العودة   منتديات صحابي > أقسام التـعلـيـم ومـراحله > منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية


منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية منتدى خاص بجميع بحوث لي مراحل تربوية


بحث / بداية التدوين التاريخي .فلسفة التاريخ.التاريخ عند اليونان والرومان

منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية


بحث / بداية التدوين التاريخي .فلسفة التاريخ.التاريخ عند اليونان والرومان

- بداية التدوين التاريخي -فلسفة التاريخ - التاريخ عند اليونان والرومان - التاريخ عند المسلمين والعرب - العلوم المساعدة للتاريخ بداية التدوين التاريخي مر التأريخ عند المسلمين بفترة

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-28-2009   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: المدير العام ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية Dzayerna


البيانات
التسجيل: Aug 2009
العضوية: 5342
المشاركات: 18,093 [+]
بمعدل : 5.97 يوميا
اخر زياره : 05-31-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1893

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
Dzayerna غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية
- بداية التدوين التاريخي
-فلسفة التاريخ
- التاريخ عند اليونان والرومان
- التاريخ عند المسلمين والعرب
- العلوم المساعدة للتاريخ



بداية التدوين التاريخي

مر التأريخ عند المسلمين بفترة رواية شفهية دارت فى مجالس العلم وندواته فى القصور و المساجد ، وفيها انتشرت (الروايات ) واسمها يشى وينبىء بأصلها الشفهى حيث كان الراوى أو الحاكى يحكى القصة ويلقيها شفهيا على اسماع الحاضرين ، فلما جاء عصر التدوين المنظم فى العصر العباسى تم تسجيل المتوارث من تلك الروايات الشفهية.
وقد تناثرت أخبار عن كتابات تاريخية مدونة في القرن الأول الهجري بين شذرات متفرقة وكتب كاملة ، كما نسب بعضهم كتبا لبعض الرواة فى القرن الأول الهجرى فى العصر الأموى .
والتدوين التاريخى الحقيقى بدأ مع الدولة العباسية واستمر الى نهاية العصر العباسى الأول فى خلافة المتوكل العباسى .

وقد تميزت بداية التدوين التاريخي بعدة ملامح أهمها:

1- إن مرجعية التدوين ارتبطت بالكاتب نفسه ، فهو الذى ينقل مباشرة من ذاكرته و ليس من كتاب سابق ، وهو الذى يزعم أنه سمع هذه الرواية من فلان عن فلان ، وليس لنا إلا أن نصدقه أو أن نتشكك فى كلامه ، ولذلك تناقضت بعض الروايات التى تعبر عن حدث معين ، وبعضها تداخل مع بعضها الاخر كما فى تاريخ الطبرى ، وكل ذلك يضع مهمة صعبة أمام الباحث التاريخى.
2 ـ لأن الحركة العلمية فى بدايتها لم تعرف التخصص حيث كانت مجالس العلم تجمع بين التاريخ والقصص والشعر والكلام حول القرآن الكريم وترديد أحاديث منسوبة للنبى محمد عليه السلام ـ فإن الاسناد كان هو السمة المشتركة فى رواية أحداث التاريخ و السيرة والأحاديث المنسوبة للنبى محمد عليه السلام. وأشهر من كتب التاريخ بالاسناد محمد بن سعد فى الطبقات الكبرى ، والطبرى فى تاريخه ، وسار على هذا النهج مؤرخو العصر العباسى الثانى خصوصا من كان منهم يجمع بين كونه مؤرخا ومحدثا وفقيها مثل ابن الجوزى فى كتبه التاريخية الحولية مثل ( المنتظم ) و الكتب القصيرة مثل ( اخبار الأذكياء ) .
3 ـ إن أوائل من كتب ودوّن صار هو العمدة الذى ينقل عنه اللاحقون من المؤرخين ، دون أن يناقشوا الروايات التى ينقلونها ،كما فعل ابن هشام الكلبى فيما نقله من السيرة النبوية عن ابن اسحاق وكما فعل الطبرى فيما كان ينقله عن ابن مخنف وسيف بن عمر الضبى.
4 ـ غزارة المادة التاريخية في فترة القرون الثلاثة الأولي بحيث شملت أكثر من ستمائة بحث ورسالة كتب معظمها أربعة أو خمسة رجال هم المدائني وأبومخنف وأبو عبيدة وأبن الكلبي

5- اختلفت مستويات هذه المادة التاريخية فى الحادثة الواحدة من حيث الصدق أو الكذب والسعة أو الإيجاز ، مع وجود الأهواء الاجتماعية والعنصرية والعرقية والعقدية والسياسية .

6- غلب عليها الأساس الإسلامي في اعتماد التقويم الهجري وفي إطار الإسلام ، لم يكن هذا مقصورا على السيرة النبوية بل تعداها ايضا الى الفتوحات العربية التى تم نسبتها للاسلام فأصبحت الفتوحات الاسلامية . وبذلك نشأ التدوين التأريخي في حضارة المسلمين منفصلا عن التدوين المسيحي وبطابع مستقل متميز، حتى أن الموالي في تاريخهم الخاص لأسلافهم ارتبطوا بالمنهج الذي سارت عليه الحركة التاريخية العربية (الإسلامية ).

7- لم يكن التدوين التاريخي نقلا كله عن الرواية الشفهية وحدها وإنما اعتمدا حيانا علي بعض الوثائق والسجلات والمدونات والأسفار والكتابات ، وبعضها كتب قبل الإسلام .

8- لم يكن التدوين التاريخي عملا رسميا ، كما هو الشأن في بعض العصور غير الإسلامية . صحيح أن بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين شجعوا التدوين التاريخي ألا أن ذلك لم يكن بغرض أقامة تأريخ رسمي للدولة وإنما بهدف تسجيل المعارف الهامة أو ما يتشوق الخليفة إلى معرفته .
نشأ التدوين التاريخي مستقلا عن الشكل الرسمي وإن لم ينج بالطبع من أهواء الحاكم، خصوصا في العصر العباسي- عصر ازدهار التدوين – حيث أهتم العباسيون برعاية الحركة العلمية الفردية، وقرنوا الرعاية بنوع من التوجيه الذي يخدم أهواء الخلفاء .

9- وفي هذا العصر المبكر ظهر مع التدوين التاريخي بواكير الرأي التاريخي والتعليل للأحداث وفلسفة التاريخ خصوصا وقد ظهرت في العصر العباسى فلسفات وفرق مختلفة حول الإمامة والخلافة والجماعة والجبر والاختيار والشقي والسعيد والجرح والتعديل ، وكان لابد للتاريخ أن يتأثر بتلك الأفكار خصوصا وأن التاريخ يبحث الأعلام الذين كانوا محورا لهذه الاختلافات والآراء . وظهرت قمة الفلسفة التاريخية فيما بعد فى مقدمة ابن خلدون المتوفى فى اوائل القرن التاسع الهجرى.

مراحل التدوين التاريخي :

وقد بدأ التدوين التاريخي فرديا وبسيطا ثم أنتشر وتنظم عبر ثلاث مراحل :-

1- المرحلة الأولى : مرحلة التدوين الأولى :

أتسم بالطابع الشخصي العفوي وبالنقل عن الرواية الشفهية فقد كانت الرواية الشفهية هي السائدة ومن حرص من السامعين علي تسجيل حدث بذاته عمل على تدوينه لنفسه ، وربما بدأ ذلك النوع من التدوين مع بداية العصر الأموي ثم تحددت اتجاهاته وتنوعت بين تدوين للسيرة أو للأنساب أو للفتوح وغيرها ، ومع ذلك بقي فرديا شخصيا .
وفي هذا المرحلة وجد الكثيرون من الرواة الشفهيين الذين ينقل عنهم أو يحفظ أقوالهم جمهور من العلماء والحفاظ في المساجد والحلقات ، وبعض أولئك الرواة كانوا من أعلام العرب والمسلمين مثل (عقيل بن أبي طالب) و(عمرو بن خوله)و( الأقرع بن حابس)و( مخرمة بن نوفل )و( جبير ابن المطعم) ، وواضح أن أولئك كانوا ممن عاصر الجاهلية والإسلام وقد بلغوا الشيخوخة وهم يروون أحداثا شاركوا فيها من هنا كان الاهتمام بالنقل عندهم وتدوين ما يسردونه من أحداث ينقصها التسلسل الزمني .
وأشهر المؤرخين ممن ينسبون لهم التدوين ( الشخصى ) في هذه المرحلة : ( أبان بن عثمان) و( عروة بن الزبير ) ثم ( شرحبيل بن حسنة) و( الزهري ) .

2- المرحلة الثانية :
وقد امتدت خلال القرن الثاني كله تقريبا ، مع نهاية العصر الأموى ومطلع العصر العباسى . واهتم الاخباريون خلالها بجمع الأخبار المختلفة من جميع الأفواه والرواة ثم تنظيم كل نوع على حده ووضعه في كتاب خاص ، وأن لم يبلغ التنظيم الشكل النهائي . وفي هذه الفترة كان الاهتمام إلى جانب السيرة بالجوانب التاريخية الأخرى عن العصر الجاهلي والأنساب والأمم السابقة.
وكتبت فيها رسائل قصيرة تغطي ناحية معينة في التاريخ .. ومن هؤلاء :
( أبومخنف ) وله32 كتابا و( الهيثم بن عدي )( 50 كتابا ) ( الواقدي ) (28 كتابا)( نصر بن مزاحم ) (50 كتابا ) وقد أرخوا فيها لعهد الراشدين من سقيفة بنى ساعدة والشورى وحرب الردة والفتوحات والفتنة الكبرى ومعارك الجمل وصفين والخوارج وخطط البصرة والكوفة وولاة الأمصار وغير ذلك ...
المرحلة الثالثة :
هي مرحلة التدوين التاريخي على الأساس الزمني المتسلسل وجمع المواضيع المتعاقبة على التوالي في كتاب واحد على أساس وحدة التاريخ الإسلامي ووحدة التاريخ الإنساني. وبدت بشائر هذه المرحلة في كتاب ( ابن اسحق ) عن السيرة النبوية ، ثم امتدت حتى نهاية القرن الثالث حتى استقرت وتوطد بها علم التاريخ الإسلامي ومنهجه في التدوين كما يظهر في كتب الحوليات وأهمها (تاريخ الطبري).
وقد ساعد على ازدهار التدوين وتنظيمه في هذه المرحلة الاهتداء لصنع الورق واستخدامه وانتشاره مما ساعد على التوسع في التدوين كما شجع على جمع المؤلفات الصغيرة السابقة في تاريخ عام متصل متسلسل , هذا مع انتشار حركة الترجمة والنقل عن الثقافتين الفارسية واليونانية ..
واهم المؤرخين في هذه المرحلة مع (الطبري): أبو حنيفة الدينوري واليعقوبي وابن طيفور وفيها كان تأسيس المدارس التاريخية في الشام و العراق و الحجاز .. .

