العودة   منتديات صحابي > أقسام خيمة جزائرنا الرمضانية 2011 - 1432 هـ > مُنتدى عبق رمضان من هنا وهنـاك > أرشيف رمضان جزائرنا- 1431



استثمار المعلومات في غزوة بدر

أرشيف رمضان جزائرنا- 1431


استثمار المعلومات في غزوة بدر

أ. جهاد بنت محمد عبد الغفار بن علي المقدمة الحمد لله وكفي، وصلاةٌ وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.. ( يا

 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
استثمار المعلومات في غزوة بدر bsm.gif


أ. جهاد بنت محمد عبد الغفار بن علي




المقدمة
الحمد لله وكفي، وصلاةٌ وسلامٌ على عباده الذين اصطفى، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.. ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ) [آل عمران: 102]، ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) [النساء: 1]،( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب: 70، 71]..
أما بعد:
فإن الناظر إلى حياة الرسول صلى الله عليه وسلموسيرتهالعطرة ليجدها معينا خصبا ومنهلا عذبا لكل مسترشد أراد أن يسير في درب الحياة على هدى من الله، ليصل إلى ما لا مبتغى سواه، سواءً ذلك في الدنيا من تحقيق العزة والنصر للإسلام والمسلمين من خلال إتباع منهجه صلى الله عليه وسلمفي كل مجال من مجالات الحياة، أو في الآخرة من نيل رضا الله والفوز بجنةٍ فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
فسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هي صورة حية صادقة لكل زوج وكل أب وكل قائد وكل محارب وكل حاكم وسياسي ومربي وداعية وزاهد وقاضي، بل لكل إنسان على وجه الأرض مهما كان، لذلك كان لزاما علينا أنه نتبعه صلى الله عليه وسلم لأنه هو الأسوة والقدوة الحسنة، قال تعالى: ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ...)[الأحزاب: 21]، كما أن في طاعته السبيل إلى الهدى والرشاد، قال تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )[النور:54]، وبالمقابل فإن الإعراض عن هديه ومنهجه صلى الله عليه وسلملا يوصلنا إلا إلى الخذلان والخسران والهوان، قال تعالى: ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ) [النور: 63].
ولقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم خير من طبق منهج رسول الله، وأفضل من حقق شرع الله، ( فقد حققوا الإيمان بكل معانيه وكافة أركانه، ومارسوا العمل الصالح بكل أنواعه وحرصوا على كل أنواع الخير وصنوف البر، وعبدوا الله عبودية شاملة في كافة شؤون حياتهم، وحاربوا الشرك بكل أشكاله وأنواعه وخفاياه )(1)، فاستحقوا بذلك التمكين في الأرض، فكانت لهم دولة في عشر سنين ولم يكن لغيرهم مثلهم، فهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلمنعم من ربي على منهج الله عز وجل لتنعم الأرض بمثل هذا الجيل الفريد الذي تحن إليه أفئدتنا وتشتاق إلى مثله نفوسنا، ولكن هيهات من الوصول إلا بعد تحقيق تلك الأصول.
لذلك عندما نرى ما يعانيه المسلمون اليوم من التأخر عنالقيادة العالمية لشعوب الأرض لا نجده إلا نتيجة منطقية لقوم نسوا رسالتهم، وحطوا من مكانتها، وشابوا معدنها بركام هائل من الأوهام في مجال العلم والعمل على حد سواء، وأهملوا السنن الربانية، وظنوا أن التمكين قد يكون بالأماني والأحلام.(2)
من هنا كانت لي تلك المحاولة المتواضعة للوقوف والتعرف على السبيل إلى النصر وتحقيق العزة والتمكين للمسلمين، ليعودوا إلى قيادة العالم من جديد بعدما تنحوا عن تلك المكانة أمدا طويلاً، ولكني قد وقفت في سبيل الوصول إلى تلك الغاية على جانب واحد من حياة الرسول ألا وهي غزواته صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الجوانب كثيرة ومتنوعة، ومن تلك المقطوعة أيضا أخذت موقعة واحدة، وهي ( غزوة بدر الكبرى ) تلك الغزوة التي مارس فيها الرسول صلى الله عليه وسلممقومات النصر والتمكين سواء أكانت مادية أو معنوية، مستفيدا من المعلومات التي تجمعت لديه عن العدو والتوجيهات التي ينبغي لكل قائد أن يمارسها سواءً قبل المعركة أو في أثنائها أو بعدها مستعينا بسنة الأخذ بالأسباب، ومن ثم تحقق له النصر المؤزر من عند الله عز وجل.
وقد تناولتُ أحداث تلك الغزوة وفصلت مواقفها من ناحية معلوماتية قائمة على استثمار كل ما أمكن من المعلومات سواء أكان المصدر لتلك المعلومات الخالق عز وجل أو كان مصدرها البشر، وجعلت عنوانها:

" استثمار المعلومات في غزوة بدر "
أما عن طريقتي في البحث:
فقد افتتحته بتلخيص يسير عن البحث يوضح ما خَلُصت إليه هذه الدراسة، ثم أتبعته بتلك المقدمة عن أهمية السيرة في حياة الفرد والمجتمع، وأنها السبيل إلى التمكين في كل مجالات الحياة، ثم من بعد ذلك جاء تقسيم الأبواب، حيث قسمته إلى خمسة أبواب وهي:
- الباب الأول: أهمية المعلومات.
وفيه أوضحت مدى أهمية المعلومات وأنها جزء لا يتجزأ من حياة البشر، بل هي الأساس المبنى عليه اتخاذ القرار فمتى تم استثمار المعلومات أمكن اتخاذ القرار المناسب في مكانه المناسب، وتناولت به أيضا حاجة الأمة العربية والإسلامية إلى إعادة النظر في طريقة استغلالها للمعلومات، وتفعيل كافة الوسائل في سبيل ذلك، وذكرت بعض النقاط اليسيرة التي تجعلنا نُنْشأ جيلا جديدا يعطى للمعلومات أهميتها الخاصة، ويستفيد منها في كل شئون حياته.
-الباب الثاني: أهمية المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم:
وبهذا الباب أوضحت أننا نثق بالمعلومة متى علمنا مصدرها، ومن هنا تميزت المعلومات في عصره صلى الله عليه وسلمعن غيرها إذ أن المعلومات الصادرة عنه صلى الله عليه وسلمتعد مصادر التشريع الإسلامي فلا أوثق من معلومات مصدرها الله عز وجل، ثم ذكرت بها خصائص المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم.
- الباب الثالث: معركة بدر الكبرى.
ذكرت فيه لمحة مختصرة عن أحداث تلك الغزوة موضوع البحث، وأنها كانت دون سابق إنذار، ثم بينت فضل من حضرها، وأنها كانت فرقانا بين الحق والباطل من عدة جوانب، ثم ما ترتب عليها من الآثار، وأخيرا حديث القرآن حول موضوع هذه المعركة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350650
- الباب الرابع: المواقف التي حدثت في معركة بدر.
وبهذا الباب تعرضت أولا لما ينبغي اعتقاده في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لا ينبغي أن يُنظر إليه صلى الله عليه وسلمعلى أنه عبقري عظيم أو داهية محنك، ولكنه رسول مبلغ عن الله، ثم قسمت الغزوة على ترتيب أحداثها إلى مواقف أمكن فيها استثمار المعلومات، مقسمة تلك المواقف إلى ثلاثة مراحل.
- الباب الخامس: دروس وعبر من غزوة بدر.
وهو الغاية المنشودة من البحث ومنتهى المُؤمل منه، فقد ذكرت فيه تحليلا مفصلا قدر الإمكان للمواقف التي عرضت لها بالباب الرابع، وكيف أمكن الاستفادة منها معلوماتيا، ولكني أيضا عرضت في ثنايا هذه الفوائد دروسا وعبرا يمكننا الخروج بها، مقسمةً تلك المواقف إلى فصلين هما:
·الفصل الأول: المصدر التشريعي.
·الفصل الثاني: المصدر العسكري.
- وأخيرا: الخاتمة.
وقد قسمتها إلى قسمين :
أولا: النتائج التي تم التوصل إليها من خلال تلك الدراسة.
ثانيا: أهم التوصيات التي نحن بحاجة إلى إعادة النظر فيها لتحقيقها.
ولقد استعنت في بحثي هذا على مجموعة من الكتب القيمة والتي منها: الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، والسيرة النبوية: دروس وعبر لمصطفى السباعي، والسيرة النبوية: دراسة تحليلية لمحمد عبد القادر أبو فارس، ووقفات تربوية مع السيرة النبوية لأحمد فريد، والسيرة النبوية الصحيحة لأكرم ضياء العمري، وفقه السيرة لمحمد الغزالي، وغيرها من الكتب التي أسأل أن يجزى أصحابها خير الجزاء، والتي ساعدتني على الخروج بفوائد جليلة وحكم عظيمة، بالإضافة إلى الكثير من المقالات المتخصصة في موضوعات معينة، ولقد كان لكتاب الدكتور / على محمد محمد الصلابي ( السيرة النبوية: عرض وقائع وتحليل أحداث ) أكبر الأثر في هذا البحث، فقد أفادني كثيرا، بل لعله كان المرجع الأول لي في هذه الدراسة، فأسأل الله أن يكرمه بما بذل في سبيل عرض سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلموتخريج فوائدها وعبرها ليتخذها المسلمون نبراسا لحياتهم.

