهو استخراج الأفكار الجوهرية التي احتواها النص. ـ طرح إشكالية الموضوع، وهنا قد يكفي أن تطرح أسئلة محددة حول الموضوع المناقش. ـ وضع خطة للتعليق، بعد البحث في المسائل السابقة يمكن وضعها في المقدمة والدخول في الموضوع بعدها وخطة التعليق يمكن وضعها بناءا على النص محل التعليق، فيمكن أن تقسم إلى مباحث ومطالب بحسب الموضوع. ب) التعليق على نص قانوني: هناك عدة طرق للتعليق على النص القانوني كلها تعتمد على خطة منظمة حتى ترتب الأفكار في شكل منهجي يسمح بالإلمام بالنص القانوني، ومن بين تلك الطرق هذه الطريقة: ـــ مقدمة تشمل التعرف على النص، موقعه وظروف صدوره ـ الموضوع ويشمل تحليل النص شكليا وموضوعيا والإلمام بالمعنى الإجمالي للنص.ونقد النص من خلال ذكر العيوب والمميزات. ـــ خاتمة توضع فيها النتائج المتحصل عليها. 2( منهج التعليق على الحكم والقرار القضائي.هناك عدة مناهج للتعليق على الأحكام والقرارات القضائية ومن بينها : منهج يحتوي على ثلاث مراحل: ــ مقدمة تتضمن التعريف بالحكم وتاريخ صدوره والجهة التي أصدرته. ــ الموضوع ويتضمن تحليل الحكم من الناحية الشكلية والموضوعية. ــ الخاتمة وتحتوي على تقييم الحكم أو القرار. أما المنهج الذي يفرق بين الحكم والقرار القضائي فيكون على النحو التالي: التعليق على الحكم القضائي يتبع المراحل التالية: ــ سرد الوقائع وفق التسلسل الزمني. ــ الإدعاءات ويذكر طلبات المدعي ودفوع المدعى عليه. ــ المسائل القانونية. ــ المبادئ القانونية. ــ الحل الذي قدمته المحكمة الابتدائية. ــ مناقشة هذا الحل وتكون من خلال مراجعة تطبيق المبادئ على الوقائع. التعليق على قرار المجلس ويكون بنفس الخطوات ويهتم بالوقائع بشكل مفصل. التعليق على قرار المحكمة العليا يتبع الخطوات التالية: ــ عرض القرار( الأطراف، سبب الطعن، الإشكالية، الحل الذي قدمته المحكمة العليا) ــ مناقشة القرار ( نقد القرار من خلال ذكر النصوص التي تتعارض مع القرار وذكر الآراء الفقهية والاجتهادات التي تعارضه، تأييد القرار من خلال ذكر النصوص والآراء و الاجتهادات التي تؤيد القرار، والحل المقترح ويكون إما بالتأييد أو المعارضة للفرار الصادر. 3( منهج إعداد استشارة قانونية: بعد البحث والتحضير للاستشارة يتم تقسيمها كما يلي: ــ الوقائع: يجب ذكر الوقائع كاملة دون إضافة أو تعليق ولا يجوز الحكم عليها مسبقا بل يجب ذكرها كما وردت في نص الاستشارة، ويتم استبعاد الوقائع التي لا تنتج أثرا قانونيا. ــ الإجراءات: وتذكر كما وردت في نص الاستشارة حسب التسلسل الزمني لحدوثها. ــ المسائل القانونية: وتطرح في شكل أسئلة ويجب تجزئة الأسئلة فلا تطرح في شكل عام بل تجزأ إلى أسئلة فرعية حتى يمكن الإجابة عنها بصورة مرتبة. ــ الحل: وهو الإجابة على كل سؤال على حدى بحيث يذكر النص القانوني ويطبق على الواقعة. انتهى. والله ولي التوفيق









عرض البوم صور Dzayerna   رد مع اقتباس
قديم 10-21-2009   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: المدير العام ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Dzayerna


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5342
المشاركات: 18,093 [+]
بمعدل : 5.95 يوميا
اخر زياره : 05-31-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1893

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Dzayerna غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Dzayerna المنتدى : منتدى السنة الأولى
افتراضي

الفصل الثالث:مناهج البحث العلمي.
من خلال هذا الفصل سنتناول مفهوم علم المناهج في المبحث الأول والمبحث الثاني نخصصه لمناهج البحث العلمي الأساسية والفرعية.

المبحث الأول: مفهومعلمالمناهج.

بادربعضفلاسفةالغربإلىتأسيسعلمالمناهجبشكلواضح،حيثظهربعدهاكعلممستقللهأسسهومبادئهالمعممةعلىشتىالعلومومختلفميادينالبحث،ومنذذلكالحينانصرفاهتمامالكثيرمنالعلماءإلىدراسةهذاالعلموتحليلهوبيانكيفياتتطبيقه،وأهممايميزهذاالعلمأنكلالعلومتسعىإلىالتقربمنهوذلكلأنهالمحددالأوللمدىعلميةأيمعرفةمنالمعارف،وعليهفكلالعلومبمافيهاالعلومالإنسانيةتفتخربعلميتهاكلمانجحتأكثرفيتطبيقالمناهجالعلميةفيها. فماهوعلمالمناهج؟وكيفتكون؟وماهيأهمالتصنيفاتالتيوضعتله؟ومامدىإمكانيةإخضاعالعلومالإنسانيةللمنهجالعلمي؟
هذاماسنتناولهمنخلالالمطالبالتالية:
المطلبالأول: تعريفعلمالمناهج.
المطلبالثاني: تكوينعلمالمناهج.
المطلبالثالث: تصنيفاتالمناهجالعلمية.
المطلبالرابع: مدىإمكانيةإخضاعالعلومالإنسانيةللمنهجالعلمي.



المطلبالأول: تعريفعلمالمناهج.
المنهجلغةهوالطريقالواضحوالسليموتقابلهاباللغةالفرنسيةكلمة (Méthode) واصطلاحايعرفالمنهجبأنه «الطريقالمؤديإلىالكشفعنالحقيقةفيالعلومبواسطةطائفةمنالقواعدالعامة،تهيمنعلىسيرالعقلوتحددعملياتهحتىيصلإلىنتيجة
إذالمتكنهناكقواعدمسبقةتحكمسيرالعقلفيالوصولإلىالحقيقةولكنكانتالخطواتمنظمةودقيقةفيكونالمنهجتلقائي،وذلكلأنالسيرالطبيعيللعقلإذالمتحددأصولهمسبقاوكانمنظمامنشأنهأنيسطرلنفسهمنهجامندونالاعتمادعلىماهوموجودمنقواعدمنهجيةمسطرةمسبقا،ولكنالمنهجالتلقائيقديعرضصاحبهللخطأ،وذلكلأنتفكيرشخصواحدليسكتفكيرجمعكبيرمنعلماءالمناهج،أمامناهجالبحثالعلميفقدجاءتعنطريقدراساتمتخصصةمنطرفكثيرمنعلماءالمناهجلذافتطبيقهايضفيعلىنتائجالبحوثنوعمنالثقة.
ومنهفالمنهجهومجموعةالقواعدوالقوانينالتيتبينلناأوجهالخطأوالصوابفيخطواتالبحث،وطرقالبحثعنالحقيقة،والعلمالذييبحثفيالمناهجوينتقدهاويضعقواعدهايسمىعلمالمناهجوقدأخذصفةالعلملأنهيحتويعلىمبادئمشتركةبينكافةالعلومأيأنالنتائجالمتوصلإليهاتقبلالتعميمكماأنهاتتصفبالتجريد.
كمايعرفالمنهجالعلميبأنهقواعدبسيطةومؤكدةإذاراعاهاالباحثمراعاةدقيقةكانفيمأمنمنأنيحسبصواباماهوخطأ،أوهوبيانالقواعدوالإرشاداتالتيينبغيأننتبعهالكينستخدمملكاتناالعقليةعلىالوجهالأكمل
كماعرفالمنهجبأنه: « فنالتنظيمالصحيحلسلسلةمنالأفكار،إمامنأجلالكشفعنالحقيقةحيننكونلهاجاهلين،أومنأجلالبرهنةعليهاللآخرينحيننكونلهاعارفين
استخدمتكلمةعلمالمنهجيةأوعلمالمناهج(Méthodologie)لأولمرةعلىيدالفيلسوف (كانت) (KENT)،وذلكعندماقسمالمنطقإلىقسمينأساسيينهما:



1)ـمذهبالمبادئوهوالذييبحثفيالشروطوالطرقالصحيحةللحصولعلىالمعرفة.
2)ـعلمالمناهجالذييهتمبتحديدالشكلالعاملكلعلموتحديدالطريقةالتييتكونويتشكلبهاأيعلممنالعلوم.
فعلمالمناهجهوالعلمالذييبحثفيمناهجالبحثالعلميوالطرقالعلميةالتييكتشفهاويستخدمهاالعلماءوالباحثونمنأجلالوصولإلىالحقيقة،ومنهنصلإلىأنعلمالمناهجهوالعلمالدارسوالباحثللمناهجالعلميةالمختلفة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t20044.html#post183920

المطلبالثاني: تكوينعلمالمناهج.
المقصودبتكوينعلمالمناهجهناهوبيانكيفيةتكوينالمناهجالعلمية،ومانصيبكلمنالعالمالمتخصصفيميدانعلمهوالفيلسوفالمنطقيفيتكوينقواعدومبادئوقوانينالمناهجالعلمية،وبمعنىآخرهليتمتكوينالمناهجبواسطةرجالالمنطقوالفلاسفةمسبقاويضعونهفيصورةمبادئوقواعدعلميةيجبعلىالباحثوالعالمالمتخصصأنيلتزمبهامقدماويسيرعلىهديهاخلالالقيامببحوثهالعلميةأمهيمناختراعواكتشافالباحثوالعالمالمتخصصفيميدانعلمه.
أثارهذهالمشكلةبصورةواضحةوحاسمةكلودبرنارClaude Bernardفيكتابه (المدخللدراسةالطبالتجريبي) حيثيقررأنهيجبعلىالعالموالباحثالمتخصصألايتقيدبمنهجومذهبفلسفيمعينأثناءالقيامبأبحاثهالعلميةلأنالمناهجلايمكنأنتدرسنظرياكقواعدوقوانيننظريةولكنهيتتكونداخلالميدانوالمعمل. أماالدكتورعبدالرحمانبدويفإنلهرأيآخرمضمونههوحتميةتكاملوتعاونوتساندكلمنالعالمالمتخصصوالفيلسوفالمنطقيفيتكوينالمناهجوعلمالمناهج،ويرىأنماطرحهكلودبرنارصحيحاحيثأنمناهجالبحثالعلميفيتطبيقاتهاعلىمختلففروعالعلوموالمعرفةولكنهذاالرأيليسصحيحابالقولبإنفرادالعالمالمتخصصبخلقوتكوينمناهجالبحثالعلميدونمشاركةالعالمالمنطقيوالفيلسوفالمفكر.

وعليهفعمليةتكوينمناهجالبحثالعلميوعلمالمناهجعمليةيشتركفيهاالعالمالمتخصصوالفيلسوفالمنطقيبصورةتكاملوتعاونوتساندبحيثيقومالعالمالمتخصصفيمرحلةأولىببيانالمنهجالذياكتشفهواتبعهفيبحوثهودراستهالعلميةالمتخصصةفينطاقعلممنالعلومثميقدمتقريراأوأطروحةأومقالاعنذلك،ثميأتيدورعلمآخرأوسععلماوأفقاذوعقليةتأمليةشموليةوعامةليقومبعمليةملاحظةمراقبةوتنسيقبينالتقاريروالنتائجالتييتوصلإليهاالعلماءالمتخصصونفيمختلففروعالعلوم.
ومنهنصلإلىأنكافةالمناهجالعلميةصالحةلبحثفيكافةالعلوم،فليسهناكتخصصأوتخصيصللمناهج.
كماأنهيمكناستخدامكافةالمناهجالعلميةفيبحثعلميواحدوفينطاقعلممعينواحدبشكلاستخدامتكافلوتعاونوتساندكافةهذهالمناهجفيانجازبحثعلميكاملوشاملذوبراهينيقينيةثابتةومطلقة.

