العودة   منتديات صحابي > أقسام التـعلـيـم ومـراحله > منتدى التحضير للشهادة البكالوريا 2016 { BAC } > قسم أدب وفلسفة



دروس مهمة في مادة الفلسفة

قسم أدب وفلسفة


دروس مهمة في مادة الفلسفة

الــحـــق •تقديم عام وطرح الإشكالية •الحق بين الطبيعي والثقافي •الحق الزام أم التزام 1- تقديم وطرح الإشكالية تستعمل كلمة الحق في معاني كثيرة ومتعددة في حياتنا اليومية وذلك يدل على

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-19-2010   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نادية25


البيانات
التسجيل: Dec 2009
العضوية: 6634
المشاركات: 8,089 [+]
بمعدل : 2.76 يوميا
اخر زياره : 04-21-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 2065

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نادية25 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : قسم أدب وفلسفة
الــحـــق
•تقديم عام وطرح الإشكالية
•الحق بين الطبيعي والثقافي
•الحق الزام أم التزام

1- تقديم وطرح الإشكالية
تستعمل كلمة الحق في معاني كثيرة ومتعددة في حياتنا اليومية وذلك يدل على انهذه الكلمة واكبت تطور المجتمع البشري وارتبطت بالحضارة الإنسانية إلا أن استعمالها في مجال القانون وفي مجال الحقوق بصفة عامة أصبح يرتبط بمعنى مجموع القوانين التي تشرع للفرد القدرة على ممارسة سلوكات واتخاذ قرارات بعلاقاته بالغير إن الحق إدا يحدد ما يمكن القيام به أو الامتناع عنه وهكذا يبدو أن مفهوم الحق متعدد الدلالات سواء في التمثل العام والمشترك أو المجال اللغوي , أما في المجال الفلسفي فقد واكب هذا المفهوم تطور الفكر الفلسفي حيث تم توظيفه في علم المنطق بمعنى الحق كنموذج ومرادف للمعرفة اليقينية , وفي الأنطولوجيا عبر عبر عن الوجود الحق والأمثل : أما في مجال الأكسيولوجيا ( مبحث القيم) فاستعمل بمعناه الأخلاقي ليدل على ما هو مشروع وقانوني أو ما يحد من حرية الفرد حيث تبدأ حرية الأخرين
إذن في المجال الفلسفي استعمل الحق ليعبر عن الحقيقة المطلقة والوجود المطلق والقيم المطلقة كما شمل كل القيم التي تعبر عن طموحات الانسان وتطلعاته بل إنه يضمنه كل ما ينقصه وما يرغب في تحقيقه إنه سند القوي والضعيف ذلك أن كلا منهما يحاول أن يجد فيه ما يبرر الأفعال التي يقدم عليها او القرارات التي يتخذها انه يتضمن العديد من التقابلات فهو يحيل الى العقل والعدل في مقابل الهوى او المشروعية ضد العنف والموضوعية والمواضعة في مقابل الذاتية والأنانية ومن حيث هو كذلك فإنه بعكس انتقال الإنسان من حال الطبيعة الى حال الثقافة هكذا يبدو أن الكلام عن الحق لا يستقيم إلا بارتباطه بالانسان ذلك أنه تتداخل فيه كل الحقول المرتبطة بهذا الأخير معرفية ثقافية كانت أو اقتصادية واجتماعية وأخلاقية قانونية وسياسية , ومن تطرح التساؤلات التالية :
على أي أساس يقوم الحق ؟ هل يقوم على هو طبيعي فيكون مشركا بين الإنسان والحيوان ؟ أم يقوم على ما هو ثقافي فيقتثر على الانسان ؟ من أين يستمد الحق قوته على الالزام هل يستمدها من سلطة الإكراه التي يتمتع بها ؟ أو من حيث كونه قيمة أخلاقية ؟ وما انعكاس كل ذلك على حرية الانسان ؟

2- الحق بين الطبيعي والثقافي:
الطبيعة : هي الحالة الأولى التي تكون عليها الأشياء قبل أن يحدث عليها الإنسان تغييرا
إذا كان الحق كمبدأ أصبح مكسبا لا يناقش ويعبر عن مستوى تحضر الأمم فإن الأسس التي يقوم عليها كانت ولا تزال موضع اختلاف واجتهاد تتحكم فيها المرجعية الثقافية والاوضاع الاجتماعية وعلى الخصوص كونه جسد القيم المثلى التي شغلت الفكر الانساني على مر العصور التاريخية وإدا كان ارتباط الحق بالفلسفة قد عبر عن الوجود الحق والمعرفة الحق فإنه سيعبر فيما بعد مع فلسفة عصر الأنوار عن الإنسان الحق باعتباره قيمة القيم وبما أن الانسان يتمدد من حيث ما هيته باعتباره عضوية بيولوجية تبلور حضور الطبيعة فيه , واعتباره ذاتا مفكرة تبلور حضور الثقافة فيه فإن الكلام عن الحق لا يستقيم إلا انطلاقا من ارتباطه إما بالمكون الطبيعي وإما بالمكون الثقافي فكيف يتعين فهم الطبيعة والحق الذي يقوم على أساسها تدخل الطبيعة مكون لماهية الانسان فهي عضوية يشترك فيها مع بقية الحيوانات وبالتالي تشكل مجموعة من القوى العمياء ,(غرائز, نزوات,ميولات) وتتحدد مكانة الكائن في الطبيعة وبالتالي حقوقه تبعا كما يتوفر عليه من قوة وتتغير بتغيره ويمثل الحق بهذا المعنى أسمى تعبير عن الحرية وعن التصور الذاتي للحق لأن حدوده ترتبط بحدود الذات ومشيئتها وهذا لا يمكن أن يكون الحق بهذا المعنى في نظر كانط إلا مصدرا للظلم , فالطبيعة إذا لا تعرف حقا غير حق القوة ولا تعرف العدل ولا ترحم الضعيف , فما هو المعنى الذي يتخذه الحق ضمن حالة الطبيعة ؟ يعتبر هوبس أن الحق يتمثل في الحرية التي لكل إنسان في أن يتصرف كما يشاء في إمكاناته الخاصة للحفاظ على وجوده الخاص وهنا يكون الحق أيضا بمعنى القيام بفعل ما او الامتناع عنه في حين ينص القانون على أحدهما بوما أن حالة الطبيعة في نظر هوبس هي حالة الحرب الجميع ضد الجميع , وبما ان الإنسان ذئب لأخيه الانسان فإن ذلك يفرض استعمال كا ما من شأنه أن يحافظ على حياة الإنسان ضد كل ما يتهدده من أخطار أما سبينوزا فيعتبر أن الحق الطبيعي مرادفا للحق المطلق لكل موجود طبيعي في استعمال كل ما يقع تحت قدرته , فقانون الطبيعة الأعظم في نظره يتمثل في كون كل شيئ يحاول الحفاظ على وضعه بالنظر الى نفسه دون مراعاة أي اعتبارات فكل الموجودات بما فيها الانسان هو الحفاظ على الوجود البيولوجي وخاصة بالنسبة للكائنات الحية وذلك باستعمال جميع الوسائل المتاحة بما في ذلك القوة أو المخادعة والاحتيال أو الصلواة وكل من يمنع من تحقيق غرضه يعتبر عدوا له . وهكذا يعتبر سبينوزا أن الله قد جعل لكل كائن بنية تحدد ماهيته الخاصة ويسلك في حياتها طبقا لقوانينها فكل ما يجد الفعل تبريره في فعل الذات له الا ويقدم عليه وكل ما يراه الانسان حسنا وتكون له القدرة على فعله إلا ويفعله لكن جميع الفلاسفة والمفكرين الذين تناولوا حالة الطبيعة أجمعوا على أنها تهدد حياة الإنسان واستقراره على الدوام , وهذا ما دفع الإنسان الى التفكير في أن يحيا حياة مطابقة للعقل وممارسة الحرية في حدود ما يسمح به العقل حتى يستطيع التعايش مع الآخرين ويتجاوز حالة الحرب الدائمة والمستمرة التي اعتبرها هوبس أنها لا تترك مجالا لزراعة أو صناعة أو عمران ولهذا لابد في نظره من الحد من الحركات الحيوية للدفاع عن كيانه دون تعد على الغير او أن يوكل لطرف آخر هو الأمير مهمة وحرية اختيار أنجح الوسائل للدفاع عن مصالحه وبذلك يزول الحق الطبيعي أما سبينوزا فيرى أن هناك 3 دوافع تفرض على الانسان الخروج من حالة الطبيعة
أ‌- اعتبارات وجدانية أمنية مما يجعله تواقا للعيش في أمن وأمان وبذلك يقبل فكرة التعايش مع الآخرين
ب‌- اعتبارات عقلية وتتمثل في إدراك الانسان أن مصلحته مرتبطة بمصالح الآخرين ولا يمكن أن تحترم جميعا إلا إدا عاشوا طبقا لمعطيات العقل .
ج- المنفعة المؤكدة :
وتتمثل في أن على الإنسان أن يتخلى عن جزء من مبادرته لسلطة ذات سيادة تمثل إرادة الجميع وتشكل في نفس الوقت رادعا لكل مغامرة وما نعا لكل تصور .
هكذا تصبح الرغبة في التعايش والاحتكام الى ضرورات العقل واحترام السلطة الم وضوعية بمثابة لحظات أساسية لتجاوز حالة الطبيعة في اتجاه بناء المجتمع المنظم المبني على الحقد الاجتماعي في نظر روسو لكن فلسفة عصر الأنوار تناولت الحق باعتباره مطلبا معايشا لماهية الإنسان المزدوجة ( جسم , روح , مادة فكر , غريزة , عقل ) وبذلك بدأت فكرة الانسان المجرد أو الطبيعة الانسانية تتطور بها يرتبط بها من بعد ثقافي مع التأكيد على أن الانسان يعتبر كائنا عاقلا له القدرة على العيش داخل الجماعة والتعايش مع الغير , فالحق في بعده الثقافي يتجاوز المقومات الجسدية للفرد ولا يتأسس إلا باعتبار الغايات التي يخدمها ( التعايش والتعاقد) وبناء على الخاصية النوعية للانسان من حيث هو حيوان عاقل اجتماعي وثقافي يعيش وفق ما تمليه عليه طبيعته كل ذلك سيتجلى في تنازل الذات عن محوريتها وأنانيتها مقابل مقابل دخولها في علاقة تعايش مع غيرها من الذوات , إن هذه الأخلاقية ليست شيئا آخر غير النظام الذي يعلمنا كيف نساهم في راحة وسعادة الآخرين ولقد بين سابقا ليفي ستراوس كيف أن ظهور القاعدة قد مثل المفتاح لولوج عالم الثقافة إلا أن ولوج عالم الثقافة لا يعني أن الإنسان سيفقد حقوقه الطبيعية بل على العكس من ذلك , فإن الحياة الاجتماعية ستتولى ضمان تلك الحقوق التي ستعتبر حقوقا مدنية ترجع الى الانسان بحكم انسانيته وطبيعته ككائن عاقل حر ومريد ويدخل في علاقة تعايئ مع الآخرين وهذا ما نص عليه الاعلان العالمي لحقوق الإنسان في ديباجته لم يعد الحق يتصور على أنه ضد الطبيعة , بل إنه استجابة وتنظيم للطبيعة الانسانية , إنه تركيب لكل ما هو مشترك وعام بين أفراد الجنس البشري ويرتبط بالطبيعة كالحق في الحياة , كما يؤكد على ما هو خاص ونوعي في الانسان فيرتبط بالثقافة لقد أصبحنا أمام 3 تصورات بما يتعلق بالأسس التي ينبني عليها الحق هناك التصور الطبيعي الذي يربط الحق بالقوة . وهناك التصور التعاقدي الذي يرجع قيام الحق الى المواضعة والاتفاق بين الناس أو إن القانون يفتقر الى تلك الحالة التي يتمتع بها الحق , وهنا ما يفسر كونه يتعرض للخرق باستمرار رغم أنه قد يقوم على مبررات عقلية , وهذا يوضح لنا مسألة اساسية وخاصية مهمة للحق , وهو كونه يستهدف عالم الفضيلة الأولى تحددها تشريعات قضائية خارجة عن الذات أما الثانية فتحددها غايات نابعة عن الذات ويخلص تبعا لذلك الى اعتبار العقل بمثابة السلطة أو القدرة للقيام بواجبه وهو قاسم مشترك بين البشر جميعا بحكم انسانيتهم إن قاعدة العدالة تلعب دور الوسيط بين ما ينتمي الى مجال الحق وما ينتمي الى مجال الأخلاق , ذلك أن القاعدة في الحق " مجموع القوانين التي تخطى مختلف مجالات الحياة " إن القاعدة في الحق تكون لها وظيفة ذاتية تهدف الى تحقيق الخير العام وتهتم بالأفعال الإنسانية كما تتحقق فعلا على أرض الواقع بينما نجد أن القاعدة الأخلاقية لها وظيفة أخرى فهي تستجيب لنداء الضمير وبالتالي إنها تحكم أفعال الإنسان من داخله في حين أن قاعدة العدالة تستمد قوتها الالزامية من المؤسسة القانونية التي تحيي الحياة التعاقدية أو من الواجب الأخلاقي الذي ينساق الانسان وبنوع من التلقائية الى الامتثال لضرورات الحياة الاجتماعية .
وعلى هذا الأساس فإن الحق لا يتعارض مع حرية الانسان إلا في حدود تجاوزه وخرقه للقوانين أو تعديه على حرية الغير وبذلك ومن خلال التنشئة الاجتماعية يتحول مع ما هو ملزم الى التزام استجابة لضرورات العقل والطريق الأخلاقي , إن الحرية لا تعني الفوضى بل هي التزام بقوانين كونية نابعة من العقل , ولكن الحق كما يفرض إلزامه على الفرد , يفرض نفس الالزام على المؤسسات التي يفترض فيها تطبيق القوانين المعبرة عن الحق , وهذا ما أصبح يصطلح عليه اليوم " بدولة الحق والقانون " إنها دولة تكون فيها المعاملات محكومة بالقوانين وتحترم حرية الفرد وتحمي حياته لأن هذا الأخير يتنازل عن جزء من حريته ويساهم برصيد من ثروثه بلغة روسو الأغنياء والفقراء بالتنازل عن جزء من ثروثهم وفوقهم لصالح مؤسسة تضمن الحماية للجميع وأخيرا هناك التصور التوفيقي بمعنى ان هناك حقوقا طبيعية يتمتع بها الإنسان بحكم طبيعته المزدوجة , فهو من جهة كائن طبيعي ومن ثمة يتمتع بالحق في الحياة وتوفر الشروط التي تضمن استمراريته ومن جهة أخرى , إنه كائن ثقافي ومن ثمة من قوانين وضعية تتمثل في مجموع ما تنمى عليه القوانين المعمول بها في أي بلد من البلدان لكن الحق يعتبر تعبيرا عن ميزان القوة , ومن ثمة يكون عرضة للتغيرات , ويستمد قوته , من القوانين المبلورة له, ومن ثمة يكون خاضعا وتابعا لتطور الحياة الاجتماعية وللاختيارات الأساسية للمجتمع , ومن هنا يمكن القول إن القانون والمؤسسات القضائية والتنفيذية تمثل قوى الالزام لتحويل الحق الى واقع معيش , فهل يعتبر الحق إلزاما أم إلتزاما ؟ وسواء اعتبرناه إلزاما أم إلتزاما , ما انعكاس ذلك على حياة الإنسان؟

3- الحق إلزام أم التزام؟
قد تبين أن الكلام عن الحق يرتبط بالإنسان ولا يقوم إلا بقيام الحياة الاجتماعية وما يرتبط من مؤسسات والتزامات إنه يرصد الحدود والضوابط لتأطير وتنظيم كل ما يقوم به الإنسان , ومن هنا تطرح مسألة الحدود والضوابط وهل تتخذ صيغة غير مرئية يتم ترسيخها تدريجيا عن طريق النشأة الاجتماعية , أم أنها تكمن فيما هو مرئي وظاهر كما يتجلى في القوانين التي يضعها المجتمع في إطار التعاقدات التي يجب التواضع عليها والعمل بها ؟
وهل يكفي وضع القوانين للكلام عن حق على أرض الواقع , وكيف يمكن فهم العلاقة بين ما يفرضه الحق من التزامات من جهة والحرية والعدالة من جهة اخرى وأخيرا من أين يستمد الحق قوته على الالزام ؟ هل يستمدها من سلطة الاكراه ؟ أم من نداء الواجب النابع من الضمير الأخلاقي للفرد؟ وما انعكاس كل ذلك على حرية الإنسان ؟
إذا كان الحق يحدد ما هو مشروع ويهدف الى تحقيق العدل في المجتمع فإن القانون يقول ما هو شرعي وعادل بالنظر الى القوانين المتواضع عليها , ويشكل القانون بجانب المؤسسات القضائية والتنفيذية قوى الالزام والنظام التي تعمل على ترجمة الحق الى واقع معيش .
ولكن إذا كان الحق يطمح الى تحقيق العدل , فغن القانون لا يرقى دائما الى ذلك الطموح وهذا ما يفسر أم ماهو قانوني لا يكون بالضرورة حقا ويفسر كذلك وجود قوانين جائرة ( قوانين الغزاة والمستعمرين) .



الحقيقة
•من الدلالات إلى الإشكالية
•الحقيقـة و الـواقـع
•أنـواع الحقيقـة
•الحقيقـة بمـا هـي قيمـة


. مـن الدلالات إلـى الإشكـاليـة:
تستعمل الحقيقة في الحياة اليومية بمعاني كثيرة و متعددة و لكن كلها تحيل إلى الواقع باستثناء كلمة حق حينما تستعمل للدلالة على الذات الإلهية أو إحدى صفاتها و لا تختلف الدلالة الفلسفية عن المعاني المتداولة فهي كذلك تتصف بالتعدد و الاختلاف تبعا للمجالات المعرفية التي تستخدم فيها.
و إذا عدنا إلى المعجم الفلسفي "لالاند" نجده يعرف الحقيقة كما يلي: [ الحقيقة خاصية ما هو حق، (القول المطـابق للواقع)، و هي القضية الصـادقة، و ما تحت البـرهنة عليه و شهادة الشاهد الذي يحكي ما فعله أو رآه، و الشيء الأصيل في مقابل المزيف ].
إن الحقيقة بمفهومها المعاصر تنحصر في مجال الفكر (الحكم) و الخطاب أو الكلام (القضية).
لكـن مادامت الحقيقة هي مطـابقة الحكـم للـواقع، فإن هذا الأخيـر يظل مـرجعا للحقيقة و من هنا يمكن طرح الإشكاليات التالية: ما علاقة الحقيقة بالواقع ؟ و هل هي مجرد صورة للواقع منعكسة في الفكر و معبرا عنها باللغة ؟ هل الحقيقة ذاتية أم موضوعية مطلقة أم نسبية ؟ و هل توجد الحقيقة بمعزل عن أضدادها ؟ أم أنها متلازمة معها ؟ و هل الحقيقة مسألة تخص العقل وحده ؟ أم تتدخل فيها الأهواء و الرغبات و الغرائز ؟ و أخيرا من أين تستمد الحقيقة قيمتها ؟