فلسفة التاريخ

لتعريف اللغوي للتاريخ

أولاً: عربيـاً:
– ورد في لسان العرب لابن منظور، الجزء الأول، ص 59
التاريخ: كلمة مشتقة من الفعل أَرَّخَ يؤرخ تأريخاً وتاريخاً، بمعنى تعريف الوقت، والتوريخ مثله، وأرَّخ الكتاب أو ورَّخه بمعنى وقَّته.
– وفي المعجم الوسيط لإبراهيم أنيس وآخرين، الجزء الأول، ص 13. أرَّخ الكتاب: فصل تاريخه وحدد وقته، وهو جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما. ويصدق على الفرد والمجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية. فالتأريخ هو تسجيل هذه الأحوال، والتاريخ جملة الأحوال.
– وفي كتاب في منهج البحث التاريخي لعادل حسن غنيم وجمال محمود حجر، الإسكندرية، 1995، ص 21 وما بعدها.
* لغةً: هو الزمن وبيان الوقت، وورَّخ الكتاب بمعنى وقت كتابته
* أما اصطلاحاً: فهو ماضي الإنسان، وبعض المؤرخين يرى أنه بعض الأحداث التي وقعت في الماضي، والحاضر وربما المستقبل، وهو السفر الذي يحمل بين دفتيه التطورات الاقتصادية والاجتماعية... التي مرت بها البشرية.
إن لفظة التأريخ تطلق على الماضي البشري وتارة على الجهد المبذول لمعرفة الماضي، ويرى قسطنطين زريق: التأريخ هو دراسة الماضي، والتاريخ هو الماضي ذاته.
يتناول التاريخ كموضوع الإنسان من حيث هو إنسان، وليس مجرد كائن حي ينمو ويتطور ويموت؛ فهو الوحيد الذي يدرك معنى الزمن، والوحيد (ذو التاريخ) الذي يصنع التاريخ ويصنعه التاريخ. أما تناول الحوادث الطبيعية فليس إلا لمعرفة تأثيرها على الإنسان، والاهتمام بدراسة التاريخ له سببين؛ نفسي وعقلي. فالنفسي لاعتبار أن الإنسان يرى نفسه امتداداً لبني جنسه وبالتالي حرصه على التعرف على ماضي البشرية، أما العقلي فيتميز به بعض الناس للاستفادة من التجارب الماضية.

ثانياً. إنجليزيـاً: The New Webster Encyclopedic Dictionary of the English ********
التاريخ History: هي كلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية "هيستوريا" Historia، ومن اليونانية "لوغوس" Logos؛ وهو عنوان كتاب هيرودوت التاريخي المترجم إلى اللاتينية تحت عنوان "هيستوريوس"؛ بمعنى التعلم والاستخبار، ومن الكلمة الجرمانية "هيستور" Histor؛ بمعنى التعرف والتعلم. والتاريخ هو ذلك الفرع من المعرفة الذي يتعلق بالأحداث التي احتلت مكاناً في وجود العالم، وهو الدراسة والبحث في الماضي. وهو علاقة شخصية بين الأفعال والأحداث.

ثالثاً. فرنسيـاً: Dictionnaire Larousse, 1989, p. 505
التاريخ Histoire: مشتق من الكلمة اللاتينية "هيستوريا"، وهو العلاقة بين الأفعال والأحداث الماضية المتعلقة بحياة الإنسانية، مجتمعاً أو فرداً، وهو دراسة وعلم الأحداث الماضية، وهو قسم من الماضي معروف بواسطة وثائق مكتوبة عكس ما قبل التاريخ. وهو أيضاً مجموعة من الأحداث الواقعية أو الخيالية.

الحادثة التاريخية:
هي الحادثة الإنسانية في إطارها الزماني والمكاني؛ والتي تشكل موضوع التاريخ، لأن التاريخ يدرس الإنسان من خلال مواقف تاريخية، كما يدرس المواقف التاريخية من خلال الإنسان.

خصائص الحادثة التاريخية:
تتميز بأنها حادثة إنسانية اجتماعية ذات معنى ومفردة لا تتكرر. فهي إنسانية لأن التاريخ هو ما حدث للإنسان مثال الزلازل وأثرها على الإنسان. واجتماعية بمعنى أن الإنسان بقيمته الاجتماعية؛ فكل حادثة تاريخية تحمل معها هويتها الاجتماعية؛ فالبطل التاريخي نجاحه وفشله مرتبط بالمجتمع. والبطل الذي يصنع التاريخ هو بطل صنعه التاريخ. ذات معنى: لأن الإنسان هو الكائن الوحيد المتميز بالفعل الإرادي الواعي خلافاً لبقية الأنواع الأخرى؛ فالأهرام بنيت لأهداف، وإذا عريناها من قيمتها الإنسانية لا يبقى لها أي قيمة تاريخية؛ حيث تصبح كتلة مادية لا تفيد إلا في المجال الهندسي. فهي تصور نظرة الإنسان إلى الوجود وعودة الروح. مفردة لا تتكرر: هذا يعني أنها لا تحدث إلا مرة واحدة محدودة بزمان ومكان وبظروف ودوافع لا تتكرر مثل الثورة الفرنسية. وفي هذا السياق يقول "ماكس ويبر" (1860-1920): "إن الحادثة التاريخية هي ما يحدث مرة واحدة باعتبار المعنى الذي جال في نفوس الأفراد حين اختاروا سلوكهم ذاك الذي سلكوه في سياق تلك الحوداث". وانطلاقاً من هذا يختلف الحادث الطبيعي عن التاريخ؛ إذ الأول جاهز، أما نكبة البرامكة، مثلاً، فهي حادثة مضت ولن تعود. بمعنى أن الحوادث الطبيعية تقع خارج الزمان كما يقولون، أما الحوادث الإنسانية فهي تقع في الزمان؛ زماننا البشري الذي لا نحياه مرتين.

المنهج التاريخي:
يقصد به الوصول إلى المبادئ والقوانين العامة عن طريق البحث في الأحداث الماضية، وتحليل الحقائق المتعلقة بالمشكلات الإنسانية والقوى الاجتماعية التي شكلت الإنسان. ويحاول الباحث تحديد الظروف التي أحاطت بالظاهرة منذ نشأتها لمعرفة طبيعتها وما تخضع لها من قوانين، ولا يمكن فهم الماضي إلا بالمرور بمرحلتين؛ هما التحليل والتركيب، تبدأ الأولى بجمع الوثائق ونقدها والتأكد من شخصية أصحابها، وينتهي إلى تحديد الحقائق التاريخية الجزئية، ثم تأتي الثانية؛ وفيها يقوم الباحث بتصنيف هذه الحقائق والربط بينها ربطاً عقلياً.




الفرق بين القوانين التاريخية والطبيعية:
إذا كانت القوانين في العلوم الطبيعية قائمة لكنها تكتشف يوماً بعد يوم؛ فإن ذلك ما يحدث في العلوم الاجتماعية والإنسانية ولكن بطريقة أبطأ بكثير. وفي رأي محمد كامل حسين أن من أهم الفروق بين القوانين التاريخية والطبيعية:
الزمن: مهم في الدراسة التاريخية وغير مهم في الدراسة الطبيعية.
النتائج: العوامل المتشابهة في العلوم الطبيعية تؤدي إلى نتائج متشابهة مهما اختلف الزمان والمكان، لكنها غير ذلك في التاريخ.
القوانين: إن القوانين في العلوم الإنسانية ليست لها صفة الأبدية. وتغيرها أسرع من نظيرتها العلوم الطبيعية. ففي العلوم الإنسانية لا يعني القانون نتيجة محددة دائماً؛ وإنما يعني نتيجة تقديرية أو قاعدة عامة.
مثال (1). ابن خلدون: "في الدولة والحضارة". فالدول كالبشر تولد، تنمو، تكبر ثم تضمحل وتموت، والحضارة تتعاقب عليها ثلاثة أطوار: بداوة، حضارة، ثم انحلال. – وهذا منذ خمسة قرون–.
مثال (2). أرنولد توينبي: تبنى الحضارة عنده على قانون التحدي والاستجابة؛ بمعنى الظروف القاسية هي التي تحفز الإنسان على العمل والإبداع، وكلما ازداد التحدي تصاعدت قوة الاستجابة، ورغم أنها تنطبق على شعوب معينة ومراحل محددة إلا أنها تعتبر خطوة على الطريق نحو القوانين الدائمة التي يتوقع التوصل إليها مستقبلاً، ومثال ذلك:
– العلاقة الدائمة بين الاستعمار العالمي والحركة الصهيونية.
– الحكم الاستبدادي قد يبني أمة أو مرحلة تاريخية، ولكن لا يبني الإنسان.
– إن الشعوب التي تكثر تناقضاتها الاقتصادية والاجتماعية والدينية يسهل الوصول إلى حكمها وتصعب قيادتها، أما الشعوب التي تقل تناقضاتها فيصعب الوصول إلى حكمها وتسهل قيادتها.

المثالية التاريخية:
وهي التي تتأسس على الرأي القائل بأن العوامل الأساسية في نمو المجتمعات الإنسانية هي انسياق الفكر، وقد اشتهرت بها فلسفة "هيجل" (1770-1831)؛ الذي يرى أن التاريخ هو تاريخ الفكر، وأنه يجب أن نركز على ما كان القادة يفكرون فيه حين أقدموا على أعمالهم، لا أن نركز على ما قاموا به من أعمال، وأن القوة التي تدفع التاريخ هي قوة العقل، ويعني ذلك أن كل شيء يحدث وفق حرية الإنسان وإرادته، ويتعارض هذا المذهب مع مذهب المادية التاريخية.

المادية التاريخية:
وهي نظرية تفسر التاريخ تفسيراً مادياً. وفقاً لهذه النظرية فإن الإنسان منتج اجتماعي لوسائل عيشه، والإنتاج الاجتماعي يتطلب علاقات اجتماعية، وتشكل هذه العلاقات البنيان الاقتصادي للمجتمع الذي يقام فوقه بنيان علوي من الأنظمة والمؤسسات السياسية والقانونية. وقد اشتهرت بها فلسفة "كارل ماركس" (1818-1883) الشيوعية؛ التي تقوم على الماديات. البنية التحتية تسير البنية الفوقية l’infrastructure gère et détermine la superstructure

النزعة التاريخية:
وهي دراسة الأحداث من حيث ظهورها وتطورها التاريخي، وهي اتجاه يرمي إلى تفسير الأحداث في ضوء تصورها التاريخي؛ أي أننا لا نستطيع أن نحكم على الأفكار والحوادث إلا بالنسبة للوسط التاريخي الذي ظهرت فيه، لا بالنظر إلى قيمتها الذاتية لا غير؛ لأننا إذا نظرنا إليها من الناحية الذاتية فقط وجدناها خاطئة أو شاذة، ولكن إذا نسبناها إلى وسطها التاريخي الذي ظهرت فيه وجدناها طبيعية وضرورية.