المطلبالثالث: تصنيفاتالمناهجالعلمية.
هناكجملةمنالتصنيفاتالتقليديةوالحديثةنتناولهافيالفرعينالتاليين:
الفرعالأول: التصنيفاتالتقليديةلمناهجالبحثالعلمي.
تمتصنيفمناهجالبحثالعلميتقليدياإلىعدةتصنيفاتنذكرمنبينهامايلي:
ـالمنهجالتحليليوالمنهجالتركيبي: المنهجالتحليليالإكتشافي أو منهج الاختراع وهو يستهدف الكشف عن الحقيقة، أما المنهج التركيبي أو ألتأليفي الذي يقوم بتركيب وتأليف الحقائق التي تم اكتشافها أو اختراعها بواسطة المنهج التحليلي وذلك بهدف تعليمها ونشرها للآخرين. ما يعاب على هذا التصنيف أنه ناقص لأنه يتحدث عن الأفكار فقط ولا يشمل القوانين والظواهر كما أنه لا يصلح لكافة فروع العلم والمعرفة.
ـ المنهج التلقائي والمنهج العقلي التأملي: المنهج التلقائي هو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل سيرا طبيعيا نحو المعرفة أو الحقيقة دون تحديد سابق لأساليب وأصول وقواعد منظمة، أما المنهج العقلي التأملي فهو ذلك المنهج الذي يسير فيه العقل والفكر في نطاق أصول وقواعد منظمة ومرتبة من أجل اكتشاف الحقيقة أو الحصول على المعرفة.
هذا التصنيف كذلك منتقد لأنه تحدث عن طرق ووسائل الحصول على المعرفة والشروط العقلية العلمية وليس على مناهج البحث العلمي كمناهج لها أصول وقواعد وقوانين.
الفرع الثاني: التصنيفات الحديثة لمناهج البحث العلمي.
يمكن إجمال التصنيفات الحديثة من خلال الرجوع إلى الفقهاء الذين نادوا بها ونتناولها على النحو التالي:
ـ تصنيف هويتني(Whitney):رتبالفقيههويتنيالمناهجالعلميةعلىالنحوالتالي:
1) المنهجالوصفي.
2) المنهجالتاريخي.
3) المنهجالتجريبي.
4) البحثالفلسفي.
5) البحثالتنبؤي.
6) البحثالاجتماعي.
7) البحثالإبداعي.
ـتصنيفماركيزMarquis)): رتبماركيزمناهجالبحثالعلميعلىالنحوالتالي :
1) المنهجالأنثروبولوجي (الملاحظةالميدانية).
2) المنهجالفلسفي.
3) منهجدراسةالحالة.
4) المنهجالتاريخي.
5) منهجالمسح.
6) المنهجالتجريبي.

ـتصنيفجودوسكايتسGood et Scates : رتبهذانالفقيهانمناهجالبحثالعلميإلى:
1) المنهجالتاريخي.
2) المنهجالوصفي.
3) منهجالمسحالوصفي.
4) المنهجالتجريبي.
5) منهجدراسةالحالةوالدراساتالإكلينية.
6) منهجدراساتالنمووالتطوروالوراثة.

كلهذهالتصنيفاتبالغأصحابهافيتحديدمناهجالبحثالعلميحيثأقحموابعضأنواعالبحوثوطرقالحصولعلىالمعرفةوالثقافةوكذابعضأجزاءالمناهجالأصلية.
لكنهناكمناهجأصليةوأخرىفرعيةمتفقعليهامنطرفالعلماءوكتابعلمالمناهجوهيعلىالنحوالتالي:
المناهجالأصلية : المنهجالاستدلاليـالمنهجالتاريخيـالمنهجالتجريبيـالمنهجالجدليأوالدياليكتيكي.
المناهجالفرعية: وتظمكلالمناهجالأخرىالتيلميتمالاتفاقحولاعتبارهامناهجأصليةومنبينهاالمنهجالوصفيوالمنهجالإحصائيوالمنهجالتحليليوالمنهجالمقارنوغيرهامنمناهجالبحثالأخرى.

المطلبالرابع: مدىإمكانيةإخضاعالعلومالإنسانيةللمنهجالعلمي.
لميقبلالعلماءبسهولةفيالسابقفكرةتطبيقمناهجالبحثالعلميعلىالعلومالإنسانية،حيثكانواينظرونإليهاعلىأنهاليستعلوماوذلكلماتحدثهالعلومالإنسانيةمنلبسفيالمفاهيمنظرالخصائصهاالمتنوعةوالمتمثلةفي:

ـالظواهرالسلوكيةمعقدةومتشابكة.
ـالظواهرالسلوكيةديناميكيةوسريعةالتغييروالتفاعل.
ـفقدانالتجانسبينالظواهرالسلوكية.
ـصعوبةاستخدامالطرقالمختبرية.
ـالتحيزوالميولالشخصيللباحث.
أهمقاعدتينطرحهماعلماءالعلومالإنسانيةمنأجلتذليلالصعوباتالتيتعوقالبحثالعلميفيهذاالمجالهما:
1) اعتبارالظواهرالاجتماعيةأشياءعنددراستهافالشيءهوكلمايصلحأنيكونمادةللمعرفةومنهتصبحمثلالظواهرالطبيعيةقابلةللإدراكمنخارجذاتيةالباحث.
2) استبعادكلالعواملالنفسيةالتيتبعثفينفسالباحثالشعوربالقهرالاجتماعيهذامادعاإليه (إيميلدوركايم) منأجلعزلالظواهرالاجتماعيةعنفكرووعيالباحثوجعلهاكأنهاكيانقائمبذاتهخارجمجالالتأثيرعلىالفرد.










المبحث الثاني:المناهج العلمية الأساسية والفرعية.
سنخصصالمطلبالأول للمناهج الأساسية والمطلب الثاني للمناهج الفرعية.
المطلب الأول: المناهج العلمية الأساسية.
المتفقعليهبين علماء القانون وكتابعلمالمناهجهو أن المناهجالعلمية الأساسية هي: المنهجالاستدلاليـالمنهجالتاريخيـالمنهجالتجريبيـالمنهجالجدليأوالدياليكتيكي. هذا ما سنتناوله خلال الفروع التالية:
الفرع الأول: المنهجالاستدلاليوتطبيقاتهفيمجالالعلومالقانونيةوالإدارية.
إذاكانتمناهجالبحثالعلميهيالطرقوالوسائلالمؤديةإلىالكشفعنالحقيقةفيالعلومالمختلفةبواسطةمجموعةمنالقواعدوالقوانينالعامةالتيتحكموتنظمسيرالعقلوتحددعملياتهحتىيصلإلىنتائجمعلومةومنبينالمناهجالأساسيةوالأصليةالمعروفةفيميادينالبحوثالعلميةبوجهعاموفيميدانالعلومالقانونيةعلىوجهالخصوصالمنهجالاستدلالي. فماهوالمنهجالاستدلالي؟ومامدىصلاحيةوإمكانيةتطبيقهكعمليةمنطقيةعقليةوممارسةسلوكيةفينطاقالعلومالقانونية؟
هذاماسنحاولالإجابةعنهمنخلالالعنصرينالتاليين:
أولا: مفهومالمنهجالاستدلالي.
ثانيا: نطاقتطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالعلومالقانونية.
أولا: مفهومالمنهجالاستدلالي.
يعدالمنهجالاستدلاليمنبينمناهجالبحثالعلميالأساسيةوالأصليةالتيأسهمتمنخلالقواعدهافيإرساءأسسومبادئتسهلعلىالباحثسلوكأيسرالسبلللوصولإلىالحقائقوالأهدافالمبتغاة،وعليهفمنخلالهذاالعنصرسنحاولتعريفالمنهجالاستدلاليوتحديدمبادئالاستدلالوأدواتهفي الأجزاءالتالية:
(1تعريفالمنهجالاستدلالي.
لمعرفةالمنهجالاستدلالييجبفيالبدايةتحديدمعنىالاستدلالثمتوضيحمعنىالنظامالاستدلالي.
أ)معنىالاستدلال.
يعرفالاستدلالبأنه (البرهانالذييبدأمنقضايامسلمبهاويسيرإلىقضاياتنتجعنهابالضرورة،دونالالتجاءإلىالتجربة،وهذاالسيرقديكونبواسطةالقولأوبواسطةالحساب). كمايعرفبأنه (عمليةعقليةيبدأبهاالعقلمنقضايايسلمبها،ويسيرإلىقضاياأخرىتنتجعنهابالضرورة).
والاستدلالوإنكانميدانهالأصليعلمالرياضيات،فإنتطبيقاتهلاتقتصرعلىهذاالعلمفحسب،بلتشملسائرالعلومالأخرى،فالقاضيمثلايعتمدعلىالاستدلالفيالبحثعنالحلالقانونيللقضية،فهويستدلاعتماداعلىمالديهمننصوص. وفيالميدانالتجاريوالاقتصادييستدلالمضاربوفقاللمعروضوالمطلوبمنالأوراقالمالية.
لتحديدمفهومالاستدلاليجبالتفرقةبينهوبينالبرهنةفالاستدلالهوالانتقالمنقضاياإلىقضاياأخرىناتجةعنهابالضرورةوفقالقواعدمنطقية،أماالبرهنةفهيأخصمنالاستدلال،إذتدلناعلىصدقالنتائجلأنهاتقومعلىالتسليمبصدقالمقدمات،أماالاستدلالفهويدلناعلىصدقالمقدماتانطلاقامنصحةالنتائجالمتوصلإليها،فالبرهنةإذاهيجزءمنالاستدلالنستعملهافيحالةالحاجةإلىإثباتصدقالنتائج.
ب)معنىالنظامالاستدلالي.
يقومالنظامالاستدلاليعلىالمبادئوالنظريات،فالعمليةالاستدلاليةتبدأمننظرياتومبادئمستنتجةمنهامنطقياوهذهالأخيرةتكونمقدماتلنظرياتومبادئأخرى،وهكذايتشكلنظامالاستدلال.
2(مبادئالاستدلال.
مبادئالاستدلالهيالقضاياالأوليةغيرالمستنتجةمنغيرها،لذاتعتبرنقطةالبدايةفيكلاستدلال،ويقسمرجالالمنطقمبادئالاستدلالإلىثلاثةمبادئهي: البديهياتـالمسلماتـالتعريفات.