**********
وبالنهاية؛ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفع بهذه الدراسة المتواضعة، وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يكرم أساتذتي الفضلاء الذين تفضلوا بمتابعتي في البحث طيلة هذه الفترة التي ليست باليسيرة، وما بذلوه من جهد جهيد وعناء شديد في سبيل إنهائي له وإخراجه بالصورة اللائقة، فجزآهم الله عني خيرا، ومتعهم اللهم بدوام الصحة وتمام العافية.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350650
كما أسأله تعالى أن يكرم أبواي الفاضلين اللذين تعبا من أجلي وقدما ما يمكن تقديمه في سبيل مساعدتي، فجزآهم الله عني خيرا وأكرمهما بالجنة.
يتبع







hsjelhv hglug,lhj td y.,m f]v










عرض البوم صور سوزان  

قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

الباب الأول




أهمية المعلومات




أولا: ما المعلومات ؟
كلمة معلومات في اللغة: مشتقة من مادة عَلِمَ، أي أدرك طبيعة الأمور.
أما اصطلاحا: فإن المعلومات تعني الحقائق والبيانات التي تعبر عن الحالة المعرفية للشخص في موضوع معين.
وهناك أشكال للمعلومات: فهي إما أن تكون نصيه، أو رقمية، أو بيانية مصورة.

ثانيا: أهمية المعلومات:
* يعتبر الاهتمام بالمعلومات، ظاهرة علىالمستوى العالمي بدأت تتضح معالمه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث يُعتبرهذا الاهتمام بداية عصر جديد للبشرية والذي بدأ بعصر الزراعة، ثم عصر الصناعة،والآن عصر المعلومات.
ويمكن التدليل على ذلك بأنه إذا كان المجتمع الزراعي يعتمدعلى المواد الأولية والطاقة الطبيعية و الجهد البشري أو الحيواني، و إذا كانالمجتمع الصناعي الذي جاء بعد ذلك يعتمد على الطاقة الميكانيكية أو الكهربائية أوالنووية أي ما يسمى بتكنولوجيا الآلات، فإن المجتمع ما بعد الصناعي أو مجتمعالمعلومات المعاصر والمستقبلي هو المجتمع الذي يعتمد في تطوره بصورة رئيسية علىالمعلومات والحاسبات الآلية وشبكات الاتصال آي أنه يعتمد على ما يسميه البعضبالتكنولوجية الفكرية، تلك التي تضم سلع وخدمات جديدة مع التزايد المستمر للقوةالعاملة المعلوماتية التي تقوم بإنتاج وتجهيز ومعالجة ونشر وتوزيع وتسويق تلك السلعوالخدمات.(1)
*إن ما يميز هذا العصر الذي نعيشه حاليا تزايد أهمية المعلومات باعتبارها موردا من موارد التنمية والتخطيط بمختلف قطاعاتها. وأقدر الناس على التخطيط والتعامل معالأشياء هو من يتملك المعلومات بشتى صورها وأشكالها، وقد أصبحت المعلومات من المصادر المؤثرة في تطور المجتمعات وتقدمها وقاعدة أساسيه لأي تقدم حضاري. فبقدر ما يحوزه الأشخاص أوالدول من معلومات بقدر ما يكونوا في مواقع أكثر قوة وأقدر على التصرف.
* إن أي نشاطبشري نمارسه سواء أكان صناعياً أم تجارياً أم غير ذلك يعتمد في أساسه علىالمعلومات، بل إن كل فرد في المجتمع يحتاج إلى المعلومات حتى في أبسط أمور الحياة اليومية. وبذلك فإن المعلومات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصالح البشر نتيجة لتعامل الفرد مع نفسه ومع غيره، وكذا الحال بالنسبة للدول حيث أصبحت تتسابق في الإتقان على تجميع المعلومات وإنشاء المراكز المتخصصة على أُسس علمية وفنية .
ثالثا: العالم العربي والمعلومات:
إذا وجهنا شطرنا صوب العالم العربي واهتمامه بالمعلومات، فإننا نجد أنه ليس هناك اهتمام بالمعلومات من حيث ضبطها وتنظيمها وتهيئة سبل الإفادة منها، وهذا لا يعنى - بطبيعة الحال - التقليل من الجهود التي تبذل هنا وهناك من أجل السيطرة على تدفق المعلومات في الوطن العربي، وإنما المقصود أنها لم تأخذ بعد مكانها المناسب سواء على المستوى الرسمي أو الأكاديمي أو التجاري، أو قل: على مستوى وعي الجماهير، فليس هناك خطط وطنية وأخرى إقليمية أو قومية أو على مستوى العالم الإسلامي ذات صلة بالمعلومات ودعمها مالياً ومعنوياً.
وليس من شك؛ أن التفاوت بين مجتمع وأخر يعتمد في أساسه على استثمار المعلومات، ومدى توافر مقومات ذلك الاستثمار، فإننا إذا تتبعنا منحنيات ازدهار الحضارات وانهيارها فسوف يتبين لنا الارتباط الوثيق بين عوامل الازدهار بكل مظاهره ومجالاته و عوامل الانهيار من جهة، والحرص على استثمار ثروة المعلومات من جهة أخرى، لذلك كان لزاما على الأمة العربية أن تعيد النظر لتوفير سُبل الاستفادة من قطاع المعلومات و استغلالها بالشكل الصحيح، لأنها تمثل أحد أهم العوامل لنجاح اقتصاد الدولة، ومن ثم تستطيع أن تحرك عصا اقتصادها و توفر فرص العمل لشعوبها و جذب رؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم، وذلك من خلال اهتمامها بالمعلومات والبيانات والإحصائيات الدقيقة. (1)
كيف السبيل للنهوض ؟
من أجل النهوض بالمعلومات سواء على المستوى المحلي أو العربي، فإننا نحتاج أولاً إلى:
·بث الوعي بأهمية المعلومات ودورها في اتخاذ القرار.
·أن الإنسان لا يمكن أن يستغني عنها في كثير من أعماله، ويكون هذا من خلال وسائل الإعلام ومن خلال المحاضن التربوية سواء في مراحلها الباركة أو على مستوى الجامعات.
·ربط النشء بالقراءة منذ الصغر وتهيئة سبل ذلك، فإنه ولا شك سَيُخْرِج جيلاً يُقَدِر المعلومات ودورها في حياتنا الراهنة..(2)

ـــــــــــــ
1. المكتبات والمعلومات / محمد فتحي عبد الهادي.
2. مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي / ساعد الحارثي.


الباب الثاني




أهمية المعلومات في عصر الرسولصلى الله عليه وسلم


إن المعلومات تبرز مصداقيتها من خلال التعرف على مصادرها من حيث الثقة والأمانة، وهذا الجانب هو ما يميز المصادر المعلوماتية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فمصادر المعلومات هي مصادر التشريع الإسلامي...

فكل قول أو فعل أو تقرير أو أمر يصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم هو بمثابة التشريع الإسلامي لنا، وكذلك يعتبر من المعلومات التي تفيدنا في حياتنا الدنيوية والأخروية.
وما يميز المعلومات في عصر الرسولصلى الله عليه وسلم من باقي المعلومات في عصرنا أنها من مصدر أصيل رباني فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لاينطق عن الهوى ، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى )[ النجم : 3 ، 4 ].
لذلك كل ما تجمع لدينا من كم هائل من المعلومات المنبثقة من سيرته صلى الله عليه وسلم هو منهج لا ينبغي أن نزيغ عنه إذا أردنا سعادة الدنيا والآخرة. كما أنه يحوي جميع مناحي الحياة الاقتصادية والتربوية والعسكرية.
وفي هذا العصر الذي تنوعت فيه مصادر المعلومات المختلفة منها الصادق ومنها الكاذب ومنها ما يريد تحقيق أهداف معينه، وتنوعت فيه الأساليب التعليمية نجد أن ما يميز المعلومات الإسلامية هو توفر الثقة والأمانة والعدالة فيها. (1)
ويمكن لنا أن نوجز أهمية المعلومات وخصائصها في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في النقاط التالية:
أولا: مصدر المعلومات:

إن الإسلام في صياغته للمعلومة يشترط في قبوله للخبر الثقة والأمانة والعدالة، ويبين لنا القرآن الكريم أن سبب ضلال أهل الكتاب هو ( أتباع الظن ) وهو من المصادر غير الموثقة في نقل المعلومة، قال تعالى: ( إن تتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) [ الأنعام: 148 ]... وإذا لم تتوفر شروط الصحة في الخبر أدى الأمر إلى نتائج سيئة وعلى هذا يتأكد أن يكون هناك مصدر خاص بالمعلومات للمسلمين أو بما يسمى بوكالة الأنباء، حفاظا على أمن المجتمع وعلى عقلية الشعوب الإسلامية من أن تصبح فريسة للغزو الفكري.
ثانيا: مصدر الأنباء والمعلومات في نظام الإسلام:

قال تعالى: ( يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [ الحجرات: 6 ]. فينبغي توفر المصدر الموثوق الصادق، فلا يكون الخبر صحيحا إذا كان المصدر المستقى منه كاذبا..
وفى الآية التي بين أيدينا مصدر الأنباء رجل فاسق، أي غير ملتزم بشروط نقل الخبر وبالتالي يحمل معلومات مغلوطة، ولا تتوفر فيها شروط نقل الخبر وهي الثقة والأمانة والصدق.
ونحن نرى في عصرنا الحاضر الكثير من التجاوزات في هذا الجانب مما يكسب الخبر عدم المصداقية،،،.
ثالثا: تزويد الناس بالمعلومات:
المعلومات في النطاق الإسلامي تفيد الناس و تساعدهم على إعمار الأرض وتجميع الطاقات وترقية الحياة والسمو بها.
رابعا: التحذير من المعلومات المضللة:
قال تعالى: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) [ النساء: 44 ].
وقال تعالى ( ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما أنذروا هزوا ) [ الكهف: 56 ].
يبيِّن الإسلام أمر هؤلاء المنحرفين، حتى لا يغتروا ولا يصدقوا أخبارهم وأنهم يكذبون على الله وعلى الناس ويصدون عن سبيل الحق. ولا يعتنون بالحجج ولو كانت قاهرة وبينة، لقد جعلوا في آذانهم وقرا لكي لا يسمعوا قول الحق، وأعموا أبصارهم حتى لايروا نور الحق.
خامسا: المعلومات في عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:
تعتبر المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلممصدرا من مصادر التشريع إلا سلامي..
سادسا: بناء الإطار الإسلامي:

المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم ببناء الإطار الإسلامي والمنهج الإسلامي لجميع نواحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية.
سابعا: توفر عنصر الحداثة:
المعلومات في العصر الإسلامي لا تنقصها ( الحداثة ) فالمعلومات المستقاة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكانإلا إذا استجدت قضايا فباب الاجتهاد يدعم هذا الجانب وهو خاص بالعلماء.(1)

الباب الثالث

معركة بدر الكبرى



لمحة موجزة عن الغزوة وأحداثها:
كانت غزوة بدر في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه للتعرض لقافلة قريش العائدة من الشام إلى مكة، ولم يكن يريد قتالا، ولكن القافلة التي كان يقودها أبو سفيان نجت بعد أن كان أرسل إلى قريش يستنفرها لحماية القافلة، فخرجت قريش في نحو من ألف مقاتل، منهم ستمائة دارع (لابس للدرع)، ومائة فرس عليها مائة درع سوى دروع المشاة، وسبعمائة بعير، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين.
أما المسلمون فكانت عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وأكثرهم من الأنصار، وكان معهم سبعون جملا، وفرسان فقط، وكان يتعاقب النفر السير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى.
وقبل خوض المعركة، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستشير أصحابه، وخاصة الأنصار في خوضها، فأشار عليه المهاجرون بخوضها، وتكلموا خيرا، ثم علم الأنصار أنه يريدهم، فقال له سعد بن معاذ وهو سيد الأنصار جميعا: " يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ". وقال غيره مثل ذلك، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال: سيروا على بركة الله، وابشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، إما العير، وإما النفير.
ثم سار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله ! هذا منزل أنزلكه الله تعالى، لا تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء بدر عن المشركين، فنهض الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى وصلوا إلى المكان الذي أشار به الحباب، فأقاموا فيه.
ثم أشار سعد بن معاذ أن يُبْنَي للرسول صلى الله عليه وسلم عريشا وراء صفوف المسلمين، فإن أعزهم الله كان ما أحبوا، وإلا جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة، فقد تخلف عنه أقوام ما هم بأشد له حبا منهم، ولو ظنوا أنه يلقى حربا لما تخلفوا عنه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يبنى له العريش.
ولما التقى الجمعان، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغبهم في الشهادة، ويقول لهم: ( والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة ). ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عريشه ومعه أبو بكر، ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ومن دعائه: « اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » وأطال في سجوده حتى قال له أبو بكر: حسبك، فإن الله سينجز لك وعدك، ثم حمي القتال، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقد قتل من المشركين نحو من السبعين، فيهم أشركهم أبو جهل وبعض زعمائهم، وأسر منهم نحو السبعين، ثم أمر بدفن القتلى جميعا، وعاد إلى المدينة، ثم استشار أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر بفدائهم، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم مشورة أبي بكر، وافتدى المشركون أسراهم بالمال.(1)
تلك كانت أحداث غزوة بدر الكبرى، فالحمد لله الذي كتب النصر والعز للمؤمنين، وقضى بالذل والهوان على الكافرين، لا يقع شيء إلا بعلمه، ولا يقضى شأن إلا بأمره، وهو اللطيف الخبير، نصر في بدر أهل الضعف والقلة، ودحر ذوي الشوكة والكثرة، قال تعالى: ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) [ آل عمران: 132 ]...
لقد خبأ الله تعالى للمؤمنين في بدر ما هو خير لهم من العير والغنيمة، فهيأ أسباب المعركة بلا سابق إنذار ولا
استعداد، ولو أن المسلمين والمشركين اتفقوا على المنازلة لربما لم يتهيأ ذلك لهم، بسبب بعد مكة عن المدينة،
وللفارق بين الفريقين في العدة والعتاد، والنفس البشرية تميل إلى التسويف بحجة الاستعداد، يقول الله تعالى: ( إذ
أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله
أمرا كان مفعولا ) [ الأنفال: 42]، أي: ليقضي الله سبحانه ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من غير ملأ منكم، ولا تدبير ولا تخطيط، ففعل سبحانه ما أراد من ذلك بلطفه.... قال كعب بن مالك رضي الله عنه: ( إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ).(2)
وهنا تظهر التضحيات، وتبرز البطولات، ويستعلي الإيمان، ويتحقق التوكل، وعندها لا ينظر أهل الإيمان إلى قلتهم وكثرة عدوهم، ولا إلى قوته وضعفهم؛ ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم ما قالوا لما رأوا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مقاتلة الجيش المشرك بعد أن فاتت العير، وأعلنوا له أنه مهما سار بهم فهم ماضون معه، ولن يتخلفوا عنه ولو كان في ذلك ذهاب نفوسهم وأموالهم.(3)
فضل من حضرها:
لقد غدت بدر بعد النصر المبين أعظم معركة في التاريخ كله بين أنصار الحق وأهل الباطل، ولكم تمنى من تخلف عنها من الصحابة رضي الله عنهم إدراكها، ولكم يغبط المسلمون في كل العصور من حضرها، وأهل بدر مغفور لهم، يقول صلى الله عليه وسلملعمر حينما أراد ضرب عنق حاطب لظنه أنه نافق: ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )[ رواه البخاري في المغازى ]، كما أن فضل من شهدها من الملائكة عند الملائكة عليهم السلام كفضل من شهدها من الصحابة عند البشر ففي الحديث الصحيح: ( جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلمفقال: ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: أفضل الناس، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة ) [ رواه البخاري في المغازى ]
...[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]
غزوة بدر فرقانا بين الحق والباطل:
هذه الغزوة التي عَنْوَنَ الله لها في القرآن بيوم الفرقان، كما قال تعالى: ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) [ الأنفال: 41 ] كانت بحق فرقانا،،
·فرقانا بين ذلك الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء،
والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك.
·كانت فرقانًا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله ، وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه .
·كانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع...
·وكانت فرقانًا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة؛ فجَرَتْ كل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة
حتى لقد قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: (غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ)، وقد
أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، لتكون فرقانًا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد...(1)
الآثار التي ترتبت على غزوة بدر:
لا شك أن معركة بدر، تلك اللقاء المسلح الأول بين المسلمين والمشركين، والتي أكسبت المسلمين نصرا حاسما، كان لها من الآثار التي مست عدة جوانب وهذه الجوانب هي:
1.أثر الغزوة على المسلمين.
2.الدعوة الإسلامية نفسها.
3.ظهور النفاق.
4.أثرها بالنسبة لقريش.
5.أثرها بالنسبة لليهود في المدينة.
6.أثرها بالنسبة للعرب كافة.
7.أثرها بالنسبة للبدو الضاربين حول المدينة.
ونتناول فيما يلي كل نقطة على حدة وكيف كان التصرف فيها، ودور المسلمين في القضاء على الأخطار التي لحقت بهم، والتي يظهر من خلالها عبقرية قيادة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من غاية التيقظ حول هذه الأخطار، وما كان عليه من حسن التخطيط للقضاء عليها.
أولا: أثر الغزوة على المسلمين:
لقد كان لانتصار المسلمين في بدر ثمار كثيرة وفوائد جمة ومتنوعة، فأما مسلمي المدينة فقد ازدادت ثقتهم بالله عز وجل وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلمكما قويت شوكتهم وطارت سمعتهم وهابهم أعدائهم ، وأما المسلمون في مكة فقد فرحوا فرحاً شديداً بانتصار المسلمين، كما قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب - وكان قد أسلم وأخفى إسلامه - لما بلغه انتصار المسلمين في بدر قال: ( لما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش أذل الله أبا لهب وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزة ).
كما سمع عليهم أهل مكة لأن لهم أسرى عند المسلمين، فلا بد أن يحسنوا معاملة المسلمين في مكة حتى يحسن المسلمون معاملة أسراهم في المدينة.(1)
وإلى جانب ذلك، فقد كسب المسلمون مهارة عسكرية، وأساليب جديدة في الحرب، وشهرة واسعة في داخل الجزيرة العربية وخارجها، إذ أصبحوا قوة يحسب لها حسابها في بلاد العرب، فلا تهدد زعامة قريش وحدها، بل زعامة جميع القبائل العربية المنتشرة في مختلف الأصقاع والأماكن، كما أصبح للدولة الجديدة مصدر للدخل من غنائم الجهاد؛ وبذلك انتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من غنائم بعد بؤس وفقر شديدين داما تسعة عشر شهرًا
.(2)
ثانيا: أثر الغزوة بالنسبة للدعوة الإسلامية نفسها:
بالنسبة للدعوة فقد انضمت أعداد جديدة للإسلام في المدينة، وبعض شخصيات مكة، منهم عمير بن وهب شيطان قريش، ذلك الذي آذى المسلمين في مكة أذى كبيرا وكثيرا، ثم هو يأتي إلى المدينة بعد مصاب أهل بدر يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره صلى الله عليه وسلم عما كان منه مع صفوان بن أمية في الحجر - وذلك أنهما ذكرا أصحاب القليب من قريش فقال عمير أنه، لولا دين عليه وعيال عنده لخرج حتى يقتل محمد، ولم يكن يعلم بالخبر غيرهما – فلما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك علم أن الذي أتاه به هو الله سبحانه وتعالى، فشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وهكذا دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره )، ففعلوا، ثم عاد عمير إلى مكة ليعلن إسلامه على الملأ، وليدعوا إلى الله بنفس القوة التي كان يدعوا بها ضد الإسلام، وهكذا أصبح داعية إسلامية بعد أن كان شيطانا، وقد هدى الله على يديه خلقاً كثيراً...
ومنهم أيضا: أبو عزيز بن عمير، صاحب لواء المشركين، والذي دخل في الإسلام وقد بهره خلق المسلمين في تعاملهم معه.(3)
ثالثا: ظهور النفاق بالمدينة:
فظاهرة النفاق لم تكن موجودة في العهد المكي إذ أنه لا داعي منها، لأن الإسلام في ذلك الوقت كان مطارد وكل من يعتنق الإسلام يتعرض للأذى والعنت والمشقة وربما للقتل والشهادة، كما تهضم حقوقه وتُعَطَّل مصالحه وتصادر أمواله لأن الصولة والجولة لأعداء الإسلام، فلا يُقْبِل على هذا الدين إلا المخلصون الراغبون في ثواب الله ورضوانه ليس لهم باعث غير ذلك. أما في المجتمع المدني فقد بلغ من قوة المسلمين بعد بدر أن ظهر النفاق بعدها، حيث كان أهل الكفر من أهل المدينة وما حولها قبل ذلك يعلنون كفرهم وعداءهم للمسلمين، ويسخرون منهم، فلما انتصر المسلمون في بدر أظهر كثير منهم الإيمان خوفا من المسلمين، وذلك حين لهم يبق مجالا لوقارهم، وصار للإسلام دولة وللمسلمين قوة وصولة وأعداء هذا الدين أصبحوا ضعفاء، لا يقدرون على مواجهة المسلمين والتصدي لهم والقضاء على دولتهم، كما أنهم يشعرون أن لهم مصالح في هذه الدولة، ومن ثم نشأت الحاجة عند هؤلاء إلى التظاهر بالإسلام وإبطان الكفر.(1) فهذا هو أول تاريخ النفاق في هذه الأمة؛ كما جاء في صحيح البخاري: ( أن رأس النفاق عبد الله بن أبي ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان قالوا بعد بدر: هذا أمر قد توجه – أي: استمر فلا مطمع في إزالته - فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم
على الإسلام فأسلموا )...[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]2)