فلسفة التاريخ
تبحث فلسفة التاريخ عن القوة الدافعة في سير التاريخ؛ بمعنى هل النظم الاجتماعية وليدة الصدفة، أم أنها نتيجة ترتبت عن أسباب حتمية؟ وهل يصنع الناس تاريخهم أم أنهم مفروض عليهم بفعل قوى خارجية؟ وهي قديمة المنشأ تطورت خلال القرن الثامن عشر على يد مفكري عصر التنوير أمثال "فولتير"، و"هيردر"، و"كوندورسيه"، و"مونتسكيو" قصد التصدي للتأثير اللاهوتي على التاريخ منذ عصر القديس أوغسطين، ومدى تأثير البنية الجغرافية والاجتماعية على الإنسان.

تحديد علم التاريخ:

أو بمعنى آخر، هل التاريخ علم أم فن؟
منذ مطلع القرن احتدم النقاش حول طبيعة التاريخ، ودار حول ماهية التاريخ، هل هو علم أم فن؟ أي هل هو علم من العلوم الإنسانية، أم هو مجرد فرع ثانوي من أحدها.
لقد دار هذا النقاش في أوروبا خصوصاً في ألمانيا، علماً أن التاريخ ظل يعتبر فناً بأوروبا المسيحية منذ العصور الوسطى وأدباً، ولا يدرجونه ضمن العلوم.
في حقيقة الأمر أن هذه المسألة المتعلقة "بعلمية التاريخ المستقلة" تم التطرق إليها ضمن صلتها بالعلوم الإنسانية في الحضارة الإسلامية منذ عدة قرون خلت عن القرن الذي نعيش فيه. لقد تناولها ابن خلدون في مقدمته؛ التي أورد منها عدة نصوص مختصرة:
ـ "أما بعد، فإن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال... إذ هو في ظاهره لا يزيد على اختبارٍ عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأُوَّل... وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع (الحوادث) وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة وعريق، وجدير بأن يُعَدَّ من علومها وخليق".
ـ "اعلم أن فن التاريخ فن غزير المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من الأمم... فهو محتاج إلى مآخذ متعددة، ومعارف متنوعة، وحسن نظر وتثبت...".
ـ "حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال، مثل التوحش والتأنس والعصبيات وأصناف التقلبات للبشر بعضهم على بعض، وما ينشأ عن ذلك من الملك والدول ومراتبها، وما ينتحله البشر بأعمالهم ومساعيهم من الكسب والمعاش والعلوم والصنائع، وسائر ما يحدث من ذلك العمران بطبيعته من الأحوال".
ـ "واعلم أن هذا الكلام في هذا الغرض مُستَحدَث الصنعة، غريب النزعة، عزيز الفائدة، أعثر عليه البحث، وأدى إليه الغوص... وكأنه علم مستنبط النشأة... لم أقف على الكلام في منحاه لأحد من الخليقة، ما أدري ألغفلتهم عن ذلك، أو لعلهم كتبوا في هذا الغرض واستوفوه، ثم لم يصل إلينا (شيء مما كتبوه)".
كما تناولها السخاوي وهو يعرف التاريخ بقوله: "هو فن يُبحَث فيه عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيف، بل عما كان في العالم" .
وفي اعتبارنا يعود تأخر احتدام النقاش في مسألة "التاريخ بين العلم والفن" أو "علمية التاريخ" أو "استقلالية التاريخ علماً بين العلوم"، منذ صدور نظرية ابن خلدون، ومحاولة السخاوي تفسيرها؛ اللذين عاشا في القرنين الثامن والتاسع للهجرة؛ الرابع والخامس عشر للميلاد على التوالي، في عصر أفول الحضارة الإسلامية وسيادة الروح الصليبية المتعصبة لدى المسيحيين؛ الأمر الذي قلل من شأن الاتصالات الحضارية، فظلت هذه المسألة كامنة حتى القرن التاسع عشر الميلادي؛ الذي شهد تغيرات كبرى وتطورات هائلة شملت كل مناحي المجتمعات الأوروبية، ومنها العلوم على اختلافها.
أجاب المؤرخ الفيلسوف الإنجليزي "بيوري" Bury في محاضرته التي ألقاها في جامعة كمبردج بقوله: "إن التاريخ علم لا أكثر ولا أقل" ، كما قال أيضاً:
"ليس التاريخ فرعاً من فروع الأدب. وإن حقائق التاريخ تشبه حقائق علم البيولوجيا أو علم الفلك، وإن صياغة قصة المجتمع الإنساني في ثوب أدبي تزيد عن كونها جزءاً من عمل المؤرخ كمؤرخ، شأنه في ذلك ما يصنع عالم الفلك حين يسرد بطريقة فنية قصة كواكب الفضاء... علينا أن نتذكر دوماً أن التاريخ، إضافة إلى أنه يزوِّد الأدب بمادته الفنية وبأفكاره الفلسفية، هو في حد ذاته، ببساطة، علم لا أكثر ولا أقل" .
ويعالج كولنجوود هذه المسألة بنتيجته التالية:
"في اعتقادي أن كل مؤرخ سوف يتفق معي في أن التاريخ نوع من أنواع البحث العلمي، ولست أسأل الآن أي نوع من أنواع البحث هو، وإنما أن التاريخ من حيث الأصل، يندرج تحت ما نسميه بالعلوم، وهي التي يقصد بها ألواناً من التفكير تبعث فينا أسئلة معينة نحاول الإجابة عنها... ومن المهم أن ندرك أن العلم يتألف من تركيز الجهد في شيء لا نعرفه، لنحاول أن نتعرف على حقيقته" .
ويقرر شوتويل نتيجة لبحوثه ما يلي:
"بالنسبة للذين يبحثون في إذا ما كان التاريخ علماً أم فناً، أستطيع أن أقول بأنه في الحقيقة علم وفن، وأنه الأمران معاً؛ ذلك لأنه من حيث مجال البحث الذي يشتمل هذه المادة يدخل ضمن نطاق العلوم، ومن خلال السرد القصصي والروائي يدخل في مجال الفنون؛ فهو إذن علم وفن، وهنا تكمن عظمة دراسة التاريخ" .
يرى المدافعون عن التاريخ كعلم أن أقرب العلوم الطبيعية شبهاً به هو علم الجيولوجيا؛ إذ يدرس الأول ماضي المجتمعات الإنسانية، بينما يدرس الثاني ماضي الكرة الأرضية. فمادة المؤرخ الوثائق على اختلاف أنواعها، ومادة الجيولوجي الصخور والأحجار والطبقات الأرضية.
وقد أنكر الفلاسفة الطبيعيون صفة العلم على التاريخ، واستندوا في مذهبهم هذا على نقاط أربع هي :
1. أن مادة التاريخ غير ثابتة وغير قابلة للتحديد على خلاف مواد العلوم الثابتة والمحددة.
2. أن مادة التاريخ لا تخضع لقانون التجربة والمشاهدة، بمعنى أنه لا يمكن معاينة وقائع التاريخ معاينة مباشرة، وأن التجربة والمشاهدة أمران غير ممكنين في الدراسة التاريخية.
3. لا يمكن الوصول في التاريخ إلى شيء "من قبيل التعميمات أو القوانين العلمية"، على اعتبار أن كل واقعة من وقائع التاريخ المُسلَّم بها، هي واقعة قائمة بذاتها، ولا يمكن تصور وقوعها في ظروف مشابهة، أو تصور ظروف يتكرر فيها وقوعها؛ بمعنى "أن التاريخ لا يعيد نفسه".
4. أن عنصر "المصادفة" يلعب دوراً مهماً في التاريخ، الأمر الذي يجعل مستحيلاً كل تقدير مسبق من المؤرخين.
ورد المدافعون عن التاريخ كعلم على هذه النقاط بالتالي ترتيباً:
1. أن مادة التاريخ ثابتة ومحددة، وهي الإنسان الثابت، غير المتغير، الصانع لكل العلوم المادية والمطوِّر لها. فالتاريخ يبحث في الفعل ورد الفعل الصادرين عن إنسان غير متغير أصلاً (وهي نظرية توينبي في التاريخ الموسومة بـ "التحدي والاستجابة") .
2. إن استخدام التجربة والمشاهدة وارد في دراسة التاريخ، لأن للتاريخ دورات متشابهة على طول عهود الإنسان، وأن بدراسة هذه الدورات نستطيع أن نضع القوانين والقواعد المسبقة؛ التي تكون نسبة توقع النجاح فيها مماثلاً تقريباً لنسبة توقع النجاح في تجارب أي علم آخر، مثل: قاعدة قياس أعمار الدول، وعلامات السقوط (ابن خلدون).
3. هناك علوم كثيرة تشترك مع التاريخ في عنصر المصادفة؛ فقد لعبت المصادفة دوراً كبيراً في التوصل إلى نظريات ونتائج علمية في علوم الطبيعة والكيمياء والتكنولوجيا والفيزياء وغيرها، مثلاً: اكتشاف نيوتن لقانون الجاذبية (سقوط التفاحة صدفة).
هذا إضافةً إلى أن الباحث في التاريخ لا يقف عند حد وصف الحوادث الماضية وتنسيقها فحسب، بل يسعى إلى الكشف عن العلاقات السببية التي توجد بينها؛ لتفسيرها وتعليلها .

فائدة دراسة وتدريس التاريخ وطبيعته:
لا يمكن لمن يجهل كل شيء عن الماضي أن يفهم عصره، كما لا يمكن لمن يعايش الأحداث الحاضرة أو يساهم فيها أن يفهم عمق حقيقتها ما لم يُلمَّ بميراث الماضي، مهما كان موقفه منه.
وإن دراسة الماضي على ضوء الحاضر والمستقبل، يربط أحداث البشرية ضمن عناصر الزمن الثلاثة (الماضي، الحاضر والمستقبل)، هو المجال الذي تتحقق ضمنه "فائدة التاريخ" .