أ‌)البديهيات.
تعرفالبديهيةبأنها (قضيةبينةبذاتها،وليسمنالممكنأنيبرهنعليهاوتعدصادقةبلابرهانعندكلمنيفهممعناها) منخلالهذاالتعريفيتبينأنالبديهيةتمتازبالخصائصالتالية:
1)أنهابينةنفسيةأيتتبينللعقلتلقائيادونالحاجةإلىبرهان.
2)هيأوليةمنطقيةأيأنهاغيرمستنبطةمنغيرها.
3)هيقاعدةصوريةعامة،لأنهاتقبلمنكافةالعقولولاتخصفرعاواحدامنالعلوم.
ب)المسلمات ( المصادرات).
المسلمةهي (فكرةيصادرعلىصحتهاويسلمبهاتسليما،مععدمبيانهابوضوحللعقل،ولكننانتقبلهانظريالفائدتهاولأنهالاتؤديإلىتناقضومنهيتبينلناأنالمسلماتأقليقينامنالبديهيات.
ج)التعريفات.
التعريفتعبيرعنماهيةالشيءالمعرفبمصطلحاتمضبوطةبحيثيصبحالتعريفجامعامانعا،يجمعكلصفاتالشيءويمنعدخولصفاتأوخصائصخارجةعنهوهوقضيةأوليةتبنىمنخلالهكلالاستدلالاتالتيتوصلإلىنتائجغيرمتناقضةمعالعلموالواقع،وهوعلىخلافالبديهياتوالمسلماتلايعتبرقضيةعامةومشتركة،فهويخصالشيءوحدهدونغيره.
3(أدواتالاستدلال.
تقتضيالعمليةالاستدلاليةأدواتمعينةيستخدمهاالباحثلاستخراجالنظرياتوالمبادئمنالقضاياالأوليةأوالمقدمات،وهذهالأدواتهي:
أ‌)البرهانالرياضي.
هوعمليةمنطقيةتنطلقمنقضاياأوليةصحيحةإلىقضاياأخرىناتجةعنهابالضرورةوفقالقواعدمنطقيةخالصة،ويصفهالعلماءبأنهمبدعوخلاقلأنالنتائجالمتوصلإليهالمتشتملعليهاالمقدماتلاضمنياولاصراحة،فهويأتيدومابحقيقةجديدة.

ب)القياس.
هوعمليةمنطقيةتنطلقمنمقدماتمسلمبصحتها،ويصلإلىنتائجغيرمضمونصحتها،فهوعبارةعنتحصيلحاصل،وتكونالنتائجموجودةفيالمقدماتبطريقةضمنية.
ج)التجريبالعقلي.
هوقيامالباحثداخلعقلهبكلالفروضوالتجاربالتييعجزعنالقيامبهافيالخارج،وهويختلفعنالمنهجالتجريبيالذييعتمدعلىالملاحظةوالفرضيةوالتجاربالخارجيةالمادية،بينمافيالتجريبالعقليالتجاربتكونداخلالعقلفحسب.
د)التركيب.
هوعمليةمنطقيةعلميةتنطلقمنمقدماتصحيحةإلىنتائجمعينةوهذهالمقدماتالصحيحةناتجةعنعمليةاستدلاليةمنطقيةفيتمالتأليفبينهذهالنتائجللوصولإلىنتائجأخرىهكذا.
ثانيا:نطاقتطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالعلومالقانونية.
كانتأكثرتطبيقاتالمنهجالاستدلاليأثناءسيادةالعقليةالتأمليةعلىالعلممنذعصراليونان،وبعدهاطبقهذاالمنهجفيالدراساتالقانونيةحيثكانالارتباطشديدابينالفلسفةوالقانون،وكانينظرإلىالقانونعلىأنهعلمثابتوجامدولهذاكانتكلالدراساتتنطلقمنمبادئثابتةتأخذشكلالمصادراتوهيفيأغلبهاقواعدعقلية،ومنبينالدراساتالتيطبقفيهاالمنهجالاستدلاليتفسيرأصلوغايةالدولةوالقانونوظاهرةالسلطةوالأمةوظاهرةالجريمةوالديكتاتوريةوالديمقراطيةوالثورة. وبالتاليفقدأسهمالمنهجالاستدلاليفيبناءالعلومالقانونيةومازاليطبقبشكلكبيرفيهاوسنتناولفيمايليكيفياتتطبيقهعلىالمستوىالقضائيوعلىالمستوىالتشريعي.
1(تطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالقضاء.
يتلخصدورالمنهجالاستدلاليفيالقضاءفيإرشادالقاضيلحلالنزاعمنخلالحكمقضائييكوننتيجةلعملياتاستدلاليةمنطقيةيقومبهاالقاضيبدأمنتكييفالوقائعإلىغايةإصدارالحكم.
أ)دورالمنهجالاستدلاليفيتكييفالمسألةمحلالنزاع.
يتمالتكييفمنطرفالقاضيمنخلالالبحثحولماإذاكانتالمسألةمسألةوقائعأومسألةقانونوأثرالتفرقةمهم،لأنرقابةمحكمةالنقضتكونفقطعلىالمسائلالقانونيةمندونالمسائلالواقعية،وعليهفالقاضييطبقالقياسلتكييفالمسائلالمعروضةعليه.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=183920
ب)دورالمنهجالاستدلاليفيحلالنزاعاتالقانونية.
وهنانبحثكيفيةاعتمادالقياسالمنطقيكمنهجيةمعتمدةفيحلالنزاعاتالقانونية.وهنايتمبناءالقياسعلىالنحوالتالي:
مقدمةكبرى: وهيالمبدأالقانوني .
مقدمةصغرى: وهيالوقائعالمادية,
النتيجة : وهيالحكمأيتطبيقالمبدأالقانونيعلىالوقائعالماديةوهذهالطريقةفيالقياستسمىبـالقياسالاقترانيالحملي.
2(تطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالتشريع.
يستعينالمشرعفيإصدارالتشريعاتالجديدةبالمنهجالاستدلاليفينطلقمنالقواعدالقانونيةكمقدماتكبرىليصلإلىقواعدأخرىعنطريقالقياسفيمنعفعلاماانطلاقامنمنعهلفعلأخرمنصوصعليهكلماكانللمنعنفسالسببأوالعلةوالمثالعلىذلكهومنعالتعاملبالمخدراتانطلاقامنمقدمةكبرىتتمثلفيمنعكلالأشياءالتيتذهبالعقلوتمنعالإدراك.
3(تقديرتطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالعلومالقانونية.
لقدوجهالعلماءانتقاداتكبيرةلتطبيقالمنهجالاستدلاليفيمجالالعلومالقانونيةوأهمهذهالانتقاداتمايلي:
ـالأولموجهللمبادئالتييقومعليهاالمنهجالاستدلاليوهيالبديهياتوالمسلماتوالتعريفات،وهيكلهاقضايالايمكنالبرهنةعلىصحتها.
ـوالثانيتطبيقالمنهجالاستدلاليلايخدمالعلومالقانونيةلأنهذهالأخيرةعلومإنسانيةتدرسظواهرسلوكيةوتحاولتقويمهاعلىمايجبأنتكونعليهمنسلوكوالظاهرةالسلوكيةتمتازبالديناميكيةوتحتاجإلىمنهجيستطيعالتكييف.
وأهمالمنتقدينهمالتجريبيينوعلىرأسهم (فرانسيسبيكون)،والذيندعواإلىضرورةإخضاعالظاهرةالسلوكيةللمنهجالتجريبيلأنهيستطيعأنيدرسالظاهرةواقعياويقننلهامايضبطهامنقوانين.
وبالرغممنالنقدالقويالذيوجههأصحابالمناهجالأخرىوبالخصوصالتجريبيينإلىالمنهجالاستدلاليفهولاينقصمندورهفيالدراساتالقانونية.
خلاصةالقولأنالمنهجالاستدلالييعدمنبينالمناهجالأساسيةالتيتعتمدعليهاالدراساتالقانونيةوعلىوجهالخصوصمجالالقضاءوالتشريعمنخلالاستخدامأدواتالقياسلحلالقضاياوالتوصلإلىنتائجواقعية.









عرض البوم صور Dzayerna   رد مع اقتباس
قديم 10-21-2009   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: المدير العام ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Dzayerna


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5342
المشاركات: 18,093 [+]
بمعدل : 5.95 يوميا
اخر زياره : 05-31-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1893

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Dzayerna غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Dzayerna المنتدى : منتدى السنة الأولى
افتراضي

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي المركز الجامعي بالوادي
معهد الحقوق



محاضرات في
المنهجية
السنة الأولى



الأستاذ: دحامنية علي


السنة الجامعية:2008/2009


مـقـدمــة

تعتبر دراسة وبحث منهجية العلوم القانونية والإدارية لطلبة كليات ومعاهد الحقوق عملية علمية تربوية بعيدة التأثير وقوية الفعالية في ميدان التكوين القانوني والإداري.
هذا يقوي لدى الطلبة القدرة على الاكتشاف والتفسير والفهم والتنظيم ويزودهم بطرق وأساليب ومناهج البحث العلمي في ميدان تخصصاتهم ودراساتهم واهتماماتهم في ميدان العمل والبحث العلمي مستقبلا.
والمنهجية تحمل معنيين، معنى واسع ومعنى ضيق، المعنى الواسع يضم المنهجية في مفهومها الشكلي والإجرائي والموضوعي، أما المعنى الضيق فيضم المنهجية في مفهومها الموضوعي.
فالجانب الشكلي لعلم المنهجية يتعلق بالمرحلة الأخيرة في إعداد البحث العلمي، وهي مرحلة كتابة البحث وإخراجه في صورته النهائية وهو المعنى الشائع للمنهجية.
أما الجانب الإجرائي أو العملي فيهتم بدراسة الإجراءات العملية التي تساعد الباحث في عملية جمع المعلومات، والأمر هنا يتعلق بالبحوث الميدانية التي تعتمد على العينات والاستبيان وغيرهما.
أما الجانب الموضوعي لعلم المنهجية فهو الذي يتعلق بطريقة التفكير، أي الجانب الذي يضع مجموعة المبادئ والقواعد التي تحكم سير العقل الإنساني في بحثه عن الحقيقة، ويدرس هذا الجانب مختلف المناهج التي وضعها علماء المناهج والتي تقسم إلى صنفين، الأول مناهج علمية أساسية وهي المنهج الاستدلالي والمنهج التاريخي والمنهج التجريبي والمنهج الجدلي، والصنف الثاني مناهج فرعية من بينها المنهج الوصفي والمنهج الإحصائي والمنهج المقارن ومنهج تحليل المضمون ومنهج دراسة حالة ومنهج التعليق على النصوص القانونية والفقهية والقرارات والأحكام القضائية وإعداد استشارة قانونية.
سنحاول خلال هذه المحاضرات معالجة هذه الموضوعات من خلال المحاور التالية :المحور الأول مفهوم العلم، المحور الثاني مفهوم البحث العلمي والمحور الثالث مناهج البحث العلمي.

الفصل الأول: مفهوم العلم.
العلم من الموضوعات المعقدة التي أثارت إشكاليات فلسفية عبر التاريخ وهو السمة التي يحدد من خلالها مدى تقدم الشعوب وتكوين الحضارات في الماضي والحاضر والمستقبل.
وتاريخيا كلما اعتمدت الشعوب على الخرافة والأساطير لتفسير الظواهر العلمية كلما انتشر الجهل والفقر وكلما اعتمدت العلم وسيلة لتفسير الظواهر كلما استطاعت أن تكون لنفسها حضارة وتثبت وجودها في التاريخ.
لقد شهد تاريخ البشرية عبر امتداده جدلا دائما حول الفلسفة التي يبنى عليها العلم وكذا تعريف العلم وتحديد أهم خصائصه وأهدافه ووظائفه والمسلمات التي يقوم عليها العلم وأيضا الطبيعة الخاصة للعلوم الإنسانية.
وبناء على هذا الجدل التاريخي سنحاول معالجة هذا الفصل من خلال المباحث التالية:
المبحث الأول: فلسفة العلم.
المبحث الثاني: تعريف العلم وتمييزه عما يشابهه من مفاهيم.
المبحث الثالث: خصائص العلم.
المبحث الرابع: وظائف وأهداف العلم.
المبحث الخامس: المسلمات التي يقوم عليها العلم.
المبحث السادس: الطبيعة الخاصة للعلوم الإنسانية.



