العودة   منتديات صحابي > أقسام الأدب والشعر > منتدي الشعر والخواطر العــــام { المنقول } > ركــن الشعر العربي الفصيح



البكاء في الشعر العربي (4)

ركــن الشعر العربي الفصيح


البكاء في الشعر العربي (4)

إن فرار الشعراء - كذي الرُّمَّة - من لواعج الغرام، إلى الاستراحة بالموت، كفرار امرئ القيس من الليل إلى الصباح، ثم ذمه الصباح، إذ يقول: أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-24-2010   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : ركــن الشعر العربي الفصيح
إن فرار الشعراء - كذي الرُّمَّة - من لواعج الغرام، إلى الاستراحة بالموت، كفرار امرئ القيس من الليل إلى الصباح، ثم ذمه الصباح، إذ يقول:

أَلا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلا انْجَلِ بِصُبْحٍ وَمَا الإِصْبَاحُ مِنْكَ بِأَمْثَلِ

إذ هُم قد اعتبروا الموتَ أعظمَ المصائب، وأشد النوازل، وأكره العوادي، حتى تخيَّلوا له أبشع ما تدركه الحواس من القبح الباعث لانقباض النفس، فوصفوه بالسَّواد والكلح، وأثبتوا له المخالب والأنياب، ولم يستسيغوه ويستحلُّوه إلاَّ في مقابلة ما هو أشد على نفس الكريم من كل مكروه، وهو الهوان والغلبة، وذلّ الأسر وما إليه، كما قال أبو الطيب:
غَيْرَ أَنَّ الفَتَى يُلاقِي المَنَايَا كَالِحَاتٍ وَلا يُلاقِي الهَوَانَا

من أجل ذلك؛ نرى الموت في الاستعمالات الشعرية أعظم بواعث الحزن، ونجده شديدَ الاقتران بالبكاء، الذي هو مظهر الحزن الأكبر، حتى تفرع عن هذا الاتصال أنْ شاع في استعمال اللغة التعبير بالبكاء عن مطلق ذكر الموت والتوجع له؛ لأنَّهم أخذوا البكاء في لوازمه القريبة، حتى إنهم إذا انبعثت ذكرياتُهم الحزينة لمرأى بعض الجمادات، وأفاضوا من حزنهم عليه، فتخيَّلوه حزينًا، أغرقوا في هذا الخيال، فنزَّلوه منزلة العاقل، وجعلوه باكيًا مبالغةً في التعبير عن حزنه، وهو ضربٌ قريبٌ من التجريد، وفيه يقول النَّابغة في رثاء النعمان، مُفصحًا عن بكاء قصره عليه:

بَكَى حَارِثُ الجُولانِ مِنْ فَقْدِ رَبِّهِ وَحُورَانُ مِنْهُ مُوحِشٌ مُتَضَائِلُ

وعلى ذلك قال جرير في رثاء عمر بن عبدالعزيز:

وَالشَّمْسُ كَاسِفَةٌ لَيْسَتْ بِطَالِعَةٍ تَبْكِي عَلَيْكَ نُجُومَ اللَّيْلِ وَالقَمَرَا

وقد تفنَّن الشعراء في إسناد هذا البكاء إلى أشياء مختلفة، باختلاف مقامات الكلام وصفات المبكي عليهم، فجعلوا المنابر تبكي لفقد الفصحاء، والخمرَ تبكي لفقد الندماء، كما قال أبو واثلة:

بَكَى المِنْبَرُ الغَرْبِيُّ إِذْ قُمْتَ فَوْقَهُ فَكَادَتْ مَسَامِيرُ الحَدِيدِ تَذُوبُ

وقال أحد شعراء العراق يرثي صديقه زلزل:
الخَمْرُ تَبْكِي فِي أَبَارِقِهَا وَالقَيْنَةُ الخُمْصَانَةُ الرُّودُ

وكثيرًا ما أسندوا هذا البكاء إلى السماء، توليدًا من قوله - تعالى -: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ} [الدخن: 29]، فكان أبدعَ في الادِّعاء، وأغرقَ في التخيُّل؛ لأنَّ للسَّماء ماء المطر الذي يُشبِهُ انصبابُه انصبابَ الدَّمع، فيصيرُ بطريق المجاز المُركَّب إيماءً إلى الحقيقة، وإبرازًا لغير الحاصل في معرض الحاصل؛ كما قال أبو بكر بن اللبانة في خروج المعتمد:

تَبْكِي السَّمَاءُ بِمُزْنٍ رَائِحٍ غَادِ عَلَى البَهَالِيلِ مِنْ أَبْنَاءِ عَبَّادِ

وقد انتهوا في هذا الباب إلى إثبات البكاء للمجردات، كما قال:

مَرَرْتُ عَلَى المُرُوءَةِ وَهْيَ تَبْكِي فَقُلْتُ: عَلامَ تَنْتَحِبُ الفَتَاةُ
فَقَالَتْ: كَيْفَ لا أَبْكِي وَأَهْلِي جَمِيعًا دُونَ خَلْقِ اللَّهِ مَاتُوا

ومن هنا استمدَّ المعرِّي في "رسالة الغفران" الصُّورةَ الخياليةَ للمأتم الذي تقيمه القصائد على أبي تمام، ومن هذا التلازُم الظَّاهر بين البكاء وبين الموت في الخيال الشعري، نرى الذين دلَّت أشعارُهم على امتِناعِهِم من البكاء عند الموت، ممَّن توطَّنَت نفوسُهم على المصائِب، وتمرَّنَت على احتِمال الأرزاء، هم أفراد شواذُّ بالنِّسبة إلى الذين يخور جلَدهم لمرأى الموت، فتتغلَّبُ عليهم دواعي البكاء، وفي ذلك يقول بشامة بن حزن النهشلي:

وَلا تَرَاهُمْ وَإِنْ جَلَّتْ مُصِيبَتُهُمْ مَعَ البُكَاةِ عَلَى مَنْ مَاتَ يَبْكُونَا

وقد بلغ بهم الاستِسلامُ لسلطان البكاء عند الموْت، أن أصبح القاتِل يبكي على قتيلِه، وذلك من أغرب أبواب البكاء، وفيه يقول الحماسي:
وَنَبْكِي حِينَ نَقْتُلُكُمْ عَلَيْكُمْ وَنَقْتُلُكُمْ كَأَنَّا لا نُبَالِي

وفيه قال البحتري فأبدع في المُطابقة:
إِذَا احْتَرَبَتْ يَوْمًا وَفَاضَتْ دِمَاؤُهَا تَذَكَّرَتِ القُرْبَى فَفَاضَتْ دُمُوعُهَا

وإذا كان البكاء لموت العدو بابًا مطروقًا، فالبكاء للقَرابة أوضح منهجًا، والبكاء على النفس أقوى باعثًا، وقد تعدَّدتْ أساليب البكاء في الشعر ومعانيه باختِلاف حال المبكي عليه، ونسبته من الباكي، وأصبح ذِكر البكاء أعظمَ مظاهر العاطفة الشخصية في شعر المراثي؛ لأن باب المراثي في الشعر العربي بابٌ يتجاذبُه أصلان: أصلٌ هو شعر الملحمة، من جهة ما فيه من ذكر الحروب، وبطولة المرثي، والحثّ على الثأر، وأصلٌ هو الإحساس، من جهة ما فيه من لوعة الراثي، والخنوع لقهْر الموت، وإحياء روابط القرابة، وذكريات الوداد.

وبذلك امتزجت الملاحم والشِّعر الإحساسي في هذا الباب امتزاجًا قويًّا، حتى تأتَّى لأبي تمام في ديوان الحماسة أن يُورِد كثيرًا من المراثي في باب الحماسة، وتوغَّلَت مراثٍ عديدة في ناحية الملحمة، حتى كادَت تخلو عن الناحية العاطفية بتاتًا.

ومن هنا، تفاوتت أغراض الرثاء في قوة المظهر الإحساسي، فكان أعلاها في ذلك رثاء النفس ورثاء الآباء، وأدْناها رثاء قتلى الحرب من غير الأقارب، والوسط في ذلك رثاء الأبناء ورثاء الإخوان.

أمَّا رثاء النفس، فهو على عزَّته بابٌ قديمٌ في الشِّعْر، فتحه امرؤ القيْس، وورد في معلَّقة طرفة، وفي شعر لبيد، وفيه اليائيَّتان الرَّائعتان لعبد يغوث - وهو جاهلي - ومالك بن الريب - وهو أموي - وقد أوردهُما أبو عليٍّ القالي في ذيل أماليه، وبقِي هذا الغرض في أشعار المولدين، ومن أشهر ما لهم فيه أبْيات لسان الدين بن الخطيب التَّائيَّة، التي أوردها المقري في "نفح الطيب"، وفي "أزهار الرياض"، ولم يرِد ذكر البُكاء في هذه المراثي من طريق مباشر، وإنَّما ورد فيها استحضار البكاء المتوقَّع على الميت، ممَّن يحق أن يبكي عليه، كما قال طرفة:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46259.html#post348039
وَلَوْلا ثَلاثٌ هُنَّ مِنْ عِيشَةِ الفَتَى وَجَدِّكَ لَمْ أَحْفِلْ مَتَى نَاحَ عُوَّدِي