الحقيقـة و الـواقـع:
يدل مفهوم الواقع في اللسان العربي على ما هو ثابت و حاصل فعلا، أما في اللسان الفرنسي فيدل على ما ينتمي إلى الشيء أو إلى الموضوع، أما في الفلسفة كلمة الواقع تتحدد من خلال ما هو مناقض لها كالخيال و الوهم و الممكن و المعقول و الظاهري و الاسمي، أما في مجال العلوم التجريبية فيدل على ما هو معطى في التجربة و على مجموع الوقائع العينية الحاضرة أو الماضية.
ما علاقة الحقيقة بالواقع محددا على هذا النحو ؟ و إذا كان مفهوم الحقيقة يتضمن ما هو معطى ثابت قار و يقيني فهل الواقع تنطبق عليه هذه الخصائص ؟.
إن التجربة تبين على أن الواقع متغير و متحول إن لم يكن بصورة مطلقة فعلى الأقل بشكل نسبي. إن هذا هو الأساس الذي تقوم عليه إشكالية العلاقة بين الحقيقة و الواقع في شقيها أو جانبيها، الحقيقة كمرادف للواقع و الحقيقة كمطابقة الفكر بالواقع.
سنتناول الجانب الأول من هذه الإشكالية: الحقيقة بما هي واقع، فإذا كان ما يجمع بين الحقيقة و الواقع هو الثبات و الهوية.
لما كان الواقع يظهر في التجربة الحسية متغيرا، فما هي مختلف الأطروحات التي حاولت حل هذه الإشكالية ؟.
وجود واقع ثابت حقيقي، مفارق للواقع الحسي [ أفلاطون ] .
وجود واقع حقيقي محايث للواقع الحسي و حامل له [ أرسطو ] .
نفي الحقيقة عن الواقع و جعلها في الفكر وحده [ ديكارت ] .
إنكار إمكانية وجود الحقيقة و بلوغها على نحو مطلق . [ الشك المنهجي: نيتشه ] .
إمكانية وجود حقيقة نسبية و متغيرة [ الفلسفة الحديثة و العلوم المعاصرة ] نجد الأطروحة الأولى عند أفلاطون الذي يعتبر أن هناك نوعا من الواقع أو الوجود، هناك عالم المثل و هو عالم الموجودات أو الأشياء الحقيقية التي تتميز بالثبات و البساطة و الخلود، و هناك عالم المحسوسات أو عالم الأشياء و الموجودات المتغيرة التي يعتبرها أفلاطون مجرد صورة مشوهة لما يوجد في عالم المثل، فالحقيقة في نظره إنما ترتبط بما هو ثابت و لا يوجد ذلك إلا في عالم المثل ، أما المعرفة المرتبطة بالعالم المادي فهي معرفة متغيرة أو في أقصى الأحوال معرفة ظنية.
إلا أن هذه الثنائية التي يقيمها أفلاطون بين عالم المثل و عالم المحسوسات أدت بأرسطو إلى طرح التساؤل التالي: كيف يمكن أن يكون ما هو مادي محسوس نسخة مما هو لا مادي معقول و مجرد ؟
إن هذا التساؤل سيدفع أرسطو إلى إعادة النظر في الأطروحة الأفلاطونية فإذا كان الواقع الحسي ليس هو الواقع الحقيقي فإن الحقيقة لا توجد خارجه بل هي محايثة لأن المتغير لا يتغير إلا على أساس ما هو ثابت، فمثلا فإننا نعتبر الشجرة على أنها تمثل مظاهرها عبر الفصول، فوراء الأغـراض الحسية [ الصفات المتغيـرة ] جواهـر ثابتة تشكـل الواقع الحقيقي و لكن الأغراض تحفظ بدرجة من الحقيقة و الواقعية لأنها تشكل الوسيط الذي لا بد منه لإدراك الجواهر [ الصفات الثابتة ] إلا أن تدخل الحواس في عملية المعرفة و إنتاج الحقيقة سيدفع ديكارت إلى اعتبار أن التجربة الحسية قد تشكل عائقا في بلوغ الحقيقة و لذلك فيعتبر ديكارت أن لا بد من تجاوز التجربة الحسية لبلوغ الحقيقة بالعقل وحده.
إن ديكارت فيعتبر أن إنتاج الحقيقة شأن يخص العقل وحده، فالحقيقة إذن لكـي تكون كذلك لا بد أن تكون عقلية خالصة، و لكـن كيف ينتج العقل الحقيقة ؟ على أي أساس يعتمـد ؟ و ما هو المنهج الذي يمكن من ذلك ؟.
إن العقل يتضمن مبادئ فطرية على أساسها يمكن أن يفكر في جميع المواضيع دونما حاجة إلى الاعتماد على التجربة الحسية مادامت هذه الأخيرة خداعة و لا يمكن الوثوق بها.
و لهذا دعا ديكارت إلى الاعتماد على العقل من خلال اللجوء إلى ما يعرف بالشك المنهجي، إنه شك في المعرفة الحسية و في كل معرفة موروثة لم ينشأها العقل نفسه انطلاقا من المبادئ الفطرية المتضمنة فيه، و لهذا دعا ديكارت إلى الشك في جميع المعارف من أجل إعادة بناءها على أسس عقلية و لهذا صارت الحقيقة بالنسبة لديكارت هي ما ينتهي إليه الشك و ليس ما تعطيه لنا الحواس، فالحقيقة إذن مرادفة لما هو بديهي و واضح عقليا أو ما لا يعود قابلا للشك، إن ما توصل إليه ديكارت من اعتبار الحقيقة ذات طبيعة عقلية خالصة يطرح إشكالية جديدة عرفت في الفكر الفلسفي إشكالية المطابقة بمعنى إذا صارت الحقيقة عقلية خالصة، فكيف يمكن أن تنشأ مطابقة تلك الحقيقة للواقع ؟.
و أي واقع تكون تلك الحقيقة مطابقة له، هل هو الواقع الحسي المشكوك فيه و الذي لا يحمل حقيقته في ذلك بل يستمدها من واقع آخر مفارق له.
إن إشكالية المطابقة تقتضي أن يكون الشيئان متماثلان و من نفس النوع بحيث ينطبق أحدهما على الآخر، في حين أن الأمر ليس كذلك فيما يتعلق بكل من الحقيقة و الواقع، ذلك أن الحقيقة ذات طابع فكري مجرد، أما الواقع فقد يكون ماديا أو لا ماديا، و من هنا تطرح إشكالية المطابقة من جديد: كيف يمكن أن يكون ما هو لا مادي متطابقا مع ما هو مادي ؟
لحل هذه الإشكالية العويصة لجأ ديكارت و سبينوزا إلى فكرة الضمان الإلهي بمعنى أن الله الخالق للعالم و للإنسان هو الضامن لتطابق الفكر و الواقع و ما يدركه العقل على أنه حقيقة فهو كذلك.
ضد هذا التصور المرتكز على فكرة الضمان الإلهي سيقدم كانط أطروحته التالية: إن الحقيقة لا توجد لا في الفكـر و لا في الـواقع على نحو مسبق و جاهز، بل يتم بنـاؤها من مادة و صورة.
إن كل معارفنا تبتدئ بالحواس، فالتجربة الحسية تزودنا بما يسميه كانط مادة المعرفة أي ما ستعلق بأشكال الأشياء و ألوانها و أحجامها و توالي الظواهر أو تآنيها أو تعاقبها و لكن هذه المعطيات تبقى مفككة و غير منظمة، و لهذا لا بد من تدخل العقل بما يتضمنه من مفاهيم حتى يعطي لتلك المدركات الحسية طابعا منظما من خلال استعمال مجموعة من المفاهيم مثل الوحدة و الكثرة و العلاقات السببية.

أنـواع الحقيقـة:
إذا كانت الحقيقة مرتبطة باللغة و الخطاب، فإن هذا الأخير يتخذ أشكالا متنوعة بحسب المجال المعرفي الذي يتضمنه و لهذا يمكن القول إن الحقيقة لا وجود لها في صيغة المفرد بل إنها تتعدد بتعدد مجالات المعرفة، و هكذا يمكن الحديث عن حقيقة دينية و فلسفية، علمية، تاريخية، سياسية... إلا أن الغاية من إنتاج الحقيقة هي تبليغها للآخر و محاولة إقناعه بهذه الحقيقة، و يعد البرهان العقلي أو المنطقي منذ أرسطو أعلى أشكال إثبات الحقيقة لأن هذه الأخيرة حينما تتم البرهنة عليها تصير يقينية لا تحتمل الشك و الجدل.
غير أن أبا الوليد ابن رشد يبين أن اختلاف طبائع الناس و اختلاف قدراتهم المعرفية تقتضي اختلاف طرق تبليغ الحقيقة للناس و هذا ما أثبته ابن رشد من خلال تحليله للطرق التي اعتمدها القرآن أو الخطاب الإلهي في تبليغ الحقيقة فرأفة من الله بعباده خاطبهم على قدر مستـوياتهم المعـرفية، فالقـرآن يتضمن ثلاث طـرق لتبليـغ الحقيقة: هنـاك الأسلوب الخطـابي و يتضمن الوصف و ضرب الأمثال و أسلوبي الترهيب و الترغيب.
هناك الطريقة الجدلية : و هي موجهة لتلك الفئة من الناس التي كانت لها معرفة بالقضايا العقائدية (كالرهبان و الأحبار) و الذين كانوا يجادلون في بعض الحقائق الواردة في القرآن مثل (قيام الساعة و البعث).
هناك الطريقة البرهانية : و هي خاصة في نظر ابن رشد بالرسخين في العلم أي أهل البرهان و هي طريقة تعتمد على التأويل بإرجاع ما هو متشابه في القرآن إلى ما هو محكم مع ضرورة توفر شروط التأويل التي هي نفسها شروط الاجتهاد.
إن ما يقال عن الحقيقة الدينية إنما يمكن أن ينطبق على الحقيائق مهما اختلف مجالها ذلك أن الخطاب الديني نوع من أنواع خطابات الحقيقة فكل حقيقة يراد تبليغها للناس و إقناعهم بها يقتضي بالضرورة مراعاة مستوياتهم المعرفية و قدراتهم الإدراكية.
إن الحقيقة إذن تتسم بطبيعة الخطاب الذي يتضمنها و بالشخصية المنتجة لهذا الخطاب، هذا الارتباط بين الشخصية و أشكال الخطاب يمنحها سلطة و نفوذا لا يقومان على الحجـج التـي تقوم عليها الحقيقة بـل يتأسسان علـى سلطة الانحـراف الذي تمارسه الشخصية، و بذلك تحل هذه الأخيرة محل الحجج و البراهين التي ينبغي أن تقوم عليها الفريضة، و يمكن القول إنه في كل مجتمع نظام متكامل لإنتاج الحقيقة و فرضها و رسم حدودها مثلا هيمنة الخطـاب العلمي فـي المجتمعات المعاصرة الذي يستطيع بلـوغ حقيقة دقيقة و ناجعة أي لا يمكن الشك فيها، غير أن الخطاب العلمي و تاريخ العلم نفسه يثبت أن الحقيقة العلمية لا توجد بمعزل عن أضدادها، و أول أشكال اللاحقيقة هو الخطأ، فإذا تذكرنا الحقيقة من حيث هي مطابقة الفكر للواقع فإننا سنجد أن هناك أحكام و نظريات ظلت تعد حقائق ثابتة من ذلك أن الأرض هي مركز الكون و أن الكواكب الأخرى تدور حولها.
إن العلم لا يتقدم إلا بقدر ما يزيح من الأخطاء فالحقيقة العلمية في نظر باشلار ما هي إلا خطأ يتم تصحيحه.
و للحقيقة ضد آخر يلتحق بها ألا و هو الوهم فإذا كان الخطأ نتيجة لسوء استخدام العقل، فإن الوهم يشكل موضوع رغبة و لهذا من الصعوبة بمكان اكتشافه و التخلص منه.
و الـوهم فـي نظـر نيتشه ناتـج عن مصـدرين أساسيين: الأول حاجة الإنسان إلى السلـم و المسالمة من أجل حفظ البقاء و تجنب حالة الحرب الدائمة و المستمرة، لذلك فإن الإنسان لا يستخدم عقله إلا للإخفاء و الكذب و ليس لكشف الحقيقة و قولها و خاصة إذا كان الأمر يتعلق بما يشكل خطرا على حياته.
أما المصدر الثاني للوهم فهو اللغة، ذلك أن أصلها لا عقلي بل هو الاستعارة و التشبيه و المجاز فاللغة لا تنقل الواقع كما هو بل إنما تعتمد على المكونات اللغوية، و بما أن أصل اللغة لا عقلي فلا يمكن إنتاج معرفة عقلية و موضوعية عن الواقع و المعرفة في آخر المطاف إنما ترتبط بذات الإنسان و سعيه للحفاظ على بقائه و النتيجة هي أن الحقيقة في نظر نيتشه إن هي أوهام تم تحويلها إلى قيمة مقدسة بسبب نسيان أنها وهم و ضلال.


القيمة : الحكم الذي نسنده لأمر ما

الحقيقـة بمـا هـي قيمـة:
نتساءل في هذا المحور عن قيمة الحقيقة و من أين تستمد هذه القيمة ؟
أن تكون الحقيقة قيمة معنى ذلك أنها ما يرغب فيه الإنسان و يسعى إليه نحوه بقصد أو بغير قصد سواء على مستوى الفكر النظري أو الممارسة العملية أو بسلوك الأخلاق، و إذا كانت الحقيقة من حيث هي قيمة فكرية و أخلاقية فقد اعتبرت في الفلسفة الكلاسيكية غاية في حد ذاتها و بالتالي كان التفكير الفلسفي يعتبر بحثا عن المعرفة و الحقيقة المجردة عن كل منفعة أو مصلحة.
إلا أن الاتجاه البراغماتي (النفعي( للفلسفة المعاصرة سيعتبر أن قيمة الأفكار تتحدد بما تحققه من منافع، و لهذا سيعتبر ممثل هذا الاتجاه ويليام جيمس أن الحقيقة ينبغي أن تكون قيمة عملية و وسيلة لتحقيق المنفعة، إلا أن الانتقال الرئيسي الذي يوجه لهذا التصور النفعي هو أنه يؤدي إلى نسبيتها و اختلافها باختلاف مصالح الأفراد و الجماعات بمعنى إذا كانت الحقيقة هي ما ينفعني فقد تكون مضرة للآخرين و من ثمة قد تتحول الحقيقة إلى نقيضها.
غير أن بركسون في شرحه لفلسفة ويليام جيمس يبين أن الأمر لا يتعلق بإقرار نسبية الحقيقة بالمعنى اللاأخلاقي و إنما أراد ويليام جيمس أن يقدم بديلا عن المفهوم التقليدي للحقيقة غير أن هذا التأويل لا يلغي في نظر كانط البعد اللاأخلاقي لربط المنفعة بالحقيقة لأن ذلك يسمح في نظره بارتكاب الشرور و المظالم في حق الآخر مادام في ذلك نفع و فائدة، يصف تصور كانط للحقيقة باعتبارها غابة في ذاتها و واجبا أخلاقيا ذا بعـد إنساني حقيقـي لأن إنتـاج الحقيقة و قولها يعتبر أمرا غير مشروط.

و لهذا فهو يعتبر أن الكذب و لو على إنسان واحد يضر بالإنسانية جمعاء لأنه يحطم أساس التواصل و التفاهم و الاحترام المتبادل بين البشر

و قد أكد أفلاطون على لسان سقراط في محاورة جورجياس أن الحوار هو الضامن للحقيقة أي أن ما يضمن موضوعية الحقيقة و كونيتها هو تبادل الحجج و البراهين دون خطابة أو بـلاغة أو مغالطة لأن جميـع هـذه الوسـائل تشـل فعـالية العقـل و تخاطب العـواطف و الأهـواء و تحول الكذب و شهادة الزور إلى حق و تجعل الإجماع و التبعية غاية لها بدل البرهان و الحرية و الاستقلال و النزاهرة التي تظل شروطا أخلاقية للحقيقة تضمن قيمتها و طبيعتها الكونية.




السعادة
•من الدلالات إلى الإشكالية
•السعادة إرضاء للبدن أن للعقل أم للقلب ؟


- من الدلالات إلى الإشكالية:
إن لفظ السعادة يختلف مدلوله باختلاف تمثل الناس له فمنهم من يربط السعادة بالمال، أو بالصحة، بالسلطة أو العرف و الأخلاق أو في انسجام الأسرة.

مفهوم السعادة إذن يتضمن الأبعاد التالية: هناك البعد المادي و البعد الاجتماعي و البعد المعنوي، و على هذا الأساس فإن السعادة تتجلى في ثلاث مستويات:
• المستوى المادي و يتمثل في الإشباع و تلبية مختلف الحاجات في جميع أشكالها.
• و هناك المستوى المعنوي العقلي و يتجلى في التسيير و التدبير.
• و هناك المستوى الوجداني الشعوري و يتمثل في الرضا الذي يشعر به الفرد عند إنجازه لعمل ما.

و في هذا الإطار يمكن طرح التساؤلات التالية:
• هل تعتبر السعادة وليدة الصدفة ؟ أم أنها نتيجة مجهود لابد من بذله ؟
• هل السعادة ممكنة في الأرض أم أنها لا تتحقق إلا في العالم الآخر ؟
• و هل يمكن قيام سعادة فردية في غياب السعادة الجماعية ؟
إن الإجابة عن هذه التساؤلات مرتبط بمفهوم الحكمة كما حددها الفلاسفة المسلمون، و لهذا سنعالج مفهوم السعادة من خلال مواقفهم.


السعادة إرضاء للبدن أن للعقل أم للقلب ؟
لقد حدد الفلاسفة المسلمون لفظة سعادة من خلال التأكيد على مسألتين أساسيتين: ضبط مفهوم اللذة هل هي جسدية أم عقلية مع تحديد أيهما أفضل، يقول الأصفهاني « اللذة هي إدراك المشتهى و الشهوة انبعاث النفس لنيل ما تتشوقه » أما من حيث المفاضلة فإن اللذة العقلية أفضل من اللذة الجسدية المحتقرة لأن هذه الأخيرة يشارك فيها الحيوان و الإنسان و لهذا فالسعادة لا ترتبط بالمستوى الحسي للذة بل إن أشرفها هي تلك المرتبطة باللذة العقلية.
إن تفضيل اللذة العقلية على اللذة الحسية سيجعل من السعادة خيرا على الإطلاق لأنها خالية من المنفعة و لا تلحق أي ضرر، و لهذا فهي تطلب لذاتها دون أن يتضرر منها أي شخص بخلاف المجالات الحسية التي قد تلحق الضرر بالآخرين.
إن هذا الموقف يرتبط بالتصور العام للفلاسفة المسلمين الذين ميزوا في الإنسان بين ما هو جسدي و ما هو عقلي و اعتبروا أن الجانب العقلي هو الجانب الأرقى لأنه يتسم بالطهارة، و بالتالي فإن الإنسـان لا يمكنـه أن يحقـق السعـادة إلا مـن خـلال انفصـاله مـن خـلال شهـواته و نـزواته و رذائله و هذا الموقف عـامة نجده لدى الفـلاسفة اليـونان و خصـوصا عند سقـراط و أفلاطون، و على هذا الأساس يربط الفرابي الشقاء الإنساني بذلك التداخل الحاصل بين النفس الطـاهرة و دنـاسة البـدن، و الإنسان في نظره يقترب من السعادة كلما استطاع أن يطهـر نفسه و يفصلها عن كل الشهوات لأنه لا يجني من هذه الأخيرة إلا الشر و الشقاء.
و في نفس السياق يؤكد "ابن مسكويه" على ضرورة تهذيب الأخلاق و ذلك عن طريق الفصل المحقق للنفس عن الجسد لأنهما من طبيعتين مختلفتين و متناقضتين، فالنفس في نظره عبارة عن جوهر بسيط غير محسوس، أما الجسد فطبيعته مادية و لهذا فالنفس أشرف و أرقـى مـن الجسـد و تتمثل فضيلتها في طلب العلم و المعرفة و كلما ازداد اشتياق النفس للعلوم و المعارف كلمـا تحقق السعـادة و اكتمـال الإنسان و تجـرده عن كل ما هو محسوس و ابتعـاده عن العامة و البسطـاء و من ثم تظهر المعادلة التالية لدى الفلاسفة المسلميـن و العـرب: اتبـاع الجسد و إشباع الشهـوات و اللذات الحسية نجـده لـدى العـالة و البسطـاء أما اتبـاع العقـل و تطهيـر النفس من النـزوات و طلب العلـم و المعـرفة و تحصيل السعادة نجده لـدى العلماء و الراسخين.
نستنتج من هذا أن ارتباط العقل أو النفس بالعلوم أو المعارف يؤدي إلى تحصيل الحكمة التي هي أسمى تجليات العقل البشري، و هي الطريق الوحيد الذي يمكن من تحقيق السعادة إلا أن السؤال الذي يطرح في هذا المجال هو: كيف يمكن تحقيق هذه السعـادة ؟ و ما هـي الأدوات التي تعتمد لتحقيقهـا ؟.