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350651
رابعا: أثر الغزوة بالنسبة لقريش:
لقد كان وقع انتصار المسلمين على مشركي مكة الذين لم يخرجوا للقتال كالصاعقة أو أشد، بل لقد كانت سبباً في موت بعضهم كمداً كأبي لهب، والذي لما سمع بما حدث أصابته الحمى من كثرة الكمد والهم فمات ولم يكن قد جف على قتلى بدر تراب القليب.
فأهل مكة لم يصدقوا خبر الهزيمة، حتى أن صفوان بن أمية قال عن الحسيمان الذي أخبر بهزيمة قريش وقتل أبطالها: ( والله لن يعقل هذا، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان ابن أمية ؟ قال: هو ذاك جالساً في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا ). فما أن تحققوا من ذلك بكوا قتلاهم، وقطَّعت النساء شعورهن، وعُقِرَت خيول كثيرة ورواحل، ولكنهم توقفوا عن ذلك لئلا يشمت المسلمون بهم، حتى حرموا النياحة على القتلى، وصار الناس يَتَحَيَّنُون الفرص ليبكوا موتاهم...(3)
هكذا هشمت الغزوة كبرياء قريش، وقتلت جل قيادتها وخيرة أبنائها وشبابها، وفاتها المركز الضخم الذي كانت تطمح إليه بين العرب. ومن ثم قامت مكة تهدد بالضرب القاصم وتعلن بأخذ الثأر والنقمة، وتهتم بالتعبئة العامة جهارا، وترسل إلى المسلمين بلسان حالها، تقول بأنه:


ولابد من يوم أغر محجل *** يطول إستماعى بعده للنوادب

وفعلا فقد قادت غزوة قاصمة إلى أسوار المدينة عرفت في التاريخ بغزوة أحد، والتي كان لها أثر سيء على سمعة المسلمين وهيبتهم.(4)
خامسا: أثر الغزوة بالنسبة لليهود في المدينة:
أما يهود المدينة فقد غلى مرجل الحقد في قلوبهم، وأظهروا شعورهم وموقفهم الذي اتسم بالعداء الشديد للمسلمين والتعاطف مع المشركين، ولكنهم أصبحوا يشعرون بخطورة الإسلام والمسلمين عليهم، ومن ثم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يستمر هذا النصر لصالح الدعوة خاصة مع اليهود الذين يعرفونه كما يعرفون أبنائهم فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلمفي سوق بني قينقاع وقال لهم: ( يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا ). فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا ).
فأنزل الله تعالى: ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) [ آل عمران: 12 ، 13 ].
وهكذا أخذوا يتحدون الإسلام ورسول الإسلام وأمة الإسلام بعبارتهم التي تنم عن الحقد والحسد والكراهية ومن ثم عملوا على نقض العهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنتج عن ذلك أن وقعت غزوة بني قينقاع، وثلَّث عرشهم بعد بدر، وتجلى مدى ارتباط معسكر المنافقين باليهود من خلال المعركة، وأجواء بدر هي التي قادت إلى هذه المواجهة.(1)
سادسا: أثر الغزوة بالنسبة للعرب كافة:
شعر العرب أن القوة الإسلامية مرهوبة الجانب، قوية الشكيمة، لا يمكن أن تُتَجاهل أو تواجه، فأقلقت القبائل المجاورة وحاولت أن تفعل كفعل يهود، فتقوم بالتجمعات لتهاجم المدينة، غير أن القيادة النبوية كانت بالمرصاد. وما الغزوات التي قامت عقب بدر مباشرة، وهى غزوة بني سليم بالكدر بعد بدر بسبع ليال، وغزوة ذي أمر، وغزوة بحران، إلا محافظة على القوة الإسلامية الفتية أمام غطفان وقريش وسليم. (2)
لقد كان كلا من المشركين الذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة والذين منوا بخسائر فادحة مباشرة،
واليهود الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضربا قاصما على كيانهم الديني والإقتصادى، كان هذان الفريقان يحترقان غيظا وحنقا على المسلمين، قال تعالى: ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) [ المائدة: 82 ].(3)
سابعا: أثر الغزوة بالنسبة للبدو الضاربين حول المدينة:
أولئك البدو، لم تكن تهمهم مسألة الكفر والإيمان، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحدقون على المسلمين وصاروا لهم أعداء.
* وهكذا أحاطت الأخطار بالمسلمين من كل جانب، ولكن هذه الفرق تباينت في سلوكها إيزاء المسلمين، وأخذ كل فريق الطريقة التي رآها كافلة ببلوغ غايته.(4)

القرآن يتحدث حول موضوع المعركة :
حول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي – إن صح هذا التعبير – على هذه المعركة، يختلف كثيرا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح.
وهذه التعاليق ترتيبها كالتالي:
أولا: إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين إلى التقصيرات والتقاريظ الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدرت بعضها منهم، ليسعوا في تكميل نفوسهم وتزكيتها عن هذه والتقاريظ.
ثانيا: ذَكََّرَهُم بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين. وقد ذكر لهم ذلك لئلا يغتروا بشجاعتهم وبسالتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء، بل ليتوكلوا على الله ويطيعوه ويطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: بَيَّنَ لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى الله عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلَّهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح وفى المعارك.
رابعا: خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به.
خامسا: خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة.
سادسا: بَيَّنَ وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمُثُل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية، بل إنه يثقف أهله عمليا على الأسس والمبادئ التي يدعوا إليها.
سابعا : قَرَّرَ بنودا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفارق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها.(1)


الباب الرابع




المواقف التي حدثت في معركة بدر


قبل أن نشرع في ذكر المواقف والدروس التي يمكن الاستفادة منها في تلكم المعركة، لابد أولا أن نوضح أن المسلم لا ينبغي لحظة واحدة أن يحاول فهم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه عبقري عظيم أو قائد خطير أو داهية محنك. فمثل هذه المحاولة ليس إلا معاندة أو معابثة للحقائق الكبرى التي تزخر بها حياة محمد صلى الله عليه وسلم. فلقد أثبتت هذه الحقائق الجليلة الناصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متصفا بكل صفات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي، ولكن كل ذلك كان ينبع من حقيقة واحدة كبرى في حياته صلى الله عليه وسلم، ألا وهى أنه نبي مرسل من قِبَل الله عز وجل. وإن من العبث الغريب أن نضع الفروع في موضع الأصل، ثم نتجاهل وجود الأصل مطلقا !. ولا ريب أن الرد على ذلك لا يكون إلا بلفت النظر إلى الأصل، بل إلى الأصل وحده.(1)
من ثم نجد أن الغرض من هذه الدراسة التي نحن بصددها أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلى الله عليه وسلم بعد أن فهمها مبادئً وقواعدًا وأحكاماً متجردة في الذهن. إذا فهي عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كلها في مثلها الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم.(2)

وقصارى القول: إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مربي، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا...(3)