أ. طبيعة علم التاريخ
يتعذر علينا فهم التاريخ فهماً كافياً إذا ما اقتصرنا على النظر إليه من ناحية واحدة، وهي الناحية السياسية، إذ أن من لا يراه باستمرار في تشعباته التي تتوافق مع طبيعة الحقيقة، سواء المختصة بالنواحي الحضارية المختلفة، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية التي ظلت لقرون طويلة هي طبيعة التاريخ دون سواها، يوصد أمام ذهنه كل أسباب الاستبصار، وفهم التاريخ على حقيقته .
لقد كان ابن خلدون سبَّاقاً في إدراك قصور الكتابة التاريخية المقتصرة على السياسة وأحداثها وحدها، ثم تلاه من علماء الغرب المسيحي "فولتير" Voltaire ؛ الذي رأى استحالة أن يكون موضوع التاريخ فقط بياناً عن المعارك والعمليات الحربية، أو عن المؤامرات والدسائس الدبلوماسية والسياسية، بل هو واسع كثيراً. فطبيعته تقتضي أن يشمل ماضي الفكر الإنساني بأكمله، أي كل العلوم والمعارف. فإلى جانب الأحداث السياسية، ينبغي على التاريخ أن يتوافق مع طبيعته، فيرسم صورة لتقدم الاتجاهات الفكرية، والميول والتيارات الأدبية والفنية لكل عصر .
وانطلاقاً من تعريف التاريخ أنه: "السعي لإدراك الماضي البشري وإحيائه"، ينفي الأستاذ قسطنطين زريق اقتصار صلة التاريخ على الماضي كما يدل عليه المعنى الظاهري لهذا التعريف، ويؤكد على أنه لا يمكننا أن نفصل بالقطع بين ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، على اعتبار أن الحياة البشرية وحدة متكاملة في ماضيها وحاضرها ومستقبلها . فكل ما هو حاضر اليوم، هو ماضٍ غداً، وكل ما هو مستقبل غداً هو حاضر بعده، وماضٍ في اليوم الموالي له؛ ولا يمكن أن يرتسم المستقبل دون بصمات وآثار الحاضر، ولا يمكن للحاضر أن يرتسم بدوره دون فعل ونتائج الماضي.
ويغوص رانكه في جوهر التاريخ، فيحدد موضوعه ويصف طبيعته التي لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كانت الكتابة التاريخية حية ومثمرة، ولا يمكن أن تكون بهذه الطبيعة إلا إذا اشتملت على المبادئ التالية:
1. الشعور بالفرد، على اعتبار أنه الوحدة الأساسية في المجتمع ومحور الأحداث.
2. الشعور بالقوى الباطنية التي تشكل الأحداث وتحركها.
3. إدراك تطور كل حدث أو فعل من الأفعال الإنسانية الخاص به.
4. الشعور بالأسس العامة للحياة التي تجمع بين كل العناصر السالفة الذكر .
وأخيراً نكون قد وضحنا "طبيعة علم التاريخ" وحددناها من خلال:
– "موضوعه" الذي يشتمل على النواحي السياسية والحضارية؛
– و"عامل الزمن" الذي يجب أن يشتمل الماضي والحاضر والمستقبل.
– و"عامل الحيوية" و"الفائدة".

ب. فائدة دراسة وتدريس علم التاريخ:
لإدراك فائدة التاريخ وقيمة مجهودات دارسي التاريخ ومدرِّسيه يكفي أن نتصور إنسانية من غير ذاكرة، ونعيش حاضراً ثم مستقبلاً فحسب، وتلغي إلغاءً تاماً كل ما هو ماضٍ وآثاره.
يبذل المؤرخ جهوداً مضنيةً في تسجيل كل ما يتعلق بالنشاط الإنساني، ويستغرق في عناء عمله صابراً، ويراكم المعارف دون توقف، وهو يفكر في الجهد اللازم بذله، عاقداً النية عليه، متوسلاً بالمناهج الكفيلة بتحقيق غايته، مواظباً على كل هذه العملية المعقدة وهو يفكر في "منفعة التاريخ"؛ أي الجدوى من عمله وفائدته .
لقد تم البحث عن فائدة التـاريخ منذ القدم، وأول كتـابة وصلتنـا في تاريخ الكتابة التاريخية هي لأبي التاريخ هيـرودوت Herodote (484-431 ق.م.) في مقدمة كتابه الموسوم بـ "لوجوس" Logos باليونانية، وتعني قصةً أو تاريخاً، وترجمت إلى اللاتينية بـ "هيستوريوس" Histories. استخلص هيرودوت فائدة التاريخ من خلال ما أرخه كما يلي:
"الذي تعلمه هيرودوت الهاليكارناسي عن طريق البحث، تجده هنا ماثلاً بين يديك، وذلك حتى لا تنطمس ذكرى الماضي في أذهان الرجال على مر الأيام. وحتى لا تفتقر تلك الأعمال العظيمة الرائعة التي اضطلع بها اليونانيون والأجانب إلى من يظهرها للملأ" .
ويقول في مقدمة كتابه أيضاً:
"إن الماضي هو فعل الماضي، وأن الماضي تكمن فائدته للحاضر في أنه مرشد للمستقبل" .
ويقول في مقدمته في موضع آخر:
"إن التاريخ يخدم الإنسان بحقيقة الإنسان" .
وهكذا يتبين لنا أن هيرودوت رأى للتاريخ –من خلال ممارسته– ثلاث فوائدة هي:
1. تسجيل ذكريات ماضي أمة اليونان والأمم الأخرى لتخليدها.
2. صلة الماضي بالحاضر، وفائدة هذا الأخير في أنه مرشد للمستقبل.
3. أن التاريخ يُعرِّف الإنسان بحقيقته من خلال ماضيه ليستدل بذلك إلى مستقبله بصورة أفضل.
ونعرج على الحضارة الإسلامية؛ فنستمد منها شذراً مما يدل على إدراك المؤرخين المسلمين "لفائدة التاريخ". لقد أوردنا في العنصر السابق نصوصاً من مقدمة ابن خلدون، استدللنا بها على علمية التاريخ، لكنها احتوت أيضاً على عبارات صريحة ضمنها أوضحت فائدة علم التاريخ، ولتجنب التكرار، فالأمر يستدعي الرجوع إليها في موضعها. ونورد في هذا المقام نصًّا للمؤرخ السخاوي (توفي سنة 902هـ)؛ الذي عاش في العصر التالي على ابن خلدون؛ الذي تتلمذ عليه من خلال كتبه. يقول السخاوي بشأن فائدة التاريخ ما يلي:
"أما فائدته (التاريخ) فهي معرفة الدهور على وجهها، وهو يذكر أخبار الأنبياء صلوات الله عليهم وسننهم، فهو مع أخبار العلماء ومذاهبهم، والحكماء وكلامهم، والزُّهَّاد والنُّسَّاك ومواعظهم عظيم الغناء، ظاهر المنفعة. فما يصلح به الإنسان أمر معاده ودينه وسريرته في اعتقاده، وسيرته في أمور الدين، وما يصلح به أمر معاملاته ومعاشه الدنيوي.
وكذا ما يُذكَر فيه من أخبار الملوك وسياساتهم، وأسباب مبادئ الدول وإقبالها، ثم انقراضها، وتدبير أصحاب الجيوش والوزراء وما يتصل بذلك من الأحوال التي يتكرر مثلها وأشباهها أبداً في العالم، عزيز النفع، كثير الفائدة بحيث يكون من عرفه كمن عاش الدهر كله وجرَّب الأمور بأسرها، وباشر تلك الأحوال بنفسه؛ فيغزر عقله ويصير مجرباً غير غرٍّ ولا غُمَر" .
من خلال هذا النص يتبين لنا أن السخاوي يرى للتاريخ ثلاث فوائد هي:
1. يستفيد رجال الشرع الإسلامي من التاريخ لمعرفة سير الأنبياء والرسل والعلماء والحكماء والزهَّاد.
2. يستفيد الحكام والأمراء والوزراء وقادة الجيوش من التاريخ باستخلاص العبر من الدول السابقة.
3. يسترشد الدارسون والعارفون بمعرفة الماضي، فيعززون عقولهم وتزيد تجاربهم، ويقوى ذكاؤهم.
وبعد مرور المراحل والعهود التاريخية التي قطعها "التاريخ" و"الكتابة التاريخية" حتى عصرنا الحاضر، نلاحظ على ضوء تلك التطورات أن كل عالم أو أديب أو فنان لا يمكنه أن يستغني في عمله عن أخذ الماضي بعين الاعتبار، والتأثر به إلى حد قريب أو بعيد، والاسترشاد به ليسير متطوراً نحو الأفضل. فكل العلوم، سواء التجريبية منها أو الاجتماعية الأخرى، تهتم بماضي الحقائق المتعلقة بموضوعها، وتنظر إليها كأحداث ومنطلقات، وبالتالي فهي كلها تحتاج إلى التاريخ، لأن التاريخ مُنساب في شتى العلوم والآداب، مرتبط بها ومتفاعل معها .

المنهج التاريخي:

يقصد به الوصول إلى المبادئ والقوانين العامة، عن طريق البحث في أحداث التاريخ الماضية، وتحليل الحقائق المتعلقة بالمشكلات الإنسانية والقوى الاجتماعية التي شكلت الحاضر، ويرجع الباحث إلى التاريخ عبر محاولة تأكيد الحوادث الفردية (المنفردة) وغيرها إلى تصوير الأحداث والشخصيات الماضية بصورة تبعث فيها الحياة من جديد، وإنما يحاول تحديد الظروف التي أحاطت بجماعة من الجماعات وبظاهرة من الظواهر منذ نشأتها لمعرفة طبيعتها وما تخضع له من قوانين، ولا يمكن لباحث أن يفهم الماضي إلا إذا مر بمرحلتين أساسيتين وهما مرحلتي التحليل والتركيز.
تبدأ المرحلة الأولى بجمع الوثائق ونقدها والتأكد من شخصية أصحابها وتنتهي إلى تحديد الحقائق التاريخية الجزئية، ثم تبدأ المرحلة الثانية ويحاول فيها الباحث تصنيف هذه الحقائق والتأليف حينها تأليفاً عقلياً.
من أجل أن يصبح التاريخ دراسة تستحق كل الجهد الذي يبذله الإنسان فيه هناك أربعة أسئلة يحسن أن نسألها لأنفسنا، ثم نحاول الإجابة عنها، وهذه الأسئلة هي:
ما هو التاريخ؟ وما هو موضوعه؟ وما هو أسلوبه؟ وما هو هدفه؟

مفهوم البحث التاريخي:

إن التاريخ هو نوع من أنواع البحث العلمي؛ إذ هو يندرج تحت ما نسميه "العلوم"، والعلم بصفة عامة لا يخرج عن كونه محاولة لتركيز الجهد حول شيء لا نعرفه، فالعلم هو الكشف عن حقيقة الأشياء، وهذا هو المعنى المقصود من أن التاريخ علم.
والتاريخ يبحث عن أسباب تسلسل الظواهر ويحاول ربطها إلى بعضها وتعليلها تعليلاً يقبله العقل. والإنسان هو الوحدة التي يدور التاريخ حولها، وكل جهد يحاول به صاحبه أن يعزل فئة من الناس خارج تاريخ الإنسان، إنما هو جهد فاشل. والخلاصة أن التاريخ له منهج خاص غايته بلوغ المعرفة عن طريق تسلسل الحوادث لا عن سبيل وضع القوانين المجردة؛ فهو علم، والتاريخ يحتاج أيضاً إلى خيال كاتبه وقدرته الأدبية؛ فهو أدب أيضاً.
إن التاريخ لا يمكن أن يكون ولا يستطيع أن يكون غير الإجابة عن أسباب ومنشأ الحالة الحاضرة التي نعيشها والأسباب التي وصلت بدنيانا إلى ما نراها عليه الآن.







أهداف البحث التاريخي

كأي علم آخر من العلوم، هو الكشف عن فرع معين من الحقائق، وهذا النوع هو جهود الإنسان ومنجزاته في الماضي، وبصورة أدق أن التاريخ هو العلم الذي يحاول الإجابة عن الأسئلة التي تتعلق بما بذلته الإنسانية من جهود منذ كانت.
إن الهدف من البحث التاريخي هو صنع معرفة علمية من الماضي الإنساني. ونعني بالعلمية أنها تستند إلى طرائق عقلانية توصل إلى الحقيقة بقدر ما تسمح به الظروف التي تخضع لها. وهي ظروف تقنية؛ "طبيعة الوثائق المستخدمة ووجودها"، وظروف منطقية؛ "تلك التي تحللها نظرية المعرفة".