فبما أن السعادة النظرية يتحدد موضوعها في الوجود بصفة عامة أي البحث في الوجود الإلهي بطبيعتها و صفاتها و وجود العالم و الوجود الإنساني فهناك طريقان منهجيان لتحقيق السعادة: طريق أهل البرهان و النظر العقلي و هم الفلاسفة و طريق أهل العرفان و هم المتصوفة؛
• فبالنسبة للفلاسفة يتم تحقيق السعادة فلسفيا عن طريق الانتقال من العالم السفلي إلى العالم العلوي أي عالم العقول المنفصلة عن الماديات و هذه المرتبة لا يحققها إلا الفلاسفة.
• أما بالنسبة لأهل العرفان أي المتصوفة فإنهـم يحققـون السعادة عـن طـريق الإشـراق و الحضرة الإلهية و الأساس هو مجاهدة الجسد و كبح الرغبات و الابتعاد عن الدنيا، إن طريق السعادة لديهم لا يتم بالعقل و إنما يتم بالباطن عن طريق إشراق النور الإلهي في قلب المتصوفة.
إلا أن السؤال المطروح و الذي يفرض نفسه هو هل يمكن أن تتحقق السعادة في التجربة الفردية فقط أم أن لها بعدا اجتماعيا ؟



الشخصية
•مـن الـدلالات إلـى الإشكـاليـة
•الشخصيـة و أنظمـة بنـائهـا
•الشخص و دوره فـي بنـاء الشخصيـة


مـن الـدلالات إلـى الإشكـاليـة
تتحدد الشخصية في تصور العامة اعتمادا على المظاهر الخارجية القابلة للملاحظة كالجاه أو النفوذ أو الثروة أو السلطة، إنها محددات تعتبر بمثابة معايير تقوم عليها المكانة الاجتماعية للشخص، و لكن كما يتحدث العامة عن الشخصية يتحدثون أيضا عن انعدامها حينما يميل الشخص إلى الميل للخضوع و الاستسلام، و إذا عدنا إلى لسان العرب نجده أيضا يركز على المظاهر الخارجية القابلة للملاحظة، ذلك أن معنى الشخص في اللغة العربية يدل على كل جسم ضخم و بدين و بذلك يكون ظاهرا، أما في اللغة الفرنسية فكلمة personne و personnalité مشتقتان من اللاتينية persona التي تدل على ذلك القناع الذي كان يرتديه الممثل ليتناسب مع دوره في المسرحية.
أما إذا عدنا إلى المعاجم المتخصصة روبير، لاروس، لالاند، فنجد أن الشخصية تتحدد من خلال معنيين؛ معنى عام و مجرد، فهي تدل خاصية الكائن الذي يكون مسؤولا أخلاقيا أو قانونيا على أفعاله، و المعنى الثاني معنى مادي محسوس و يتمثل في الخاصيات الأخلاقية السامية التي تميز الشخص عن مجرد كونه فردا بيولوجيا، و بذلك تشكل هذه الخاصيات العنصر الثابث و المنظم في سيرته، الشيء الذي يجعله متميزا عن غيره.
إن الشخصية إذن لها طابع عام و مشترك بين جميع الكائنات البشرية من حيث مسؤوليتها الأخلاقية و القانونية، و من ثم فهي لا ترتبط بالمكانة الاجتماعية، كما أن لها طابعا خاصا يتجلى في مجموع الصفات التي تميز الشخص عن غيره تمييزا واضحا رغم ما يشترك فيه من صفات مع الآخرين، كما أنها محددة زمنيا لارتباطها بتاريخ الفرد و تخضع لسيرورة نمو عبر مراحل معينة.

إن الشخصية عبارة عن وحدة بنيوية معقدة يتفاعل فيها بيولوجي طبيعي مع ما هو نفسي معرفي و اجتماعي ثقافي و إبداعي، فهي نتاج لتفاعل هذه العوامل المجتمعة فهي بنية دينامية تتجلى عبر تمظهرات خارجية [ الجانب الفزيولوجي الجسمي و السلوك الخارجي ]، و تقوم في أساسها على خصوصية الشخص و تكيفه بصورة ملائمة مع محيطه.
إن هذا يقتضي أن نحدد الفرق ما بين الشخص و الشخصية و هل يمكن القول أن الشخصية مرادفة للشخص أم أن هناك فرقا جوهريا بينهما، إن هذا الاختلاف هو ما تحـدده الـدلالتين الفلسفية و العلمية:
أ‌- الدلالة الفلسفية: إن الحقل الدلالي الفلسفي لمفهوم الشخصية يتأسس على التصور الفلسفي للإنسان كشخص باعتباره ذاتا تعي وجودها و حريتها و تتمتع بالإرادة و تشعر بالمسؤولية و تدرك ما هو ثابت في وجودها الشيء الذي يجعل منها ذاتا مجردة، و من ثم يكون الشخص هو الجوهر و الماهية في حين تصبح الشخصية ذلك المظهر الخارجي الذي يعكس حقيقة الجوهر.
ب‌- هذا التمييز بين الشخص و الشخصية سيتبلور بشكل أكثر وضوحا مع العلوم الإنسـانية، و ستعتبر الشخصية مجرد نمط أو نموذج نظري ينشأه العالم من أجل فهم و تفسير سيرة الشخص و سلوكه.

و هذه الأنظمة الثلاثة هي:
1- نظـام الشخص من حيث هو عضوية بيـولوجية و ذات واعية مسؤولة أخـلاقيا و قانونيا عن أفعالها.
2- النظام النفسي؛ فالإنسان له حياة نفسية تنمو و تتطور تبعا لمراحل نموه الجسمـي و النفسي و بما يعرفه هذا الأخير من أزمات و ما يراكمه من خبرات و تجارب.
3- النظام الاجتماعي: إن الفرد لا يعيش منعزلا عن الاخرين بل يدخل في علاقات متعددة معهم ضمن محيط سوسيو ثقافي لكونه يعيش داخل أشكال من التنظيمـات و المؤسسات الاجتماعية و الثقافية.
هذه الأنظمة الثلاثة تتفاعل فيما بينها بالإضافة إلى أنظمة أخرى اقتصادية و سياسية لتعطي للشخصية طابعها البنيوي المعقد و تجعل منها مفهوما متعدد الدلالات يختلف باختلاف الحقول المعرفية و الخطابات التي تستعمل ضمنها بل و قد تتعدد داخل الخطاب الواحد، من هنا يتبلور مفهوم الشخصية كمفهوم إشكالي يقوم على مفارقات و تقابلات تجعل حقيقة الشخصية يتجاذبها ما هو فطـري طبيعـي و ما هو ثقافي مكتسب، و ما هو ذاتي فردي مع ما هو اجتماعي موضوعي، ما هو ثابت بنيوي و ما هو متغير تاريخي، ما هو ظاهر و ما هو باطن خفي إضافة إلى قدرتها على الفعـل بـدل الانفعـال و تطلعها إلى تحقيق حريتها و استقلالها بدل خضوعها و امتثالها.
من خلال هذه التقابلات التي يتضمنها مفهوم الشخصية يمكن طرح التساؤلات التالية: هل تتحدد الشخصية انطلاقا من المظاهر الخارجية أم من خلال الواقع الباطني المستتر خلف القناع، هل يمكن تفسير و فهم الشخصية بالاعتماد على نظام الشخص أم على مقومات النظام النفسي أم انطلاقا من مقومات النظام الاجتماعي ؟
أم أن هذا الفهم و التفسير لا يستطيعان استيعاب المحددات الأساسية للشخصية إلا إذا تم الأخذ بعين الاعتبار ترابط و تكامل مجموع الأنظمة التي تتفاعل في تكوينها ؟
هل يملك الإنسان من الحرية ما يجعله قادرا على اختيار شخصيته وفق النموذج الذي يتلاءم مع تطلعاته و هل يستطيع تغييرها وفق ما يريده أم أنه محكوم (بحيثيات) بحتميات محددة تشرط وجوده و تحدد بالتالي شخصيته.

الشخصيـة و أنظمـة بنـائها :
يمكن النظر إلى الشخصية من زاويتين؛ فإما أن ينظر إليها من زاوية الفلسفة أو زاوية العلوم الإنسانية، فالأولى تحصرها في ماهية الشخص و كيفية عمله كنظام أما الثانية فتعتبرها نموذجا نظريا ينشأه العالم من أجل فهم و تفسير سيرة الشخص و سلوكه من خلال أنظمة نفسية.
إن الفلسفة تطرح سؤالا أساسيا و جوهريا ألا و هو ما الذي يجعل الشخص متميزا عن غيره من أنواع الموجودات الأخرى ؟ إن هذا يدفعنا إلى البحث عن ما يحدد الشخصية كما تبلورت عبر سيرورة الخطاب الفلسفي الديكارتي و التصور الكانطي و التصور الوجودي من خلال وجهة نظر سارتر.
فما الذي يحدد الشخصية في نظر ديكارت ؟ و ما الذي يجعل من الإنسان جوهرا متميزا عن باقي الموجودات ؟
ينطلق ديكارت من التساؤل عن ذاته و بذلك يبقى وفيا لمنهج الشك الذي اعتمده كطريق لإنتاج الحقيقة و المعرفة، و يطرح السؤال من أكون أنا ؟ و يحاول الإجابة عن هذا التساؤل انطلاقا من اعتبار الإنسان ذاتا تتكون من جسد و روح و بعد ذلك يبحث في طبيعة كل منهما، فينتهي إلى أن الجسد من طبيعة مادية و يشترك مع بقية الأجسام الأخرى في نفس الصفات، فهو يحتل حيزا معينا في المكان و له أبعاد ثلاثة و لهذا لا يمكن الاعتماد عليه لتحديد الشخصية أو الشخص، أما الروح فيعتبرها ديكارت فهي تتميز بخاصية أساسية ألا و هي الفكر، و على هذا الأساس يكون الإنسان أولا و قبل كل شيء ذاتا مفكرة أو جوهرا مفكرا يعي وجوده بما يجعله متميزا و مختلفا عن سائر الموجودات.
إذا كان الإنسان يتحدد كجوهر مفكر يعي ما هو ثابت في وجوده و ما هو متغير و متحول، فشخصيته ستعكس هذا الجوهر المفكر العاقل من خلال ممارسته لمجموعة من العمليات الذهنية من شك و نقد و تحليل و تركيب و برهنة و استنتاج كل ذلك يمكن الذات من إنتاج خطاب حول ذاتها له دلالة و معنى.
من هنا تتجلى أهمية إدراك الذات في الشخصية الإنسانية خصوصا المستوى الواعي فيها، لكن إذا كان ديكارت قد حدد قيمة الشخصية بمدى قدرة الإنسان على التفكير و غدراك ذاته بما هي متميزة و مختلفة عن أشياء العالم الخارجي فما الذي يحدد قيمة الشخصية في نظر كانط ؟
ينطلق كانط من أن هناك اختلافا في تحديد طبيعة العقل، فالعقل النظري كما حدده ديكارت لا يعطي للإنسان أية قيمة فهو يشكل سيئا كمجموع أشياء العالم الخارجي بل إذا نظرنا إلى الإنسان من زاوية العقل النظري فإن ذلك سيؤدي إلى المفاضلة بين الناس كما لو كنا أمام تجارة البشر، و لكن بمجرد أن ننظر إليه على أنه يتوفر على عقل أخلاقي عملي يصبح الشخص قيمة في حد ذاته و يسمو على جميع الموجودات. فهو بالإضافة إلى كونه ذاتا مفكرة يتوفر على إرادة حرة و يكون مسؤولا أخلاقيا و قانونيا على جميع (أخلاقه) أفعاله، و ذلك ما يسمح له بأن يكون غاية و قيمة في ذاتها و هذا ما يشكل كرامته، تعبر عن إنسانيته و تستوجب احترامها.
فإذا كان الحيوان يخضع فقط لضرورات النظام البيولوجي، و يعيش مندمجا في المحيط الطبيعي فإن هذه المقومات [ التفكير – الإرادة الحرة – المسؤولية ] هي ما يجعل الإنسان متميزا عن الحيوان، و هي أساس كرامته، و تشكل في نفس الوقت قاسما مشتركا مع بقية أفراد جنسه لكنها في نفس الوقت تفرض عليه واجبا أخلاقيا ألا و هو التعامل مع جميع الناس على أساس الاحترام المتبادل للكرامة الإنسانية.
غير أن هذا الوعي بهذه المقومات يتم بكيفية تدريجية و تـراكمية يتفـاعل فيهـا نمو الفـرد و مكتسباته مع فعل التنشئة الاجتماعية و خلال هذا التفاعل يقوم الاخر بدور أساسي في الكشف عن خبايا الأنا. إن هذا الآخر في صقل وعي الإنسان بذاته، فيساهم هذا الآخر و يكشف حقيقتها خلف ما تتمظهر بنفسها و ما تتوهمه كواقع لها. إن سارتر يجعل من الآخر شرطا أساسيا و ضروريا لإدراك حقيقة الذات بل و شرطا لابد منه لوجودها، غير أن هذا الآخر قد يكون عرقلة أمام تحررها و تحقيق جوهرها الذي هو الحرية.
تتحدد الشخصية من وجهة نظر الخطاب الفلسفي باعتبارها مظهرا خارجيا يعكس حقيقة الشخص و جوهره، إنها نسق أو نظام من العلاقات الدينامية التي تتفاعل فيما بينها، و بالأخص كيفية وعيها من قبل الإنسان في علاقة مع الذات المفكرة أو الذات الأخلاقية أو في علاقتها مع الغير إذا كانت الفلسفة تنطلق من التساؤل عن جوهر الشخص لتحدد طبيعة الشخصية فإن العلوم الإنسانية تنطلق من الشخصية [ النموذج النظري الذي ينشأه العالم ] لتحدد سيرة الشخص و سلوكه، إن الاتجاه السلوكي في علم النفس يعتبر أن سلوكات الإنسان و تصرفاته إنما هي ناتجة عن تلك العلاقة بين المثيرات الخارجية و الاستجابات الداخلية و هكذا إذا استطعنا أن نتتبع سلوك شخص معين خلال مرحلة معينة من حياته فإننا نستطيع الكشف عن قدراته و مقوماته و سلوكاته الحقيقية و ما يمكن أن يؤديه من وظائف لأن هذه السلوكات ما هي في آخر المطاف و حسب تعبير "واطسن" إلا استجابات لمثيرات خارجية الشيء الذي يسمح لنا في آخر المطاف بالتنبؤ بما يمكن أن يطرأ على الشخصية من تغيرات كما يمكن توجيهها و التحكم فيها.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t37993.html#post285093
إن المدرسة السلوكية و الاتجاه السلوكي اعتبرت الإنسان مجرد نظام طبيعي محكوم بالقوانين الطبيعية المشتركة بين كل الظواهر، فالمدرسة السلوكية إذن لا تعطي أية أهمية للشعور و اللاشعمر في تحديد الشخصية بينما ستحاول مدرسة التحليل النفسي إعادة النظر في مختلف التصورات التي كانت سائدة حول الشخصية و ستعمل على تأسيس تصور جديد لها، إنها ستنظر إليها كبنية دينامية معقدة يتعين النظر إليها في كليتها و تفاعلها، فما هي الأسس التي يقوم عليها تصور مدرسة التحليل النفسي ؟

إن الشخصية في نظر فرويد تتكون من ثلاث مقومات أساسية تتفاعل فيما بينها لتعطي لها طابعا خاصا فما هي هذه المقومات ؟ هناك الهو [ لقد أعادت مدرسة التحليل النفسي للجسم الذي لم يعره ديكارت أي اهتمام في تحديد الشخصية، كما سيعيد الاعتبار كذلك للأحلام و الحالات اللاشعورية التي استبعدتها المدرسة الشعوري، إن أول المقومات التي تتكون منها شخصيتنا هو [ الهو ] الذي يتضمن كل الميول و الغرائز الفطرية و الموروثة و هو لا يخضع إلا لمبدأ واحد؛ الحصول على اللذة و تجنب الألم، يعتبر فرويد أن هذه الميول و الرغبات و الغرائز تتمحور كلها حول النوعة الجنسية أو ما يسمى بالطاقة "الليبدية" التي تعبر عن نفسها بطرق لا واعية خلال معظم مراحل النمو الجنسي يمر بها المولود، و هذه المرحلة هي المرحلة الفمية ذلك الفم يشكل وسيلة الاتصال الأساسية مع العالم الخارجي خلال المراحل الأولى من حياة [ الهو ]المولود، لهذا يعتبر فرويد أنه في الوقت الذي يشبع فيه حاجته إلى الطعام فهو في نفس الوقت طريقة لا واعية تليها بعد الفطام المرحلة الشرجية تليها المرحلة القضيبية، و بعد ذلك يدخل مرحلة الكمون التي يختفي فيها الإشباع اللاواعي ليحل محله الفضول المعرفي ذلك أن عالم المولود يتسع الكن في هذه المرحلة 5 أو 6 سنوات يتعرض جنسه غما لعقدة أوديب أو عقدة إلكترا، فالطفل يرى في أبيه منافسا له في أمه و البنت منافسة لهـا فـي أبيهـا، و غالبا ما يتم الخروج من هذه المرحلة بسلام نظرا لطقوس التحريم في كل المجتمعات.

إلا أن الكثير من الميول و الرغبات و الغرائز لا تجد طريقها إلى الإشباع و التحقق ذلك أنها تتكسر على صخرة الواقع، فيبدأ في التشكل نوع من الوعي بأن هناك ما يمكن إشباعه و ما لا يمكن إشباعه، فيبدأ في التشكل ما يعرف بالأنا الذي هو جزء من الهو انفصل عنه تحت تأثير الواقع، إن الأنا يمثل ذلك الجانب من شخصيتنا الذي نحيى به مع الآخرين و يتكون من أفعال و سلوكات إرداية واعية و اخرى لا شعورية استطاعت أن تتكيف مع الواقع و تتلاءم معه بكيفيـة مقبـولة اجتمـاعية، و تحت تأثير عملية التنشئة الاجتماعية و ما يكتسبه البعض خلال عملية التربية و التلقين و التعلم يتشبع الأنا بالقيم الأخلاقية و الدينية فينفصل جزء من الأنا ليشكل ما يسميه فرويد بالأنا الأعلى، إن الأنا الأعلى يشكل مجموع القيم و العادات و التقاليد التي اكتسبها الفرد فأصبحت جزءا من كيانه الداخلي و تمثل مرجعا لم يمكن الإقدام عليه أو الإحجام عنه إلا أن فرويد يعتبر أن الشخصية الإنسانية تتحدد من خلال العلاقة بين هذه المكونات الثلاث، فما طبيعة العلاقة بين هذه المكونات ؟

يعتبر فرويد أن العلاقة بينها هي التي تحدد طبيعة الشخصية و هل هي شخصية سوية أم شخصية مرضية. إن الأنا يتعرض لضغط قوتين جبارتين فمن جهة هناك محتويات اللاشعور التي تطمح إلى الإشباع و التحقق و من جهى أخرى هناك متطلبات الأنا الأعلى، على الأنا أن يقوم بدور الرقيب أو الحارس اليقظ الذي عليه ألا يسمح بالتحقق إلا لما هو مقبـول اجتمـاعيا أمـا الـرغبات و الميول و الغرائز التي تتنافى مع قيم مجتمع فعليه أن يلقيخا في الأسر لكنها تتحين كل فرصة لكي تعبر عن نفسها بشكل سافر و جلي، و أفضل مناسبة لذلك هي عندما تتراخى سلطة الرقابة خلال النوم و كذلك في حالات فلتات اللسان أو زلات القلم.

كلما كان الأعلى قويا و استطاع أن يوازن بين كل من اللاشعور و الأنا الأعلى شكل ذلك شخصية سوية، و كلما طغى أحدهما على الأنا أنتج ذلك شخصية مرضية.
إذا كانت السيكولوجيا قد ركزت على النظام النفسي بتحديد الشخصية، فإن الخطاب السوسيولوجي قد ركزت على النظام اجتماعي لتؤسس تصورها للشخصية على اعتبار أنها بناء نظري يقوم على محددات اجتماعية و سلطة المؤسسات، ذلك أننا نجد اهتماما كبيرا بالمصادر الاجتماعية للشخصية كالتأكيد على الدور الاجتماعية مع الاهتمام القليل بالظروف البيولوجية الفطرية التي أكدها فرويد.

إن التصور الاجتماعي للشخصية ينطلق من التفاعلات بين الناس و آثار هذه التفاعلات على نمو الشخص، إن العلاقات بين الأفراد تحدد الأدوار المنظمة للثقافة ذلك أن المؤسسات الاجتماعية تصف كيف يجب أن يسلك الشخص و كيف ينظر إلى ذاته و إلى علاقته بالآخرين و ذلك بهدف دمجه في حياة المجتمع و نضاله حتى يحافظ على الأخير و على توازنه و استمراره، إن الإنسان كائن اجتماعي بالضرورة و هكذا فكل مجتمع يطبع سلوكات أفراده و مواقفهم و عاداتهم و طرق تفكيرهم بطابعه الخص و ذلك بواسطة التربية و التنشئة الاجتماعية، فهذه الأخيرة تكسب الأفراد نماذج من القيم و التصورات و الاستجابات تساير متطلبات الحضارة التي ينتمي إليها كل فرد و هكذا يستوعب الشخص عناصر الثقافة الاجتماعية لتصبح جزءا من محددات شخصيته كما تحقق تكيفه مع محيطه الاجتماعي و تحدد انتماءه إليه بتوفير شروط تكيفه البيولوجي و النفسي و الذهني.