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350651
ومن خلال السطور القادمة نعرض لتلك المواقف التي يمكن الاستفادة وأخذ العبرة والدرس منها، وجعلها تطبيق عملي في مجتمعاتنا حتى نصل إلى قيادة العالم من جديد، بعدما تخلينا عن إتباع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان في إتباعه السبيل إلى التمكين لهذه الأمة وإعادة مجدها وعزتها وتحيكم شرع ربها، يقول الله تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )[ النور: 54 ]. نعرضها إن شاء الله على ترتيب أحداث تلك الغزوة المباركة، سواء كانت هذه المواقف يستفاد منها تشريعيا أم عسكريا...
ويحسن بنا أن نقسمها إلى ثلاث مراحل هي:
1.مرحلة ما قبل المعركة.
2. النبي صلى الله عليه وسلموالمسلمون في ساحة المعركة.
3. مرحلة ما بعد المعركة.
أولا: مرحلة ما قبل المعركة:
ويمكن أن نستخلص منها المواقف التالية:
1.الأخذ بمبدأ الدفاع عن النفس عملا بقوله تعالى: ( أُذِنَ للذين يقَاتَلُون بأنهم ظُلِموا وإِنَّ الله على نصرهم لقدير ) [ الحج: 39 ].
2.ضرب الناحية الاقتصادية وهي إحدى الاستراتيجيات الهامة في الحرب وذلك من خلال اعتراض القافلة.
3.إن عامة ممتلكات الحربيين تعتبر بالنسبة للمسلمين أموالا غير محترمة.
4.تعيين أبا لبابة أميرا على المدينة المنورة، مما يبين أهمية وجود الأمير في الحضر والسفر والسلم، والحرب، وهو ما يسمى حديثا بتأمين الجبهة داخليا.
5.ضرورة استعراض الجيش والتعرف على أفراده ومدى قدرتهم على المضي.
6.الأخذ بمبدأ الولاء والبراء ويتجلى ذلك في عدم استعانته صلى الله عليه وسلم بالمشرك.
7.المسلمون كلهم سواء، ويتجلى ذلك في مشاركته صلى الله عليه وسلم الصعاب مع أصحابه.
8.الجرأة من القائد في اختيار ( قرار الحرب ) لأنها تعتبر معركة حاسمة وفاصلة بين الإسلام والكفر خاصة وأن معظم رؤوس الكفر قد تم قتلهم.
9.الاستشارة: وهي استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه في خوض المعركة وفيه عدم فرض المعركة على الجنود.
10.العهود والمواثيق والالتزام بها، ويتجلى ذلك في طلب النبي صلى الله عليه وسلم بيان موقف الأنصار من القتال معه فيما لو حدث قتال بعد نجاة العير.
11.قبل بدء الحرب تم إرسال ما يسمى في عصرنا الحديث ( بالدوريات الاستطلاعية ) أو ما يعرف بالاستخبارات ومنهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، وكذلك بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزعباء.
12.مسح منطقة المعركة تعرفا عليها وتطلعا إلى أخبار العدو، كما فعل الرسول وأبى بكر، وكذلك إرسال على وسعد والزبير.
13.ضرورة استعمال المعاريض والتورية في الكلام في حالة الحرب والتعمية على العدو.
14.الأخذ بأسباب النصر على الأعداء، والمتجلي فيمعرفة عدد جنود الأعداء، وذلك من خلال سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن مقدار ما ينحرون من الإبل، فمن خلال مسألة حسابية عرف الرسول صلى الله عليه وسلم عددهم.
15.استنطاق أفراد العدو للحاجة وجواز ضربهم ضرباً خفيفاً لذلك.
16.بث الروح المعنوية القوية في صفوف المسلمين بالنصر، وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: ( سيرو على بركة الله وابشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير ).
17.الأخذ بمبدأ الأسلوب الإقناعى، وأن القائد لا يقود جنده بمقتضى السلطة، بل بالكفاءة والثقة وذلك من خلال أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن المنذر.
18.فرض أرض المعركة على العدو أيضا من خلال أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن المنذر، حيث أشار عليه أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وذلك بقطع ماء بدر عن المشركين.

ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة:
ويمكن أن نخرج من هذه المرحلة بعدة المواقف، وهى كالتالي:
1.وجوب المحافظة على قائد المعركة، ويتجلى ذلك في بناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلموراء صفوف المسلمين.
2.النعاس والمطر جند من جنود الله.
3.الأخذ بأسباب النصر على الأعداء، والمتجلي في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم.
4.ابتكار نظام الصفوف في القتال، والذي قلل من خسائر المسلمين وعوض عن قلة عددهم أمام المشركين.
5.الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال الأعداء.
6.الحرص على النظام من خلال تسوية الصفوف، كما يتجلى ذلك من موقف سواد بن غزية.
7.تقليل الله لعدد كل من الجيشين في عين مقاتله.
8.المبارزة قبل الالتحام من باب بث روح الحماس من خلال استعراض القوة مما فيه ( إرهاب العدو ).
9.استخدام أسلوب القيادة التوجيهية والمستفاد به في تغيير إستراتيجية الحرب، والتي تتجلى في أمور:
·أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، وهذا يوضح استخدام عدة خيارات للحرب.
·أمره صلى الله عليه وسلم الصحابة بالاقتصاد في الرمي.
·نهيه صلى الله عليه وسلمعن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف.
·أمره صلى الله عليه وسلمبعدم مقاتلة من خرج مكرها على القتال.
10. ( أحدٌ أحد ) حرب نفسية مضادة على المشركين.
11.مباغتة العدو بأسلوب الكرِّ والفر في القتال، وهو من الأساليب التي تنهك قوة العدو وتجعله يتوغل داخل ارض المعركة.
12.بث روح العزيمة في الجيش والتحريض على القتال، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ).
13.مباشرة القائد القتال بنفسه وإحاطتهم بتوجيهاته مما له الأثر الكبير على الروح المعنوية للجند.
14. تقرير مبدأ لا موالاة بين الكافر والمؤمن إذا قاتل الرجل ولده، وقاتل أباه، وقاتل ابن عمه.
15. إمداد الله تعالى للمسلمين بالملائكة، وأثر ذلك في رفع الروح المعنوية للجيش المسلم.
16.الهلاك والخلان للطغاة المستهزئين، مصداق لقوله تعالى: ( إنا كفيناك المستهزئين ) [ الحجر: 95 ].
17.تأكيد الحياة البرزخية للأموات.

ثالثا: مرحلة ما بعد المعركة:
ولنا أن نَخْلُص من هذه المرحلة بعدة مواقف وهى كالتالي:
1.استحباب تبشير المسلمين المقيمين في البلد بالنصر.
2.البقاء بأرض المعركة بعد الظهور على العدو مدة من الوقت.
3.خلاف الأحبة على الغنائم، ومعالجة الله له.
4.العدل في تقسيم الغائم على من تخلف عن المعركة بأمر من القائد، وكذلك تقسيمها على من عُوفوا منها بسبب ظروفهم الأسرية.
5.تشريع الله في أمر الأسرى بعد مشاور الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة فيهم.
6.تعدد أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وتتمثل في:
·الوفاء لمواقف الرجال، ولو كانوا مشركين.
·الحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة، كما فعل مععقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث .
·عدم محاباة ذوي القربى، كما فعل مع عمه العباس.
·المنَّ، من باب تأليف القلب للدخول في الإسلام، كما فعل مع صهره أبو العاص بن الربيع.
·التعليم مقابل الفداء، لمن ليس لهم فداء.
7.الوصية بالأسرى خيرا، وذلك عند الرجوع بهم إلى المدينة.

هذا ما منَّ به الله من تجميع للمواقف، التي يستفاد بها كل من أراد أن يسير على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبع ما أنزل الله من الوحي للوصول إلى التمكين...

والله من وراء القصد،،

ـــــــــــــ
1.فقه السيرة / محمد سعيد رمضان البوطي .
2.السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث / على محمد الصلابي.
3.هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب / أبو بكر الجزائري.
4.السيرة النبوية الصحيحة / أكرم ضياء العمري.
5.السيرة النبوية دروس وعبر / مصطفى السباعي.












عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

الباب الأول




أهمية المعلومات




أولا: ما المعلومات ؟
كلمة معلومات في اللغة: مشتقة من مادة عَلِمَ، أي أدرك طبيعة الأمور.
أما اصطلاحا: فإن المعلومات تعني الحقائق والبيانات التي تعبر عن الحالة المعرفية للشخص في موضوع معين.
وهناك أشكال للمعلومات: فهي إما أن تكون نصيه، أو رقمية، أو بيانية مصورة.

ثانيا: أهمية المعلومات:
* يعتبر الاهتمام بالمعلومات، ظاهرة علىالمستوى العالمي بدأت تتضح معالمه في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث يُعتبرهذا الاهتمام بداية عصر جديد للبشرية والذي بدأ بعصر الزراعة، ثم عصر الصناعة،والآن عصر المعلومات.
ويمكن التدليل على ذلك بأنه إذا كان المجتمع الزراعي يعتمدعلى المواد الأولية والطاقة الطبيعية و الجهد البشري أو الحيواني، و إذا كانالمجتمع الصناعي الذي جاء بعد ذلك يعتمد على الطاقة الميكانيكية أو الكهربائية أوالنووية أي ما يسمى بتكنولوجيا الآلات، فإن المجتمع ما بعد الصناعي أو مجتمعالمعلومات المعاصر والمستقبلي هو المجتمع الذي يعتمد في تطوره بصورة رئيسية علىالمعلومات والحاسبات الآلية وشبكات الاتصال آي أنه يعتمد على ما يسميه البعضبالتكنولوجية الفكرية، تلك التي تضم سلع وخدمات جديدة مع التزايد المستمر للقوةالعاملة المعلوماتية التي تقوم بإنتاج وتجهيز ومعالجة ونشر وتوزيع وتسويق تلك السلعوالخدمات.(1)
*إن ما يميز هذا العصر الذي نعيشه حاليا تزايد أهمية المعلومات باعتبارها موردا من موارد التنمية والتخطيط بمختلف قطاعاتها. وأقدر الناس على التخطيط والتعامل معالأشياء هو من يتملك المعلومات بشتى صورها وأشكالها، وقد أصبحت المعلومات من المصادر المؤثرة في تطور المجتمعات وتقدمها وقاعدة أساسيه لأي تقدم حضاري. فبقدر ما يحوزه الأشخاص أوالدول من معلومات بقدر ما يكونوا في مواقع أكثر قوة وأقدر على التصرف.
* إن أي نشاطبشري نمارسه سواء أكان صناعياً أم تجارياً أم غير ذلك يعتمد في أساسه علىالمعلومات، بل إن كل فرد في المجتمع يحتاج إلى المعلومات حتى في أبسط أمور الحياة اليومية. وبذلك فإن المعلومات تؤثر سلبا أو إيجابا على مصالح البشر نتيجة لتعامل الفرد مع نفسه ومع غيره، وكذا الحال بالنسبة للدول حيث أصبحت تتسابق في الإتقان على تجميع المعلومات وإنشاء المراكز المتخصصة على أُسس علمية وفنية .
ثالثا: العالم العربي والمعلومات:
إذا وجهنا شطرنا صوب العالم العربي واهتمامه بالمعلومات، فإننا نجد أنه ليس هناك اهتمام بالمعلومات من حيث ضبطها وتنظيمها وتهيئة سبل الإفادة منها، وهذا لا يعنى - بطبيعة الحال - التقليل من الجهود التي تبذل هنا وهناك من أجل السيطرة على تدفق المعلومات في الوطن العربي، وإنما المقصود أنها لم تأخذ بعد مكانها المناسب سواء على المستوى الرسمي أو الأكاديمي أو التجاري، أو قل: على مستوى وعي الجماهير، فليس هناك خطط وطنية وأخرى إقليمية أو قومية أو على مستوى العالم الإسلامي ذات صلة بالمعلومات ودعمها مالياً ومعنوياً.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350653
وليس من شك؛ أن التفاوت بين مجتمع وأخر يعتمد في أساسه على استثمار المعلومات، ومدى توافر مقومات ذلك الاستثمار، فإننا إذا تتبعنا منحنيات ازدهار الحضارات وانهيارها فسوف يتبين لنا الارتباط الوثيق بين عوامل الازدهار بكل مظاهره ومجالاته و عوامل الانهيار من جهة، والحرص على استثمار ثروة المعلومات من جهة أخرى، لذلك كان لزاما على الأمة العربية أن تعيد النظر لتوفير سُبل الاستفادة من قطاع المعلومات و استغلالها بالشكل الصحيح، لأنها تمثل أحد أهم العوامل لنجاح اقتصاد الدولة، ومن ثم تستطيع أن تحرك عصا اقتصادها و توفر فرص العمل لشعوبها و جذب رؤوس الأموال من جميع أنحاء العالم، وذلك من خلال اهتمامها بالمعلومات والبيانات والإحصائيات الدقيقة. (1)
كيف السبيل للنهوض ؟
من أجل النهوض بالمعلومات سواء على المستوى المحلي أو العربي، فإننا نحتاج أولاً إلى:
·بث الوعي بأهمية المعلومات ودورها في اتخاذ القرار.
·أن الإنسان لا يمكن أن يستغني عنها في كثير من أعماله، ويكون هذا من خلال وسائل الإعلام ومن خلال المحاضن التربوية سواء في مراحلها الباركة أو على مستوى الجامعات.
·ربط النشء بالقراءة منذ الصغر وتهيئة سبل ذلك، فإنه ولا شك سَيُخْرِج جيلاً يُقَدِر المعلومات ودورها في حياتنا الراهنة..(2)