المبحث الأول: فلسفة العلم.
تأرجح العلم تاريخيا وفلسفيا بين النظرة المثالية والنظرة المادية، فلقد طال النقاش بين النزعتين إذ لم يكن سهلا تغلب النزعة المادية على النزعة المثالية التي تحكمت وغرست جذورها لبضع قرون، ولم يكن الوضع نفسه في الحضارة الإسلامية، فبينما كانت أوربا تتخبط في هذا الجدل الفلسفي لتحديد مفهوم العلم، كان العرب المسلمين قد حققوا انجازات كبيرة في مختلف العلوم، لأن الدين الإسلامي حدد بشكل واضح مفهوم العلم عكس ما كان عليه الوضع زمن سيادة الكنيسة في أوربا.
وعليه سنعرض خلال المطالب الثلاثة التالية كل من النظرة المثالية للعلم وكذا رأي المدرسة المادية، ثم مفهوم العلم عند العرب المسلمين.

المطلب الأول: العلم لدى المدرسة المثالية.
يتزعم هذه المدرسة أفلاطون حيث يرى أن النفس البشرية قبل أن تحل بالجسد كانت تعلم كل شيء، وبحلولها فيه نسيت أصلها فالعقل البشري يحتوي على الفكر الخالص الذي يفسر كل شيء، ولا حاجة لاتصال الإنسان بالمادة، لأن هذه الأخيرة ليست أساسا للعلم، والملاحظة ليست إلا وسيلة للتذكر، ولا حاجة لعيش الإنسان في جماعة كي يحدث التبادل ويكون معارفه، لأن منبع المعارف هو الفكر الخالص والتأمل، وموضوع العلم هو العالم المرئي وغير المرئي أي المادة والميتافيزيقيا، وبناء العلم يكون من الكل إلى الجزء، فلا ينتقل العقل من الجهل إلى اليقين بل الفكر المشبع بالمعرفة ينتقل إلى المعرفة الجزئية.
وكان العلم عند اليونان يتسم بالمثالية ولهذا اقتصر على الشق النظري فقط ويعتبر العلم التطبيقي أمرا غير محبذ لأنه يدنس العلم، وقد ساعد على انتشار هذا الفكر تقسيم المجتمع اليوناني إلى طبقات (أحرار وعبيد) فكان العبيد هم من يتعامل مع المادة (الأعمال اليدوية) أما الأحرار فدورهم ينحصر في مجرد النقاش والفكر لأن ذلك أمر روحاني، هذا الوضع انعكس سلبا على تقدم العلم في الحضارة اليونانية، حيث كانت تفصل بين العلوم الرفيعة مثل علم الفلك والعلوم الوضيعة كالكيمياء.

سيطرت هذه النظرة المثالية للعلم على أوربا باعتبارها الوريث الشرعي للحضارة اليونانية طيلة القرون الوسطى، وساعد على ذلك القبضة الحديدية للكنيسة وإقامتها لمحاكم التفتيش لمتابعة كل ما ينشر مخالفا لمبادئ الكنيسة وأفكار أرسطو. وكل الظواهر العلمية كانت تفسر بطريقة روحانية وساد مبدأ احترام الطبيعة من احترام الله. ولعل أبرز مثال يذكره التاريخ وتأسف له الكنيسة في الوقت الحالي هو محاكمة (جاليليو) عقب تأليفه لكتاب حوار عام 1632 والذي عارض فيه مبادئ الكنيسة، وما كان أمامه بعد عرضه على المحاكمة إلا السجود أمام الكنيسة والتوبة عن أفكاره وأرائه العلمية. هذا الوضع ولد تيارا معاديا للتيار المثالي و يعادي حتى الدين الذي كان برأيه هو السند القوي لهذا التيار المتحجر، حيث اعتبر الدين وسيلة لخداع الناس، هذا التيار المعادي قاده (كارل ماركس) وأسس المدرسة المادية.

المطلب الثاني: العلم لدى المدرسة المادية.
انطلقت هذه المدرسة من أفكارتتعارض تماما مع المدرسة المثالية، وقال فلاسفتها أنه ما لم نجعل أفكارنا تتوافق مع الواقع فإننا بالتأكيد لا نمتلك المعرفة فكسب المعرفة يعني احلال أفكار صادقة محل الجهل أو محل أفكار غير صادقة ومن هنا نجد أن نمو المعرفة في نمو الأفكار الصادقة داخل مجموع الأفكار.
إن مجرد التقرير أو الايمان بأن شيئا ما صادق لا يعتبر معرفة، وعلى سبيل المثال قال فلاسفة الاغريق إن الأجسام تتألف من ذرات وهذا صحيح، ولكن الأمر لديهم لم يكن سوى مجرد تخمين موفق، ولكن العلماء توصلوا إلى هذه الحقائق بدراسات علمية منظمة، وعليه فنحن نكسب المعرفة بقدر ما نطور أفكارنا ونجعلها تتوافق مع الواقع واثباتها.
فحسب النظرة المادية فالمعرفة هي نتاج للنشاط الاجتماعي للإنسان، فقد تتبع الفلاسفة نمو المعرفة لدى الفرد المنعزل عن المجتمع وقرروا في الأخير أن هذا الفرد لن يتطور في معارفه إلا بالقدر الضئيل المرتبط بذاته، وعليه فقد قرروا أن المعرفة تستمد من الوجود المادي، ووجود غيره من الناس يتفاعل معهم، فالعيش وسط الجماعة يضمن تطور الأفكار والمعارف نتيجة التبادل، حيث يحتاج الإنسان إلى معارف غيره كي يبني بها معارفه. وحسب النظرة المادية فالمعرفة ما هي إلا حلول للمشاكل التي يطرحها الواقع العملي.

وعلى هذا الأساس صيغت مقولات الفكر وأساليب الاستدلال ومناهج البحث التي تقوم بواسطتها المعرفة.
يرى أنصار المدرسة المادية أن نقطة البدء في المعرفة هي الادراك الحسي الذي يكون عن طريق الحواس، ثم تبنى نظريات تفسره ويتحقق من صحتها فيما بعد وتتجدد المعرفة بهذه الطريقة. كما يرى الماديون أن المعرفة تكون من نقطة الصفر أو من معرفة سابقة غير مكتملة. أما المثاليون فقد انطلقوا من يقين مثالي حيث سطروا مبادئ فلسفية وقالوا بأنها تفسر كل شيء، أي أنهم انطلقوا من الكل إلى الجزء في بناء المعرفة.
مما زاد الهوة بين النظرتين هو التطور التكنولوجي الحاصل والذي دفع بالكثير إلى القول بأن العلم وتطبيقاته قد أخذ ينتزع البساط من تحت أقدام المثاليين لكن تطرف الماديين في نظرتهم إلى الكون دعا البعض إلى محاولة ايجاد نوع من الحوار بين المدرستين لمحاولة التقريب بينهما، ولكن الأمر كان عسيرا جدا. وفي الأخير يمكن القول أن ما جاءت به المدرسة المادية في انكارها للدين لا يمكن تصديقه. ومنه يمكن الاقرار بأن العلم في أصله مادي نابع من الواقع الموضوعي كما قالت المدرسة المادية، ولكن ثمة فسحة روحية مثالية يجب على الفرد التشبع بها من الدين بشكل أساسي. وإذا كان سبب العداء المادي للدين هو تسلط الكنيسة واضطهادها للعلماء فالأمر مختلف عند المسلمين.
المطلب الثالث: العلم عند العرب المسلمين.
في الفترة التي كانت فيها أوربا تعيش في جهل وتخلف كان العرب يحرزون تقدما في شتى العلوم، وكانوا عقلانيين وأصحاب منهج علمي بعيد عن الخرافة والميتافيزيقيا التي غرقت فيها أوربا، فكان العرب يطبقون القياس والاستقراء وهما من أهم المناهج في العلم حيث لم يتوصل إليهما الأوربيون إلا بعد زمن طويل، وكانت العلوم عند العرب يحكمها مبدأ السببية أي أن لكل ظاهرة سبب ومبدأ التناسق والنظام في الكون أي أن اختلاف الظواهر يرتبط بعلل كلية من شأنها أن تثبت التناسق والانسجام القائم بينها.
ومن أبرز علماء المسلمين جابر بن حيان في مجال الكيمياء، وابن الهيثم في رسالته الضوء وكذلك الرازي وابن سينا في مجال الطب، حيث كانا يصفان الأعراض ويشخصان العلل ثم يأتيان على بيان الروابط والعلاقات بين العلل المتشابهة. وفي مجال الصيدلة كانت تعرف قوى الأدوية بطريقتين هما التجربة والقياس.
ولو تسألنا على منهج البحث عند علماء الغرب في القرون الوسطى ليكون موضوع مقارنة ومضاهاة بصدد بحثنا عن العلم العربي في نفس الفترة الزمنية نستطيع أن نؤكد أن العلم العربي تميز بالموضوعية في حين كان العلم الغربي لم يكتب له الخروج من ظلمات القرون الوسطى. إلى أن بدأت حركة النقل من العربية إلى اللاتينية وبعد أن عرف الغرب أبحاث العلماء العرب وأساليبهم العلمية، حيث كانت الطريق ممهدة لقيام عصر النهضة ونشأة المنهج التجريبي في أوربا الحديثة.

المبحث الثاني: تعريف العلم وتمييزه عما يشابهه من مفاهيم.
للتعرف بدقة عن اصطلاح العلم la SCIENCE)) فيجب القيام بمحاولة تعريف العلم وتحديد معناه، وكذا القيام بعملية تمييز العلم عما يشابهه ويقاربه مثل المعرفة والثقافة والفن.
المطلب الأول: تعريف العلم.
إن كلمة علم لغة تعني ادراك الشء بحقيقته، وهو اليقين والمعرفة .
والعلم اصطلاحا وهو (جملة الحقائق والوقائع والنظريات ومناهج البحث التي تزخر بها المؤلفات العلمية...) أوأن العلم هو(مجموعة المبادئ والقواعد التي تشرح بعض الظواهر والعلاقات القائمة بينها ...) أو أن العلم هو(نسق المعارف العامة العلمية المتراكمة أو بمعنى أسلوب معالجة المشاكل أي المنهج العلمي) أو أن (العلم هو المعرفة المنسقة التي تنشأ عن الملاحظة والدراسة والتجريب والتي تقوم بغرض تحديد طبيعة واسس وأصول ما تتم دراسته.....العلم هو فرع من فروع المعرفة أو الدراسة، خصوصا ذلك المتعلق بتنسيق وترسيخ الحقائق والمبادئ والمناهج بواسطة التجارب والفروض).