إن الشخصية لها تاريخها الخاص لأنها تعيش، تنمو و تتطور في ظروف تـاريخية ملمـوسة و محددة، و انطلاقا من ذلك يمكن التساؤل عما إذا كان كل مجتمع يمارس تأثيره على الأفراد بنفس الكيفية و الفعالية بحيث يشكل كل ذلك شخصية نمطية، أم أن نتائج فعل المجتمع تنتهي إلى أنماط سلوكية مختلفة ؟
إن المجتمع لا يتحدد فقط بمجموع الأفراد المنتسبين إليه بل يتحدد من خلال شبكة العلاقات التي يقيمها هؤلاء الأفراد فيما بينهم و ما يشتركون فيه من نمط عيش يعبر عن ثقـافة ذلك المجتمـع و التي تخضع لسيرورة مرتفعة بتطور شروطه المادية، و هكذا يمكن القول إن كل مجتمع يتضمن حسب تصور "رالف لينتون" على الأقل شخصيتين؛ إحداهما أساسية و الأخرى وظيفية:
فالشخصية الأساسية مجردة و تتمثل في كل ما هو عام و مشترك بين أفراد المجتمع كأنماط السلوك و طرق الاستجابة و كذلك القيم المشتركة، إن هذه الشخصية الأساسية هي التي تمكن من التمييز بين مجتمع و آخر.
أما الشخصية الوظيفية فترتبط بالوضع و الدور، إنها شخصية مادية محسوسة ذات طابع متعدد، فالحياة الاجتماعية يمكن تشبيهها بخشبة المسرح تتناوب عليها الفرق المسرحية لكن كل فرد يقوم بدوره لكن هذا الدور قابل للتغير.
إن الشخصية الوظيفية ترتبط بدرجة تقدم المجتمع و بتقسيم العمل داخل كل مجتمع و مهمتها الأساسية السهر على حسن سير الحياة الاجتماعية بشكل يسمح باستيعاب مختلف الوظائف و الأدوار التي يقوم بها الأفراد في الحياة الاجتماعية، إن علاقة شخصية الفرد بالمجتمع ترتبط بنوع المجتمع الذي يحيا ضمن أفراده و هكذا تختلف هذه العلاقة باختلاف نوع المجتمع، فإذا كانت شخصية الفرد تذوب لصالح الجماعة في المجتمعات المسماة مغلقة كالعشيرة أو القبيلة.
أما في المجتمعات المتقدمة و المسماة منفتحة فتظهر النزعة الفردية الشيء الذي يؤهل الفرد للشعور بالعزلة و الانطواء و يؤدي في آخر المطاف إلى ظهور سلوكات مضطربة أو منحرفة و هذا يطرح على العلوم الإنسانية أعباء جديدة من أجل دراسة تلك الظواهر و توجيهها و التحكم فيها.


III. الشخص و دوره في بناء الشخصية:
إن الانتقال من الاهتمام بالإنسان كذات في الفلسفة إلى الاهتمام به كموضوع مع العلوم الإنسانية واكب تطور الثورة الصناعية في المجتمعات الغربية، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تتطابق النماذج التي وضعتها العلوم الإنسانية مع حقيقة الشخصية في مختلف أبعادها، أم أنها مجرد نماذج نظرية لا تعكس حقيقة الذات و ما تملكه من وعي و قدرة على التحرر و تجاوز مختلف الشروط التي تحيا ضمنها و ما هي مخلفات تلك النظرة العلمية على فلسفة الإنسان ؟
لقد تبين لنا أن علوم الإنسان تؤكد على أن هذا الأخير محكوم بمجموعة من من الحتميات هي التي تشرط وجوده و توجهها عبر قنوات لتصاغ بكيفية لا شعورية و عن طريق إكراهات المؤسسات الاجتماعية، فمعظم العلوم الإنسانية تؤكد أن الإنسان لا يعدو كونه مفعولا به و نتاجا لتفـاعل بنيـات و قواعد مؤسسية مختلفة تمارس عليه فعلها و إكراهاتها.
إن الإنسان لم يختر والديه و لا المجتمع الذي يعيش فيه و لا اللغة التي يتكلمها، كما أنه يدخل خلال عملية مستقلة عن إرادته، فمدرسة التحليل النفسي تؤكد أن الشخصية محكومة بحتميات لاشعورية هي التي تحدد في آخر المطاف الطابع المميز للشخصيات، و في نفس الوقت تؤكد الدراسات السوسيولوجية و الأنتروبولوجية على أن المجتمع يمارس تأثيره على الأفراد و يحدد أدوارهم و وظائفهم، و هكذا تبدو الشخصية من منظور العلوم الإنسانية عبارة عن نماذج نمطية جاهزة يتأطر ضمنها الأفراد بشكل موضوعي و مستقل عن إرادتهم، الشيء الذي سيدفع البعض إلى اعتبار كل النزعات العلمية التي تتبنى هذه الأطروحات بأنها ضد إنسانية و أنها حولت الإنسان إلـى شـيء و نزعت عنه كل خصوصيات الذات المتمثلة في الإرادة و الوعي و الحرية و التلقائية و بذلك تكون قد قتلت الإنسان.
إن قتل الإنسان هنا يتخذ معنى خاصا جدا، فهو من جهة إلغاء لذاتيته و لكل ما هو خاص فيه، و من جهة أخرى تحويله إلى موضوع يتم تناوله من زاوية معينة و اعتبار الجزء محددا للكل.




الشغل
•الشغل والحياة
•نظريات حول الشغل
•تقسيم العمل
•قيمة العمل

الشغل والحياة
يبدو على نحو مؤكد أن الناس اشتغلوا على الدوام , وأن كل إنسان خلال حياته , قد أنجز بشكل أو بآخر مجموعة من الأعمال فحتى الحياة الترفة تتطلب على نحو ما بذل مجهود متواصل أو عمل متواصل . بداية إلى كل ولادة يصاحبها نوع من الآلام , وبذلك يكون العمل مرفوقا بالألم . إن هذا اللفظ مشتق من اللاتينية تريباليوم الذي يدل على آلة التعذيب " تري" " ثلاثة" و" باليوم" " الأوتاد" ولهذا فإن دلالات العمل العميقة لازالت تحل في طياتها هذه الأبعاد المخيفة ولهذا فإن الخطاب السياسي الرسمي حول " العمل" يكون دائما موضوع احتفالية تمجيدية كما لو أن الأمر يتعلق بإسدال ستار من النسيان حول الدلالة المرتبطة " بالتعب" و" العمل الشاق لكن الأمر في الفلسفة يتعلق بمقاربة خاصة للشغل منذ آدم سميت وكذا علماء الاقتصاد في القرن 18 . ذلك أنه إذا كان لابد من الخضوع للضرورة المتمثلة في " ممارسة التعب " فعلى العكس من ذلك فإنه بهذا المعنى هناك قلة من الناس الذين يمارسون بالفعل " الشغل" بهذا المعنى إذا كان الأمر يتعلق بنوع من العلاقة بين الانسان والطبيعة حيث يكون هذا الانسان وسيطا موجها , وضابطا ( ماركس, الرأس مال .( (ص 5.) III
وعلى هذا النحو لا يعتبر الشغل مجرد قيمة بل مصدرا لجميع القيم بمعنى مصدرا لجميع الثروات الاقتصادية إنه الأداة التي من خلالها يتجاوز الانسان محيطه الطبيعي ويتحرر من الشعبة للطبيعة . وفي هذا الصراع فإن العامل بالمعنى الدقيق للكلمة هو الذي يحمل الصدارة لانه هو الذي يحتفظ على العلاقة المباشرة بالوقائع المادية . وهو الذي يدرك معنى " أن يكسب قوته بعرق جبينه" لأن العمل يرتبط بمعنى الخطيئة الأصلية في جميع الديانات السماوية للبشرية التي عليها أن تعتمد على مجهوداتها الخاصة وعلى كدها قبل أن تطلب المساعدة الإلهية " ساعدني فليساعدك من في السماء" . ولكن العمل بلغة هيجل هو عبارة عن " صلة للعقل" بواسطتها يتموضوع الانسان بشكل يسمح له بأن يقتصد ويحافظ على قواه الخاصة , بحيث يوظف هذه القوى ليمكنها من أن تستخدم بعضها البعض كقوى أولية طبيعية ويكون العمل مجرد واسطة إن فعالية العامل ليست مباشرة ولكنها مجرد وسيلة تتجسد في الآلة او الأداة .
ولهذا فإن فرانكلين , وبرودون وماركس وكذلك برجسون يعرفون الانسان كل على حدة بأنه " حيوان صانع للأدوات" إلا أن الآلة لا تحمل غايتها في ذاتها , ومن جهة أخرى فإن منتوج أي عمل إنساني ( منزلا كان أو باخرة ,آلة أو أرضا مزروعة ) يلزم عنه بالضرورة القيام بأعمال أخرى ( الصيانة – التعهد والاصلاح) إن الشغل نفسه ضد مضيعة الوقت , وكل نتيجة للعمل هي مناسبة للقيام بالعمل من جديد . ولهذا فغن تحرر الانسان تجاه الطبيعة يبقى دائما وبالضرورة عملا شاقا ومضنيا .

نظريات حول الشغل
لقد كانت اليونان القديمة تنظر الى الشغل باعتباره فاعلية مهنية , رغم ضرورته, إن احتقار العمل باعتباره يستعبد الفكر ليهتم بالمادة ( أفلاطون) هذه النظرة هي في الواقع سببا ونتيجة في نفس الوقت لمؤسسة العبودية . وبما أن" النزف لا يمكن أن ينسج من تلقاء ذاته " فإن الآلات الحية ( الأدوات ) من أجل أن توفر الحياة الراقية للعقول المتأملة , والتي وظيفتها إنتاج الفكر النظري ( أرسطو)
وفي تقاليد الزبور, فإن الضرورة التي يقتضيها الشغل ناتجة عن الخطيئة الأصلية . ولهذا فإن الشغللا يعتبر فاعلية مهنية من الآن فصاعدا , ولكنه عبارة عن كفارة وامكانية للتوبة فالانسان ككائن مذنب عليه أن يشتغل حتى يثبث لربه ( الله) أنه خاضع لمشيئته وأنه محب له .
البروتستانية هي التي اعتبرت الشغل الى فعالية شاقة وعقيدة دينية في نفس الوقت وبذلك يكون الشغل عبارة عن ديانة تطهيرية .

إلا أن الكلفيشية القدرية ( الناس إما مدانون أو مختارون ) خلفت نوعا من القلق فاعتبر ماركس أن هذا الاسقاط الديني لا معنى له ذلك أنه في عالم التجارة , فإن النجاح أو الفشل لا يتوقف على إرادة الانسان بل أنه محكوم بظروف خارجة عن إرادته ولا تتوقف على نشاطه الخاص وبهذا كان ينظر الى النجاح المهني راجع الى لعناية الالهية وأن من حالفه ذلك فهو الأخيار . إن التطهيريين كانوا يحتقرون الراحة والمتعة , ومن تم فإنه ينبغي العمل لا من أجل التدبير والبذح بل من أجل التوفير وإعادة استثمار ماتم ادخاره في مشاريع جديدة .
هذه العقيدة البروتستانية شجعت بذلك فكرة التراكم الرأسمالي بهدف الاستثمار .

إن التقارب التاريخي بين العقيدة البروتستانية والرأسمالية قد وضحها بشكل كاف ماكس فيبر , وفي ما بعد , وبعد أن ترسخت الرأسمالية فإنها طلقت البروتستانية .

الاشتراكية حافظت من البروتستانية فكرة أن الشغل غاية في ذاته , لكن ماركس يرفض المضمون الديني لهذه الفكرة : فعلى الأرض وليس في السماء يجب تقرير مصير الانسان , ولكنه لا يمكن أن يتقرر إلا من خلال الشغل فبعيدا عن ان يكون هذا الاخير محطا من قيمة الانسان , فغنه هو الذي يحقق للانسان كرامته وقوته وأخيرا يمنح لوجوده معنى بل يحقق هذا الوجود .
فالشغل يخلق الانسان ذاته , لكن شريطة أن يكون بالفعل أداة للتحرر , وليس وسيلة للاستعباد ولهذا على كل إنسان أن يشتغل كما يجب القضاء على تقسيم المجتمع الى طبقتين ( البرجوازية والبروليتاريا) بمعنى آخر يجب القضاء على استغلال الذي يشتغلون من قبل الذين لا يشتغلون .

تقسيم العمل
إن الحدث الانساني الاساسي هو توزيع الأنشطة والمهام بين الأفراد داخل نفس المجتمع : إنه تقسيم العمل بالنسبة لعدد كبير من المفكرين ( أفلاطون – سبينوزا – كانط- دور كاريم) فان تقسيم العمل يعتبر مؤشرا موضوعيا على درجة تقدم وتحضر المجتمعات .
من الناحية الاجتماعية فإن العمل يقسم تبعا للجنس أو للطبقات ( الهند) أو تبعا لموازين القوى ( أسرى الحرب ) أما وظيفيا فهو مقسم تبعا للمهن وفي مجال الصناعة فإن كل منهما تتفرع شعبا مختلفا ( مثلا في مجال المعمار : البناءون , الحدادون , والكهربائيون ...) أما من الناحية التقنية ينقسم الى مجموعة من الحركات البسيطة , الجزئية والمتماثلة ( التايلورية ) إن الغاية من التقسيم الوظيفي للعمل حسب دوركايم هو دعم حدة الصراع من أجل الحياة . فبفضل تقسيم العمل – الشكل المخفف للمتنافس الحيوي.

فإن المتنافسين ليسوا مضطرين للقضاء على بعضهم البعض بل يمكنهم أن يتعايشوا جنبا الى جنب.
من الناحية التقنية فان تقسيم العمل كانت الغاية الأساسية منه هو أن يحل المعمل محل المانيفاكتورة ان المكننة فرضت نفسها حينما تم تبسيط حركات العمل وتجزئ العمليات التي كانت تشكل النشاط التام والكامل للصانع التقليدي .
غير أن نتائج تقسيم العمل تكتسي طابعا متناقضا فمن جهة ان المصالح الخاصة بين البعض والبعض الآخر تبدو متنافرة : فالمجموعات المهنية والنقابات العمالية تتكاثر , والوحدة الاجتماع تزداد ضعفا و" التضامن العضوي" يتراخى ومن جهة أخرى نجد" التضامن الميكانيكي" يتصاعد من خلال تلبية وإشباع الحاجات الجماعية.وتزداد تبعية الفرد في تلبية حاجاته المتصاعدة من خارج المجموعة التي يمارس نفس نشاطها , وتزداد هذه التبعية كلما تزايد التخصص في العمل .
إن التقسيم التقني للعمل الآلي الصناعي يتطلب بالضرورة الفصل بين المهام النظرية ( التصميم) وبين المهام العملية التطبيقية ( الانجاز)
" أنتم لستم هنا من أجل التفكير " يقول تايلور للعمال . إن السؤال الشائك/ المعضلة الذي طرحه أرسطو هو نفسه الذي واجه ماركس ألا وهو العلاقة بين التقسيم بين العمل اليدوي والعمل الفكري . وهكذا طرح السؤال من جديد , ومن خلاله يطرح سؤال آخر أكثر أهمية ألا وهو قيمة العمل في حد ذاته .

قيمة العمل
إن الكثير من الفلاسفة يرفضون تقديس العمل في حد ذاته فليس هناك عمل من أجل العمل لأن هذا سيكون مجرد نشاط مجرد , بل إنه من أخطر ما يمكن أن يكون من التأملات .
فروسو في كتابه " خطابات حول العلم والفن " ( 1750) يدعو الى العودة الى الحقبة الأولى من تاريخ الانسانية الى مجتمع التمتع بأوقات الفراغ حيث العداء لكل أنواع الترف والبذخ والمظاهر وحيث الشغل يصبح مرادفا لإشباع الحاجات الحيوية والضرورية .

أما شارل فوربي فيدهب أبعد من ذلك حينما يقترح إيجاد عمل اجتماعي مناسب لكل ميولات الانسان واستثمار كل الرغبات الانسانية بما في ذلك تلك التي تعتبر الآن عيوبا حتى نضفي على الشغل طابعا " جذابا"
في هذه الوضعية التي نسميها " حضارة " والمأجورين للصناعة " فليس هناك شيئ آخر نعرفه بعد العبودية غير الخوف من المجاعة , والعقاب " ينبغي على العكس من ذلك إعطاء العمل طابعا جذابا من خلال إتاحة الفرصة للرغبات الغير متحكم فيها , حتى تتمكن من التعبير عن نفسها بشكل حر وفي فترات وجيزة .
أما ماركوز فإنه يدين العمل في طابعه القمعي والمبلد ويرغب في إلغاء ضرورة العمل الذي يشمل إحدى الوسائل البارزة للاكراه الاجتماعي .

هذا الاكراه الذي يمثل بالنسبة للعديد من الناس أكثر صعوبة ومشقة من العمل ذاته .
يقول في كتابه " الحضارة والجنس" " يجب أن يخصص أقل وقت ممكن من أجل تلبية الحاجات الحيوية للجماعات البشرية "
وبذلك لن يعتبر العمل إكراها , بل سيتحول الى نوع من التسلية .



العقل

من الدلالات الى الإشكالية :
يعتبر العقل في نظر العامة من الناس بمثابة ملكة تميز الانسان عن باقي الكائنات الأخرى على مستوى السلوك و التفكير وعلى هذا الاساس يتم التمييز بين الإنسان العاقل و الفاقد للعقل أو مختله أو ناقصه . إن الإنسان العاقل قد يفقد عقله أو صوابه حينما يخضع للغرائز أو يلجأ الى ممارسة العنف أو ينخرط في الخرافة و السحر و الشعودة .إن هذا التداخل بين العقل و اللاعقل في الدلالة المتداولة يجعل طرح السؤال ما هو العقل و الجواب عليه أمرا ضروريا خصوصا و أن الفلسفة تقدم نفسها كتفكير عقلاني و مؤسس للعقل في نفس الوقت .
يعرف لالاند العقل باعتباره ملكة للمعرفة تميز الانسان عن الحيوان و المعرفة خاصة بكل فرض ، كما ان العقل في نظره يمكن أن يكون موصل للمعرفة و من تم يمكن القول أنه داتي و موضوعي متعدد الأشكال كليا كونيا و ضروريا في مقابل الخيال و الوهم نسبيا و محدودا في مقابل المعرفة الآلاهية المطلقة .
و يمكن التعبير عن مختلف الإشكاليات التي ترتبط بمفهوم العقل من خلال التساؤلات التالية :
هل يعتبر العقل فطريا طبيعيا أم ثقافي مكتسب ؟ هل العقل وحده كاف لإنتاج المعرفة و بلوغ المعرفة أم أن عملية المعرفة تقتضي تدخل كل من التجربة و الحواس؟ من أين يستمد العقل المبادئ التي يؤسس عليها المعرفة و هل العقل حرية و انفتاح أم أنه قيد و انغلاق ؟ و أخيرا ما هي الحدودالفاصلة بين العقل و اللاعقل ؟ ألا يمكن اعتبار هذه الحدود من صنع العقل نفسه.