ـــــــــــــ
1. المكتبات والمعلومات / محمد فتحي عبد الهادي.
2. مصادر المعلومات عن العالم الإسلامي / ساعد الحارثي.


الباب الثاني




أهمية المعلومات في عصر الرسولصلى الله عليه وسلم


إن المعلومات تبرز مصداقيتها من خلال التعرف على مصادرها من حيث الثقة والأمانة، وهذا الجانب هو ما يميز المصادر المعلوماتية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فمصادر المعلومات هي مصادر التشريع الإسلامي...

فكل قول أو فعل أو تقرير أو أمر يصدر من الرسول صلى الله عليه وسلم هو بمثابة التشريع الإسلامي لنا، وكذلك يعتبر من المعلومات التي تفيدنا في حياتنا الدنيوية والأخروية.
وما يميز المعلومات في عصر الرسولصلى الله عليه وسلم من باقي المعلومات في عصرنا أنها من مصدر أصيل رباني فرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لاينطق عن الهوى ، قال تعالى : ( وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى )[ النجم : 3 ، 4 ].
لذلك كل ما تجمع لدينا من كم هائل من المعلومات المنبثقة من سيرته صلى الله عليه وسلم هو منهج لا ينبغي أن نزيغ عنه إذا أردنا سعادة الدنيا والآخرة. كما أنه يحوي جميع مناحي الحياة الاقتصادية والتربوية والعسكرية.
وفي هذا العصر الذي تنوعت فيه مصادر المعلومات المختلفة منها الصادق ومنها الكاذب ومنها ما يريد تحقيق أهداف معينه، وتنوعت فيه الأساليب التعليمية نجد أن ما يميز المعلومات الإسلامية هو توفر الثقة والأمانة والعدالة فيها. (1)
ويمكن لنا أن نوجز أهمية المعلومات وخصائصها في عهد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في النقاط التالية:
أولا: مصدر المعلومات:

إن الإسلام في صياغته للمعلومة يشترط في قبوله للخبر الثقة والأمانة والعدالة، ويبين لنا القرآن الكريم أن سبب ضلال أهل الكتاب هو ( أتباع الظن ) وهو من المصادر غير الموثقة في نقل المعلومة، قال تعالى: ( إن تتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) [ الأنعام: 148 ]... وإذا لم تتوفر شروط الصحة في الخبر أدى الأمر إلى نتائج سيئة وعلى هذا يتأكد أن يكون هناك مصدر خاص بالمعلومات للمسلمين أو بما يسمى بوكالة الأنباء، حفاظا على أمن المجتمع وعلى عقلية الشعوب الإسلامية من أن تصبح فريسة للغزو الفكري.
ثانيا: مصدر الأنباء والمعلومات في نظام الإسلام:

قال تعالى: ( يأيها الذين ءامنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [ الحجرات: 6 ]. فينبغي توفر المصدر الموثوق الصادق، فلا يكون الخبر صحيحا إذا كان المصدر المستقى منه كاذبا..
وفى الآية التي بين أيدينا مصدر الأنباء رجل فاسق، أي غير ملتزم بشروط نقل الخبر وبالتالي يحمل معلومات مغلوطة، ولا تتوفر فيها شروط نقل الخبر وهي الثقة والأمانة والصدق.
ونحن نرى في عصرنا الحاضر الكثير من التجاوزات في هذا الجانب مما يكسب الخبر عدم المصداقية،،،.
ثالثا: تزويد الناس بالمعلومات:
المعلومات في النطاق الإسلامي تفيد الناس و تساعدهم على إعمار الأرض وتجميع الطاقات وترقية الحياة والسمو بها.
رابعا: التحذير من المعلومات المضللة:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350653
قال تعالى: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل ) [ النساء: 44 ].
وقال تعالى ( ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا ءاياتى وما أنذروا هزوا ) [ الكهف: 56 ].
يبيِّن الإسلام أمر هؤلاء المنحرفين، حتى لا يغتروا ولا يصدقوا أخبارهم وأنهم يكذبون على الله وعلى الناس ويصدون عن سبيل الحق. ولا يعتنون بالحجج ولو كانت قاهرة وبينة، لقد جعلوا في آذانهم وقرا لكي لا يسمعوا قول الحق، وأعموا أبصارهم حتى لايروا نور الحق.
خامسا: المعلومات في عصر الرسول محمد صلى الله عليه وسلم:
تعتبر المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلممصدرا من مصادر التشريع إلا سلامي..
سادسا: بناء الإطار الإسلامي:

المعلومات في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم تقوم ببناء الإطار الإسلامي والمنهج الإسلامي لجميع نواحي الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والعسكرية، والسياسية.
سابعا: توفر عنصر الحداثة:
المعلومات في العصر الإسلامي لا تنقصها ( الحداثة ) فالمعلومات المستقاة صالحة للتطبيق في كل زمان ومكانإلا إذا استجدت قضايا فباب الاجتهاد يدعم هذا الجانب وهو خاص بالعلماء.(1)