وقال مالك بن الريب:
تَذَكَّرْتُ مَنْ يَبْكِي عَلَيَّ فَلَمْ أَجِدْ سِوَى السَّيْفِ وَالرُّمْحِ الرُّدَيْنِيِّ بَاكِيَا
وَأَشْقَرَ خِنْذِيذٍ يَجُرُّ عِنَانَهُ إِلَى المَاءِ لَمْ يَتْرُكْ لَهُ الدَّهْرُ سَاقِيَا

ثم قال:
وَبِالرَّمْلِ مِنِّي نِسْوَةٌ لَوْ رَأَيْنَنِي بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَ الطَّبِيبَ المُدَاوِيَا
فَمِنْهُنَّ أُمٌّ وَابْنَتَاهَا وَخَالَتِي وَبَاكِيَةٌ أُخْرَى تَهِيجُ البَوَاكِيَا

وقد زاد لبيد على استحضار هذا البكاء أن وَصَفه، وحدَّد أمدَه بقوله يُوصِي ابنتيْه:
فَإِنْ حَانَ يَوْمًا أَنْ يَمُوتَ أَبُوكُمَا فَلا تَخْمِشَا وَجْهًا وَلا تَحْلِقَا شَعَرْ
وَقُولا: هُوَ المَرْءُ الَّذِي لا صَدِيقَهُ أَهَانَ وَلا خَانَ الأَمِيرَ وَلا غَدَرْ
إِلَى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُمَا وَمَنْ يَبْكِ حَوْلاً كَامِلاً فَقَدِ اعْتَذَرْ

ويلتحق بالبكاء على النفس البكاءُ لانصِرام الشَّباب؛ لأنَّه في الحقيقة بكاءٌ على جزءٍ من الحياة عند استِشْعار قرب الموت، كما قال عديُّ بن زيدٍ:
وَلَقَدْ بَكَيْتُ عَلَى الشَّبَابِ لَوَ انَّهُ كَانَ البُكَاءُ بِهِ عَلَيَّ يَعُودُ
لَيْسَ الشَّبَابُ وَإِنْ جَزِعْتَ بِرَاجِعٍ أَبَدًا وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْكَ مُعِيدُ

كما يلتحق به البكاءُ لفراق الوطن؛ لأنَّ محبَّة الوطن في اعتِبارات الشِّعْر ناشئةٌ عن محبَّة النَّفس والحنين إلى شبابها، على طريقة ابن الرومي التي يقول فيها:
وَحَبَّبَ أَوْطَانَ الرِّجَالِ إِلَيْهِمُ مَآرِبُ قَضَّاهَا الشَّبَابُ هُنَالِكَا
إِذَا ذَكَرُوا أَوْطَانَهُمْ ذَكَّرَتْهُمُ عُهُودَ الصِّبَا فِيهَا فَحَنُّوا لِذَلِكَا

ومن مثل البكاء لفِراق الوطن ما أوْرده الجاحظ في رسالة الحنين إلى الأوْطان:
إِذَا مَا ذَكَرْتُ الثَّغْرَ فَاضَتْ مَدَامِعِي وَأَضْحَى فُؤَادِي نُهْبَةً لِلهَمَاهِمِ
حَنِينًا إِلَى أَرْضٍ بِهَا اخْضَرَّ شَارِبِي وَحُلَّتْ بِهَا عَنِّي عُقُودُ التَّمَائِمِ

وأمَّا رثاء الآباء، فالمظهر الحماسي ضعيفٌ فيه، بقدر ما قوي فيه المظهر الإحساسي؛ وذلك لأن من يكون له أولاد يقولون الشِّعر، لا يكون سنُّه قاضيًا بالموت في الحروب، فتجرَّدت رزيَّة الأب بذلك للناحية العاطفية، وذلك سرُّ غلبة هذا الغرَض على شِعْر النِّساء؛ لأنهنَّ أقْوى شعورًا بتلك الرزيَّة مجرَّدة عن غناء الأبْطال، وهو مع ذلك أقلُّ في شعر النِّساء من رثاء الإخوان؛ لأنَّ المرأة تحسُّ في فقْد الأخ ما تحسُّ في فقْد الوالد، مع زيادة ما عندها من الإعجاب بالبطولة واللوعة لمصاب الشَّباب، والتعلُّق بأخذ الثَّأر.