وتدور جل التعريفات حول حقيقة أن العلم هو جزء من المعرفة يتضمن الحقائق والمبادئ والقوانين والنظريات والمعلومات الثابتة والمنسقة والمصنفة والطرق والمناهج العلمية الموثوق بها لمعرفة واكتشاف الحقيقة بصورة قاطعة ويقينية. ولمعرفة اصطلاح العلم أكثر وضوحا يجب تمييز العلم عما يشابهه ويقاربه من مصطلحات مثل المعرفة والثقافة والفن.
المطلب الثاني: تمييزالعلم عما يشابهه ويقاربه.
هناك بعض المفاهيم والمصطلحات التي تقترب من اصطلاح العلم وتكاد تختلط به مثل المعرفة والثقافة والفن، يستحسن القيام بمحاولة التمييز بينها وبين اصطلاح العلم.
الفرع الأول: العلم والمعرفة.
العلم والمعرفة يتحدان من حيث المعنى اللغوي إلا أنهما يختلفان اصطلاحا فالمعرفة اصطلاحا هي: (مجموعة من المعاني والمعتقدات والأحكام والمفاهيم والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة محاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به.) والمعرفة ثلاثة أنواع فهناك المعرفة الحسية وهي التي يتوصل لها الإنسان عن طريق حواسه وتكون بالملاحظة البسيطة والعفوية ومن أمثلتها ادراك الإنسان لتعاقب الليل والنهار وتقلبات الجو.... وهناك المعرفة الفلسفية والتأملية وهي تبنى على التأمل والتفكير في مشكلات تؤرق الإنسان كأسباب الخلق والموت ونهاية الكون....الخ. وهي أشياء مرتبطة بالعالم الميتافيزيقي وهناك المعرفة العلمية وهي معرفة منظمة لأنها تقوم على مناهج وأساليب بحث ويتوصل إليها الإنسان بإصرار وقصد وهي على نوعين المعرفة العلمية الفكرية من خلال استخدام أدوات عقلية كالاستدلال وهناك المعرفة العلمية التجريبية وهي مجموعة الحلول للظواهر الطبيعية أو الاجتماعية ووضع تفسيرات لها من خلال الملاحظة ثم الفرضية ثم التجريب. ومنه يتضح لنا أن العلم جزء من المعرفة وهو أهم عنصر فيها لأنه يتصف باليقينية.
الفرع الثاني: العلم والثقافة.
تعرف الثقافة بأنها (أنماط وعادات سلوكية ومعارف وقيم واتجاهات اجتماعية ومعتقدات وأنماط تفكير ومعاملات ومعايير يشترك فيها أفراد جيل معين ثم تنتقلها الأجيال بواسطة التواصل الحضاري)

ومنه فالثقافة أوسع من العلم والعلم عنصر فيها ولكنه الأكثر فعالية من بين عناصرها.
الفرع الثالث: العلم والفن.
الفن لغة هو جمال الشيء وحسنه وحسن القيام بالعمل واصطلاحا يعرف بأنه ( المهارة الإنسانية والمقدرة على الابتكار والابداع والخلق.) ويمكن التفريق بين العلم والفن في النقاط التالية:
ـ من حيث الموضوع: فموضوع العلم هو اكتشاف النظريات وتفسير الالعلاقات القائمة بين الظواهر، بينما موضوع الفن هو الاجراءات والأساليب العملية لانجاز فكرة أو عاطفة ما، والفن يتميز ببصمة الفنان على عكس العلم الذي يمتاز بالموضوعية.كما يهدف العلم إلى الاكتشاف والتفسير والتنبؤ والضبط والتحكم بينما يهدف الفن إلى تحقيق أعلى درجة من حسن التطبيق واظهار المهارات الشخصية ومنه فطابع الفن تطبيقي بينما طابع العلم نظري.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t20044.html#post183921
ـ من حيث التراكمية: فالعلم يتراكم ويلغي الجديد منه القديم أما الفن فإنه لا يتراكم فهو يسير في خط أفقي ومثال ذلك أننا يمكن أن نتذوق الشعر القديم واللوحات الفنية السابقة أكثر من الأعمال المعاصرة فالجديد في الفن لا يلغي القديم.
المبحث الثالث: وظائف وأهداف العلم.
يمكن اعتبار وظائف العلم هي ذاتها أهدافه، ويمكننا حصرها في ثلاث وظائف هي:
المطلب الأول: الاكتشاف والتفسير.
يسعى العلم إلى اكتشاف القوانين التي تحكم وتفسر الظواهر لمعرفة أسبابها والتوصل إلى تعميمات تنظم هذه الأسباب، كما يسعى إلى توحيد تعميماته للوصول إلى قوانين على قدر كبير من العمومية والشمول، تتناول كل الظواهر المتماثلة.
المطلب الثاني: التنبؤ.
يهدف العلم إلى صياغة تعميمات لها القدرة على التنبؤ بما يطرأ على الظاهرة من تغيير في المستقبل، والهدف من التنبؤ هو اتخاذ الاجراءات اللازمة للحد من الأثار السلبية للظاهرة.

المطلب الثالث: الضبط والتحكم.
يهدف العلم إلى ضبط الظواهر وتوجيهها والتحكم فيها بعد معرفة أسبابها وقد يكون الضبط والتحكم نظريا ببيان تفسير وشرح كيفية الضبط، وقد يكون الضبط والتحكم عمليا فيستخدم العلم من أجل السيطرة والتوجيه لتجنب السلبيات أوالقيام بأمور ايجابية.
المبحث الرابع: خصائص العلم.
يمتاز العلم بالخصائص التالية:
المطلب الأول: التراكمية.
يقصد بها إضافة الجديد إلى القديم، فالعلم يشبه البناء الذي يتكون من طوابق حيث تحل النظريات الجديدة محل النظريات القديمة كلما أثبتت خطأها، وهو يختلف عن المعرفة الفلسفية والفن لأنهما تسيران في خط أفقي، وخاصية التراكمية في العلم تتحقق في اتجاهين، اتجاه رأسي عمودي بالنسبة لنفس الظواهر، والاتجاه الأفقي بالتنقل من ظواهر مدروسة إلى ظواهر تخرج عن دائرة الدراسة.
المطلب الثاني: التنظيم.
العلم هو تنظيم لطريقة تفكيرنا أو لأسلوب ممارستنا العقلية، الباحث في علم من العلوم يجب عليه تنظيم وتصنيف المعطيات المتعددة لتسهيل التعامل معها لكي تفيده في بحثه.
المطلب الثالث: الموضوعية.
تعني الموضوعية الابتعاد عن الذاتية، وينصرف مدلول الموضوعية أيضا إلى القطيعة مع الأحكام المسبقة والأفكار الشائعة، والموضوعية تثار في مجال العلوم الإنسانية بأكثر حدة ولكن الأمر ليس بمستحيل حيث دعا (ايميل دور كايم) إلى ضرورة التعامل مع الظاهرة الإنسانية وكأنها كيان مادي خارج عن وعينا وفكرنا وبمعنى أخر تشبيه الظاهرة الإنسانية بالظاهرة الطبيعية أثناء دراستها.

المطلب الرابع: المنهجية.
النتائج التي يحرزها العلم تأتي عن طريق مناهج علمية سواء لجمع المعلومات أو التحليل أو التفكير، والمنهجية ترتبط بالجانب الشكلي والإجرائي والموضوعي.
المطلب الخامس: الامبيريقية.
وتعني أن العلم يختص بدراسة العالم المحسوس فقط.
المطلب السادس: السببية.
في العلم لكل ظاهرة سبب يسعى الباحث لاكتشافه ولا يمكن رده إلى الصدفة أو إلى التفسيرالخرافي.
المطلب السابع: التعميم.
وهو الانتقال من الحكم الجزئي إلى الحكم الكلي عن طريق دراسة عينة وتعميم النتائج على المجتمع الأصلي بشرط أن تكون عناصره متجانسة.
المطلب الثامن: اليقين.
العلم هو ادراك الشيء بيقين، ولكن المراد باليقين هنا هو اليقين النسبي.
المطلب التاسع: الدقة.
العلم لا يقبل الأحكام الجزافية بل يجب أن تصاغ النظرية بشكل دقيق وأكثر الوسائل تعبيرا عن الدقة وهي الأرقام والجداول البيانية والاحصائيات والنسب المئوية.
المطلب العاشر: التجريد.
حينما يدرس الباحث ظاهرة معينة ويخلص إلى نتائج، فتلك النتائج لا تعني عناصر الظاهرة بحد ذاتهم ولكن قد تنطبق على كل عنصر يحمل نفس المواصفات.
المطلب الحادي عشر: الحتمية.
هذه الخاصية في العلم تعني أن نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج.

المبحث الخامس: المسلمات التي يقوم عليها العلم.
يقوم العلم على عدة مسلمات نذكر منها:
المطلب الأول: فرضية وحدة الطبيعة واطراد ظواهرها.
يقصد بهذه الفرضية وجود حالات متشابهة في الطبيعة، وبأن ما سيحدث مرة سوف يحدث ثانية إذا توافرت درجة كافية من التشابه في الشروط المسببة لحدوثه.
المطلب الثاني: الخصائص المشتركة بين الأنواع.
أي وجود خصائص مشتركة بين الظواهر بحيث يمكن تصنيفها إلى مجموعات قد تفيد الباحث في معرفة الظواهر الجديدة وامكانية معالجتها.
المطلب الثالث: مسلمة الثبات في الطبيعة.
تقرر هذه المسلمة بأن ثمة دوام وانتظام في الطبيعة لأن الظواهر الطبيعية تحتفظ بخصائصها الأساسية في ظروف معينة لفترة من الزمن.
المطلب الرابع: حتمية وقوع الظواهر.
وهذه المسلمة تنكر وقوع حادث ما نتيجة للصدفة أوالظروف الطارئة، وما حدث بسبب ظروف معينة سيحدث حال توافر نفس الشروط.
المطلب الخامس: الجانب الإنساني في عملية المعرفة.
هذه المسلمة تعني أن الباحث يمكن أن يخطيء في تقديره، وهذا ليس متعلق بالظواهر، وهو يعتمد على الادراك والتذكر والتفكير وكلها معرضة للخطأ، وهناك خطأ الحواس وخطأ الذاكرة وخطأ التفكير والاستدلال.

المبحث السادس: الطبيعة الخاصة للعلوم الإنسانية.
يرى البعض أن العلوم الإنسانية ليست علوما ويرى أخرون أنها تتقدم شيئا فشيئا حتى تصبح علوما ولكنها من نوع خاص. غير أن هذه الأراء أصبحت لا تعكس الحقيقة للعلوم الإنسانية التي أصبحت علوما للاعتبارات التالية:
المطلب الأول: من حيث النتائج.
قد أحرزت العلوم الإنسانية نتائج جد هامة تتعلق بضبط سلوك الإنسان وتفسير الظواهر الاجتماعية والتنبؤ بما سيطرأ على الظاهرة في المستقبل.
المطلب الثاني: من حيث الطريقة العلمية.
العلوم الإنسانية تخضع للمناهج العلمية مثلها مثل العلوم الطبيعية، وقد أثبت هذا التوجه عالم الاجتماع (ايميل دور كايم).
المطلب الثالث: من حيث أهداف العلوم الإنسانية.
الهدف من العلوم الإنسانية هو ضبط الظواهر وايجاد تفسيرات لها.
المطلب الرابع: من حيث المادية.
اعتبار العلوم الإنسانية ذات طابع مادي، وعليه يمكن اخضاعها للتجربة والملاحظة أو اخضاعها للمنطق والفكر. لقد أصبحت الدول المتطورة تعمل العلوم الإنسانية من أجل تحديد سياساتها المستقبلية.

الفصل الثاني: البحث العلمي.

كلما تميزت شعوب الإنسانية بالتفكير العلمي والابتعاد عن الدجل والخرافة كلما كانت أكثر قدرة على بناء الحضارة وتقلص نصيب الجهل في صفوفها، وكلما ابتعدت عن التفكير العلمي وعن العلم انغمست في مستنقع الجهل والتخلف وعليه فإذا أراد شعب ما أن يبني حضارة أو أن يطور نفسه فعليه الاهتمام بتطوير العلم من خلال تشجيع وتكريس البحث العلمي. فماهو مفهوم البحث العلمي؟ وما هي مراحل إعداد البحث العلمي؟

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=183921
هذا ما سنتناوله من خلال المبحثين التاليين:
المبحث الأول: مفهوم البحث العلمي.
المبحث الثاني: مراحل إعداد البحث العلمي.