مميزات البحث التاريخي:

منهج البحث فيه هو تفسير الوثائق، والوثيقة هي الشيء الذي يرجع إلى زمان ومكان معينين، وتحمل معلومات ذات طابع خاص يفكر المؤرخ فيه ويعمل على تفسيره.
وبعبارة موجزة –وقوف الإنسان على حقيقة نفسه– وليس معنى هذا أن يعرف مميزاته الشخصية التي تفرق بينه وبين غيره من الناس، وإنما المقصود هو أن يعرف الإنسان طبيعته كإنسان، وما يستطيع أن يعمل وأن يقدم لبني جنسه، وهذا غير ممكن إلا إذا عرف الإنسان ماذا فعل في الماضي، وما هي الجهود التي بذلها فعلاً. وإذن فقيمة التاريخ ترجع إلى أنه يحطنا علماً بأعمال الإنسان في الماضي ومن ثم بحقيقة هذا الإنسان.




مقومات البحث التاريخي:

إن التاريخ علم ضروري للشعوب والأفراد على السواء؛ فلا بد للفرد أن يعرف نفسه بوقوفه على ماضيه، ولا بد لكل شعب أن يعرف تاريخه ليربط حاضره بماضيه، ويصبح جديراً بالحياة، ولا بد أن يدرس التاريخ دراسة عميقة.
ومن اللزوميات أن تتم كتابة التاريخ على خير وجه فيكون الكاتب دقيقاً غاية الدقة باذلاً كل ما في طاقته من جهد وصدق وأمانة وعدل مستعيناً بكل ما لديه من إحساس وفن وذوق، هذا كل يؤدي إلى الوصول إلى الحقيقة قدر المستطاع. ومن هنا كان لا بد أن تتوفر فيمن يتصدى لكتابة التاريخ مجموعة من الصفات والمميزات، وأن تتاح له الظروف التي تجعله قادراً على الدراسة.
وأول صفة ينبغي أن يتحلى بها كاتب التاريخ ليصبح مؤرخاً هي حب الدراسة والصبر. فقد يكون البحث وعراً شاقاً، وقد تكون المصاعب التي تعترض الباحث أثناء عمله مصاعب جمة وكبيرة؛ كندرة المصادر وغموض الوقائع والحقائق، ذلك كله لا ينبغي أن يصد الباحث عن بذل الجهد والصبر على مواصلة الدراسة.
ولا بد أن يكون المؤرخ أميناً شجاعاً؛ فلا يكذب باصطناع الوقائع، ولا يزيف في تفسيرها، ولا ينافق لإرضاء صاحب أو سلطان؛ فلا رقيب على المؤرخ إلا ضميره. وإذا قلنا بأن التاريخ علم نقد وتحقيق فلا بد من أن يكون المؤرخ ناقداً نافذ البصيرة قادراً على تحليل كل وثيقة تصادفه.
أن يكون المؤرخ مولعاً بعمله من أجل هذا العمل بذاته، لا سعياً وراء شهرة أو فائدة مادية، عليه أن يتفرغ لما يدرس تفرعاً تاماً.
ومن الصفات التي لا غنى عنها في كل من يريد أن يكون مؤرخاً عدم التحيز أو الميل مع الهوى، فلا بد للمؤرخ أن يحرر نفسه تماماً من عواطفه وميوله الشخصية وأن يصدر أحكامه بصورة موضوعية على أساس ما بين يديه من أدلة ووثائق.
ومن صفات المؤرخ أن يكون صاحب حس مرهف وعاطفة إنسانية واضحة حتى يستطيع أن يدرك نوازع الآخرين ويتمكن من تفسير أعمالهم وتصرفاتهم والدوافع التي دفعتهم. تلك هي الصفات الرئيسية التي ينبغي أن تتوافر في من يريد أن يكون مؤرخاً.

العلوم المساعدة في البحث:
يتصل التاريخ اتصالاً وثيقاً بكثير من صنوف العلوم الإنسانية، ومن يتصدى لكتابته لا بد عليه من تحصيل هذه المعارف. ونحن نسمي هذه المعارف بالعلوم المساعدة:
– الواقع أن اللغات تأتي في مقدمتها جميعاً، لأنه من الضروري معرفة اللغة الأصلية الخاصة بموضوع البحث التاريخي؛ أعني أن الذي يريد ناحية من نواحي التاريخ الجزائري للثورة لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا إذا تعلم اللغة الفرنسية، والذي يريد الكتابة في موضوع من موضوعات التاريخ الروماني القديم لا بد أن يعرف اللاتينية، ذلك هو السبيل الوحيد الذي يمكن الدارس من قراءة النصوص الأصلية بلغتها الأصلية، وينبغي على الباحث أيضاً أن يكون عارفاً بأكثر من لغة من اللغات الأوروبية الحديثة الشائعة لأن اللغات الأوروبية كلها غنية بتراثها التاريخي.
ويأتي بعد ذلك علم قراءة الخطوط Paleography؛ فهو علم لازم لدراسة التاريخ القديم والوسيط، بل ولدراسة الفترات المبكرة من التاريخ الحديث، وتبدو لنا أهمية هذا واضحة جلية حين نتصدى لدراسة تاريخ العرب قبل الإسلام، وتاريخ العصور الوسطى. وعن طريق هذا العلم نستطيع أن نحدد تاريخ هذه الوثيقة، وليس هناك ثمة شك في أن معلوماتنا سوف تظل قاصرةً عن قرون كاملة وطويلة من تاريخ البلاد؛ التي خضعت للعثمانيين ومنهم الجزائر ما لم يوجد من يدرس خط القيرمة مثلاً الذي دونت به وثائق النظم الإدارية والمالية في ظل الحكم العثماني.
– ومن العلوم المساعدة الهامة للمؤرخ "علم النوميات" أو علم النقود المسكوكة. فالعملة القديمة تحمل عادة صوراً للآلهة التي كان الناس يعبدونها، كما تحمل صوراً للملوك والأمراء وأسمائهم، وهذه كلها تمد الباحث بمادة أصلية عن العصور القديمة والعصور الوسطى على السواء.
– أما الجغرافيا فإنها من المواد المساعدة التي لا يستغني عنها الباحث في التاريخ، ذلك أن الارتباط بين الجغرافيا والتاريخ ارتباط عضوي وثيق؛ فالأرض هي المسرح الذي مثِّلت فوقه الأحداث التاريخية. إن الناس في أية بيئة من البيئات يتفاعلون معها تفاعلاً تلقائياً على الطبيعة الجغرافية لهذه البيئة، ومن ثم يتشكل تاريخهم تشكلاً يرتبط ببيئتهم. ومن أبرز الأمثلة على أثر الطبيعة الجغرافية في تاريخ قوم من الأقوام هو مصر والنيل هو مصدر حياتها، وهو الذي شكل تاريخها.
– وينبغي لأن يلم بعلم الاقتصاد إلماماً يمكنه من الوقوف على مدى تأثير العوامل الاقتصادية على مسار التاريخ. فنحن نعرف أن السياسة الداخلية لدولة من الدول تعتمد اعتماداً كبيراً على مدى تراثها الطبيعي ونشاطه التجاري. وطريقة توزيع الثروة الطبيعية في بلد ما تحدد عامة نوع الحكم فيها، وفضلاً عن ذلك فإن الرخاء الاقتصادي يؤثر تأثيراً على النواحي السياسية والعكس صحيح.
– والأدب من العلوم المساعدة التي يلزم المؤرخ أن يلم بها؛ فأدب القوم هو مرآة حياتهم وحضارتهم، وهو التغبير الصادق عن أفكارهم وعواطفهم الإنسانية.
- ويجب أيضاً الإحاطة بفنون الرسم والتصوير والنحت والعمارة في عصر من العصور لأنه مسألة ضرورية بالنسبة للباحث وتاريخه. إن آثار مصر القديمة والعراق القديم كلها تعطينا صوراً واضحةً لحضارات هذه البلاد وتمدنا بفيض من المعلومات من تقاليد أصحابها وحياتهم الإجتماعية.










قائمة الـمصادر والمراجع:

باللغة العربية:
1. أرنست كاسيرو: دراسات في المعرفة التاريخية، ترجمة أحمد حمدي محمود، دار النهضة العربية، القاهرة، د.ت.
2. جورج ساتورن: تاريخ العلم، ترجمة مجموعة من الأساتذة، دار المعارف، القاهرة، 1978، ج2.
3. جوزف هورس: قيمة التاريخ، ترجمة نسيم نصر، منشورات عويدات، بيروت، ط3، 1986.
4. السخاوي: الإعلان بالتوبيخ.
5. قسطنطين زريق: نحن والتاريخ، دار العلم للملايين، بيروت، ط4، 1979.
6. كولنجوود: فكرة التاريخ، ترجمة محمد بكير خليل، القاهرة، 1961.
7. محمود قاسم: المنطق الحديث ومناهج البحث، القاهرة، 1949.
8. هرنشو: علم التاريخ، ترجمة عبد الحميد العبادي، القاهرة، 1937.

باللغة الأجنبية:
1. Myres, J. L. : Herodotus, Father of History, Oxford, 1953.
2. Réné Roémond : Introduction à l’histoire de notre temps, éditions du Seuil, Paris, 1977, T.3.
3. Rowse, A. L. : The Use of History, London, 1946.
4. Shotwell T. : The History of History, New York, 1950.
5. Stern Fritz : The Varieties of History, Cleveland, USA, 1961.