. العقـل طبيعتـه و وظـائفـه:
لقد تأسس العقل في الفلسفة اليونانية باعتباره عقـلا كليا كـونيا هو أسـاس النظـام و الانسجام في هذا العالم، يقابله عقل إنساني ناقص لكنه يسعى إلى تجاوز هذا النقص عن طريق التأمل و التحرر من الجسد و غرائزه و أهوائه، و لقد تأسس العقل عن طريق التأمل بعد أن انتقـل الفكـر اليـوناني من الاعتمـاد علـى مـا هو شفـوي [ الميتوس ] إلـى مـا هو مكتـوب [ اللوغوس ] لأن الأدب المكتوب عموما يخضع لمجموعة من القواعد التي تجعله أكثـر تنظيما و دقة من الحكـاية الشفوية إضـافة إلـى الدقة فـي الاستدلال و تقـديم الحجـج و البراهين.
و هذه النظرة الكلية و الموضوعية للعقل سيتم تجاوزها مع تأسيس الفلسفة الحديثة مع ديكارت و سيصبح العقل ذا مفهوم ذاتي ضيق العقل ملكة بها يفكر الناس و يحكمون، أن تكون عاقلا معناه أن تعرف كيف تستخدم ذكاءك هكذا سيصبح العقل أداة لمعرفة مختلف الظواهر الكونية و تسخيرها لصالح الإنسان لكن ما طبيعة هذه الملكة، هل هي طبيعة فطرية أم ثقافية مكتسبة، و هل العقل وحده الأداة التي تمكننا من إنتاج المعرفة، أم أن المعرفة عملية مركبة أم لكل من العقل و الحواس دور في إنتاجها ؟
هناك تصوران بخصوص طبيعة العقل؛ الأول نجده عند ديكارت، و الثاني نجده لدى الفلاسفة التجريبيين [ دافيد هيوم، جان لوك ].
الموقف الأول يركز على اعتبار العقل ذو طبيعة فطرية، فكل الناس يولدون و هم مزودون بهذه الملكة و لهذا يعتبر ديكارت أن العقل هو أعدل قيمة بين الناس جميعا، و إنهم يتساوون فيه بالفطرة و لكن يختلفون في طريقة استخدامه. لكن ما ينبغي أن نفهمه من فطرية العقل هو أن ديكارت يعتبر هذه الملكة تتضمن مبادئ فطرية هي أساس قدرتنا على ممارسة مختلف العمليات الذهنية أو العقلية بسيطة كانت أم معقدة، و هذه المبادئ هي: مبدأ الهوية – عدم التناقض – الثالث المرفوع – السببية و الحتمية.
إن ديكارت يعتبر أن الوظيفة الأساسية للعقل هي إنتاج المعرفة من خلال ممارسة التأمل العقلي بل أكثر من ذلك بل يعتبره المصدر الوحيد للمعرفة الحقة أما الحواس فلا دور لها في عملية المعرفة لأنها خداعة، ضد هذا التصور العقلاني الذي يجعل المعرفة من إنتاج العقل

الاستدلال : عملية عقلية يتم من خلالها الانتقال من ما هو معلوم إلى ما هو مجهول
الوجود : Ontos
العرض : ج. أعراض و هي الخصائص المتغيرة
الماهية أو الجوهر : الخصائص الثابتة للأشياء و للإنسان
وحده، نجد التصور الثاني الذي يمثله الفلاسفة التجريبيون الذين يعتبرون ألا وجود لشيء اسمه العقل بمعزل عن الحواس أو التجربة الحسية، فكل معارفنا تبتدئ بالحواس، بما في ذلك ما اعتبره ديكارت مبادئ فطرية و على هذا الأساس يصبح العقل متغيرا من شخص لآخر على اعتبار أن تجاربه تختلف الشيء الذي ينتج عنه إمكانية تغير العقل من مجتمع لآخر و من مرحلة تاريخية أخرى، إلا أن هناك موقفا ثالثا يمثله إيمانويل كانط و الذي حاول التوفيق بين التصورين العقلاني و التجريبي.
يعتبر كانط أن هناك مفهومين سابقين على كل تجربة و هما الزمان و المكان، في الزمان ندرك تآني الظواهر أو تتاليها أو تعاقبها. أما في المكان فندرك مختلف المعطيات الحسية كالشكل و الهيأة و الألوان و الأحجام إلا أن هذه المعطيات الحسية تبقى مجرد مدركات حسية ذات طابع مشتت و مفكك كما لو كانت لا رابط بينها و لا يمكن أن تتحول إلى معرفة إلا من خلال المفاهيم العقلية التي نعطيها هيأة و صورة.
إن كانط يتفق مع التجريبيين في كون كل معارفنا تبتدئ بالحواس و لكنها تنتهي عند المفاهيم العقلية الشيء الذي يعطـي لموقفه طـابعا توفيقيا لكـن ما حدود العقـل بالنسبة لكـانط أو بمعنى آخر ما هو المجال الذي يمكن للعقل أن ينتج فيه معرفة حقيقية ؟

يميز كانط بين نوعين من العقل، العقل العملي و العقل النظري، إن النوع الأول يمكن أن ينتج معرفة يقينية لأنه يستند إلى التجربة بمفهومها الواسع حسية و عملية و أخلاقية، فهي تسكح بإعادة النظر أو تعديل أو مراجعة ما تم اكتسابه من معارف، أما العقل النظري أو العقل الخالص (هو العقل المنقطع عن التجربة) فله موضوعات من نوع خاص هي القضايا الميتافيزيقية، إذا عدنا إلى تاريخ الفلسفة و حاولنا البحث في المعارف التي تم إنتاجها في مجال هذه القضايا، فسنجد أن العقل النظري أنتج حقائق متناقضة بشأنها، و لهذا اعتبر كانط أن العقل حينما لا يسند إلى التجربة يصبح عقلا جداليا سجاليا، و لهذا فإن المجال الوحيد الذي يمكن للعقل أن يقدم فيه معرفة يقينية هو ذلك المجال المرتبط بمجال التجربة العملية.

.العقـل أو اللاعقـل:
حينما تعرف الإنسان بأنه كائن عاقل فهذا التعريف يبقى عاما و مجردا و هو ينطبق على الإنسان كنوع من أنواع الكائنات ااحية فنميزه عنها بهذه الصفة لكن التجربة اليومية تبين أن أفعال الناس و سلوكاتهم يتقاسمها العقل و اللاعقل و لهذا المعنى قال إريك فايل: [ إن كان

الميتافيزيقا : ما وراء الطبيعة و هي البحث في العلل و الأسباب الأولى للوجوديات
السجال : الحوار العقيم الذي لا يفضي إلى نتيجة
الجدال : الحوار مع التشبت بنفس الرأي
الإنسان عاقلا فالناس ليسوا عقلاء ]، فالعقل و اللاعقل يتقاسمان أفعال الناس و علاقاتهم فيما بينهم. و لقد حاول فريدريك نيتشه أن يبين أن العقل ليس سوى قوة نوظفها لحفظ الحياة و من ثم فإن المعرفة ينتجها العقل تشكل جزءا من الحياة ذاتها غير أنه نشأ وهم بأن العقل معارض للحياة و أنه منتج للمعرفة و الحقيقة و القيم الأخلاقية المعارضة للأهواء و الغرائز في حين أن العقل لا ينتج حقائق بقدر ما سنتج أوهاما و أخطاءا ثبت نفعها في معركة الصراع من أجل البقاء.
إن الوهم ناتج عن مصدرين أساسيين هما الاعتقاد بإمكانية إنتاج الحقيقة من خلال الاعتماد على اللغة ثانيهما الرغبة في العيش في أمن و سلام و لهذا فالإنسان لا يوظف عقله من أجل قول الحقيقة و كشفها بل إنه يعمل على إخفائها رغبة في تفادي الصراع مع الآخرين.
و في نفس السياق حاولت مدرسة التحليل النفسي مع سيغموند فرويد أن تبين أن العقل ليس سوى جزء منفصل عن اللاعقل (منطقة اللاشعور) حيث تجري مختلف العمليات اللاشعورية التي تكشف عن نفسها في صور و أشكال تبدو لاعقلية كالأحلام و الهذيانات، و لكن التحليل النفسي يظل وحيا للعقل من خلال محاولته كشف المعقولية وراء لامعقولية الأحلام.
إن المختل عقليا حسب تصور فرويد ليس ذاك الإنسان الغير عاقل بل إنه شخص فقد مبدأ مراعاة الواقع كمبدأ السببية و التمييز بين الممكن و المستحيل و المناسب و الغير مناسب. إن الأهواء و الرغبات لا تقصي العقل بل إنها توظفه بشكل مفرط في الدقة و الذكاء و هذا ما تدل عليه مختلف الإبداعات الفنية سواء في مجال الشعر أو الروايات الأدبية.
إن العقل يوظف الخيال في إعادة رسم خريطة الواقع و إعادة شكيله في صور تفسح المجال أمام تجريب الممكن، فالروايات الأدبية توظف الخيال بصورة مفرطة في الذكاء، فالعقل يمتـزج بالعاطفة و الوجدان فينتـج روائـع أدبية إبداعية لا تقـل قيمة عن إبـداعات العقـل المنطقي و لكن العقل قد يساء استخدامه حينما يتم تحويله إلى قوة قمعية.

العقـل المنغلـق و العقـل المتفتـح:
لقد اعتبرت الفلسفة الكلاسيكية أن العقل قادر على إنتاج المعرفة انطلاقا مما يتضمنه من مبادئ فطرية اعتبرت خالدة و متأصلة فيه.
الصدفة : بمفهومها العلمي اجتماع مجموعتين من الأسباب مستقلتين عن بعضهما في فترة واحدة
النسبية : هي النظرية الفيزيائية التي أقامها انشتاين و تعتبر أن جميع الحقائق تكتسي صحتها انطلاقا من المعطيات التي اعتمدتها، و كل تغير فيها يؤدي إلى تغير تلك الحقائق
مبدأ الهوية – عدم التناقض – الثالث المرفوع – السببية – الحتمية ]
و على هذا الأساس ظل العقل يشتغل و ينتج معرفة و يعمل وفقا لذلك على تجريد الواقع من حركته و صيرورته و تناقضاته و ينفي كل الفوارق بين الأشياء و الذوات و يدخلها في شبكة من العلاقات تخفي تفردها و اختلافاتها واثقا من ثبات القوانين الطبيعية و حتميتها إلا أن تقدم العلوم الحديثة و تعرضها لأزمات داخلية خلال القرن 19 أديا إلى ظهور عقلانية جديدة مغايرة « للعقلية » للعقلانية الكلاسيكية، فبدل أن يتم تصور العقل بنية قبلية قائمة بذاتها و سابقة على كل معرفة أصبح ينظر إليه كأداة لإنتاج المعرفة لكنها تنمو و تتطور من خلال عملية إنتاج المعرفة ذاتها.
و هكذا أصبح العقل ينفتح على موضوعات جديدة و يوسع تصوراته و مبادئه لاستيعاب وقائع جديدة لم يكن يشتغل عليها من قبل مثل النقائض الرياضية و اللاحتمية الفيزيائية و الصدفة و الاحتمالات و قد استخلص كاستون باشلار نتائج هذه التطورات بالنسبة للعقل حين قال [ ينبغي إعادة العقل إلى الأزمة و إثبات أن وظيفة العقل هي إثارة الأزمات ] ذلك أن العقل يعيد النظر في تصوراته و مفاهيمه و مناهجه حينما تحدث أزمة معرفية فيحاول تجاوزها من خلال إيجاد حلول جديدة و هذا ما وقع في الفيزياء الحديثة حينما انتقلت الفيزياء من دراسة الظواهر الماكروسكوبية (الكبرى) إلى الظواهر الميكروسكوبية كالذرة و مكوناتها، لقد أصبح لزاما على الفيزياء الحديثة أن تعيد النظر في خطوات المنهج التجريبي، فبدل الملاحظة المباشرة سيتم اللجوء إلى الملاحظة الغير مباشرة.
كما أن ظهور نظرية النسبية مع إنشطاين سيؤدي إلى إعادة النظر في مفهومي الزمان و المكان و سيتم دمجهما في بعد واحد: الزمكان، كما أن التحولات الاقتصادية و الاجتماعية التي عرفتها أوربا و خاصة الأزمتين الاقتصاديتين و الحربين العالميتين سيؤديان إلى إعادة النظر في دور العقل و ستظهر نزعات لاعقلانية في مختلف مناحي الحياة الثقافية و خاصة في مجال الأدب و الشعر و المسرح.
و حينما يوظف في السيطرة على الإنسـان من خـلال تبرير عـلاقات الاستغـلال القائمة و بصفة عامة حينما يتحول من تقنية للسيطرة على الطبيعة إلى تقنية للسيطرة على الإنسان و بهذا يفقد العقل وجهه الإنساني و لهذا يتخذ كانط موقفا نقديا تجاه هذا الوجه السلبي لاستخدام العقل، فالعقل في نظره يمثل رمزا لحرية الإنسان و مسؤوليته و من ثمة فهو يتنافى مع الوصاية و التبعية، و لتجاوز ذلك يدعو كانط جميع الناس إلى استخدام عقولهم على قدم المساواة، فطالما انفردت فئة من الناس باستخدام العقل نيابة عن الآخرين فإن ذلك يولد الوصاية و التبعية التـي تعنـي الخضوع لمشيئة الغيـر في حين أن العقـل في بعده الإنساني استقـلال و مسؤولية و كرامة.
إن ثنائية العقل و اللاعقل في الإنسان هي ثنائية يقيمها العقل ذاته ليميز بين ما هو منحط و ما هو سام في الإنسان و هذا ما جعل الكثير من ردود الأفعال تبرز في شكل اتجاهات فكرية كالنزاعات الرومانسية و السريالية و الوجودية، فوحدة الإنسان تجعل منه كائنا تتظافر مختلف جهوده من أجل الحفاظ على هذه الوحدة و يتدخل العقل ليلعب دور المنظم لهذه القوى حتى يتحول ذلك إلى انسجام فيما بين كل مكونات الإنسان






الغير

•التقديم
•وجود الغير و معرفته
•العلاقة مع الغير


التقـديــم
غالبا ما نقول لسنا وحدنا في هذا العالم" لكن هذا القول قد تترتب عنه نتائج بعيدة المدى حينما يتم التفكير فيه فلسفيا، فإنه يعتبر حقيقة أولية و بذلك سيطرح تساؤلا حول مصير الكوجيطو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود"، و إذا افترضنا صحة هذا القول "لسنا وحدنا في هذا العالم" ألن يتحول الكوجيطو إلى حقيقة ثانية و بالتالي لن يصبح بديهيا بل مجرد عمل فكري بناء، و لكنه ذو طبيعة شكلية، إننا بالفعل لسنا وحيدين في هذا العالم و لن نكون كذلك أبدا حتى في جزيرة مقفرة بل سنكون على علاقة دائمة بالآخرين لأنهم سيشغلون حيزا من تفكيرنا و يعطون معنى لأفعالنا، إذ ما يمكن أن يترتب عن القول: أنا أفكر إذن أنا موجود إن لم يكن مجرد تجربة فردية و ميتافيزيقية بالمعنى الدقيق، أو تجربة ذات بعد تخيلي إلى حدود ما يمكن أن يتصوره الفكر، إلا أن حضور الغير كموضوع للتفكير و كمشكلة فلسفية لم يظهر إلا في فترة زمنية متأخرة بالنسبة للفلسفة و بالتحديـد في فلسفة هيكـل، فما كان يشكل و يشغل مجال التفكير البشري و المعرفة الموضوعية التي يتواجه فيها الطرفان من جهة الذات العارفة و من جهة أخرى موضوع المعرفة. و على هذا الأساس ما كان موضوع اهتمام أولي هو البحث عن الأسس التي تقوم عليها الحقيقة و العلوم في شكل مواجهة بين الوعي الذاتي المتمثل في أنا أفكر و بين الواقع الخارجي كموضوع وحيد.
إن هذه المواجهة الجذرية بين الإنسان و العالم تستبعد أي تدخل أو حضور لطرف ثالث باستثناء الله، الذي يستدعيه ديكارت ليضمن الحقيقة في مجال العلوم و التي تم التوصل إليها عن طريق المنهج العقلي و هكذا فالمعرفة العلمية الموضوعية لا ينبغي أن يتـدخل فيها طـرف ثـالث: لا المجتمع و لا التاريخ و لا الرغبات بل و لا حتى الغي.

وجود الغير و معرفته فعليا و موضوعيا فإن الغير لا يوجد في حد ذاته، ففي العالم الموضوعي للمعرفة العقلية فإن الموجودات البشرية الأخرى، ليست إلا شيئا من ضمن أشياء العالم الخارجي، و يمكن أن تضاف ماديا إما إلى الحيوانات الآلات أو إلى كائنات أوتوماتيكية و من حجم أو قامة معينة، و لها وزن محدد بمعنى أنه يتحرك بطريقة عشوائية في مكان محدود، أما من الناحية العلمية فإن الغير ليس إلا من أشياء العالم الخارجي، لكنه شيء تبدو تصرفاته ظاهريا جد معقدة و أقل انضباطا و توقعا مما يمكن أن يكون منحنى حجر أو مجرى نهر أو مدار كوكب، يقول ديكارت: "لو نظرنا إلى الناس من نافذة في شرفة البيت و هم يتحركون في الشارع فماذا سنرى أكثر من المعاطف و القبعات التي تكسو أشباحا أو أناسا باهتين يتحركون بواسطة لوالب" التأملات التالية:
هكذا و في منتهى التحدي لما يمكن أن يحول بين معرفة الحقيقة فإن ديكارت يستبعد من مجال تأملاته حضور الغير، و بذلك انتهى إلى القول: [ كل ما أنا متأكد منه أني وحدي موجود ] يبقى إذن أن وجود الآخر أمر جائز محتمل لكنه قابل للشك.

إن دخول الغير إلى مجال الإدراك أو المعرفة سيقلب الأمور رأسا على عقب و سيفرض عليه فقط إعادة النظر كليا في مسألة المعرفة بل في كل القضايا المتعلقة بالموضوعية و العلم و وعي الذات بطبيعتها.
و هكذا نجد أن طوماس هوبس في مقطع مثير للجل يعتبر أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، إلا أن روسو سيرد عليه بأن الإنسان خير بطبعه، أما كارل ماركس فسيعتبر [ أن الصراع الطبقي هو المحرك للتاريخ البشري ] في حين سيؤسس كونط تحت اسم السوسيولوجيا ديانة للبشرية يشكـل شعار [ العيش من أجر الغير ] أحد تمثلاتها.
إن كونط يظهر هنا كوريث لأرسطو الذي اعتبر الإنسان حيوان سياسي ينتج عن ذلك أن علاقة الفرد مع بقية الكائنات البشرية الأخرى ليست ذات طابع هدفوي لكها علاقة بناءة، هكذا يبدو أن العلاقة مع الغير هي علاقة مؤسسة و تكتسي طابعا مصيريا، ذلك أنها تقوم على أسس معينة و لكنها أيضا لا تكف عن التغير، و يمكن أن تتخذ أشكالا أكثر تنوعا إن لم تكن أكثر تناقضا بل هي الشكل الأرقى المعبر عن طبيعة الوضعية الإنسانية.

ضد الموقف الديكارتي الذي يؤكد على الوجود الذاتي الخاص سيقدم هيجل العلاقة مع الغير في إطار جذري حينما قدم أطروحته "صراع الوعي حتى الموت من أجل الاعتراف"، لقد اعتبر هيجل أن الإنسان يكون واعيا بذاته و بذلك ينغمس في إشباع رغيته الطبيعية و لا يخرج من هذه المرحلة إلا حينما يرغب رغبة غير طبيعية و هي ما يسميها هيجل برغبة الرغبات.

يقول هيجل: "إن الفرد الذي لم يغامر بحياته يمكن أن يعترف به كشخص، و لكنه لن يدرك أبدا حقيقة هذا الاعتراف، كاعتراف بوعي الذات بذاتها المستقلة". إن الاعتراف يقتضي بالضرورة الدخول في صراع مع الغير، إنه صراع يغامر فيه كل طرف بحياته بطابعها الحر و المستقر، إنها مغامرة يخاطر فيها الطرفان معا بحياتهما من أجل الحياة و الموت، لكن الموت الفعلي لأحد الطرفين لن يحقق هذا، بل يحقق تفضيل أحدهما للحياة على الموت و بذلك يتجلى ارتباط الطرف المستسلم بالعالم المادي المحسوس فتتشكل العلاقة الإنسانية الأولى ألا و هي [ علاقة العبد بسيده ].
و في نفس الاتجاه يؤكد جون بول سارتر أن العلاقة مع الغير تتخذ بعـدا وجوديا و معـرفيا، و بهذا المعنى يقول إن الآخر شرط لوجودي كما لا غنى لي عنه في معرفتي بنفسي (انظر درس الشخصية).

إن هذا البعد المعرفي يطرح إشكالية أساسية ألا و هي: هل يمكن أن يكون الغير موضوعا للمعرفة، ألا تتحول العلاقة المعرفية إلى علاقة بين ذات عارفة و موضوع للمعرفة.

إذا كانت عملية المعرفة فعل يتم من خلاله إدراك موضوع المعرفة فهل ينطبق مفهوم الموضوع على الغير.
إن افتراض قابلية الغير للمعرفة ينتج عنه بالضرورة تحويله إلى موضوع و بذلك نجرده من معاني الذات التي أكد عليها الخطاب الفلسفي المتمثلة في الوعي و الإرادة و الحرية و التلقائية و بذلك يفقد الغير مقوماته بل إن هذه العلاقة المعرفية تحمل نوعا من التناقض و الاستحالة، و تخلق هوة سحيقة و عد ما يستحيل معه كل تواصل بينهما على قدم المساواة، لأن العلاقة المعرفية هي علاقة تشييئية لكل منهما لأنها قائمة على العلاقة المعرفية الخارجية، غيـر أن هـذه العـلاقة الموضوعية و التشييئية للغير تنطلق من موقع الأنا المفكر أو العقـل و نشاطهما القـائم على التجـريد و التقسيم و الحكم و الاستدلال، و يمكن تجاوز هذه العلاقة في نظر ميرلو بونتي عندما يدخل الأنا و الغير في علاقة الاعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته و وعيه و حريته، لكن علاقة الغير بالأنا تظل خارجية و تقيم حاجزا بينهما حتى حينما يدخلان في علاقة عاطفية وجدانية فمهما أشارك الآخر "صديقي" مثلا حزنه أو غضبه فإني أبدا لا أستطيع أن أتجاوز الحزن لحزنه و الغضب لنفسه، و لكني لا أعيش أبدا نفس الحالة العاطفية الوجدانية التي يعيشها هو.