المبحث الأول: مفهوم البحث العلمي.
لتحديد مفهوم البحث العلمي يتعين علينا التطرق إلى النقاط الأساسية التالية: تعريفه وخصائصه وأنواع البحوث العلمية وكذا الأدوات المستخدمة في البحث العلمي.
المطلب الأول: تعريف البحث العلمي.
البحث لغة معناه أن تسأل أو تطلب أو تستخبر عن شيء معين، واصطلاحا هناك عدة تعريفات من بينها: (البحث العلمي تجميع منظم لجميع المعلومات المتوفرة لدى الباحث عن موضوع معين وترتيبها بصورة جديدة بحيث تدعم المعلومات السابقة أو تصبح أكثر نقاءا ووضوحا.) كما عرف أيضا بأنه (وسيلة للاستفهام والاستقصاء المنظم والدقيق الذي يقوم به الباحث بغرض اكتشاف معلومات أو علاقات جديدة بالإضافة إلى تطوير أو تصحيح أو تحقيق المعلومات الموجودة فعلا، على أن يتبع في هذا الاستعلام والاستقصاء خطوات المنهج العلمي واختيار الطرق والأدوات اللازمة للبحث.) كما يعرف بأنه (المحاولة الدقيقة للتوصل إلى حل المشكلات التي تؤرق الإنسان وتحيره.) وعليه يمكن استخلاص أن الوسيلة هي البحث العلمي والغاية هي العلم.
ومن خلال التعريفات السابقة يمكن استخراج بعض الشروط الموضوعية للبحث العلمي نذكر منها:
ـ يجب أن تكون هناك مشكلة تستدعي البحث عن حل لها.
ـ توافر الأدلة التي تحتوي على الحقائق.
ـ التحليل الدقيق للأدلة وتصنيفها.
ـ استخدام العقل والمنطق لترتيب الدليل في حجج واثباتات.
ـ الموضوعية وعدم التعصب للرأي وقبول النتائج التي تسفر عنها الأدلة.
ـ الحل المحدد وهو الإجابة النهائية عن المشكلة وتكون في شكل تعميم.



المطلب الثاني: خصائص البحث العلمي.
يمتاز البحث العلمي بجملة من الخصائص نذكر منها ما يلي:
الفرع الأول: البحث العلمي بحث منظم ومضبوط.
أي أن البحث العلمي نشاط عقلي منظم ومضبوط ودقيق ومخطط، حيث أن القوانين والنظريات قد تحققت واكتشفت بواسطة نشاط عقلي منظم ومهيء جيدا وليس وليد الصدفة مما يحقق للبحث العلمي عامل الثقة الكاملة في نتائجه.
الفرع الثاني: البحث العلمي بحث حركي تجديدي.
مما يعني أن البحث العلمي ينطوي دائما على تجديد وإضافة معرفية عن طريق استبدال مستمر ومتواصل للمعارف المتجددة.
الفرع الثالث: البحث العلمي بحث عام ومعمم.
أي أن المعلومات والمعارف تكون معممة وفي متناول الجميع حتى تكتسب الصفة العلمية، وهي عامة لأنها تتناول كل مجالات العلوم.
هذه هي الخصائص التي تشترك فيها كل البحوث العلمية، لكن هناك خصائص تخص بعض أنواع البحوث دون غيرها مثل خاصية التجريب بالنسبة للبحث التجريبي، وكذا خاصية التفسير التي يتميز بها البحث التفسيري.
المطلب الثالث: أنواع البحوث العلمية.
تنقسم وتتنوع البحوث والدراسات العلمية إلى عدة أنواع وذلك بحسب كيفية معالجتها للحقائق والظواهر والأشياء وكذا على أساس النتائج التي تتوصل إليها، فقد تكون البحوث تنقيبية استكشافية وقد تكون تفسيرية نقدية وقد تكون بحوثا كلية وشمولية كاملة، وقد تكون بحوثا استطلاعية أو بحوثا وصفية تشخيصية وقد تكون بحوثا ودراسات تجريبية.
الفرع الأول: البحث الاكتشافي التنقيبي.
وهوالبحث الذي يتمحور حول حقيقة جزئية يسخر الباحث كل جهده لاكتشافها ومن الأمثلة على ذلك الطبيب الذي يبحث عن فعالية دواء معين وكذلك الباحث التاريخي الذي يبحث في السيرة الذاتية لشخصية معينة.

الفرع الثاني: البحث التفسيري النقدي.
وهوالبحث الذي يمتد إلى مناقشة الأفكار ونقدها والتوصل إلى نتيجة تكون غالبا الرأي الراجح بين الأراء المتضاربة، وعليه فالهدف من هذه البحوث ليس الاكتشاف ولكن الهدف هو النقد والتفسير لأفكار تم اكتشافها.
الفرع الثالث: البحث الكامل.
هو بحث يجمع بين النوعين السابقين ويهدف إلى حل المشاكل حلا كاملا وشاملا ويستهدف وضع قوانين وتعليمات بعد التنقيب الدقيق والشامل لجميع الحقائق المتعلقة بالموضوع، ثم القيام بتفسير وتحليل الأدلة والحجج التي يتم التوصل إليها. فهو يستخدم بالإضافة إلى كل من البحث التنقيبي والبحث النقدي التفسيري يستخدم اسلوب التعمق والشمولية والتعميم. ويشترط في البحث العلمي الكامل ما يلي:
ـ وجود مشكلة تتطلب حلا علميا.
ـ اكتشاف حقيقة معينة وقيام أدلة على وجودها.
ـ تفسير الأدلة والحقائق والحجج والأراء ونقدها نقدا موضوعيا وعلميا تمهيدا للحل النهائي.
ـ التوصل إلى حل علمي نهائي وإجابة حقيقية عن المشكلة المطروحة .
الفرع الرابع: البحث العلمي الاستطلاعي.
البحث الاستطلاعي أو الدراسة العلمية الكشفية الصياغية الاستطلاعية وهو البحث الذي يستهدف التعرف على المشكلة فقط، وتكون الحاجة إلى هذا النوع من البحوث عندما تكون مشكلة جديدة أو عندما تكون المعلومات عنها ضئيلة، وعادة ما يكون هذا النوع من البحوث تمهيدا لبحوث أخرى تسعى لإيجاد حل للمشكلة.
الفرع الخامس: البحث الوصفي التشخيصي.
وهو البحث الذي يستهدف تحديد سمات وصفات وخصائص ومقومات ظاهرة معينة تحديدا كميا وكيفيا بحيث يسهل التعرف عليها فيما بعد ومقارنتها بباقي الظواهر والأشياء.

الفرع السادس: البحث التجريبي.
هو ذلك البحث الذي يقوم على أساس الملاحظة والتجارب الدقيقة لاثبات صحة الفروض.
المطلب الرابع: أدوات البحث العلمي.
وهي مجموعة الأساليب والطرق التي يستعملها الباحث في جمع المعلومات اللازمة للبحث العلمي. ومن جملة هذه الأدوات ما يلي:
الفرع الأول: العينة.
وتكون كبديل عن دراسة المجتمع أو الظاهرة ككل فيلجأ الباحث إلى اختيار عينة يبحثها ليصل إلى نتائج يستطيع تعميمها فيما بعد على كافة الظاهرة أو كل المجتمع المراد دراسته. ويجب أن تتوفر العينة على الشروط التالية:
1)ـ يجب أن تكون وحدات المجتمع المدروس متجانسة.
2)ـيجب أن تكون العينة كبيرة بحيث تفي بالغرض من الدراسة.
3)ـ تحدد طريقة اختيار العينة مسبقا.
كما يمكن إجمال أسباب إختيار طريقة العينة فيما يلي:
1)ـ عدم إمكانية دراسة كل عناصر المجتمع الأصلي.
2)ـ ارتفاع تكلفة دراسة الكل.
3)ـ عدم إمكانية حصر كل عناصر المجتمع الأصلي.
وتنقسم العينات إلى عينات احتمالية وعينات غير احتمالية.
العينات الاحتمالية: تكون إما:
ـ عشوائية بسيطة تختار عن طريق القرعة.
ـ عشوائية طبقية وفيها يقسم المجتمع المدروس إلى أقسام وأصناف حسب مميزات خاصة وتكون هي أساس التقسيم ثم يؤخذ من كل عددا عشوائيا.


ـ وهناك العينة الطبقية التناسبية وهي التي يكون فيها عدد الأفراد في كل عينة متناسبا مع عدد أو نسبة ذلك القسم المدروس من المجتمع الأصلي.
ـ وهناك العينة المنظمة وهي التي تجمع بين العشوائية والتنظيم وتكون من خلال الفصل بين الفئات المختارة برقم ثابت يحدده الباحث ثم يحدد عشوائيا نقطة الانطلاق ثم يتقيد بذلك الفارق الثابت بين أفراد العينة.
ـ أما العينة العنقودية فهي التي يقسم فيها أفراد المجتمع المدروس إلى أقسام متجانسة، ثم تؤخذ جملة من الأقسام توفي عدد أفراد العينة المقترحة للدراسة.
ـ وهناك العينة العرضية وهي التي يكون اختيارها عرضيا بمحض الصدفة وبالتالي فهي لا تعبر عن المجتمع الأصلي وهي لا تمثل إلا نفسها.
العينات غير الاحتمالية: وهي فئة من العينات التي تبنى على حكم الباحث وليس على مجرد الصدفة، وهي تشتمل على الأنواع التالية:
ـ العينة الحصصية وهي تفترض تقسيم المجتمع الأصلي على أساس ما وكذا وجود بيانات حول هذا المجتمع معدة مسبقا فيختار الباحث حصة معينة.
ـ وهناك العينة العمدية وهي التي تفترض وجود دراسات سابقة تحدد معالم المجتمع الأصلي بحيث تصبح العينة تمثل حقيقة المجتمع الأصلي.
وهناك العينة الملائمة وهي التي يقوم الباحث فيها بإختيار العدد الملائم من أفراد المجتمع المراد دراسته.
الفرع الثاني: طرق جمع المعلومات.
من بين أساليب جمع المعلومات الاستبيان والمقابلة والملاحظة.
الاستبيان وهو عبارة عن استمارة تتضمن بعض الأسئلة موجهة إلى عينة من المجتمع الأصلي حول ظاهرة أو موقف معين وهناك نوعين من الاستبيان المقيد والمفتوح، فالمقيد هو التي تكون الأجوبة محددة وما على المستجوب إلا الاختيار بين النعم أو لا، أما المفتوح وهو الذي يترك للمستجوب حرية اختيار الإجابة التي يرغب فيها وهذا النوع غير محبذ في المجتمعات غير المثقفة.
المقابلة وهي محادثةموجهة بين الباحث والشخص المبحوث بهدف الوصول إلى الحقيقة.
الملاحظة وهي من بين التقنيات المستعملة في حالات معينة وتحتاج إلى معاينة ميدانية.