التاريخ عند المسلمين والعرب

عروة بن الزبير " مؤسس علم التاريخ عند المسلمين "
ولد عروة بن الزبير على أرجح الأقوال سنة 23 هـ ، ونشأ وتربى في المدينة كما ربي سائر أترابه من أبناء الصحابة ، ولا يعلم شيء عن الفترة المبكرة من حياته سوى إشارات عابرة أتت في ثنايا مروياته ، لكن يبدو أن نسبه من جانب , وحبه للعلم منذ صغره من جانب آخر قد ميزاه على غيره من أقرانه ، فكان دائماً يتمنى أن يؤخذ عنه العلم . فبذل لذلك جهده ووقته حتى قال : لقد كان يبلغني الحديث عن الصحابي فآتيه فأجده قد قال – من القيلولة – فأجلس على بابه أسأله عنه
وقد تعددت معارف عروة وكثرت حتى قال عنه الزهري : كان بحراً لا ينزف , ولا تكدره الدلاء. وشملت هذه المعارف الحديث والتفسير والشعر والفقه ,إضافة إلى السيرة والمغازي التي لا ينازعه فيها منازع من شيوخ عصره.
وكان عروة مثالاً للعالم العابد الذي لا يخالف قوله فعله ، وبلغ من درجة اجتهاده في العبادة أن ابنه هشاماً قال : كان يقرأ كل يوم ربع القرآن , ويقوم به الليل , وكان كثير الصوم ، قطعت رجله وهو صائم ، ومات أيضاً وهو صائم ، وكان يقول عن نفسه : إني لأسأل الله ما أريده في صلاتي حتى أسأله الملح ( ) كما كان حليماً صبوراً محتسباً عفيفاً كريماً صالحاً زاهداً بعيداً عن الفتنة ( ) وكان يقول : "رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزاً طويلاً.
كما كان ينأى بنفسه عن الفتن ويحذر منها ، ويرى أن فيها هلاك الأمة ويقول : " أتى أعرابي إلى النبي r فقال: " يا رسول الله هل للإسلام منتهى ؟ قال نعم ، فمن أراد الله به خيراً من عرب أو عجم أدخله عليه ، ثم تقع فتن كالظلل يضرب بعضكم رقاب بعض , فأفضل الناس يومئذ معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس… " ( ).
وهو يعد – بحق – أول من صنف في المغازي كما ذكر الواقدي ( ) ولكن مصنفاته لم تكن كتباً بالمفهوم المتعارف عليه الآن بين الدارسين ، وإنما كانت عبارة عن رسائل تجمع كل رسالة الروايات التي تتناول موضوعاً أو حديثاً معيناً يشبه ما يسمى الآن الفصل من الكتاب يصوغه بأسلوبه الخاص , يقول الأستاذ محمد شفيق غبريال: " وعندما دونت هذه الأخبار ، دونت منفصلة , فنجد كتاباً عن وقعة الجمل أو صفين , أو ما إلى ذلك " ( ) .
وربما كان ذلك هو الشائع في عصره ، لا في التاريخ فحسب بل في سائر الفنون - فعن تدوين الحديث مثلاً يقول الأستاذ محمد محمد أبو زهو : " وكانت طريقتهم تتبع وحدة الموضوع فهم يجمعون في المؤلف الواحد الأحاديث التي تدور حول موضوع واحد كالصلاة مثلاً ، يجمعون الأحاديث الواردة فيها في مؤلف واحد " ( )
أبو معاوية .



سنعرض لأنواع التاريخ التي عرفها المسلمون من تاريخ للجاهليين أو للسيرة النبوية أو الأنساب أو التراجم أو الأخبار أو القصص أو تاريخ الأمم السابقة , وقد عرف علم التاريخ عند المسلمين هذه الأنواع المختلفة للتاريخ منذ أن نشأ هذا العلم في بداية الحضارة الإسلامية إلي أن تطور ونما في العصر العباسي الثاني ، ثم إلي أن ازدهر في القرن التاسع الهجري .



ويهمنا أن تتبع نشأة علم التاريخ وتطوره إلى نهاية العصر العباسي الأول :



التاريخ العربي قبل الإسلام :



1- وصف العرب قبل الإسلام بأنهم ( جاهليون) و( أميون) أي وصفوا بالجهل والأمية ، وهذه صفات نسبية تصدق علي الأغلبية من العرب ، بيد أن بعض العرب عرفوا الحضارة والكتابة وهم أولئك الذين استقروا في جنوب الجزيرة العربية (اليمن) وعرفوا الزراعة وإقامة السدود والخط المسند وتكوين الدولة والأسرات الحاكمة . ومن الطبيعي حينئذ أن يستخدم ملوك اليمن في الجاهلية معرفتهم بالتدوين في تنظيم أمور دولتهم وحضارتهم , وذلك ما عرف عنهم وكشفته الأبحاث اللاحقة عن حضارة (حمير) في مخلفاتهم وأثارهم من معابد وقلاع وسدود احتوت علي نقوش و كتابات بالخط المسند



2- وبعد انهيار سد مأرب هاجرت قبائل من اليمن إلى جنوب الشام والعراق حيث أسسوا لهم أمارات الغساسنة والمناذرة ، وقد حملوا معهم حضارتهم وثقافتهم ، فكانت لهم كتب ونقوش قرأها بعض المؤرخين قديما وحديثا ، وقد حوت علي أخبارهم . والى قبائل اليمن ينتسب الأوس و الخزرج فى المدينة الذين صاروا فيما بعد يعرفون بالأنصار.



3- أما عرب الحجاز ونجد فقد كان لهم تراثهم الثقافي محفوظا بالمذكرة بالرواية الشفهية التي تتحول بمرور الزمن إلى تراث و(فلكلور شعبي) يحمل (أيام العرب) و " أنسابهم وأشعارهم "



4- ويمكن تقسيم المادة التاريخية للعرب قبل الإسلام إلى نوعين :-

أ- دينية :- من القصص الوثني واليهودي و المسيحي نقله الأحبار والرهبان ، وحفظه العرب بالسماع أو التدوين ، من ذلك ما كان يرويه (الحارث بن كلده) لقريش منافسة منه للنبي في القرآن ، وبعضه يروي تراثا مثل (الأيام) التي تحكي الحروب الهائلة بين القبائل ولا تخلو من المبالغات والخرافات .



ب- أنساب :- وقد قام علي أساسها نظام القبائل عند العرب والقبيلة كانت الوحدة السياسية التي تنسب لها العرب . وهي دولته وحماه والملجأ الذي يدافع عنه . ومع حرص العرب علي أنسابهم إلا أن الخلط وقع فيها خصوصا وأن بعض أعداء العرب حاول العبث بها كما رأينا فيما فعله الشعوبيون أمثال أبي عبيدة والهيثم بن عدى وعلان الشعوبي



العوامل الأولى لظهور التاريخ في الإسلام :



ا ـ ترجع هذه العوامل إلى القرآن وما أثاره من حركة فكرية كما ترجع إلى عوامل سياسية وتاريخية .

فالقرآن الكريم حوي مواضيع تاريخية كثيرة عن بداية خلق آدم ونزوله للأرض وقتل هابيل وتاريخ الأنبياء والأمم السابقة من عرب وعجم فأثار في المسلمين الاهتمام بتاريخ الماضين. ومنهج القرآن الكريم فى القصص هو التركيز على العبرة من القصة دون تركيز على أسماء الأشخاص والمكان والزمان ، ومع تكرار القصص القرآنى فى الموضوع الواحد فان التركيز على العبرة ترك فجوات كثيرة فى الأحداث ، مما كان يثير فضول من يريد معرفة التاريخ من هذا القصص القرآنى ، أى يريد ملء كل الفجوات فى الأحداث ومعرفة الأسماء والزمان والمكان . ولأن القصص القرآنى تعرض لتاريخ معظم الأنبياء الذين ورد ذكرهم فى التوراة فقد كانت التوراة معينا استعان بها المفسرون و الاخباريون فى التعليق على القصص القرآنى .

كما سجل القرآن الكريم جوانب من سيرة النبى محمد عليه السلام من بداية الدعوة في مكة إلى انتصارها النهائي بفتح مكة .



ثم أن القرآن الكريم ذكر بعض القوانين الأساسية في التاريخ الإنساني مثال حتمية الصراع الإنساني وإهلاك القرى وطبيعة الطبقة المترفة في كل عصر . ومواقف المشركين في كل عصر من دعوة الحق ونحو ذلك من قوانين تسري في تاريخ البشر في كل زمان ومكان. وبذلك فأن القرآن الكريم قد أفاد دارس التاريخ في فهم التكوين الإنساني وصراعات البشر وعلاقاتهم المعقدة ، وكل ذلك خلق وعيا بالتاريخ لدى المسلمين وهم يعكفون علي القرآن تلاوة وشرحا و(تفسيرا) .



ب- وقد بدأت الحركة الفكرية عند المسلمين علي تفسير القرآن وما حواه من قصص , وكان القصص بالذات أكثر جاذبية للمسلمين في بداية حضارتهم خصوصا وأن ما جاء بالقرآن من قصص ذكرته ـ مع اختلاف – التوراة ، وكان كثير من أهل الكتاب قد دخلوا في الإسلام في الفتوحات ولهم علم بالكتب السابقة والتدوين فكانوا روادا للحركة الفكرية صبغوها بصبغتهم ومزجوا بين علمهم وقصص القرآن فأتوا بالكثير مما عرف بالإسرائيليات التي دخلت في (التفسير ).



ج- كما أن المسلمين اهتموا بمعرفة أسباب النزول وأمور التشريع الواردة في القرآن وهي مرتبطة بأحداث ومواقف تاريخية فكان البحث التاريخي مما يساعد في فهم الآية ، هذا بالإضافة إلى أن تتبع السيرة النبوية في القرآن أدى الى قيام مدرسة المغازي التاريخية أى رواية ثم تسجيل غزوات النبى محمد عليه السلام .

وقد كانت الحركة العلمية في بدايتها لا تعرف التخصص فدارت حول التفسير والحديث والتشريع والقصص ، مما ساعد علي إفادة التاريخ بالجوانب العلمية المختلفة.



د- كما أن الأحداث الخطيرة في تاريخ الأمة الإسلامية كانت باعثا هاما في الاهتمام بالتاريخ لها مثل الهجرة والغزوات ووفاة الرسول والردة ونظام الاستخلاف والفتوحات .



هـ- وللفتوحات بالذات أثرها الهام في نشأة علم التاريخ ، فالفتوحات ـ فى حد ذاتها ـ حدث تاريخي هام يستحق التسجيل ، ولقد أضافت الفتوحات للمسلمين العرب رعايا من الموالي أصحاب المجد القديم والتراث التليد ، وأولئك حرصوا علي تسجيل مفاخر آبائهم ، ثم إن الفتوحات أعقبها توطيد الحكم الإسلامي بالدواوين والنظم المختلفة من قضاء وخراج وعمال وولاة. وكان لابد للحركة العلمية أن تسد مطالب الامبراطورية العربية الجديدة فنشأ الفقه والرأي واحتاج لتسجيل حوادث الفتح لمعرفة ما إذا كانت البلد مفتوحة عنوة أو صلحا أو شروط المعاهدة وغيرها من أمور تاريخية .

كما أن بعض الخلفاء كمعاوية والمنصور العباسي احتاج لمعرفة سير الملوك السابقين ليتأسى بها في حكم الرعية.



ثم كانت هناك عوامل مساعدة مثل وضع التقويم الهجري في عهد عمر بن الخطاب إذ به توطد التاريخ وجعله ألصق ارتباطا بالإسلام، وعلى أساسه دارت كتب الحوليات فيما بعد .



ثم كان ظهور الورق عاملا مساعدا في التدوين وقد عرف المسلمون الورق في القرن الثاني للهجرة ، وبالورق أمكن تسجيل الحركة العلمية وانتشارها وتداولها وانتهي دور الرواية الشفهية.

وفى مقالة خاصة سنتعرض لصناعة الورق واستعمالاته فى حضارة المسلمين .