وأصحُّ ما ورد من شعر النِّساء في رثاء الآباء قولُ أرْوى بنت الحباب، فيما أورده البحتري في حماسته:
قُلْ لِلأَرَامِلِ وَاليَتَامَى قَدْ ثَوَى فَلْتَبْكِ أَعْيُنُهَا لِفَقْدِ حُبَابِ
أَوْدَى ابِنُ كُلِّ مُخَاطِرٍ بِتِلادِهِ وَبِنَفْسِهِ بُقْيَا عَلَى الأَحْسَابِ
الرَّاكِبِينَ مِنَ الأُمُورِ صُدُورَهَا لا يَرْكَبُونَ مَعَاقِدَ الأَذْنَابِ

ومن هذا الباب ما يُرْوى من رثاء بنات عبدالمطلب أباهم، ممَّا أثبته ابن هشام في السيرة، ومن رثاء ابنة كُلَيْب أباها الوارِدة في أخبار البسوس، وكلاهما مشكوكٌ في صحَّة نسبته؛ إذْ لَم يثبت في دواوين الأدَب، ولم يرِد إلاَّ من طريق القصص.

وأمَّا بكاءُ الأبناء، فقد اشتهر فيه أبو ذؤيبٍ الهُذلي بعينيَّته الشَّهيرة:
أَمِنَ المَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ

وقد أورد من هذا الباب مُثُلاً صالِحة الإمامُ السيوطي في رسالته التي سمَّاها: "الجلَد في فقد الولد".

وأمَّا بكاء الإخْوان فقد ورد فيه ما لا يُحصَى كثرةً من شِعْر الرِّجال والنساء، وكان تجاذُب بابي الحماسة والرثاء إيَّاه على نسبة متساوية، وأقدمُ ما اشتهر في هذا الباب مراثِي مهلهل بن ربيعة لأخيه كُلَيْب، وأشهرها الرَّائيَّة:
أَلَيْلَتَنَا بِذِي حُسَمٍ أَنِيرِي

وتبِعه في هذا المنهج كثيرون، كالخنساء في بكائِها على صخْرٍ ومعاوية ابنَي عمرو، حتَّى ضرب بها المثل، وليلى بنت طريف التي تقول:
أَيَا شَجَرَ الخَابُورِ مَا لَكَ مُورِقًا كَأَنَّكَ لَمْ تَحْزَنْ عَلَى ابْنِ طَرِيفِ

وهو من شواهد "الكشَّاف".

وقتيلة بنت الحارث، إذْ تقول مخاطبةً للنبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في قتله أخاها النَّضر في أَسْرى بدْر:
أَمُحَمَّدٌ هَا أَنْتَ ضَنْءُ كَرِيمَةٍ

إلى آخر القصيدة التي أوْردها ابن هشام في السيرة، ومطلعها:
يَا رَاكِبًا إِنَّ الأَثِيلَ مَظِنَّةٌ مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ

ومريم بنت طارق، التي رثت أخاها في أبيات أنشدها ابن الأنباري في أماليه، تقول فيها:

بِتْنَا كَأَنْجُمِ لَيْلٍ بَيْنَهَا قَمَرٌ يَجْلُو الدُّجَى فَهَوَى مِنْ بَيْنِهَا القَمَرُ

وعمرة بنت العجلان، التي رثتْ أخاها عمرًا في قطعةٍ رائعة، أوردها الشَّريف المرتضى في أماليه، وكان موته بسببِ افتراس نَمِرين؛ فلذلك تقول في مطلعِها:
سَأَلْتُ بِعَمْرٍو أَخِي صَحْبَهُ فَأَفْظَعَنِي حِينَ رَدُّوا السُّؤَالا
وَقَالُوا: أُتِيحَ لَهُ نَائِمًا أَعَرُّ السِّبَاعِ عَلَيْهِ أَحَالا
أُتِيحَ لَهُ نَمِرَا أَجْبُلٍ فَنَالا لَعَمْرُكِ مِنْهُ مَنَالا

إلخ.

ومنها الشَّاهد المشْهور في النَّحو:
لَقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ وَالمُرْمِلُونَا

البيتين.