المبحث الثاني: مراحل إعداد البحث العلمي.
لكي يكون البحث العلمي بحثا منظما ومضبوطا لابد من اتباع مراحل معينة في انجازه، وهذه المراحل تشترك فيها كل أنواع البحوث مما اختلفت مواضيعها وهذه المراحل يمكن إجمالها فيما يلي: مرحلة اختيار الموضوع، مرحلة جمع الوثائق والمعلومات، مرحلة القراءة، مرحلة تقسيم الموضوع، مرحلة تدوين المعلومات، ومرحلة الكتابة.
المطلب الأول: مرحلة اختيارالموضوع.
هي أول مرحلة تواجه الباحث، والمتمثلة في اختيار موضوع مناسب من الناحية الموضوعية والذاتية، وعلى هذا الأساس غالبا ما يتريث الباحث في هذه المرحلة لكي لا يقع في مشكلة تغيير الموضوع في المستقبل. ويجب أن يطرح موضوع البحث اشكاليات حقيقية تستدعي البحث فيها، ولهذا فإن هذه المرحلة يتم فيها تحديد إشكالية البحث. وعليه سنتناول خلال هذا المطلب فرعين، الفرع الأول نخصصه لعوامل اختيار الموضوع والفرع الثاني نتناول فيه طرق صياغة مشكلة البحث.
الفرع الأول: عوامل اختيار الموضوع.
هناك عوامل ذاتية تتعلق بشخص الباحث وهناك عوامل موضوعية تتعلق بطبيعة البحث.
أولا: عوامل اختيار الموضوع المرتبطة بشخص الباحث.
هناك عدة عوامل تجعل الباحث يميل لاختيار موضوع ما دون غيره من الموضوعات، وهي تتمثل في:



1) الرغبة النفسية وهي أول ما يشد الباحث نحو موضوع معين للدراسة والتعمق والتخصص فيه، مما يخلق نوعا من الانشداد النفسي والوجداني بينه وبين موضوع البحث، مما قد يذلل الصعاب التي قد تواجه الباحث والارهاق الجسماني تحوله الرغبة إلى مجرد متعة وهواية.
2) القدرات الشخصية للباحث وهي من بين ما يجب على الباحث مراعاته عند اختيار الموضوع والمتمثلة في:
ـ القدرات العقلية وهي تتمثل في قدرة الباحث في تناول جميع جوانب الموضوع بكل موضوعية واقتدار، والتحكم في شتى العلوم المكملة للبحث مما يتطلب الصراحة مع النفس.
ـ القدرات الجسمانية وهي ضرورة سلامة الباحث من أي إعاقة تحد من قدرة الباحث على مواكبة البحث، وأن لا يكلف نفسه ما لا تطيق.
ـ الحالة الاجتماعية والمالية للباحث، حيث هناك بعض البحوث تتطلب مصاريف كثيرة وقد تتطلب تنقل الباحث حتى إلى الخارج، فإذا كان متكفلا بعائلة فهذا لا يسمح له بالتنقل بحرية والغياب عن البيت.
ـ إتقان اللغات الأجنبية وهي التي تمكن الباحث من الاطلاع على الدراسات والمراجع باللغات الأجنبية، خصوصا الدراسات المقارنة.
3) التخصص العلمي بحيث يجب أن يكون الموضوع المختار يدخل من بين اختصاصات الباحث وتخصصه العلمي سواء كان الخصص العام أو الخاص ومثال ذلك فالباحث المتخصص في القانون يجب عليه أن يراعي تخصصه الفرعي أي قانون عام أو قانون خاص، وإذا كان قانون خاص فيحدد التخصص الفرعي المدني أو التجاري.
4) التخصص المهني حيث من المرغوب فيه أن يواصل الباحث في نفس تخصصه المهني بحيث توفر له الوظيفة الامكانيات الضرورية للبحث وكذلك يستفيد من الترقية المهنية من خلال رفع مستواه العلمي.

ثانيا: عوامل اختيار الموضوع المرتبطة بطبيعة البحث.
من بين العوامل المؤثرة على اختيار الموضوع والمرتبطة بطبيعة البحث نجد ما يلي:
1) المدة المحددة لإنجاز البحوث العلمية وهي المدة الضرورية لإنجاز البحث والمحددة من قبل الجهات الوصية على الدراسات المتخصصة، وعليه فعلى الباحث أن يختار الموضوعات التي تتناسب والمدة الممنوحة له لإنجاز البحث. أو قد تسحب منه الرخصة المحددة للتأهيل.
2) القيمة العلمية لموضوع البحث العلمي، المطلوب في البحث أن يكون مبتكرا يمكن من الكشف عن حقائق جديدة أو على الأقل يدعم المعلومات السابقة بحيث تصبح أكثر نقاءا ووضوحا.
3) الدرجة العلمية المتحصل عليها بالبحث، وهي إما أن تكون درجة الماجستير أو الدكتوراه أو من أجل ترقية مهنية، مما يدفع بالباحث إلى اختيار موضوع دون غيره بما يتناسب والدرجة التي يصبوا الوصول إليها.
4) مراجع البحث ومصادره تعتبر عاملا هاما في اختيار موضوع البحث بحيث كلما تعددت وتنوعت المراجع كلما كان البحث ثريا وغنيا بالمعلومات. وبالمقابل كلما كانت المراجع قليلة كلما كان البحث غير موثوق في نتائجه، ويقلل من قيمته العلمية.
الفرع الثاني: صياغة مشكلة البحث.
تعد معايير اختيار الموضوع هي نفسها معايير اختيار مشكلة البحث، وذلك لأن البحث العلمي ما هو إلا إجابة عن مشكلة ما. ولتحديد المشكلة يتوجب التقيد بالقواعد التالية:
ـ يجب أن تكون مشكلة البحث خاصة وغير غامضة.
ـ يجب أن تصاغ المشكلة بصورة واضحة.
ـ يجب توضيح المصطلحات المستخدمة في صياغة المشكلة، تجنبا للبس أوالغموض.
عادة يقوم الباحث باختيار الموضوع ثم يحدد المشكلة التي يطرحها ذلك الموضوع، ولكن قد يحدث بعد البحث في الموضوع والتعمق فيه أن تظهر للباحث إشكاليات آخرى تحتاج إلى معالجة مما قد يدفع به إلى صياغة الإشكالية أو تغييرها كليا.
المطلب الثاني: مرحلة جمع الوثائق والمعلومات.
بعد اختيار الموضوع وصياغة مشكلته، تبدأ المرحلة الثانية وهي مرحلة جمع الوثائق والمعلومات المتعلقة بالبحث، خلال هذا المطلب سنتناول في الفرع الأول تحديد معنى الوثائق وأنواعها، وفي الفرع الثاني علمية التوثيق.
الفرع الأول: تحديد معنى الوثائق وأنواعها.
الوثائق العلمية هي كل المراجع والمصادر التي تحتوي على معلومات ومعارف لها صلة بموضوع البحث، وقد تكون مخطوطة أو مطبوعة أومسموعة أو مرئية. ولمعرفة المعنى الدقيق للوثائق يجب التمييز بين نوعين هما المصادر والمراجع.
أولا: المصادر أو المصادر الأصلية.
هناك عدة تعريفات للمصادر من بينها:( الوثائق والدراسات الأولى المنقولة بالرواية أو مكتوبة بيد مؤلفين ثقات اسهموا في تطوير العلم.). ومصادر البحث عامل هام في تحديد قيمته العلمية، ومن بين الوثائق التي تعتبر المصادر الأصلية للبحوث العلمية القانونية :
ـ المواثيق الوطنية والدولية ـ المذكرات الإيضاحية للقوانين ومحاضر اجتماعات الهئات التشريعية ـ الأوامر والقوانين والنصوص التنظيمية ـ الدساتير ـ المؤتمرات والاتفاقيات الدولية ـ الأحكام والقرارات القضائية ـ المقابلات الشخصية ـ الاحصائيات الرسمية ـ التصريحات الرسمية للشخصيات الأفلام الوثائقية والشهدات الحية ذات الآثارالقانونية.
ثانيا: المراخع أو المصادر الثانوية.
وتسمى أيضا بالمصادر غير الأصلية وهي التي تعتمد في مادتها العلمية على المصادر الأصلية فتتعرض لها بالتحليل والنقد والتعليق والتلخيص. وقد يكون المرجع كتابا أومقالا أو رسائل لنيل الدرجات العلمية.

الفرع الثاني: عملية التوثيق.
أهم ما تثيره مسألة التوثيق هوتعريفه وبيان أهميته وكذا كيفية تسجيل المعلومات الموثقة.
أولا: تعريف التوثيق وأهميته.
التوثيق أو الببليوغرافيا كلمة مأخوذة من اليونانية وتعني كتابة الكتب. وهي تعني في الوقت الحاضر إعداد قوائم الكتب ومعرفة مؤلفيها وموضوعاتها وكافة بيانات النشر، وهذه العملية يقوم بها الباحث بعدما يطلع على قوائم المصادر والمراجع الموجودة بالمكتبات والمراكز العلمية.
ثانيا: كيفية تسجيل المعلومات الببليوغرافية.
يتعين على البحث أن يدون أسماء المصادر ومؤلفيها وبيانات النشر في البداية ويكون التدوين في بطاقات، تخصص كل بطاقة لمصدر واحد لكي يسهل الرجوع إليها. ويمكن للباحث أن يتبع الطرق الخاصة بكتابة البطاقات للمصادر التالية: الكتب، الموسوعات، الدوريات، المخطوطات، الرسائل الجامعية، الوثائق الرسمية، الأشرطة المصورة، المصادر القانونية، برامج التلفزيون، المقابلات.
1) الكتب. يجب أن تتضمن البطاقة المخصصة لكتب البيانات التالية: رقم الكتاب ومكان وجوده توضع على الجانب الأيمن من البطاقة، ثم اسم المؤلف ولقبه وإذا كان للكتاب عدة مؤلفين فيتم ذكرهم بالترتيب بحسب ورودهم في الكتاب، ثم عنوان الكتاب والجزء ورقم الطبعة إن وجدت ثم دار ومدينة ودولة وسنة النشر.
نموذج لبطاقة مخصصة لكتاب.
25436
المكتبة الوطنية بالحامة
د. عمار عوابدي
مناهج البحث العلمي وتطبيقاتها في ميدان العلوم القانونية والإدارية
الطبعةالخامسة
ديوان المطبوعات الجامعية،2005

2)الموسوعات.
تذكر البيانات التالية:عنوان الموسوعة تحته خط عدد الطبعة ثم عنوان المقال بين قوسين ثم إسم المؤلف ثم بيانات النشر.
3)الدوريات.
وهي مطبوعات تصدر دوريا وتدون بالشكل التالي: اسم الكاتب ثم عنوان المقال ثم عنوان المجلة ثم رقم العدد وتاريخ إصدار المجلة وتعيين رقم الصفحة أو الصفحات المخصصة للمقال.
4)المخطوطات.
وتدون بشأنها البيانات التالية: اسم المؤلف ثم عنوان المخطوطة بين قوسين وموضوع المخطوطة ثم تاريخ النسخ ثم اسم البلد الذي توجد به ثم اسم المجموعة التي تنسب إليها ورقمها ثم وصفها إن كانت أصلية أو مصورة.
5)الرسائل الجامعية.
يدون بشأنا البيانات التالية: اسم المؤلف ثم عنوان الرسالة بين قوسين ثم نوع البحث واسم الكلية واسم الجامعة التي قدمت بها وتاريخ المناقشة تذكر السنة فقط.
6)الوثائق الحكومية.
وتدون بياناتها بالشكل التالي: اسم الدولة ثم السلطة التي أصدرت الوثيقة ونوع الوثيقة وكذا بيانات النشر.
7)النصوص القانونية والتنظيمية.
وتتضمن: اسم الدولة واسم السلطة ونوع القانون ثم رقم القانون وتاريخ صدوره ثم عدد الجريدة الرسمية وتاريخ صدورها بين قوسين وأرقام الصفحات.
8) الأحكام والقرارات القضائية.
وتتضمن بطاقتها البيانات التالية: عنوان القضية ويذكر الحروف الأولى من اسم المدعي والمدعى عليه ثم اسم المحكمة أو المجلس واسم البلد ثم رقم القضية والتاريخ بين قوسين.