العلوم المساعدة للتاريخ

العلوم المساعدة:
1- لا ريب في أن كل علم يزيد في قدرة الإنسان على فهم موضوع العلوم الأخرى، ولكن بعض العلوم، ترتبط ببعضها ارتباطا وثيقا، مما يجعلها وكأنها من تشكيلة واحدة، من ذلك العلوم الإنسانية، التي تعني: الاجتماع والسياسة والاقتصاد والنفس العام والتاريخ، ذلك لأن هذه العلوم تهتم بدراسة خلفية السلوك الإنساني، وتحاول فهم الإنسان من خلال نشاطاته، أو بعض الظواهر المتأثرة به. ومن هنا يكون دارس التاريخ محتاجا إلى دراسة العلوم الإنسانية الرديفة. فالاجتماع، مثلا، ضروري في دراسة التاريخ، لأن التاريخ ليس سوى دراسة الاجتماع في وقت ماض، فلو كان المؤرخ في نفس العصر الذي سجله وكتب تاريخه، لكان يسمي موضوع دراسته، بموضوع علم الاجتماع. وعلم السياسة يعتبر جزءا هاما من علم الاجتماع، وكذلك الاقتصاد. أما علم النفس العام، فهو دراسة دلالة التصرفات التي يقوم بها شخص، أو جماعة، على نوعية تفكيرهم، ولا ريب أن المؤرخ يحاول فهم خلفية سلوك الإنسان، في الماضي، دون الاقتصار على معرفة سلوكه فقط.
ودراسة الوثيقة التاريخية ـ كما سيأتي ان شاء الله ـ لا تهتم فقط بدراسة عناصرها الخارجية، بل تحاول فهم عناصرها وتقييمها من الداخل أيضا. ولذلك تكون معرفة العلوم الإنسانية ذات علاقة وثيقة بدراسة الوثائق.
ولذلك أوصى ابن خلدون، المؤرخ: (بأن يحصل على ثقافة اجتماعية تعينه على فهم حوادث التاريخ)، ونصح فريمان، المؤرخ: (بأن يساهم في الحياة المعاصرة، وأن يكتب عنها، حتى يكون قادرا على فهم الماضي).
كما (ينبغي للمؤرخ أن يلم بعلم الاقتصاد إلماما، يمكنه من الوقوف على مدى تأثير العوامل الاقتصادية، على مسار التاريخ. فنحن نعرف أن السياسة الداخلية لدولة من الدول، تعتمد اعتمادا كبيرا على مدى ثرائها الطبيعي ونشاطها التجاري، وطريقة توزيع الثروة الطبيعية في بلد ما، تحدد عادة نوع الحكم فيها، ومستوى الرخاء العام بها، وعلاقة طوائفها ببعضها)1.
2- ولأن وأحداث التاريخ تقع على أرض معينة، وفي مناخ طبيعي معين، وتتأثر الأحداث البشرية بطبائع الأرض وتطورات المناخ، سواءا من ناحية ثروات الأرض الاقتصادية، أو حدودها مع سائر الأراضي ذات التأثير على السلم والحرب، أو حتى من جهة الحرارة واليبوسة فيها.. لأن أحداث التاريخ تقع على أرض معينة مما تؤثر فيها، فإن دراسة علم الجغرافية ضرورية لفهم التاريخ، ودراسة اللغات التي كتبت بها الوثائق التاريخية ضرورية أيضا، وقد كشفت البحوث الحديثة عن اللغات القديمة، والنقاب عن أسرار هذه اللغات، مما أعطتنا فرصا كبيرة لفهم التاريخ.
3- والمؤرخ بحاجة إلى معرفة فقه اللغة، وهو علم يعتني (بتطور المعاني التي عبرت عنها بألفاظ) حتى أنك تجد الكلمة الواحدة تدل على عدة معاني تاريخية، حسب العصور المتلاحقة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t24272.html#post204875
ووضع كلمة لتعبر عن مفهوم، هذا الوضع ذاته، يدل على تطور معين، فاللغات التي لا نجد فيها كلمات تدل على المجردات، أو على الكليات، وحتى على معنى التناقض والوجود، هذه اللغات تدل على مستوى هابط من التطور الحضاري. بينما اللغات الغنية بهذه المفاهيم، تدل على تقدم في الحضارة. و(فقه اللغة أو علم اللغة) لم يزل في دور الطفولة، ولكنه إذا تقدم، نستطيع آنئذ كشف خلفيات فكرية واجتماعية كثيرة، من وثيقة واحدة.
4- ومعرفة الأدب هامة أيضا بالنسبة إلى المؤرخ. إذ إن الأدب ـ كما اللغة ـ مرآة صادقة للحياة الاجتماعية السائدة، وهو الذي يكشف عن تطلعات المجتمع، وأمانيه. كما يكشف عن مستواه الفكري (وقد تكون مخلفات أديب واحد، معينا هائلا للمؤرخ، يستقي منه معلومات تاريخية هامة لم تكن لتتاح له، لولا هذه المخلفات، فالياذة هوميروس و(العمل والأيام) لهيسبودس، ومسرحيات ايسخولوس، وسوفوكليس، ويوربيدس، عند الاغريق القدماء، وآثار دانتي الأدبية، التي ترجع إلى أواخر العصور الوسطى، في إيطاليا، ودراسة الأدب الغربي الحديث، كلها تعتبر من المصادر التي لا غنى عنها، لمن يريد التصدي للبحث في التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي لتلك الأزمان)1. وكذلك كتاب الأغاني، وصبح الأعشى وما أشبه، بالنسبة إلى الأدب العربي. وكما الأدب كذلك معرفة الرسوم، والآثار الفنية، قد تكشف عن بعض جوانب المجتمع القديم.
5- وعلم الخطوط واحد من أهم الضرورات لفهم تاريخ بعض الوثاق. إذ إننا عن طريق الخطوط نستطيع ان نعرف عصر أية وثيقة. فمثلا سوف تبقى معلوماتنا، بالنسبة إلى البلاد التي خضعت للعثمانيين، قاصرة لو لم نعرف الخطوط القديمة التي دونت بها وثائق النظم الإدارية، والمالية، في ظل الحكم العثماني لهذه البلاد2.
لا بد أن نضع ملاحظة في العلوم المساعدة لدراسة التاريخ، وهي ان هذه العلوم تختلف ضروراتها حسب الموضوعة التاريخية، التي يهدف الإنسان دراستها، فمنها ما تحتاج إلى العلوم الإنسانية، أكثر من حاجتها إلى الجغرافيا، وعلم اللغات، وعلم الخطوط، ـ كالفترة الإسلامية الأولى ـ، ومنها بالعكس تماما، كالعهود الفرعونية واليونانية القديمة. لذلك ينبغي أن يختار الباحث (الموضوعة التاريخية) ثم يفكر في العلوم المساعدة الأكثر ضرورة بالنسبة إليها، ثم لا ينتظر تكميل تلك العلوم المساعدة، بل يبدأ بحوثه جنبا إلى جنب، مع دراسة تلك العلوم، لتكون دراسة التاريخ مجالا تطبيقيا، بالنسبة إلى العلوم المساعدة التي يدرسها.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=204875
كما تختلف أهمية العلوم المساعدة بالنظر إلى نوع الدراسة التي يهدفها الباحث، إذ من الباحثين من يوجه اهتمامه إلى دراسة الوثائق من الناحية اللغوية الخارجية، بينما يعتني آخرون بفحص محتويات الوثيقة الداخلية، ويحاول ربط معلومات الوثيقة ببعضها للاستنتاج منها.
وقد برع، في كلا الجانبين، المسلمون السابقون الذين درسوا بشكل مسهب أحوال الرواة للوثائق، كما درسوا نصوص الأحاديث. ومنذ القرن الأول من الهجرة، اختص طائفة كبيرة من العلماء المسلمين، بعلم الرجال، الذي يفحص (طرق نقل الحديث) بأساليب علمية بالغة الدقة، كما اختص آخرون بعلم الأصول، الذي يبحث عن محتويات النصوص.
وعلى الباحث في الوثائق الإسلامية ـ خصوصا الشرعية منها ـ أن يكون قادرا على مراجعة كتب الرجال وعلم الأصول، وعارفا بأسلوب الاستفادة منهما في مجال تقييم الحديث ونقله.

التاريخ عند اليونان والرومان

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف وخاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين أما بعد، فإني أضع هذا البحث المؤجز أرت الدراسه حول موضوع الفلسفة عند الرومان، ولقد دفعني للقيام بهذا البحث سببان.

1) معرفة الفلسفة أو المعني؟

2) مدى انتشار الفلسفة لدى الرومان؟.

لقد اعتمدت على ثلاثة مصادر وهي كتاب تاريخ الحضارات العام المؤلف أندريه إيمار وكتاب الموسوعة العربية الميسرة للدكتور / غربال، وحمد شفيق. وكتاب المعرفة للشبطي، وسوف أتحدث عن نبذه مختصرة عن تعريف الفلسفة ومن ثم الدخول في الفلسفة عند الرومان، وعسى أن ينال البحث على رضاكم.

نبذه مختصرة عن تعريف الفلسفة.

الفلسفة معناها هي المبادئ الأولى للوجود والفكر دراسة موضوعيه تنشد الحق وتهتدي بمنطق العقل، ولذلك لا تبدأ الفلسفة بمسلمات مهما كان مصدرها، فإذا كان الدين يرتكز على الإيمان، فالفلسفة لا تجعل الإيمان سندا لما يوصف بأنه حق، وللفلسفة فروع مثل، الميتافيزيقا – تبحث في مطلق الوجود أي مجرد عن كل صفه فيما خلال الوجود نفسه.

2) المنطق، ويبحث في حدود الفكر مجردة عن حادثه وفي مبادئ الاستدلال. (1)

وهناك تعريف أكثر للفلسفة وهي المعارف العامة وبأتساع نطاق التجارب والمشاهدات والتقدم البحث العقلي.

أخذ كل لون من ألوان المعرفة يستغل بذاته كلما واضح المعالم بين المنهاج، فالإنسان شغوف بالمعرفة متطلع إلى البحث والتنقيب والتأهل الفلسفي

يتخطى بنا حدود الإمكانيات التجريبية ويبحث القيم ذاتها ومن هنا يتضح المنهج الفلسفي منهج عقلي في جوهره بمعنى أن الفلسفة لا تقرأ شيئا على أنه الصواب إلا ما يراه العقل أنه كذلك والفلسفة انتشرت في الحضارات القديمة من الإغريق مثل الإغريق والصينيين والمصريين القدماء وعند المسلمين أيضا، لكن سوف نتحدث في هذا التقريب عن الرومان والفلسفة (2)

الفلسفة عند الرومان:-

أعتنق الرومان الفلسفة كانا يكرهوها، أو يضفوا الشعب الإغريقي بالثرثرة، لم يكن للرومان فلسفة أصيلة ولكنهم كانوا عاله على اليونان تذهبوا بالرواقية والأبيقوريه، وإقبسوا بعض الآراء من المدارس الأخرى (الإغريقية) أو أعجبوا بها.

تعريفا للرواقيه وهي مدرسه فلسفيه أسسها زينون 200 ق.م. ثم هذا بها أتباعه. ومن ثم انتقلت إلى روما فاجتذبت إعلاما مثل نسكا وأبكتاتوس وغيرهم ويرى الروابون إن الحقيقة مادية تسودها قوه توجهها وهي الله. وما دامت الطبيعة تسير وفق العقل فمن الحكمة أن يسير الإنسان وفق الطبيعة منصرفا عن ميل العواطف والأفكار التي تجيد حادة القانون الطبيعي وحرية الإنسان مرهونة بأدائه لواجبه في إفتعاء الطبيع وقوانينا، علم زينو في رواف وإليه نسبت الروافيه.