إن علاقة الأنا بالغير تظل خارجية و لهذا تبدو معرفته في جوهره أمرا مستحيلا لكن هذا النفوذ إلى باطن الغير ضروري لاستجلاء أسراره، أليس الأنا الآخر شبيها بالأنا و مماثل له في طبيعته و جوهره، ألا يكفي أن يستبطن الأنا ذاته و يقيس أفعال الغير و سلوكاته و تعابيره على ما هو مماثل بالنسبة له، فإذا دلت الابتسامة عندي على الفرح فلماذا لا تدل على هذه المشاعر عند الغير، غير أن الافتراض القائم على إمكانية معرفة الغير عن طريق الاستدلال بالمماثلة ينطوي على مفارقة جوهرية ألا و هي: عندما أشاهد حركات التعبير الصادرة عني فأنا ألتقي من جديد بذاتي "أنا" و ليس بأنا الغير، و لذلك فحينما ينتهي حكم المماثلة إلى إثبات أنا مختلف عن أناي فإنه يقرر نتيجة خاطئة ثم إن المعرفة القائمة على المماثلة و التي تتخذ الأنا كمرجع لمعرفة الغير ليست يسيرة خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار مفهوم اللاشعور كما أسسه التحليل النفسي فنحن نحمل في أعماقنا حياة نفسية لاشعورية لا يصلها وعينا و يكون الغير المحلل النفسي وسيطا ضروريا لبلوغها.

و يطرح شيلر إمكانية تجاوز كل هذه الصعوبات إذا تجاوزنا خلفياتها الفلسفية القائمة على ثنائيات متعددة: جسم و نفس، ذات و موضوع، ظاهر و باطن، و اعتبرنا الغير كلا موحدا لا يقبل التجزئ و التقسيم و اعتبرنا حقيقة و هوية مجسدتان فيه كما يظهر الأنا، و حركات التعبير الجسدي لديه، حاملة لمعناها و دلالتها مباشرة كما تظهر، و في سياق تجاوز هذه الثنائيات قدم "جيل دولوز" تصوره للغير كبنية، بمعنى أن الغيـر ليس فردا مشخصا، بـل هو عبـارة عن نظـام من العـلاقات و التفاعلات بين الأشخاص و الأفراد كأغيار، يتجلى هذا النظام في الإدراك الحسي مثلا، فنحن لا ندرك الأشياء المحيطة بنا حينما ندركها من جميع جهاتها و جوانبها باستمرار، و هذا يفترض أن هناك آخرين يدركون ما لا أدركه من الأشياء، و إلا بدت الأشياء و كأنها تنعـدم حينما لا أدركها و تعود إلى الوجود حين إدراكي لها، و هذا يعني أن الغير يشاركني إدراكي، و كأنه يوجد على هامش إدراكي كمجال ممكن، إن هـذا الممكـن الإدراكي يكون تخييليا حينما يغيب الآخـرون عن إدراكي و يكون فعليا في حضورهم، فالوجه المفزع أو المخيف عن ممكن حاضر فعلا، و لكنه قد يكون تخيليا في غياب الحضور الفعلي إلا أنه لا يكون له نفس الأثر هذا التداخل بين الممكن التخيلي و الحضور الفعلي هو ما يجعل من العلاقة مع الغير ذات طـابع بنيوي معقد و هو الـذي يعطي معنى للأشيـاء و العالم مهما اختلفت علاقة الأنا بالغير.


هكذا يبدو أن العلاقة مع الغير لا يمكن اختزالها إلى مجرد علاقة معرفية، إنها أغنى و أعقد من ذلك، فهي في الواقع الفعلي علاقة مركبة عاطفية وجدانية، أخلاقية اقتصـادية، سيـاسية ثقـافية و اجتماعية، كما أنها تختلف و تتنوع تبعا لأوجه العلاقة مع الغير، كما يتجلى ذلك في الكلمات التي تؤرخ لسجل العلاقة مع الغير: الحب و الكراهية، الصداقة و العداوة، الإيثـار و الأنـانية، التعصـب و التسامح.

أوجه العلاقة مع الغير
إذا عدنا إلى الوصف الهيكلي للصراع حتى الموت من أجل الاعتراف فإنه لا يقدم صورة واقعية عن طبيعة العلاقة بين الذوات الواعية، و لا يأخذ في الاعتبار تعـدد أوجه العـلاقة مع الغيـر و التي تتخذ أبعادا متعددة، بين الابن و أبيه و الأم و ابنها، و عشيقيـن متيميـن، بيـن خصم و منافسه، بين معلم و مريديه، بين صديقين و أخيرا بين الضحية و الجلاد.
هذه العلاقات تتأسس لكنها لا تكف أن تتغير و يمكن أن تتخذ أشكالا أكثر تنوعا إن لم تكن أكثر تناقضا، إنها الشكل الأكثر تعبيرا عن طبيعة الوضعية الإنسانية، فأوجه العلاقة مع الغير تم طرحها بصيغ مختلفة، يمكن إجمالها في الصيغ التالية [ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ]، [ الإنسان إله لأخيه الإنسان ] سبينوزا، أو كما قال سارتر "الآخرون هم الجحيم"، [ إن أكبر عقاب لي هو أن أكون وحدي في الجنة ] مال برانش.
إن هذه الصيغ يمكن أن تجد مبرراتها بشكل من الأشكال، لكن الخطأ يكمن في دحض بعضها لصالح البعض الآخر بمعنى اعتبار جميع الناس من طبيعة واحدة و بالتالي اعتبار جميع الناس إما أشرارا أو أخيارا بينما هم في الواقع يقيمون فيما بينهم أشكالا متعددة من العلاقات، و قد حاول فرويد أن يجمل أوجه العلاقات مع الغير في 4 أنواع: [ إن الغير يلعب دائما في حياة الفرد دور القدوة أو المثل أو الشيء، أو المشارك أو الخصم ]، و لكن ينبغي أن نضيف أن هذه الأدوار لا تتحدد بشكل مطلق بل إنها تتغير بشكل جدلي، كما يبين ذلك سارتر.
إن كلا منا أو أيا منا، ممثلا كان أو رجل دولة أو إنسانا من عامة الناس يتمظهر في أوجه مختلفة و يستعمل الكثير من اللغات و يتصرف بطريقة خاصة حينما يفرض عليه ذلك مخاطبوه في ظروف محددة، إن الغير يكشف لنا عن غنى و تعقيد مشاعرنا الخاصة، هذه المشاعر التي تمتد من الأنانية المفرطة إلى الإيثار الاجتماعي، و هكذا فالغير ليس ذلك الوجه الآخر الذي نجده أمامنا وجها لوجه أو هو على مقربة منا، إنه أيضا ذلك الذي نجرده من ذواتنا و الذي يمكننا في التفكير في "نحن" قبل أن نفكر في الأنا، إننا نتمظهر إلى "النحن" الجماعي بشكل يتجاوز الأنا بصيغة المفرد النحوي كما لو كنا نجمع في ذواتنا مجموعة من الذوات الأخرى المغايرة تبعا لتغير الآخرين الذين نوجه إليهم الخطاب ذلك أن وحدتنا النفسية ليست معطاة بشكـل جاهـز و فوري، إنها في آخـر المطاف ناتجة و ناشئة عن اختيار صعب من بين مجموع الكائنات و الذوات التي نحملها في داخلنا، بينما يميل البعض إلى الحكم الموضوعي فإن البعض الآخر مدعو إلى التحكم بالشكل الذي يمكن من تكوين ذاتنا كموضوع، و هكذا يبدو أن الإشكالية الفعلية في الضمائر ليست في أنا أو أنت أو هم، بل الضمير الجمعي في صيغة نحن، ذلك أنه حينما نقول نحن، سواء تعلق الأمر بالمجتمع الذي يشكله مع الغيـر، و ذالك الذي يشكله مع ذاتنا فإننا نضع موضع تساؤل الوحدة الاجتماعية التي تشكل كينونتنا فتارة نعني بهذا تعدد فرديتنا أو ذاتنا و تارة أخرى نقصد أنا و أنت و في أحيان أخرى كل من ينتمي إلى مجموعتنا أو حزبنا أو عرقنا، كما أنها قد تعني بشكل عام الوضعية الإنسانية ككل.

إن العلاقة بين الأنا و الآخر تكتسي طابعا متعدد الأوجه، كما أنها تختلف و تتنوع تبعا لتعدد أوجه الغير، و ذلك ما يعكسه الخطاب المتبادل بين الأنا و الغير، و من جهة أخرى تنعكس هذه العلاقة في الكلمات التي تدخل في سجل العلاقة بين الغير: الحب و الكراهية، الصداقة و العـداوة، الإيثـار و الأنانية، التعصب و التسامح، إن هذه الثنائيات تحيل إلى وجهين من وجوه العلاقة مع الغير، القريب و البعيد الذين يمثل الصديق و الغريب نموذجين لهما، فما المقصود بالصداقة و هل يمكن أن تقوم علاقات اجتماعية أساسها الصداقة ؟ و إذا كانت الغرابة تمثل أحد أوجه العلاقة مع الغير، فمن هو الغريب و أي نوع من العلاقة يمكن إقامتها معه ؟

إن الصداقة تمثل نموذجا إيجابيا للعلاقة مع الغير و الصداقة لغة اسم مشتق من الصدق الذي يعني الحقيقة و القوة و الكمال، و الصداقة في الواقع هي علاقة حب و ود صادقين تنشأ بين إنسانين، إذا كان الحب عاطفة تنشأ عن ميل و رغبة في الموضوع أو الشيء المحبوب و التعلق الشديد به، لكونه يشبع ذلك الميل و الرغبة فأي نوع من الميول و الرغبات هي الصداقة ؟ و ما الذي يجعل الصديق محبوبا و مرغوبا فيه و لماذا يرتبط الأنا و الغير برباط الصداقة ؟ هل نصادق الصديق لأنه شبيهنا أم لأنه ضدنا ؟ هل هو غاية في ذاته أم أنه مجرد وسيلة ؟.

لقد فحص أفلاطون كل هذه الاحتمالات في محاورة "ليزيس" و التي خصصها لبحث موضوع الصداقة و الخلاصة التي انتهى إليها هي أن الصداقة حالة وجودية تمثل علاقة حب متبادلة أساسها حالة وسط بين الكمال المطلق و النقص المطلق، بين الخير الأقصى و الشر الأقصى، لأن من يتصف بهذين الصفتين إما لأنه مكتف بذاته، فلا يحتاج إلى الغير، أو تنعدم لديه كل رغبة في طلب الخير أو الكمال و لذلك فإن الصديق هو من يتصف بقدر كاف من الخير يدفعه إلى طلب خير أسمى و يتصف بقدر من النقص لا يحول بينه و بين البحث أو الكمال، فكلا الطرفين يبحث في الآخر عما يكمل نقصه.

أما الصداقة كتجربة معيشة و حالة واقعية فقد بحثها أرسطو و وجد أنها تنقسم إلى 3 أنواع: صداقة المتعة و المنفعة و الفضيلة، النوعان الأولان متغيران لأنهما يوجـدان بوجود المتعة و المنفعة و يزولان بزوالها، و لهذا لا يستحقان اسم الصداقة بمعناها الحقيقي، أما الصداقة الحقة فهي صداقة الفضيلة لأنها تقوم على محبة الخيـر و الجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثـانية، لذلك تـدوم و تبقـى، و خلالها تتحقق المتعة و المنفعة كنتيجتين لها، لكن هل يمكن قيام مجتمع على الصداقة، إن هذا يفترض أن يكون مؤلفا من أقارب فقط أي مجتمعا صغيرا كالأسرة أو العشيرة أو دولة مجتمع المدينة اليونانية حيث لا يوجد الغير البعيد أو الغريب و إن وجد فهو معزول و لا يمكن أن يندمج في جسم المجتمع فالغير الغريب الحقيقي بالنسبة لهذا المجتمع هو المجتمعات المختلفة ثقافيا أو دينيا أو عـرقيا و التي تعتبر أعداء أو خصوما، أما في المجتمع الكبير و المنفتح على المجتمعات الأخرى فإن دائرة الصداقة و مجالها يكون محدودا وسط خضم الأغيار، إن الغير الغريب في هذه المجتمعات يتحدد باعتباره ذلك المجهول أو الغير مألوف أو الغامض أو المخيف أو المهمش، أما في إطار العلاقات الاجتماعية الملموسة فإن الغريب يتحدد باعتباره كل من يتطفل على جماعة بشرية منظمة متماسكة أو يرفضها محدثا في جميع الحالات خللا و عدم توازن في الجماعة، فتتجه هذه الأخيرة إلى تدميره أو إقصائه أو تهميشه لمحاولة استعادة توازنها و استقرارها.

غير أن وحدة الجماعة ليست في الحقيقة سوى مظهر عام، و عندما نبحث في طبيعة هذه المادة يتضح لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافاتها و تناقضاتها الذاتية الداخلية غريبها الخاصة قبل أن يدخل إليها غريب أجنبي، و هذا ما عبرت عنه كريستيفا بقولها " إن الغريب يسكننا على نحو غريب".

و إذا كان الأمر كذلك فإن الموقف الطبيعي الذي ينبغي اتخاذه من الغير البعيد (المهاجر –الأجنبي –الجنس الآخر –المجتمع الآخر) ليس هو موقف النبذ و الإقصاء و العداء و الحرب، بل موقف التسامح و الاحترام أولا، لأنه أنا آخر كائن بشري مثلنا، و ثانيا لأن الوجود البشري فرديا كان أو جماعيا هو نقص و نداء للغير من أجل تجاوز هذا النقص و يؤكد ليفي ستراوس أن الحوار بين الأنا و الغير يتطلب أن يحتفظ كل منهما باستقلاليته و هويته.



الغير

•التقديم
•وجود الغير و معرفته
•العلاقة مع الغير


التقـديــم
غالبا ما نقول لسنا وحدنا في هذا العالم" لكن هذا القول قد تترتب عنه نتائج بعيدة المدى حينما يتم التفكير فيه فلسفيا، فإنه يعتبر حقيقة أولية و بذلك سيطرح تساؤلا حول مصير الكوجيطو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود"، و إذا افترضنا صحة هذا القول "لسنا وحدنا في هذا العالم" ألن يتحول الكوجيطو إلى حقيقة ثانية و بالتالي لن يصبح بديهيا بل مجرد عمل فكري بناء، و لكنه ذو طبيعة شكلية، إننا بالفعل لسنا وحيدين في هذا العالم و لن نكون كذلك أبدا حتى في جزيرة مقفرة بل سنكون على علاقة دائمة بالآخرين لأنهم سيشغلون حيزا من تفكيرنا و يعطون معنى لأفعالنا، إذ ما يمكن أن يترتب عن القول: أنا أفكر إذن أنا موجود إن لم يكن مجرد تجربة فردية و ميتافيزيقية بالمعنى الدقيق، أو تجربة ذات بعد تخيلي إلى حدود ما يمكن أن يتصوره الفكر، إلا أن حضور الغير كموضوع للتفكير و كمشكلة فلسفية لم يظهر إلا في فترة زمنية متأخرة بالنسبة للفلسفة و بالتحديـد في فلسفة هيكـل، فما كان يشكل و يشغل مجال التفكير البشري و المعرفة الموضوعية التي يتواجه فيها الطرفان من جهة الذات العارفة و من جهة أخرى موضوع المعرفة. و على هذا الأساس ما كان موضوع اهتمام أولي هو البحث عن الأسس التي تقوم عليها الحقيقة و العلوم في شكل مواجهة بين الوعي الذاتي المتمثل في أنا أفكر و بين الواقع الخارجي كموضوع وحيد.
إن هذه المواجهة الجذرية بين الإنسان و العالم تستبعد أي تدخل أو حضور لطرف ثالث باستثناء الله، الذي يستدعيه ديكارت ليضمن الحقيقة في مجال العلوم و التي تم التوصل إليها عن طريق المنهج العقلي و هكذا فالمعرفة العلمية الموضوعية لا ينبغي أن يتـدخل فيها طـرف ثـالث: لا المجتمع و لا التاريخ و لا الرغبات بل و لا حتى الغي.

وجود الغير و معرفته فعليا و موضوعيا فإن الغير لا يوجد في حد ذاته، ففي العالم الموضوعي للمعرفة العقلية فإن الموجودات البشرية الأخرى، ليست إلا شيئا من ضمن أشياء العالم الخارجي، و يمكن أن تضاف ماديا إما إلى الحيوانات الآلات أو إلى كائنات أوتوماتيكية و من حجم أو قامة معينة، و لها وزن محدد بمعنى أنه يتحرك بطريقة عشوائية في مكان محدود، أما من الناحية العلمية فإن الغير ليس إلا من أشياء العالم الخارجي، لكنه شيء تبدو تصرفاته ظاهريا جد معقدة و أقل انضباطا و توقعا مما يمكن أن يكون منحنى حجر أو مجرى نهر أو مدار كوكب، يقول ديكارت: "لو نظرنا إلى الناس من نافذة في شرفة البيت و هم يتحركون في الشارع فماذا سنرى أكثر من المعاطف و القبعات التي تكسو أشباحا أو أناسا باهتين يتحركون بواسطة لوالب" التأملات التالية:
هكذا و في منتهى التحدي لما يمكن أن يحول بين معرفة الحقيقة فإن ديكارت يستبعد من مجال تأملاته حضور الغير، و بذلك انتهى إلى القول: [ كل ما أنا متأكد منه أني وحدي موجود ] يبقى إذن أن وجود الآخر أمر جائز محتمل لكنه قابل للشك.

إن دخول الغير إلى مجال الإدراك أو المعرفة سيقلب الأمور رأسا على عقب و سيفرض عليه فقط إعادة النظر كليا في مسألة المعرفة بل في كل القضايا المتعلقة بالموضوعية و العلم و وعي الذات بطبيعتها.
و هكذا نجد أن طوماس هوبس في مقطع مثير للجل يعتبر أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، إلا أن روسو سيرد عليه بأن الإنسان خير بطبعه، أما كارل ماركس فسيعتبر [ أن الصراع الطبقي هو المحرك للتاريخ البشري ] في حين سيؤسس كونط تحت اسم السوسيولوجيا ديانة للبشرية يشكـل شعار [ العيش من أجر الغير ] أحد تمثلاتها.
إن كونط يظهر هنا كوريث لأرسطو الذي اعتبر الإنسان حيوان سياسي ينتج عن ذلك أن علاقة الفرد مع بقية الكائنات البشرية الأخرى ليست ذات طابع هدفوي لكها علاقة بناءة، هكذا يبدو أن العلاقة مع الغير هي علاقة مؤسسة و تكتسي طابعا مصيريا، ذلك أنها تقوم على أسس معينة و لكنها أيضا لا تكف عن التغير، و يمكن أن تتخذ أشكالا أكثر تنوعا إن لم تكن أكثر تناقضا بل هي الشكل الأرقى المعبر عن طبيعة الوضعية الإنسانية.

ضد الموقف الديكارتي الذي يؤكد على الوجود الذاتي الخاص سيقدم هيجل العلاقة مع الغير في إطار جذري حينما قدم أطروحته "صراع الوعي حتى الموت من أجل الاعتراف"، لقد اعتبر هيجل أن الإنسان يكون واعيا بذاته و بذلك ينغمس في إشباع رغيته الطبيعية و لا يخرج من هذه المرحلة إلا حينما يرغب رغبة غير طبيعية و هي ما يسميها هيجل برغبة الرغبات.

يقول هيجل: "إن الفرد الذي لم يغامر بحياته يمكن أن يعترف به كشخص، و لكنه لن يدرك أبدا حقيقة هذا الاعتراف، كاعتراف بوعي الذات بذاتها المستقلة". إن الاعتراف يقتضي بالضرورة الدخول في صراع مع الغير، إنه صراع يغامر فيه كل طرف بحياته بطابعها الحر و المستقر، إنها مغامرة يخاطر فيها الطرفان معا بحياتهما من أجل الحياة و الموت، لكن الموت الفعلي لأحد الطرفين لن يحقق هذا، بل يحقق تفضيل أحدهما للحياة على الموت و بذلك يتجلى ارتباط الطرف المستسلم بالعالم المادي المحسوس فتتشكل العلاقة الإنسانية الأولى ألا و هي [ علاقة العبد بسيده ].
و في نفس الاتجاه يؤكد جون بول سارتر أن العلاقة مع الغير تتخذ بعـدا وجوديا و معـرفيا، و بهذا المعنى يقول إن الآخر شرط لوجودي كما لا غنى لي عنه في معرفتي بنفسي (انظر درس الشخصية).