9) الأحاديث وبرامج التلفزيون.
ويذكر بشأنها البيانات التالية: اسم المتحدث عنوان الحديث بين قوسين ثم اسم القناة واسم البلد والتاريخ.
10) المقابلات الشخصية.
ويذكر بشأنها: موضوع المقابلة يوضع تحته خط ثم نقطة اسم الشخص الذي أجريت معه المقابلة وصفته ثم مكان وتاريخ إجرائها.
المطلب الثالث: مرحلةالقراءة.
هي من أهم مراحل إعداد البحث العلمي وهي عمل منظم يفرض طرقا وأساليب محددة يجب التقيد بها . وعليه سنتطرق من خلال الفروع التالية إلى أنواع وشروط ونتائج القراءة.
الفرع الأول: أنواع القراءة.
وتنقسم بحسب المدة التي تستقرقها ودرجة عمقها إلى:
أولا: القراءة الاستطلاعية.
وتسمى كذلك القراءة السريعة وهي تهدف إلى تقييم المصادر من حيث درجة ارتباطها بموضوع البحث، وكذا من حيث قيمتها العلمية، وأيضا الاطلاع عن بيانات التأليف وجدة الموضوع ونوع الدراسة. وهذه القراءة يجب أن لا تأخذ وقتا طويلا.
ثانيا: القراءة العادية.
بعدما يحدد الباحث من خلال القراءة الاستطلاعية المصادر التي يجب التعمق فيها بالقراءة والتفكير، فإنه ينتقل إلى نوع آخر من القراءة أكثر تركيزا على الموضوعات التي تم اختيارها، ويقوم بتسجيل كل المعلومات الهامة في بطاقات والقيام بعملبات الاقتباس اللازمة.
ثالثا: القراءة العميقة.
هناك بعض الوثائق تحتاج إلى قراءة عميقة ومركزة لأنها ذات قيمة علمية كبيرة، ولها صلة وطيدة بموضوع البحث تتطلب التحليل والتفكير المركز.

الفرع الثاني : شروط القراءة.
يجب أن تتوفر في القراءة الشروط التالية:
ـ أن تكون القراءة شاملة لكافة المصادر المرتبطة بالموضوع.
ـ يجب أن تكون القراءة منظمة ومرتبة.
ـ يجب أن يكون الباحث قادرا على الفهم والنقد.
ـ يجب اختيار الوقت المناسب للقراءة، والمكان المناسب لها.
الفرع الثالث: النتائج التي تحققها القراءة.
تستهدف عملية القراءة تحقيق النتائج التالية:
ـ فهم الموضوع والتعمق فيه والإلمام بجميع جوانبه، وكذا اكتساب حقائق ومعلومات وأفكار جديدة .
ـ اكتساب الباحث للأسلوب العلمي، وكذا التحكم في اللغة الفنية الملائمة لتخصص الباحث.
ـ اكتساب الباحث مهارة التقسيم والموازنة شكلا وموضوعا من خلال حطة البحث.
ـ اكتساب الباحث الشجاعة الأدبية، مما يؤهله إلى إبداء رأييه في مختلف مسائل الخلاف التي يعالجها البحث من خلال النقد والتعقيب.
المطلب الرابع: مرحلة تقسيم الموضوع.
يتم تقسيم الموضوع إلى أجزاء وذلك بوضع خطة أو مخطط للبحث، وهذا المخطط يشبه البناء المتناسق. وعليه سنتناول خلال هذا المطلب شروط ومعايير وقوالب التقسيم.
الفرع الأول: شروط تقسيم الموضوع.
من بين شروط تقسيم الموضوع مايلي:
ـ يجب أن ينطلق في تقسيمه من مشكلة البحث ولا يخرج عنها.

ـ أن تكون خطة البحث شاملة لكافة عناصر الموضوع.
ـ احترام مبدأ مرونة الخطة، بحيث يتمكن من إضافة أي عنصر دون المساس بتوازن الخطة.
ـ تحاشي تكرار العناوين الموجودة في المراجع.
ـ التقييد بالأسلوب العلمي، وصياغة عناوين جزئية تكون منسجمة مع العناوين الرئيسية.
ـ يجب مراعاة التوازن الشكلي والموضوعي للخطة.
ـ يجب أن تكون كل عناصر الخطة مترابطة بحيث إذا حذفنا أحد العناصر يظهر الخلل في اليحث.
ـ يجب أن تكون العناوين واضحة وكاملة في بنائها.
الفرع الثاني: معايير التقسيم.
يجب النظر أولا إلى طبيعة المشكلة التي يدور حولها الموضوع لأنها المعيار الأساسي لتقسيم البحث، ويمكن حصرها في البحوث القانونية في الحالات التالية:
ـ إذا كان الموضوع تاريخيا يمكن تقسيم البحث إلى أحقاب زمنية تفي بالغرض من الدراسة.
ـ إذا كان الموضوع ذو طبيعة تاريخية وقانونية فيمكن تناول الجانب التاريخي في القسم الأول والجانب القانوني في القسم الثاني.
ـ إذا كان الموضوع يشتمل على جزء نظري وأخر عملي تطبيقي، فيمكن التقسيم إلى جزئين أي محاولة التعرض للجانب النظري ثم الجانب العملي في كل قسم.
ـ وإذا كان الموضوع يحتوي على خلاف بين الفقه والقضاء والتشريع فيمكن تناوله في ثلاثة أقسام وإضافة قسم رابع للمقارنة بينهم. والأفضل تناول في كل قسم الجانب الفقهي والتشريعي والقضائي والمقارنة بينهم.

ـ أما إذا كان الموضوع يتعلق بدراسة مقارنة بين التشريعات فمن الأفضل إعتماد التقسيم الموضوعي، ثم اجراء المقارنة بين التشريعات المراد دراستها.
وقد يكون التقسيم في البحث بين العام والخاص وقد يكون بين الكل والجزء وقد يكون بين الأسبق والسابق والحاضر والمستقبل.
الفرع الثالث: قوالب تقسيم الموضوع.
وهي الأطر الشكلية والموضوعية التي تصب فيها مختلف أجزاء البحث وهي مرتبة تنازليا كالآتي:
الكتاب، الجزء، القسم، الباب، الفصل، المبحث،المطلب، الفرع..........الخ.
بالاضافة إلى هذه العناصر يحتوي كل بحث عن مقدمة وخاتمة.
المطلب الخامس: مرحلة تدوين المعلومات.
بعد أن يعد الباحث خطة لبحثه ينتقل إلى مرحلة تدوين المعلومات من المصادر المختلفة، وهذه العملية تستدعي أدوات منظمة وتشتمل على شروط وقواعد منهجية.
الفرع الأول: طرق تدوين المعلومات.
ينصح بإتباع إحدى الطريقتين، إما طريقة البطاقات يرتبها الباحث بحسب أجزاء الموضوع، ويدون المعلومات في وجه واحد. وهي طريقة منتقدة لأنها غير عملية. وهناك طريقة الملفات يتكون الملف من غلاف سميك وحاملة أوراق مثقوبة ويقوم الباحث بتصنيف الأوراق داخل الملف حسب خطة البحث. وهنا يسهل عليه الإضافة أو الحذف لأي عنصر من عناصر البحث.
الفرع الثاني: قواعد تدوين المعلومات.
يجب على الباحث التقيد بقواعد التدوين المنهجية والمتمثلة في:
ـ اشتمال كل ورقة على الموضوع الفرعي والمعلومات المتعلقة بالموضوع ثم بيانات المصدر.
ـ المعلومات التي خصصت للموضوع يجب أن تذكر بوضوح، ويذكر في كل ورقة موضوعا واحدا.

ـ يجب تحديد الأفكار المقتبسة من المصادر حرفيا والتي يصوغها الباحث بأسلوبه الخاص، فيحاول أن يميزها بطريقة خاصة.

المطلب السادس: مرحلة الكتابة.
هذه المرحلة هي من أصعب مراحل البحث، فهي التي يخرج فيها البحث في شكله النهائي إلى الجمهور. كما يجب التقيد بقواعد الكتابة وكذا الإلتزام بالمواصفات النهائية للبحث العلمي.
الفرع الأول: قواعد عملية الكتابة.
القواعد المنهجية التي تحكم عملية الكتابة هي:
ـ يجب استبعاد كل الأوراق التي لا تنسجم مع الموضوع
ـ يجب كتابة البحث بأسلوب علمي بحيث يجب مراعاة الضوابط التالية:
1)يجب أن تكون اللغة سليمة من الأخطاء اللغوية والنحوية.
2)استخدام اللغة الفنية المتخصصة.
3)الابتعاد عن اللغة الشعرية الأدبية وما فيها من صور بلاغية.
4)يجب الابتعاد عن ألفاظ السخرية والتهكم.
5)الايجاز والتركيز في عرض الأفكاروالمفاهيم.
6)التسلسل المنطقي في الانتقال من جملة إلى أخرى ومن فقرة إلى أخرى.
7)في حالة الإقتباس الحرفي لا يجوز للباحث تحريف الكلام أو تغييره ولا يجوز الإكثار من الإقتباس في الصفحة الواحدة.
8)يجب مراعاة القواعد المنهجية في توثيق المصادر والهوامش.
9)التهميش يمكن أن يكون في كل صفحة أو عند نهاية كل فصل أوعند نهاية البحث
10)يجب مراعاة قواعد التهميش المعتمدة للكتب والمقالات والنصوص والأحكام والقرارات والرسائل العلمية.
11)يجب مراعاة العلامات الإملائية وطرق استعمالها، مثل النقطة والفاصلة والنقطتان، علامة الاستفهام والتعجب .......الخ.
الفرع الثاني: المواصفات النهائية للبحث العلمي.
يشتمل البحث العلمي النهائي على الأجزاء التالية:
ـ الصفحات التمهيدية: وفيها صفحة العنوان وصفحة الإهداء وصفحة الشكر.
ـ مقدمة وهي أولى مشتملات البحث، ويكون فيها تمهيد وطرح الإشكالية والمحاور وأسباب اختيار الموضوع والهدف من الدراسة وكذا المنهج المعتمد والصعوبات التي واجهت البحث.
ـ صلب الموضوع ويحتوي على كل العناصر التي بني عليها التقسيم الذي وضعه الباحث.
ـ الخاتمة وهي عبارة عن حوصلة البحث ويضع فيها الباحث كل الإنتقادات والاقتراحات التي يقدمها من خلال بحثه.
ـ الملاحق وهي المعلومات التي يريد الباحث إلحاقها بالبحث ولا يستطيع أن يدرجها داخل مضمون البحث، كما يشترط في الملاحق أن تكون ذات أهمية علمية وتربطها بالموضوع علاقة غير مباشرة. ففي مجال العلوم القانونية يمكن أن تدرج كملاحق النصوص القانونية والأحكام والقرارات القضائية.....الخ.
ـ قائمة المصادر والمراجع، ويجب إعدادها بشكل منهجي ومنظما يزيد في القيمة العلمية للبحث. ويعتبرمن المصادر والمراجع ما يلي: الكتب المتخصصة والعامة، المعاجم، الموسوعات، النصوص القانونية، الأحكام والقرارات القضائية والدوريات، الأبحاث والرسائل الجامعية، والاتفاقيات الدولية.




ـ قائمة المحتويات، يستعمل الكثير من الكتاب والباحثين مصطلح(الفهرس) وهو خطأ شائع، فمن الناحية اللغوية كلمة فهرس بالفارسية تعني الكتاب الذي يضم مجموعة من أسماء المؤلفات والكتب، إذا فالصحيح من الناحية اللغوية هو محتويات البحث. وهي تحتوي على كل ما تضمنه البحث من عناوين أساسية وفرعية، يقابلها رقم الصفحة.









عرض البوم صور Dzayerna   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
محاضرات القانون الدستوري و النظم السياسية المقارنة Dzayerna منتدى السنة الأولى 15 03-18-2011 08:53 PM
الفرق بين القانون الدستوري و القانون الاداري maissa منتدى السنة الأولى 6 09-17-2010 10:57 PM
ملخص بعض محاضرات القانون الدستوري Dzayerna منتدى السنة الأولى 4 05-29-2010 05:03 PM
محاضرات القانون الدستوري m.ramzi منتدى السنة الأولى 4 05-29-2010 04:55 PM


الساعة الآن 09:55 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302