إن " كاتون " وأصدقائه ألقوا مزيدا من المقاومة في النصف الأول من القرن الثاني من قبل الحكومة، ولكنها تغلبت على هذه المقاومة: إذ كيف يمكن العزوف عن الأفكار أعتبرها الإغريق أثمن زينه عقليه للإنسان؟ وكان لتعليم الفلسفة في رودوس وأثينا الشهره نفسها. كانت لتعليم البلاغة، وقد استهوى، على غراره، الشبيبة الرومانيه، وألقيت محاضرات يده في روما نفسها. وتجدر الإشارة هنا إلي افتقار روما إلى مدارس فلسفه يوزع التعليم فيها اللاتينية على غرار مدارس البيان: فليس من موجب عملي يرغم على ذلك، وليس أيضا – وهذا يفسر طموح شيشرون – من مذهب متميز نشأ في الغرب يفرض مفرداته الخاصة المقدمة

أن الرواقيه، بين المذاهب المنتشرة في العالم اليوناني فد أحرزت في روما أعلى درجة من النجاح، وقد خدمها في ذلك أقامت أهم ممثليها في روما الذين كان لهم من قوه الفكر ما جعلهم يطبعون آراء أسلافهم بطابعهم الشخصي: باناييتيوس، صديق شيبيون أميليانوس في القرن الثاني، وبزاييدونيوس الذي برع في أكثر من حقل من الحقول الفكرية، في القرن الأول، ومنذ البداية أيضا، أقله في ما يعود للنزعات الأدبية، تجمعت ظروف عديدة وقدّرت (للرواق) الانتشار: فهو يوصي بالعمل الذي يتوجب على الروماني ألا يحيد عنه، ويدعو باسم العقل إلى الحلي بالفضائل العابسة، العدل والشجاعة والقناعة، التي تطابق المثل القومي التقليدي، لا بل أن الخضوع نفسه للنظام الإلهي في العالم قد أنطوي على بعض ما يأخذ بمجامع القلب في مدينه تنهض بواجب تنظيم الأمبراطوريه التي سلطها عليها القدر. أجل لن يتم الفوز العظيم إلا في عهد لا حق، أي في العهد الإمبراطوري. ولا يمكننا الاستشهاد إلا بأسم كاتون الأوتيكي حتى نحاول آنذاك، ولول ببعض التكلف العقائدي وبعض الخور الذي تمحوه عظمة موته، التوفيق بين سلوكه والمعتقد الذي اتعز بالمناداة به، ولكن وجود الرواقيه أمر راهن منذ الآن، وهي على أتم استعداد للتسرب إلى النفوس التي سيثيرها الاستعباد.

على نقيض ذلك، وقبل إعصار الحرب الأهلية الطويلة، يبدو أن الأبقورية، في ظاهر أنانيتها اللأمبالية، وفي حقيقة نبل تجردها على السواء، لم تستمل سوى عدد قليل من المشايمين في روما: فهي أبعد من أن تثير إعجاب نخبة متعطشة إلى العمل. ولكن فخرها، الفريد من نوعه آنذاك بين كافة المذاهب، أنها قد ألهمت شاعراً كبيراً هو لوكريس.

أن لهذه الملازمة وزنها، ولكن ليس، لسوء الطالع، ما يوضحها: فالرجل غير معروف إلا بقصيدته التي لا تتضمن أي دلالة على حياته. لا ريب في أنه تألم أقله من المشهد لاذي وفره له معاصروه. ولكنه تباهي بأنه أكتشف تهدئه لآلامه في حكمة أبقور، فأخذ على نفسه تعليمها. فتميزه من ثم ليس في المعنى، بل هو، كفريا، وفي الدرجة الأولى، في شغف علمي متأجج يحمله، بعد عرض نظرية ديموكريت المادية والذرية التي سبق لابيقور وتبناها، على درس عدد كبير من الظواهر بغية تقديم الدليل على أنها كلها قد تقبل تفسيراً، أو تفسيرات أحيانا، لا تمت إلى ما فوق الطبيعة بصله. فلم يتراجع في هذا الصدد أمام أية جسارة وحذا أكثر من إغريقي. وإذا نحن لم نستطع اليومتقدير أهمية إسهامه الشخصي حق قدرها، فالاحترام الذي يوجبه مدى تونشاط هذه المحاولات لا يقبل أي تحفظ. أن تميزه، وهو يبدو بذلك ذا طابع روماني أعظم – يقوم أيضا في تصميمة على الأنشاء التعليمي وفي طابع البرهان العقلي الذي يطبع به أسلوبه. فهو يريد أقناع القاري بأن العلم ليس سوى مادة، وأن كل شيء فيه، حتى النفوس، مركب من ذرات يتنوع جمعها وفاقا لمصادفة التقائها ويحررها الموت حتى تجمع بعده جمعا أتفاقيا جديدا. أن هذا اليقين وحده سيخلص الإنسان من رعبه حيال الموت، الذي لا تعقبه أية مكافأة أو اية عقوبة، حيال الآلهة الذين لا أثر لهم في العالم والذين " يقضون في هدوء دائم أياما دون اضطراب وحياة دون غمام" وأن تميزه أخيرا وخصوصا تميز أدبي قوامه الجمع العجيب بين قوة هذا المنطق وانفعال الشاعر الحاد، فمن حيث أنه يفيض شفقة على البشر بسبب ألمهم المادي وآلامهم الأدبية الناجمة عن مخاوفهم، يشعر بوغبة جنونية في إشراكهم في حقيقته وفي إحلالهم معه في " المناطق الصافية": غير أن هذه اللهجة الحادة في كافة أجزاء قصيدته تناقض، بهذا الصدد، الهدوء الذي يدعى تلقين سره، أضف إلى ذلك أنهيهتز إعجابا ببهاء الطبيعة العظيم ويعبر عن أعجابة بنبرات يغذي حرارتها شعور زاخر. فهل ينم مؤلفة " طبيعة الأشياء" عن " فن كثير " كما كتب شيشرون الذي يعتقد بأرجحية نشره بعد وفاة لوكريس؟ اجل قد ينم قدم اللغة والنظم عن تقليد مقصود للملاحم القديمة. ولكن لا يمكننا والحالة هذه أن نتصور اتفاقا أكمل بين المقاصد الجمالية وقوة مزاج الفنان.

ومن هنا فأكبر فيلسوف روماني لمع أسمه في هذه الحقبة، هو الأول أيضا بينكبار الأدباء اللأتين الذين لم أسمهم بعد عهد أغسطس هو الفيلسوف {سنيكا} قليلون جداً بين أصحاب العقول من أوتوا ما أوتي سنيكا من المواهب العقلية، كما أنهم قليلون جداً،من تم لهم ما تم له من خصب الانتاج الفكري، وسهولة العمل ويسرهن مكنه من وضع، ما وضع من آثار فكرية.

وهذه المثالية، التي وضعها نصب عينية هي، مثالية الرواقيين التي لم تكن بعد أطلّت على روما والتي لم يكن تأثيرها قارب الزوال بعد، وهذه المثالية، تبرز أكثر تشددا وقسوة عند بيرس Perse، كما تبرز عند لوقين، أشرق بيانا وأكثر وضوحا. فالفلسفة بمعناها الصحيح، لا يستأثر بأحد من مفكري اللأتين في هذه الحقبة، والوحيد من يخصص لها، بين هؤلاء المفكرين، ثلاثة أو أربعة كراريس، هو أبوليه، تناول فيها بالبحث، بعض تعاليم الفيثاغوريين أو الفلسفة الأرسطوطالية. وهكذا نرى أخلاقية المدرسة الرواقية، تتفاعل على أقدار تختلف دقة، في نفوس الكثيرين، كما توحي في القرن الثاني، ليس فقط الموقف العام الذي يقفه أباطرة هذا العهد، بل أيضا بعض القرارات لأتى أخذوها. فأن كان أسلوب سنيكا البياني ما لبث أن تناساه الناس، فأفكاره بقيت رائجة بعد موته بكثير.

ورأيي أن الروايات عرفوا الفلسفة أسمى معارفها ومدى ازديادهم إليه لتطابق الحياة التي عاشوها وذلك من خلال المذهب الرواقي المثالي للروماني.

الخاتمة.

ومن هنا تبين لنا إن الفلسفة هي عباده عن دائرة المعارف العامة وإدخال التفكير في حل الظواهر والمشاكل التي تصيب المجتمع، ويتضح لنا ظهور العديد من المفكرين الرومان الذين وقفوا ف وجه الدولة لأبراز أفكارهم للشعب الروماني واهتمت هذه الدراسة في تغيير وجه نظر الرومان الفلسفة بعد ما اعتبروها مجرد ثرثرة وعدم انصياع لقانون من قبل الإغريق، ورأينا تعريف الروواحه ودوي انتشارها في العالم الروماني القديم.

المراجع:

1) إيمار، أندريه، أوبوايه، جابينن، تر، فريد م. دانر فؤاد ج أبو ريمان / تاريخ الحضارات العام، بيروت عويدات للنشر والطباعة:1998م. ط 4، ج 2.

2) عزبال، محمد شفيق، الموسوعة العربية الميسرة، القاهرة، دار الشعب: 1965م ج 1.

3) الشنبطي، محمد فتحي، المعرفة، القاهرة دار الثقافة للطباعة والنشر: 1981م.







fpe L f]hdm hgj],dk hgjhvdod >tgstm hgjhvdo>hgjhvdo uk] hgd,khk ,hgv,lhk










عرض البوم صور Dzayerna   رد مع اقتباس

قديم 11-28-2009   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية بنت الصحراء


البيانات
التسجيل: Sep 2008
العضوية: 3209
المشاركات: 15,271 [+]
بمعدل : 4.53 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 2500

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
بنت الصحراء غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Dzayerna المنتدى : منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية
افتراضي

يعطيك الصحة وجزاك الله عنا كل خير ياسين









عرض البوم صور بنت الصحراء   رد مع اقتباس
قديم 11-29-2009   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نور العيون


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 5383
المشاركات: 14,686 [+]
بمعدل : 4.87 يوميا
اخر زياره : 03-21-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1934

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نور العيون غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : Dzayerna المنتدى : منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية
افتراضي

baraka allaho fik yacine
3labeli t3abt bezzef
allah ydjezik nchallah









عرض البوم صور نور العيون   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
حدث في هذا التاريخ الخليـل ركن حـــدث في مثل هذا اليــوم 2 04-23-2011 04:22 PM
دروس التاريخ من بداية العام الدراسي حتى نهايته maissa قسم أدب وفلسفة 36 02-25-2011 11:46 PM
كتب التاريخ zakarya منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية 15 12-14-2010 06:16 PM
حتى لا ننسى التاريخ Dzayerna منتدى التاريخ الجزائري 2 09-07-2010 09:46 PM
هل نحن نصنع التاريخ أم التاريخ هو الذي يصنعنا Dzayerna منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 1 10-31-2009 05:12 AM


الساعة الآن 12:48 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302