والفارعة بنت شدَّاد، التي قالت ترْثِي أخاها مسعودًا قِطْعَتَها الدالية:
يَا عَيْنِ بَكِّي لِمَسْعُودِ بْنِ شَدَّادِ بُكَاءَ ذِي عَبَرَاتٍ شَجْوُهُ بَادِ

وقد أوردها بتمامِها الحصري في "زهر الآداب".

ومن أشْهر الرِّجال في هذا الباب عديّ أخو مهلهل بن ربيعة، الَّذي أظْهَر في رثاء مهلهل ما أظهر مهلهِل في رثاء كليب، وقد أوْرد ذِكْرَه المرزباني في "معجم الشعراء"، ومتمِّم بن نويرة أخو مالك بن نويرة، الذي قتله خطأً خالدُ بن الوليد، وقد سارتِ الركبان بشِعْره فيه، وعقد له حديثًا أبو الفرج في "الأغاني" في الجزء الرَّابع عشر، وكعب الغنوي الذي اشتهر برثائه أخاه أبا المِغْوار بالبائيَّة التي مطلعها:
تَقُولُ سُلَيْمَي: مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا كَأَنَّكَ يَحْمِيكَ الشَّرَابَ طَبِيبُ


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=348039
وبه ضرب المثل شاعرُنا وحافظُ العربيَّة بِمصرنا الأستاذ الكبادي، إذْ يقول في مرْثيته لأمير الشعراء أحمد شوقي - رحمه الله -:
شَوْقِي رَثَيْتُكَ عَنْ فُؤَادٍ مُوجَعِ كَرِثَاءِ كَعْبٍ فِي أَبِي المِغْوَارِ

وضرار بن نهشل، إذْ يقول في رثاء أخيه يزيد:
لَعَمْرِي لَئِنْ أَمْسَى يَزِيدُ بْنُ نَهْشَلٍ حَشَا جَدَثٍ تَسْفِي عَلَيْهِ الرَّوَائِحُ
لَقَدْ كَانَ مِمَّنْ يَبْسُطُ الكَفَّ بِالنَّدَى إِذَا ضَنَّ بِالخَيْرِ الأَكُفُّ الشَّحَائِحُ

إلى آخر كلِمتِه التي منها البيت المشْهور في الشَّواهد:
لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضَارِعٌ لِخُصُومَةٍ وَمُخْتَبِطٌ مِمَّا تُطِيحُ الطَّوَائِحُ

ورثاء الإخوان بعد ذلك شائعٌ شيوعًا كان سلوةً لفاقدي إخوانهم، كما قالت الخنساء:
وَلَوْلا كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وأمَّا رثاء الأزواج، فقد مرَّ بنا من مثلِه ما شكَّكنا في صحَّته من أخبار البَسوس، والحقُّ أنَّه بابٌ غير مطروق في الشِّعر القديم؛ لأنَّ العلاقة بين الرَّجُل والمرأة لم تكن تقوم على العاطفة، بل لم يكن مبْناها إلاَّ تحصيل السَّعادة المادِّيَّة للطَّرفين، كما يدل له حوار النِّساء الذي ورد به حديث أمُّ زرْع.

وأمَّا رِثاء غير الأقارب، فهو ضرْبٌ يتمحَّض إلى الشِّعْر الحماسي، ومظهر البُكاء فيه ضعيف، وإن كان بابًا يُمثِّل منزِلة المرأة في الحياة الجاهليَّة، وهنا نُمْسِك العنان عن هذا الحديث المترامي الأطراف، المتعلِّق من النفوس الحسَّاسة بالشقاف، مكتفين بهذه الإلمامة، غير مستنزرين صوْبَ الغمامة، ولعلَّ خوالج النَّفس تعود بنا إليْه، فنوافيه بمجلَّد يتناوله من وسطه وحوالَيْه.


hgf;hx td hgauv hguvfd (4)










عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس

إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
البكاء في الشعر العربي (4) محمد الامين ركــن الشعر العربي الفصيح 0 08-24-2010 03:00 AM
البكاء في الشعر العربي (3) محمد الامين ركــن الشعر العربي الفصيح 0 08-24-2010 02:51 AM
البكاء في الشعر العربي (2) محمد الامين ركــن الشعر العربي الفصيح 0 08-24-2010 02:40 AM
البكاء في الشعر العربي (1) محمد الامين ركــن الشعر العربي الفصيح 0 08-24-2010 02:27 AM
عجائب الشعر العربي بوعلام34 ركــن الشعر العربي الفصيح 1 06-05-2008 05:06 PM


الساعة الآن 04:57 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302