إن هذا البعد المعرفي يطرح إشكالية أساسية ألا و هي: هل يمكن أن يكون الغير موضوعا للمعرفة، ألا تتحول العلاقة المعرفية إلى علاقة بين ذات عارفة و موضوع للمعرفة.

إذا كانت عملية المعرفة فعل يتم من خلاله إدراك موضوع المعرفة فهل ينطبق مفهوم الموضوع على الغير.
إن افتراض قابلية الغير للمعرفة ينتج عنه بالضرورة تحويله إلى موضوع و بذلك نجرده من معاني الذات التي أكد عليها الخطاب الفلسفي المتمثلة في الوعي و الإرادة و الحرية و التلقائية و بذلك يفقد الغير مقوماته بل إن هذه العلاقة المعرفية تحمل نوعا من التناقض و الاستحالة، و تخلق هوة سحيقة و عد ما يستحيل معه كل تواصل بينهما على قدم المساواة، لأن العلاقة المعرفية هي علاقة تشييئية لكل منهما لأنها قائمة على العلاقة المعرفية الخارجية، غيـر أن هـذه العـلاقة الموضوعية و التشييئية للغير تنطلق من موقع الأنا المفكر أو العقـل و نشاطهما القـائم على التجـريد و التقسيم و الحكم و الاستدلال، و يمكن تجاوز هذه العلاقة في نظر ميرلو بونتي عندما يدخل الأنا و الغير في علاقة الاعتراف المتبادل بكل منهما في فرديته و وعيه و حريته، لكن علاقة الغير بالأنا تظل خارجية و تقيم حاجزا بينهما حتى حينما يدخلان في علاقة عاطفية وجدانية فمهما أشارك الآخر "صديقي" مثلا حزنه أو غضبه فإني أبدا لا أستطيع أن أتجاوز الحزن لحزنه و الغضب لنفسه، و لكني لا أعيش أبدا نفس الحالة العاطفية الوجدانية التي يعيشها هو.

إن علاقة الأنا بالغير تظل خارجية و لهذا تبدو معرفته في جوهره أمرا مستحيلا لكن هذا النفوذ إلى باطن الغير ضروري لاستجلاء أسراره، أليس الأنا الآخر شبيها بالأنا و مماثل له في طبيعته و جوهره، ألا يكفي أن يستبطن الأنا ذاته و يقيس أفعال الغير و سلوكاته و تعابيره على ما هو مماثل بالنسبة له، فإذا دلت الابتسامة عندي على الفرح فلماذا لا تدل على هذه المشاعر عند الغير، غير أن الافتراض القائم على إمكانية معرفة الغير عن طريق الاستدلال بالمماثلة ينطوي على مفارقة جوهرية ألا و هي: عندما أشاهد حركات التعبير الصادرة عني فأنا ألتقي من جديد بذاتي "أنا" و ليس بأنا الغير، و لذلك فحينما ينتهي حكم المماثلة إلى إثبات أنا مختلف عن أناي فإنه يقرر نتيجة خاطئة ثم إن المعرفة القائمة على المماثلة و التي تتخذ الأنا كمرجع لمعرفة الغير ليست يسيرة خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار مفهوم اللاشعور كما أسسه التحليل النفسي فنحن نحمل في أعماقنا حياة نفسية لاشعورية لا يصلها وعينا و يكون الغير المحلل النفسي وسيطا ضروريا لبلوغها.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=285093

و يطرح شيلر إمكانية تجاوز كل هذه الصعوبات إذا تجاوزنا خلفياتها الفلسفية القائمة على ثنائيات متعددة: جسم و نفس، ذات و موضوع، ظاهر و باطن، و اعتبرنا الغير كلا موحدا لا يقبل التجزئ و التقسيم و اعتبرنا حقيقة و هوية مجسدتان فيه كما يظهر الأنا، و حركات التعبير الجسدي لديه، حاملة لمعناها و دلالتها مباشرة كما تظهر، و في سياق تجاوز هذه الثنائيات قدم "جيل دولوز" تصوره للغير كبنية، بمعنى أن الغيـر ليس فردا مشخصا، بـل هو عبـارة عن نظـام من العـلاقات و التفاعلات بين الأشخاص و الأفراد كأغيار، يتجلى هذا النظام في الإدراك الحسي مثلا، فنحن لا ندرك الأشياء المحيطة بنا حينما ندركها من جميع جهاتها و جوانبها باستمرار، و هذا يفترض أن هناك آخرين يدركون ما لا أدركه من الأشياء، و إلا بدت الأشياء و كأنها تنعـدم حينما لا أدركها و تعود إلى الوجود حين إدراكي لها، و هذا يعني أن الغير يشاركني إدراكي، و كأنه يوجد على هامش إدراكي كمجال ممكن، إن هـذا الممكـن الإدراكي يكون تخييليا حينما يغيب الآخـرون عن إدراكي و يكون فعليا في حضورهم، فالوجه المفزع أو المخيف عن ممكن حاضر فعلا، و لكنه قد يكون تخيليا في غياب الحضور الفعلي إلا أنه لا يكون له نفس الأثر هذا التداخل بين الممكن التخيلي و الحضور الفعلي هو ما يجعل من العلاقة مع الغير ذات طـابع بنيوي معقد و هو الـذي يعطي معنى للأشيـاء و العالم مهما اختلفت علاقة الأنا بالغير.


هكذا يبدو أن العلاقة مع الغير لا يمكن اختزالها إلى مجرد علاقة معرفية، إنها أغنى و أعقد من ذلك، فهي في الواقع الفعلي علاقة مركبة عاطفية وجدانية، أخلاقية اقتصـادية، سيـاسية ثقـافية و اجتماعية، كما أنها تختلف و تتنوع تبعا لأوجه العلاقة مع الغير، كما يتجلى ذلك في الكلمات التي تؤرخ لسجل العلاقة مع الغير: الحب و الكراهية، الصداقة و العداوة، الإيثـار و الأنـانية، التعصـب و التسامح.

أوجه العلاقة مع الغير
إذا عدنا إلى الوصف الهيكلي للصراع حتى الموت من أجل الاعتراف فإنه لا يقدم صورة واقعية عن طبيعة العلاقة بين الذوات الواعية، و لا يأخذ في الاعتبار تعـدد أوجه العـلاقة مع الغيـر و التي تتخذ أبعادا متعددة، بين الابن و أبيه و الأم و ابنها، و عشيقيـن متيميـن، بيـن خصم و منافسه، بين معلم و مريديه، بين صديقين و أخيرا بين الضحية و الجلاد.
هذه العلاقات تتأسس لكنها لا تكف أن تتغير و يمكن أن تتخذ أشكالا أكثر تنوعا إن لم تكن أكثر تناقضا، إنها الشكل الأكثر تعبيرا عن طبيعة الوضعية الإنسانية، فأوجه العلاقة مع الغير تم طرحها بصيغ مختلفة، يمكن إجمالها في الصيغ التالية [ الإنسان ذئب لأخيه الإنسان ]، [ الإنسان إله لأخيه الإنسان ] سبينوزا، أو كما قال سارتر "الآخرون هم الجحيم"، [ إن أكبر عقاب لي هو أن أكون وحدي في الجنة ] مال برانش.
إن هذه الصيغ يمكن أن تجد مبرراتها بشكل من الأشكال، لكن الخطأ يكمن في دحض بعضها لصالح البعض الآخر بمعنى اعتبار جميع الناس من طبيعة واحدة و بالتالي اعتبار جميع الناس إما أشرارا أو أخيارا بينما هم في الواقع يقيمون فيما بينهم أشكالا متعددة من العلاقات، و قد حاول فرويد أن يجمل أوجه العلاقات مع الغير في 4 أنواع: [ إن الغير يلعب دائما في حياة الفرد دور القدوة أو المثل أو الشيء، أو المشارك أو الخصم ]، و لكن ينبغي أن نضيف أن هذه الأدوار لا تتحدد بشكل مطلق بل إنها تتغير بشكل جدلي، كما يبين ذلك سارتر.
إن كلا منا أو أيا منا، ممثلا كان أو رجل دولة أو إنسانا من عامة الناس يتمظهر في أوجه مختلفة و يستعمل الكثير من اللغات و يتصرف بطريقة خاصة حينما يفرض عليه ذلك مخاطبوه في ظروف محددة، إن الغير يكشف لنا عن غنى و تعقيد مشاعرنا الخاصة، هذه المشاعر التي تمتد من الأنانية المفرطة إلى الإيثار الاجتماعي، و هكذا فالغير ليس ذلك الوجه الآخر الذي نجده أمامنا وجها لوجه أو هو على مقربة منا، إنه أيضا ذلك الذي نجرده من ذواتنا و الذي يمكننا في التفكير في "نحن" قبل أن نفكر في الأنا، إننا نتمظهر إلى "النحن" الجماعي بشكل يتجاوز الأنا بصيغة المفرد النحوي كما لو كنا نجمع في ذواتنا مجموعة من الذوات الأخرى المغايرة تبعا لتغير الآخرين الذين نوجه إليهم الخطاب ذلك أن وحدتنا النفسية ليست معطاة بشكـل جاهـز و فوري، إنها في آخـر المطاف ناتجة و ناشئة عن اختيار صعب من بين مجموع الكائنات و الذوات التي نحملها في داخلنا، بينما يميل البعض إلى الحكم الموضوعي فإن البعض الآخر مدعو إلى التحكم بالشكل الذي يمكن من تكوين ذاتنا كموضوع، و هكذا يبدو أن الإشكالية الفعلية في الضمائر ليست في أنا أو أنت أو هم، بل الضمير الجمعي في صيغة نحن، ذلك أنه حينما نقول نحن، سواء تعلق الأمر بالمجتمع الذي يشكله مع الغيـر، و ذالك الذي يشكله مع ذاتنا فإننا نضع موضع تساؤل الوحدة الاجتماعية التي تشكل كينونتنا فتارة نعني بهذا تعدد فرديتنا أو ذاتنا و تارة أخرى نقصد أنا و أنت و في أحيان أخرى كل من ينتمي إلى مجموعتنا أو حزبنا أو عرقنا، كما أنها قد تعني بشكل عام الوضعية الإنسانية ككل.

إن العلاقة بين الأنا و الآخر تكتسي طابعا متعدد الأوجه، كما أنها تختلف و تتنوع تبعا لتعدد أوجه الغير، و ذلك ما يعكسه الخطاب المتبادل بين الأنا و الغير، و من جهة أخرى تنعكس هذه العلاقة في الكلمات التي تدخل في سجل العلاقة بين الغير: الحب و الكراهية، الصداقة و العـداوة، الإيثـار و الأنانية، التعصب و التسامح، إن هذه الثنائيات تحيل إلى وجهين من وجوه العلاقة مع الغير، القريب و البعيد الذين يمثل الصديق و الغريب نموذجين لهما، فما المقصود بالصداقة و هل يمكن أن تقوم علاقات اجتماعية أساسها الصداقة ؟ و إذا كانت الغرابة تمثل أحد أوجه العلاقة مع الغير، فمن هو الغريب و أي نوع من العلاقة يمكن إقامتها معه ؟

إن الصداقة تمثل نموذجا إيجابيا للعلاقة مع الغير و الصداقة لغة اسم مشتق من الصدق الذي يعني الحقيقة و القوة و الكمال، و الصداقة في الواقع هي علاقة حب و ود صادقين تنشأ بين إنسانين، إذا كان الحب عاطفة تنشأ عن ميل و رغبة في الموضوع أو الشيء المحبوب و التعلق الشديد به، لكونه يشبع ذلك الميل و الرغبة فأي نوع من الميول و الرغبات هي الصداقة ؟ و ما الذي يجعل الصديق محبوبا و مرغوبا فيه و لماذا يرتبط الأنا و الغير برباط الصداقة ؟ هل نصادق الصديق لأنه شبيهنا أم لأنه ضدنا ؟ هل هو غاية في ذاته أم أنه مجرد وسيلة ؟.

لقد فحص أفلاطون كل هذه الاحتمالات في محاورة "ليزيس" و التي خصصها لبحث موضوع الصداقة و الخلاصة التي انتهى إليها هي أن الصداقة حالة وجودية تمثل علاقة حب متبادلة أساسها حالة وسط بين الكمال المطلق و النقص المطلق، بين الخير الأقصى و الشر الأقصى، لأن من يتصف بهذين الصفتين إما لأنه مكتف بذاته، فلا يحتاج إلى الغير، أو تنعدم لديه كل رغبة في طلب الخير أو الكمال و لذلك فإن الصديق هو من يتصف بقدر كاف من الخير يدفعه إلى طلب خير أسمى و يتصف بقدر من النقص لا يحول بينه و بين البحث أو الكمال، فكلا الطرفين يبحث في الآخر عما يكمل نقصه.

أما الصداقة كتجربة معيشة و حالة واقعية فقد بحثها أرسطو و وجد أنها تنقسم إلى 3 أنواع: صداقة المتعة و المنفعة و الفضيلة، النوعان الأولان متغيران لأنهما يوجـدان بوجود المتعة و المنفعة و يزولان بزوالها، و لهذا لا يستحقان اسم الصداقة بمعناها الحقيقي، أما الصداقة الحقة فهي صداقة الفضيلة لأنها تقوم على محبة الخيـر و الجمال لذاته أولا ثم للأصدقاء ثـانية، لذلك تـدوم و تبقـى، و خلالها تتحقق المتعة و المنفعة كنتيجتين لها، لكن هل يمكن قيام مجتمع على الصداقة، إن هذا يفترض أن يكون مؤلفا من أقارب فقط أي مجتمعا صغيرا كالأسرة أو العشيرة أو دولة مجتمع المدينة اليونانية حيث لا يوجد الغير البعيد أو الغريب و إن وجد فهو معزول و لا يمكن أن يندمج في جسم المجتمع فالغير الغريب الحقيقي بالنسبة لهذا المجتمع هو المجتمعات المختلفة ثقافيا أو دينيا أو عـرقيا و التي تعتبر أعداء أو خصوما، أما في المجتمع الكبير و المنفتح على المجتمعات الأخرى فإن دائرة الصداقة و مجالها يكون محدودا وسط خضم الأغيار، إن الغير الغريب في هذه المجتمعات يتحدد باعتباره ذلك المجهول أو الغير مألوف أو الغامض أو المخيف أو المهمش، أما في إطار العلاقات الاجتماعية الملموسة فإن الغريب يتحدد باعتباره كل من يتطفل على جماعة بشرية منظمة متماسكة أو يرفضها محدثا في جميع الحالات خللا و عدم توازن في الجماعة، فتتجه هذه الأخيرة إلى تدميره أو إقصائه أو تهميشه لمحاولة استعادة توازنها و استقرارها.

غير أن وحدة الجماعة ليست في الحقيقة سوى مظهر عام، و عندما نبحث في طبيعة هذه المادة يتضح لنا أن الجماعة تحمل في ذاتها بحكم اختلافاتها و تناقضاتها الذاتية الداخلية غريبها الخاصة قبل أن يدخل إليها غريب أجنبي، و هذا ما عبرت عنه كريستيفا بقولها " إن الغريب يسكننا على نحو غريب".

و إذا كان الأمر كذلك فإن الموقف الطبيعي الذي ينبغي اتخاذه من الغير البعيد (المهاجر –الأجنبي –الجنس الآخر –المجتمع الآخر) ليس هو موقف النبذ و الإقصاء و العداء و الحرب، بل موقف التسامح و الاحترام أولا، لأنه أنا آخر كائن بشري مثلنا، و ثانيا لأن الوجود البشري فرديا كان أو جماعيا هو نقص و نداء للغير من أجل تجاوز هذا النقص و يؤكد ليفي ستراوس أن الحوار بين الأنا و الغير يتطلب أن يحتفظ كل منهما باستقلاليته و هويته.




اللغة
من الدلالات إلى الإشكالية:

تعتبر اللغة في نظر العامة مرادفا للكلام، بالإضافة إلى اعتبارها مجموعة من الكلمات، كل كلمة تقابل شيئا معينا و تدل عليه، لكن إذا قمنا بمقارنة سريعة بين كل من اللغة و الكلام، سننتهي إلى أن اللغة ليست هي الكلام، فهذا الأخير فردي خاص و هو حدث زماني قابل للزوال و التجدد في حين أن اللغة من حيث هي أصوات و حروف و كلمات تبقى ثابتة و ذات طابع اجتماعي عام. و هكذا يمكن القول أن الكلام شكل من أشكال اللغة و ليست اللغة كلها، ذلك أن التواصل يمكن أن يتم بأشكال أخرى غير كلامية إلا أنها لا ترقى إلى مستوى التواصل الكلامي.
إن تحديد معنى اللغة يتطلب أيضا الوقوف على الدلالة المعجمية لهذه الكلمة، ففي اللسان العربي نجد أنها مشتقة من اللغن و اللغو و تعني الكلام الغير مفيد، أما في لسان العرب لابن منظور فهي كلمات يعبر بها قوم عن أغراضهم، و يركز ابن منظور على البعد التواصلي للغة، و في اللسان الفرنسي نجد كلمة ******** من اللاتينية lingua التي تعنـي الكـلام و الخطاب، أما الكلمة اليونانية logos فلها معان متعددة كاللسان و الكلام و الخطاب و العقل، و يفهم معناها من خلال السياق الذي وردت فيه.
إن هذه التعاريف تبقى محدودة و غير دقيقة، و لهذا لابد من الوقوف علـى الـدلالة الفلسفية و العلمية للغة.
إذا عدنا إلى المعجم الفلسفي لالاند نجده يحدد معنيين للغة:
المعنى الخاص : هي وظيفة التعبير الكلامي عن الفكر داخليا و خارجيا.
المعنى العام : كل نسق من العلامات يمكن من التواصل.
أما إذا عدنا إلى معجم اللسانيات لاروس فإننا نجده يحدد اللغة: « هي القدرة على التواصل بواسطة نسق من العـلامات الصوتية "اللسـان" و هي قـدرة تتطلب وظيفة رمـزية و مراكز عصبية متخصصة وراثيا ».
نستخلص مما سبق: أن اللغة من حيث هي كلام لا يمكن أن تكون إلا خاصة بالإنسان، فهو الكائن القادر على إنتاج الفكر و التعبير عنه كلاميا.
2إن اللغة تعتمد العلامات و الرموز اللسانية و لا يمكن أن تمارس إلا داخل المجتمع.
3إن اللغة تتطلب مراكز عصبية و هذا يعني أن كل إنسان يكون قادرا مبدئيا على الكـلام و استعمال العلامات و الرموز اللسانية.
إن مفهوم اللغة يتخذ طابعا إشكاليا من خلال ما يتضمنه من مفارقات و تقابلات.
إن اللغة ذاتية و موضوعية فردية و اجتماعية فطرية و مكتسبة، كما أنها أداة لإنتـاج الفكـر و تبليغه في نفس الوقت. من خلال ما سبق يتأسس الطابع الإشكالي لمفهوم اللغة، فهل اللغة ظاهرة خاصة بالإنسان ؟ أم أنها مشتركة بين الإنسان و الحيوان ؟ كيف يتم إنتاج الدلالة و المعنى في اللغة ؟ و ما الفرق بين العلامة اللسانية و الرمز اللساني ؟ هل تعتبر اللغة عن فكر جاهز أم عن فكـر يتشكـل باستمـرار، و كيف تقوم اللغة بوظيفة التواصل ؟ هل يتم ذلك بشكل شفاف و واضح أم أن اللغة ما هي إلا وسيلة للإخفاء و الكتمان ؟.

اللغة كخاصية إنسانية:

إن التساؤل عما إذا كانت اللغة ظاهـرة خاصة بالإنسـان أم أنها مشتـركة ما بين الإنسـان و الحيوان نابع من ملاحظة بعض المظاهر التواصلية لدى الحيوان، الشيء الذي يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن هناك لغة خاصة بالحيوانات و لكننا نحن بني البشر لا نستطيـع فهمها، و في هذا الإطار يبقى الموقف الفلسفي لديكارت أساسيا و جوهريا في حسم الخلاف حول هذه الإشكالية.
تحليل نص الكلام خاصية إنسانية لديكارت ص 13
أ- أطروحة النص:
إن الموقف الذي يتبناه ديكارت فيما يخص إشكالية هل اللغة خاصية إنسانية أم أنها مشتركة بين الإنسان و الحيوان . هو أن اللغة لا يمكن أن تكون إلا قدرة خاصة بالإنسان، هذه القدرة تتمثل في الكلام المرتبط في التعبير عن الفكر و هذه القدرة تنعدم عند الحيوانات.
هذا الموقف يتأسس على تصور ديكارت لمن هو الإنسان، إن الإنسان يتحدد في نظر ديكارت باعتباره جوهرا مفكرا قادرا على إدراك ما يجعل ذاته مختلفة و متميزة عن موجودات العالم الخارجي.

ب- كيف يدافع ديكارت عن الموقف الذي يتبناه ؟ اعتمد ديكارت آلية المقارنة بين الإنسان و الحيوان و استخلص من هذه المقارنة مجموعة من الحجج عزز بها موقفه، و تتمثل فيما يلي:
مهما بلغت غباوة الإنسان فإنه يستطيع أن يؤلف كلمات يعبر بها عن (موقفه) أفكاره في حين مهما بلغ الحيوان درجة عليا في سلم التطور فإنه لا يستطيع أن يفغل ذلك.
يقارن ديكارت بين الببغاء و قدرته على النطق و بين الإنسان، و يلاحظ أن هناك فرقا جوهريا بينهما، و يتمثل في أن الإنسان يعي ما ينطق به في حين أن الببغاء يفعل ذلك دون وعي، فالإنسان يستطيع أن يبتكر نسقا تواصليا إما في شكل إشارات أو علامات صوتية في حين أن الحيوانات لا تستطيع فعل ذلك.
إن اللغة في نظر ديكارت ترتبط بالفكر و بالعقل و الحيوانات لا عقل لها و بالتالي لا لغة لها، فكل ما تستطيع الحيوانات أن تفعله هو أن تعبر حركيا عن انفعالاتها الطبيعية.
ماذا نستخلص من هذا النص ؟
نستخلص مما سبق أن اللغة في نظر ديكارت لا يمكن أن تكون إلا ظاهرة خاصة بالإنسان ذلك أنه الكائن الوحيد القادر على التفكير و ممارسة مختلف العمليات الذهنية التي تنتج من خلالها الدلالة و المعنى التي تتوقف على القدرة على الإبداع.
إن هذا الموقف الديكارتي يتماشى مع التعريف الخاص الذي قدمه لالاند للغة، لكن لو انطلقنا من التعريف العام الذي يعتبر اللغة كل نسق من العلامات يمكن من التواصل، هل سننتهي إلى نفس النتيجة التي انتهى إليها ديكارت ؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي القيام بمقارنة بين التواصل الإنساني و التواصل الحيواني.
إن التواصل الحيواني يتخذ شكلا غير كلامي "الإيحاءات، الحركات، تعابير حسية، الأصوات" موضوعه واحد و محدد ينتج عنه سلوك و هو غيرقابل للإرسال و إعادة الإرسال إلا بعد المعـاينة و التحقق: إن التواصل الحيواني خال من الإبداع لأنه يقوم على البرمجة الوراثية.
أما التواصل الإنسـاني فيمكن أن يكون كـلاميا أو غير كـلامي و مواضيعه متعددة و يمكن أن ينتج عنه إما سلوك أو حوار، في حين أن التواصل الحيواني قائم على الإشارة أو الحركة و من ثم ينتج عنه سلوك فقط، إن التواصل الإنساني متعدد المواضيع، قابل للإرسـال و إعادة الإرسال، كما أنه يقبل التجزيء إلى وحدات صوتية (فونيمات) و وحدات دلالية قابلة للتفكيك و إعادة التفكيك، أما التواصل الحيواني فموضوعه واحد يرتبط بما هو غريزي "الغذاء، العطش، التوالد" كما أن الحركة أو الإشارة تتخذ معنى إجمالي لا يقبل التفكيك أو التجزيء.
نستخلص مما سبق أن التواصل الإنساني يمكن أن يتخذ طابعا غير كلامي و لكنه يبقى محدودا و إن كان مجال استعماله واسعا و يتطلب شروطا محددة لابد من توفرها حتى تتم عملية التواصل اللغوي، و لهذا صار الشكل اللغوي الكلامي هو الشكل الأساسي للتواصل عند الإنسان، لأنه لا يخضع لأية شروط و يوفر ما لا توفره أشكال التواصل الأخرى، و لهذا صار التواصل الإنساني يقوم على التواصل أو الأسماء أو ما يسميه علماء اللغة بالعلامات و الرموز اللسانية.

العلامة و الرمز اللسانيان:

ماذا تعني العلامة بمعنـاها العـام ؟ و ما معنى العـلامة اللسانية ؟ و ما الفرق بيـن الرمز و العلامة ؟ و ما دور العلامة و الرموزظ اللسانية في العلاقة بين الإنسان و الواقع ؟.
إن العـلامة تتضمن فكـرتين إحداهما فكرة الشيء الممثل و الأخرى فكرة الشيء الممثل له، و يقوم الأولى بإثارة الفكرة الثانية في الذهن، فيتم استحضار هذه الفكرة عن طريق التمثل الذهني، إن أهمية العلامة تتمثل في إثارتها للنشاط الذهني و هناك أنواع من العلامات، هناك العلامات الطبيعية كالدخان مثلا الذي يعتبر علامة طبيعية تدل على وجود النار.
هناك أيضا علامات اصطناعية مثل علامات المرور، و هناك أسضا العلامات التجارية، أما النوع الثالث من العلامات فهو ما يسمى بالعلامات اللسانية، و تعتبر عـلامات ثقافية لأنها حاملة لفكر و تحيل على ثقافة محددة، فهل هناك فرق بين العلامة و الرمز ؟ إن طرح السؤال المتعلق بالفرق بين العـلامة و الرمز يحيلنا إلى مسألة العـلاقة بين الـدال و المدلول، الإسم و المسمى بالعالم الخارجي
أو علاقة الأسماء بالأشياء، هناك تصورين لهذه العلاقة: لقد اعتبر أفلاطون أن العلاقة بينهما علاقة طبيعية لأن الإسم في نظره يعكس حقيقة المسمى أو خصائصه و مميزاته الطبيعية، أما علماء اللغة و الفلاسفة المعاصرين فقد اعتبروا أن العلاقة بين الإسم و المسمى أو الدال و المدلول هي علاقة اعتباطية، فما معنى الاعتباطية ؟.
إنها تعني أن العلاقة بين الإسم و المسمى لا يمكن تبريرها من الناحية العقلية أو المنطقية.
إن الاعتباطية تعني أيضا أن العلاقة بين الإسم و المسمى أو الدال و المدلول هي علاقة قسرية و القسرية هنا تتضمن معنيين:
إن الإسم لا يعكس حقيقة المسمى.
أن العلاقة بينهما لا تراعى فيها أية اعتباطات ذاتية أو عقلية كما أن الاعتباطية لا تعني أن الذات المتكلمة لها الحرية في التصرف في النظام اللغوي بل على العكس من ذلك، إن النظـام اللغوي يفـرض على الـذات المستعملة له احتـرام القـواعد و الضوابط التي تنظمه، فما دور العلامات و الرموزظ اللسانية ؟ و ما علاقتها بالعالم الخارجي ؟ و قبل ذلك ما الفرق بين العلامة و الرمز ؟.
إن الرمز ينتمي إلى مجال العلامات و لكنه علامة تستخدم بمعنى خاص و إذا كانت العلاقة بين العلامة و بين ما تحيل إليه علاقة اعتباطية، فإن العلامة التي تستخدم رمزا تحافظ على علاقة طبيعية بينها و بين ما ترمز إليه دون أن يكون هناك تطابق كلي بينهما و كمثال على ذلك العلامة اللسانية "الثعلب أو الأسد" فحينما نستعملها في سياق عام فإن الحديث يكون عن حيوانات لها نمط عيش خاص بها و لكن حينما نستخدمها كرموز كأن نقول عن شخص بأنه ثعلب أو إنه أسد، فنحن لا نعني أن هذا الشخص تحول إلى حيوان، بل نقصد أنه يشترك مع كل منهما في خاصية معينة و هي خاصية توجد في طبيعة كل منهما: المكر و الشجاعة و من هنا نستخلص أن الـرمز يشترك في خاصية طبيعية بينه و بين ما يـرمز إليه، فما دور العـلامات و الرموز اللسانية ؟.
إن كون العلامة اللسانية تقوم على الصوت تجعلها مختلفة و متميزة و مختلفة عن باقي العلامات لأن ارتكازها على هذا المكون الصوتي يجعلها متحررة من الارتباط المباشر بالأشياء المادية أو بالإدراك الحسي لما يتم التواصل بشأنه، و يمكن القول إن دور العلامة اللسانية لا تحيل على شيء مادي بل تحيل على معنى الشيء الذي يجعلها تلعب دور الوسيط ما بين الإنسان و العالم الخارجـي. [ إن الأسماء تغنينا عن إحضار الأشياء بذكر أسمائها، "الفارابي" ].
إن العلامات و الرموز تشكل عالما موازيا للعالم الخارجي هو ما يمكن تسميته بالنظام اللغوي الرمزي بل يصبح بديلا للأشياء المادية، نحن إذن لا نتعامل مع الأشياء و الموجودات كما هي بل كما يحددها النظام اللغوي، إن هذا الأخير يعيد تشكيل العلاقات و تصنيف الموجودات حتى يستطيع التحكم في موجودات و مكونات العالم الخارجي، و بهذا المعنى يمكن القول إن النظام اللغوي كما يفرض نفسه على الإنسان الذي يستخدمه يفرض نفسه أيضا على العالم الخارجي، و على هذا الأساس يمكن القول إننا نتعامل مع الواقع كما يدركه الفكر من خلال اللغة. و من هنا تطرح إشكالية العلاقة بين اللغة و الفكر؟.

اللغة، الفكر، التواصل:

إن إشكالية العلاقة بين اللغة و الفكر تحتمل افتراضين؛ إما أن نعتبر أن كلا منهما يوجد باستقـلالية عن الآخر و هـذا الموقف عند الفلسفة الكـلاسيكية و كمثال على ذلك موقف ديكـارت و برجسون، و إما أن نعتبر أن العلاقة بينهما علاقة تلاحم و تداخل بحيث لا يمكن أن نفصل أحدهما عن الآخر، و هذا الموقف نجده لدى الفلاسفة المعاصرين و اللسانيات الحديثة.
و تتخذ إشكالية العلاقة بين اللغة و الفكر الصيغة التالية: هل للفكر وجود سابق على اللغة ؟ أم أن الفكر و اللغة متلازمان ؟ بحيث لا يمكن أن نفصل أحدهما عن الآخر.
نجد الموقف الأول الذي يعتبر كلا منهما مستقلا عن الآخـر عند كـل من ديكـارت و برجسون.
ينطلق ديكارت من اعتبار الفكر جوهرا لا ماديا هو مبدأ كل وجود، و لهذا فهو سابق على اللغة التي تعتبر من طبيعة مادية، و لهذا يعتبر ديكارت أننا في حاجة إلى أداة لإخراج الفكر إلى حيز الوجود و جعله مدركا من قبل الآخرين، و هـذه الأداة هي اللغة، أما بـرجسون و إن كان يتبنى نفس الموقف الذي يتخذه ديكارت من علاقة الفكر باللغة إلا أنه يعتبر أن هذه الأخيرة عاجزة عن الإحاطة بكل موضوعات الفكر. إن برجسون يعتبر أن اللغة الإنسانية باعتبارها علامات و رموز ذات طبيعة مادية و أنها لا تغطي موضوعات العالم المادي إلا من خلال نقل الكلمة لتدل على أكثر من شيء.
لقد اعتبر برجسون أن اللغة الإنسانية عاجزة عن الإحاطة بكل موضوعات الفكر و هي على نوعين: المادة الجامدة و المادة الحية. إن العقل البشري حينما يتعامل مع المادة الجامدة يمكن أن يحقق تقدما معرفيا كما هو الحال في العلوم التجريبية، غير أنه حينما يتعامل مع المادة الحية فإنه يتعامل معها بنفس الطريقة التي تعود على التعامل بها مع المادة الجامدة، الشيء الذي يؤدي في نظره إلى قتل عنصر الحياة فيها و لهذا يدعو برجسون إلى توسيع مجال اللغة ليشمل لغة الحدس، و هي لغة خاصة غير قابلة للنقل ذلك أنها تعتمد على التجربة الذاتية الخاصة، فمثلا لكي ندرك ما هو الحزن أو الفرح لا يكفي أن توصف لنا هذه الحالة لأن الوصف سيكون غير أمين، و لهذا لابد أن يعيش الإنسان التجـربة بنفسه، ضد هـذا الموقف الـذي يفصل بين اللغة و الفكـر نجد موقف الفلسفة المعـاصرة و اللسانيات الحديثة التي تؤكد على أن الفكر لا وجود له إلا في شكل لغوي، و لا وجود للغة خالية من المعنى و الدلالة.
نجد هذا الموقف عند دي سوسير و إيميل بنفنسن و مرولوبوتي و كريستيفا، إلا أن كلا منهم يدافع عن هذا الموقف من زاوية خاصة، فبالنسبة لدي سوسير يعتبر أن العـلاقة بين اللغة و الفكر هي علاقة تلاحم و تداخل و يشبه هذه العلاقة بورقة العملة النقدية، بحيث لا يمكن تمزيق الوجه الأول دون أن يتمزق الوجه الثاني.
أما مرلوبوتي، فينظر إلى العلاقة بين اللغة و الفكر من زاوية أخرى: علاقة اللغة بكل من الفكر و الكلام، فلا وجود لفكر قبل اللغة، إنهما متزامنان ففي الوقت الذي يصنع فيه الفكر اللغة فإن اللغة تحتوي معاني ذلك الفكر و ينتقد الموقف الديكارتي الذي يفصل الفكر عن اللغة، فاللغة في نظره لا يمكن أن تكون أداة للتعبير عن الفكر و ما يدل على ذلك هو أن التفكير في صمت هو في الواقع ضجيج من الكلمات، فالتفكير الداخلي هو لغة داخلية.
إن الوجه الآخر لإشكالية العلاقة بين اللغة و الفكر هي إشكالية التواصل بمعنى هل تعبر اللغة عن الأفكار بشكل شفاف و واضح، أم أن اللغة مجرد وسيلة للإخفاء و الكتمان ؟.
يعتبر جاكبسون أن كل عملية تواصلية أو حدث كلامي يتكون من 6 عناصر، هناك السيـاق و يشير عـادة إلى الظـروف و المناسبة التي يتم فيها هذا الحدث الكـلامي، المرسل و المرسل إليه و بينهما رسالة أي المعلومات المتبادلة، الاتصال أي عملية التوصل المباشر بتلك المعلومات المرسلة بطريقة شفوية أو كتابية.
و أخيرا ما نسميه بالسند و هو ما يمكن من فك رموز الرسالة.
إذا توفرت هذه العناصر الستة المكونة للعملية التواصلية، فإن جاكبسون يعتبر أن اللغة تقوم بعملية التواصل بشكل شفاف و واضح لكن هل فعلا تكون اللغة دائما شفافة و واضحة أم أنها مجرد وسيلة للإخفاء و الكتمان.
إن هـذا ما يوضحه "ألوليفي دوكو" من خـلال النص الذي سنتناوله "اللغة بين الكشف و الإخفاء".

تحليل نص "اللغة بين الكشف و الإخفاء" ص 21
في هذا النص ينتقد "ألوليفي دوكو" فكرة التواصل كما حددتها اللسانيات في بداية نشأتها مع دي سوسير، و إذا كان هذا الأخير يعتبر أن التواصل يتحدد في نقل المعلومة أو الخبر من طرف لآخر فإن دوكرو يعتبر هذا التعبير ضيقا جدا و لا يعطي للتواصل كل معانيه.
إن كل تواصل قابل لأن يتخذ دلالات متنوعة خصوصا و أنه يتم داخـل مجتمع معين و بما أن العلاقات الاجتماعية علاقات متعددة و متنوعة فإن عملية التواصل تتخذ أيضا نفس الدلالة و لهذا فإن اللغة لا تتخذ فقط كوسيلة للتواصل، إنها تحدد الإطار المرجعي لهذا التواصل. ذلك أنه داخل مجتمع توجد مجموعة من المحرمات الشيء الذي يجعل عملية التواصل بمثابة قواعد لعب يومية تحدد ماهو مباح و ماهو ممنوع هذا بالإضافة إلى الطقوس التحريمية التي يتضمنها كل نظام لغوي الشيء الذي يفرض على الأراد أو الذوات المتكلمة أن تنشأ إلى التعبير الضمني الذي ينفي المسؤولية عن الذات المتكلمة هذا بالإضافة إلى كون هذه الأخيرة تلجأ إلى تفادي كل نقد أو اعتراض يمكن أن يعرضها للسخرية أو المحاسبة من قبل الآخرين، و هذا ما يسميه دوكرو بآليتي الإخفاء و الإضمار.
من خلال ما سبق تناولنا في هذا الدرس كون اللغة ظاهرة خاصة بالإنسان ذلك أن هذا الأخير هو الكائن الوحيد القادر على التفكير و بالتالي فهو في حاجة إلى إبداع علامات و رموز لسانية يستطيع من خلالها عن فكره و هي قابلة للتنوع و الاختلاف و التعدد باختلاف المجتمعات البشرية، كما تنـاولنا علاقة العـلامات و الرموز اللسانية بالواقع من خلال البحث في العـلاقة بين الكلمـات و الأشياء و الأسماء و المسميات و انتهينا إلى أن هناك موقفين من هذه العلاقة، الموقف الأفلاطوني نسبة إلى أفلاطون الذي يعتبر العلاقة بينهما طبيعية في حين أن موقف الفلسفة الحديثة و اللسانيات المعاصرة تعتبر أن العلاقة بينهما علاقة اعتباطية، أما بخصوص العلاقة بين اللغة و الفكر فقد تطرقنا إلى موقفين:
موقف الفلسفة الكلاسيكية التي يمثلها كل من ديكارت و برجسون اللذين اعتبرا أن العلاقة بينهما هي علاقة انفصال ذلك أن الفكر من طبيعة روحية لا مادية في حين أن اللغة من طبيعة مـادية و على هذا الأساس اعتبر ديكارت أن اللغة مجرد أداة للتعبير عن الفكر في حين اعتبرها برجسون أداة عاجزة عن الإحاطة بكل موضوعات الفكر و لذلك اقترح أن يشمل مفهوم اللغة الحدس باعتباره لغة خاصة غير قابلة للنقل.
ضد هذا الموقف نجد موقف اللسـانيات الحديثة و الفلسفة المعـاصرة التي اعتبرت أن اللغة و الفكر متداخلان بحيث لا يمكن الفصل بينهما فلا وجود لفكر بدون لغة و لا وجود للغة خالية من الفكر و الدلالة.
أما الوجه الآخر لإشكالية العلاقة بين اللغة و الفكر فهي إشكالية التواصل، إن هذه الإشكالية نـابعة أساسا من تحديد معنى التـواصل فحينما يتم التركيز على التـواصل باعتبـاره نقلا للأفكـار و المعلومات كما حدده جاكبسون فإن اللغة تقوم بوظيفة التواصل بشكل شفاف و واضح كلما توفرت العوامل المكونة لعملية التواصل، لكن حينما يتخذ التواصل أبعادا متعـددة تصبح اللغة إطـارا محددا لهذه العملية التواصلية، و من ثم تصبح اللغة أداة للإخفـاء و الكتمان.


]v,s lilm td lh]m hgtgstm










عرض البوم صور نادية25   رد مع اقتباس

قديم 03-07-2011   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية maissa


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2528
المشاركات: 12,059 [+]
بمعدل : 3.52 يوميا
اخر زياره : 08-06-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 40

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
maissa غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نادية25 المنتدى : قسم أدب وفلسفة
افتراضي

بارك الله فيكي عزيزتي









عرض البوم صور maissa   رد مع اقتباس
قديم 03-10-2011   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نور العيون


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 5383
المشاركات: 14,686 [+]
بمعدل : 4.86 يوميا
اخر زياره : 03-21-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 1934

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نور العيون غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : نادية25 المنتدى : قسم أدب وفلسفة
افتراضي

جعلها الرحمن في ميزان حسناتك يا رب









عرض البوم صور نور العيون   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مجموعة دروس مهمة في الفلسفة DzaYerna Group قسم أدب وفلسفة 1 06-03-2011 05:05 PM
مجموعة مقالات مهمة في الفلسفة DzaYerna Group منتدى أرشيف المواضيع المخالفة و المكرره 5 03-07-2011 10:39 PM
دروس في مادة الفلسفة 3 ثانوي Dzayerna قسم أدب وفلسفة 5 10-30-2010 06:12 PM
دروس في مادة الفلسفة دروس في مادة الفلسفة Dzayerna قسم أدب وفلسفة 2 05-15-2010 12:36 AM
دروس رائعة في مادة الفلسفة نادية25 قسم أدب وفلسفة 2 04-13-2010 08:12 PM


الساعة الآن 06:13 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302