الباب الثالث

معركة بدر الكبرى


لمحة موجزة عن الغزوة وأحداثها:
كانت غزوة بدر في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة، وسببها أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب أصحابه للتعرض لقافلة قريش العائدة من الشام إلى مكة، ولم يكن يريد قتالا، ولكن القافلة التي كان يقودها أبو سفيان نجت بعد أن كان أرسل إلى قريش يستنفرها لحماية القافلة، فخرجت قريش في نحو من ألف مقاتل، منهم ستمائة دارع (لابس للدرع)، ومائة فرس عليها مائة درع سوى دروع المشاة، وسبعمائة بعير، ومعهم القيان يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين.
أما المسلمون فكانت عدتهم ثلاثمائة وثلاثة عشر أو أربعة عشر رجلا، وأكثرهم من الأنصار، وكان معهم سبعون جملا، وفرسان فقط، وكان يتعاقب النفر السير على الجمل الواحد فترة بعد أخرى.
وقبل خوض المعركة، أراد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستشير أصحابه، وخاصة الأنصار في خوضها، فأشار عليه المهاجرون بخوضها، وتكلموا خيرا، ثم علم الأنصار أنه يريدهم، فقال له سعد بن معاذ وهو سيد الأنصار جميعا: " يا رسول الله قد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء ، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله ". وقال غيره مثل ذلك، فسر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك، وقال: سيروا على بركة الله، وابشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين، إما العير، وإما النفير.
ثم سار الرسول صلى الله عليه وسلم حتى وصل أدنى ماء من بدر فنزل به، فقال له الحباب بن المنذر: يا رسول الله ! هذا منزل أنزلكه الله تعالى، لا تتقدمه ولا تتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( بل هو الرأي والحرب والمكيدة )، فأشار عليه الحباب بن المنذر أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وأمكن للمسلمين من قطع ماء بدر عن المشركين، فنهض الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى وصلوا إلى المكان الذي أشار به الحباب، فأقاموا فيه.
ثم أشار سعد بن معاذ أن يُبْنَي للرسول صلى الله عليه وسلم عريشا وراء صفوف المسلمين، فإن أعزهم الله كان ما أحبوا، وإلا جلس على ركائبه ولحق بمن في المدينة، فقد تخلف عنه أقوام ما هم بأشد له حبا منهم، ولو ظنوا أنه يلقى حربا لما تخلفوا عنه، فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر أن يبنى له العريش.
ولما التقى الجمعان، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يسوي صفوف المسلمين، ويحرضهم على القتال، ويرغبهم في الشهادة، ويقول لهم: ( والذي نفسي بيده، لا يقاتلهم اليوم رجل، فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر، إلا أدخله الله الجنة ). ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عريشه ومعه أبو بكر، ويحرسه سعد بن معاذ متوشحا بسيفه، وأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعاء، ومن دعائه: « اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض » وأطال في سجوده حتى قال له أبو بكر: حسبك، فإن الله سينجز لك وعدك، ثم حمي القتال، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين، وقد قتل من المشركين نحو من السبعين، فيهم أشركهم أبو جهل وبعض زعمائهم، وأسر منهم نحو السبعين، ثم أمر بدفن القتلى جميعا، وعاد إلى المدينة، ثم استشار أصحابه في أمر الأسرى، فأشار عليه عمر بقتلهم، وأشار عليه أبو بكر بفدائهم، فقبل الرسول صلى الله عليه وسلم مشورة أبي بكر، وافتدى المشركون أسراهم بالمال.(1)
تلك كانت أحداث غزوة بدر الكبرى، فالحمد لله الذي كتب النصر والعز للمؤمنين، وقضى بالذل والهوان على الكافرين، لا يقع شيء إلا بعلمه، ولا يقضى شأن إلا بأمره، وهو اللطيف الخبير، نصر في بدر أهل الضعف والقلة، ودحر ذوي الشوكة والكثرة، قال تعالى: ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) [ آل عمران: 132 ]...
لقد خبأ الله تعالى للمؤمنين في بدر ما هو خير لهم من العير والغنيمة، فهيأ أسباب المعركة بلا سابق إنذار ولا
استعداد، ولو أن المسلمين والمشركين اتفقوا على المنازلة لربما لم يتهيأ ذلك لهم، بسبب بعد مكة عن المدينة،
وللفارق بين الفريقين في العدة والعتاد، والنفس البشرية تميل إلى التسويف بحجة الاستعداد، يقول الله تعالى: ( إذ
أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله
أمرا كان مفعولا ) [ الأنفال: 42]، أي: ليقضي الله سبحانه ما أراد بقدرته من إعزاز الإسلام وأهله، وإذلال الشرك وأهله من غير ملأ منكم، ولا تدبير ولا تخطيط، ففعل سبحانه ما أراد من ذلك بلطفه.... قال كعب بن مالك رضي الله عنه: ( إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ).(2)
وهنا تظهر التضحيات، وتبرز البطولات، ويستعلي الإيمان، ويتحقق التوكل، وعندها لا ينظر أهل الإيمان إلى قلتهم وكثرة عدوهم، ولا إلى قوته وضعفهم؛ ولهذا قال الصحابة رضي الله عنهم ما قالوا لما رأوا عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مقاتلة الجيش المشرك بعد أن فاتت العير، وأعلنوا له أنه مهما سار بهم فهم ماضون معه، ولن يتخلفوا عنه ولو كان في ذلك ذهاب نفوسهم وأموالهم.(3)
فضل من حضرها:
لقد غدت بدر بعد النصر المبين أعظم معركة في التاريخ كله بين أنصار الحق وأهل الباطل، ولكم تمنى من تخلف عنها من الصحابة رضي الله عنهم إدراكها، ولكم يغبط المسلمون في كل العصور من حضرها، وأهل بدر مغفور لهم، يقول صلى الله عليه وسلملعمر حينما أراد ضرب عنق حاطب لظنه أنه نافق: ( وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم )[ رواه البخاري في المغازى ]، كما أن فضل من شهدها من الملائكة عند الملائكة عليهم السلام كفضل من شهدها من الصحابة عند البشر ففي الحديث الصحيح: ( جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلمفقال: ما تعدون أهل بدر فيكم ؟ قال: أفضل الناس، أو كلمة نحوها، قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة ) [ رواه البخاري في المغازى ]...
غزوة بدر فرقانا بين الحق والباطل:
هذه الغزوة التي عَنْوَنَ الله لها في القرآن بيوم الفرقان، كما قال تعالى: ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير ) [ الأنفال: 41 ] كانت بحق فرقانا،،
·فرقانا بين ذلك الحق الأصيل الذي قامت عليه السماوات والأرض، وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء، والباطل الزائف الطارئ الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك.
·كانت فرقانًا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله ، وتساوت الرؤوس لا تخضع إلا لحاكميته وشرعه .
·كانت فرقانًا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد الصبر والمصابرة والتجمع والانتظار، وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع...
·وكانت فرقانًا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة؛ فجَرَتْ كل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة حتى لقد قال المنافقون والذين في قلوبهم مرض: (غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ)، وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، لتكون فرقانًا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر وأسباب الهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فيتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد...(1)
الآثار التي ترتبت على غزوة بدر:
لا شك أن معركة بدر، تلك اللقاء المسلح الأول بين المسلمين والمشركين، والتي أكسبت المسلمين نصرا حاسما، كان لها من الآثار التي مست عدة جوانب وهذه الجوانب هي:
1.أثر الغزوة على المسلمين.
2.الدعوة الإسلامية نفسها.
3.ظهور النفاق.
4.أثرها بالنسبة لقريش.
5.أثرها بالنسبة لليهود في المدينة.
6.أثرها بالنسبة للعرب كافة.
7.أثرها بالنسبة للبدو الضاربين حول المدينة.
ونتناول فيما يلي كل نقطة على حدة وكيف كان التصرف فيها، ودور المسلمين في القضاء على الأخطار التي لحقت بهم، والتي يظهر من خلالها عبقرية قيادة النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من غاية التيقظ حول هذه الأخطار، وما كان عليه من حسن التخطيط للقضاء عليها.
أولا: أثر الغزوة على المسلمين:
لقد كان لانتصار المسلمين في بدر ثمار كثيرة وفوائد جمة ومتنوعة، فأما مسلمي المدينة فقد ازدادت ثقتهم بالله عز وجل وبرسوله الكريم صلى الله عليه وسلمكما قويت شوكتهم وطارت سمعتهم وهابهم أعدائهم ، وأما المسلمون في مكة فقد فرحوا فرحاً شديداً بانتصار المسلمين، كما قال أبو رافع غلام العباس بن عبد المطلب - وكان قد أسلم وأخفى إسلامه - لما بلغه انتصار المسلمين في بدر قال: ( لما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش أذل الله أبا لهب وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزة ).كما سمع عليهم أهل مكة لأن لهم أسرى عند المسلمين، فلا بد أن يحسنوا معاملة المسلمين في مكة حتى يحسن المسلمون معاملة أسراهم في المدينة.(1)
وإلى جانب ذلك، فقد كسب المسلمون مهارة عسكرية، وأساليب جديدة في الحرب، وشهرة واسعة في داخل الجزيرة العربية وخارجها، إذ أصبحوا قوة يحسب لها حسابها في بلاد العرب، فلا تهدد زعامة قريش وحدها، بل زعامة جميع القبائل العربية المنتشرة في مختلف الأصقاع والأماكن، كما أصبح للدولة الجديدة مصدر للدخل من غنائم الجهاد؛ وبذلك انتعش حال المسلمين المادي والاقتصادي بما أفاء الله عليهم من غنائم بعد بؤس وفقر شديدين داما تسعة عشر شهرًا.(2)
ثانيا: أثر الغزوة بالنسبة للدعوة الإسلامية نفسها:
بالنسبة للدعوة فقد انضمت أعداد جديدة للإسلام في المدينة، وبعض شخصيات مكة، منهم عمير بن وهب شيطان قريش، ذلك الذي آذى المسلمين في مكة أذى كبيرا وكثيرا، ثم هو يأتي إلى المدينة بعد مصاب أهل بدر يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبره صلى الله عليه وسلم عما كان منه مع صفوان بن أمية في الحجر - وذلك أنهما ذكرا أصحاب القليب من قريش فقال عمير أنه، لولا دين عليه وعيال عنده لخرج حتى يقتل محمد، ولم يكن يعلم بالخبر غيرهما – فلما أخبره الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك علم أن الذي أتاه به هو الله سبحانه وتعالى، فشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، وهكذا دخل في الإسلام وشهد شهادة الحق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرآن وأطلقوا له أسيره )، ففعلوا، ثم عاد عمير إلى مكة ليعلن إسلامه على الملأ، وليدعوا إلى الله بنفس القوة التي كان يدعوا بها ضد الإسلام، وهكذا أصبح داعية إسلامية بعد أن كان شيطانا، وقد هدى الله على يديه خلقاً كثيراً...
ومنهم أيضا: أبو عزيز بن عمير، صاحب لواء المشركين، والذي دخل في الإسلام وقد بهره خلق المسلمين في تعاملهم معه.(3)
ثالثا: ظهور النفاق بالمدينة:
فظاهرة النفاق لم تكن موجودة في العهد المكي إذ أنه لا داعي منها، لأن الإسلام في ذلك الوقت كان مطارد وكل من يعتنق الإسلام يتعرض للأذى والعنت والمشقة وربما للقتل والشهادة، كما تهضم حقوقه وتُعَطَّل مصالحه وتصادر أمواله لأن الصولة والجولة لأعداء الإسلام، فلا يُقْبِل على هذا الدين إلا المخلصون الراغبون في ثواب الله ورضوانه ليس لهم باعث غير ذلك. أما في المجتمع المدني فقد بلغ من قوة المسلمين بعد بدر أن ظهر النفاق بعدها، حيث كان أهل الكفر من أهل المدينة وما حولها قبل ذلك يعلنون كفرهم وعداءهم للمسلمين، ويسخرون منهم، فلما انتصر المسلمون في بدر أظهر كثير منهم الإيمان خوفا من المسلمين، وذلك حين لهم يبق مجالا لوقارهم، وصار للإسلام دولة وللمسلمين قوة وصولة وأعداء هذا الدين أصبحوا ضعفاء، لا يقدرون على مواجهة المسلمين والتصدي لهم والقضاء على دولتهم، كما أنهم يشعرون أن لهم مصالح في هذه الدولة، ومن ثم نشأت الحاجة عند هؤلاء إلى التظاهر بالإسلام وإبطان الكفر.(1) فهذا هو أول تاريخ النفاق في هذه الأمة؛ كما جاء في صحيح البخاري: ( أن رأس النفاق عبد الله بن أبي ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان قالوا بعد بدر: هذا أمر قد توجه – أي: استمر فلا مطمع في إزالته - فبايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإسلام فأسلموا )...
رابعا: أثر الغزوة بالنسبة لقريش:
لقد كان وقع انتصار المسلمين على مشركي مكة الذين لم يخرجوا للقتال كالصاعقة أو أشد، بل لقد كانت سبباً في موت بعضهم كمداً كأبي لهب، والذي لما سمع بما حدث أصابته الحمى من كثرة الكمد والهم فمات ولم يكن قد جف على قتلى بدر تراب القليب.
فأهل مكة لم يصدقوا خبر الهزيمة، حتى أن صفوان بن أمية قال عن الحسيمان الذي أخبر بهزيمة قريش وقتل أبطالها: ( والله لن يعقل هذا، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان ابن أمية ؟ قال: هو ذاك جالساً في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا ). فما أن تحققوا من ذلك بكوا قتلاهم، وقطَّعت النساء شعورهن، وعُقِرَت خيول كثيرة ورواحل، ولكنهم توقفوا عن ذلك لئلا يشمت المسلمون بهم، حتى حرموا النياحة على القتلى، وصار الناس يَتَحَيَّنُون الفرص ليبكوا موتاهم...(3)
هكذا هشمت الغزوة كبرياء قريش، وقتلت جل قيادتها وخيرة أبنائها وشبابها، وفاتها المركز الضخم الذي كانت تطمح إليه بين العرب. ومن ثم قامت مكة تهدد بالضرب القاصم وتعلن بأخذ الثأر والنقمة، وتهتم بالتعبئة العامة جهارا، وترسل إلى المسلمين بلسان حالها، تقول بأنه:


ولابد من يوم أغر محجل *** يطول إستماعى بعده للنوادب

وفعلا فقد قادت غزوة قاصمة إلى أسوار المدينة عرفت في التاريخ بغزوة أحد، والتي كان لها أثر سيء على سمعة المسلمين وهيبتهم.(4)
خامسا: أثر الغزوة بالنسبة لليهود في المدينة:
أما يهود المدينة فقد غلى مرجل الحقد في قلوبهم، وأظهروا شعورهم وموقفهم الذي اتسم بالعداء الشديد للمسلمين والتعاطف مع المشركين، ولكنهم أصبحوا يشعرون بخطورة الإسلام والمسلمين عليهم، ومن ثم حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يستمر هذا النصر لصالح الدعوة خاصة مع اليهود الذين يعرفونه كما يعرفون أبنائهم فجمعهم الرسول صلى الله عليه وسلمفي سوق بني قينقاع وقال لهم: ( يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشا ). فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرا من قريش، كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنَّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا ).
فأنزل الله تعالى: ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد * قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار ) [ آل عمران: 12 ، 13 ].
وهكذا أخذوا يتحدون الإسلام ورسول الإسلام وأمة الإسلام بعبارتهم التي تنم عن الحقد والحسد والكراهية ومن ثم عملوا على نقض العهد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فنتج عن ذلك أن وقعت غزوة بني قينقاع، وثلَّث عرشهم بعد بدر، وتجلى مدى ارتباط معسكر المنافقين باليهود من خلال المعركة، وأجواء بدر هي التي قادت إلى هذه المواجهة.(1)
سادسا: أثر الغزوة بالنسبة للعرب كافة:
شعر العرب أن القوة الإسلامية مرهوبة الجانب، قوية الشكيمة، لا يمكن أن تُتَجاهل أو تواجه، فأقلقت القبائل المجاورة وحاولت أن تفعل كفعل يهود، فتقوم بالتجمعات لتهاجم المدينة، غير أن القيادة النبوية كانت بالمرصاد. وما الغزوات التي قامت عقب بدر مباشرة، وهى غزوة بني سليم بالكدر بعد بدر بسبع ليال، وغزوة ذي أمر، وغزوة بحران، إلا محافظة على القوة الإسلامية الفتية أمام غطفان وقريش وسليم. (2)
لقد كان كلا من المشركين الذين كانوا أشد استياء لنتائج هذه المعركة والذين منوا بخسائر فادحة مباشرة،
واليهود الذين كانوا يرون عزة المسلمين وغلبتهم ضربا قاصما على كيانهم الديني والإقتصادى، كان هذان الفريقان يحترقان غيظا وحنقا على المسلمين، قال تعالى: ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ) [ المائدة: 82 ].(3)
سابعا: أثر الغزوة بالنسبة للبدو الضاربين حول المدينة:
أولئك البدو، لم تكن تهمهم مسألة الكفر والإيمان، ولكنهم كانوا أصحاب سلب ونهب، فأخذهم القلق، واضطربوا لهذا الانتصار وخافوا أن تقوم في المدينة دولة قوية تحول بينهم وبين اكتساب قوتهم عن طريق السلب والنهب، فجعلوا يحدقون على المسلمين وصاروا لهم أعداء.
* وهكذا أحاطت الأخطار بالمسلمين من كل جانب، ولكن هذه الفرق تباينت في سلوكها إيزاء المسلمين، وأخذ كل فريق الطريقة التي رآها كافلة ببلوغ غايته.(4)

القرآن يتحدث حول موضوع المعركة :
حول موضوع هذه المعركة نزلت سورة الأنفال، وهذه السورة تعليق إلهي – إن صح هذا التعبير – على هذه المعركة، يختلف كثيرا عن التعاليق التي ينطق بها الملوك والقواد بعد الفتح.
وهذه التعاليق ترتيبها كالتالي:
أولا: إن الله تعالى لفت أنظار المسلمين إلى التقصيرات والتقاريظ الأخلاقية التي كانت قد بقيت فيهم، وصدرت بعضها منهم، ليسعوا في تكميل نفوسهم وتزكيتها عن هذه والتقاريظ.
ثانيا: ذَكََّرَهُم بما كان في هذا الفتح من تأييد الله وعونه ونصره بالغيب للمسلمين. وقد ذكر لهم ذلك لئلا يغتروا بشجاعتهم وبسالتهم، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء، بل ليتوكلوا على الله ويطيعوه ويطيعوا رسوله صلى الله عليه وسلم.
ثالثا: بَيَّنَ لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى الله عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة، ودلَّهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح وفى المعارك.
رابعا: خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة، ووعظهم موعظة بليغة، تهديهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به.
خامسا: خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم، وقنن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة.
سادسا: بَيَّنَ وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمُثُل، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية، بل إنه يثقف أهله عمليا على الأسس والمبادئ التي يدعوا إليها.
سابعا : قَرَّرَ بنودا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفارق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها، والذين يسكنون خارجها.(1)



الباب الرابع





المواقف التي حدثت في معركة بدر


قبل أن نشرع في ذكر المواقف والدروس التي يمكن الاستفادة منها في تلكم المعركة، لابد أولا أن نوضح أن المسلم لا ينبغي لحظة واحدة أن يحاول فهم حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنه عبقري عظيم أو قائد خطير أو داهية محنك. فمثل هذه المحاولة ليس إلا معاندة أو معابثة للحقائق الكبرى التي تزخر بها حياة محمد صلى الله عليه وسلم. فلقد أثبتت هذه الحقائق الجليلة الناصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متصفا بكل صفات السمو والكمال الخلقي والعقلي والنفسي، ولكن كل ذلك كان ينبع من حقيقة واحدة كبرى في حياته صلى الله عليه وسلم، ألا وهى أنه نبي مرسل من قِبَل الله عز وجل. وإن من العبث الغريب أن نضع الفروع في موضع الأصل، ثم نتجاهل وجود الأصل مطلقا !. ولا ريب أن الرد على ذلك لا يكون إلا بلفت النظر إلى الأصل، بل إلى الأصل وحده.(1)
من ثم نجد أن الغرض من هذه الدراسة التي نحن بصددها أن يتصور المسلم الحقيقة الإسلامية في مجموعها متجسدة في حياته صلى الله عليه وسلم بعد أن فهمها مبادئً وقواعدًا وأحكاماً متجردة في الذهن. إذا فهي عمل تطبيقي يراد منه تجسيد الحقيقة الإسلامية كلها في مثلها الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم.(2)

وقصارى القول: إن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم شاملة لجميع النواحي الإنسانية في المجتمع، مما يجعله القدوة الصالحة لكل داعية، وكل قائد، وكل أب، وكل زوج، وكل صديق، وكل مربي، وكل سياسي، وكل رئيس دولة، وهكذا...(3)
ومن خلال السطور القادمة نعرض لتلك المواقف التي يمكن الاستفادة وأخذ العبرة والدرس منها، وجعلها تطبيق عملي في مجتمعاتنا حتى نصل إلى قيادة العالم من جديد، بعدما تخلينا عن إتباع منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي كان في إتباعه السبيل إلى التمكين لهذه الأمة وإعادة مجدها وعزتها وتحيكم شرع ربها، يقول الله تعالى: ( قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ )[ النور: 54 ]. نعرضها إن شاء الله على ترتيب أحداث تلك الغزوة المباركة، سواء كانت هذه المواقف يستفاد منها تشريعيا أم عسكريا...
ويحسن بنا أن نقسمها إلى ثلاث مراحل هي:
1.مرحلة ما قبل المعركة.
2. النبي صلى الله عليه وسلموالمسلمون في ساحة المعركة.
3. مرحلة ما بعد المعركة.
أولا: مرحلة ما قبل المعركة:
ويمكن أن نستخلص منها المواقف التالية:
1.الأخذ بمبدأ الدفاع عن النفس عملا بقوله تعالى: ( أُذِنَ للذين يقَاتَلُون بأنهم ظُلِموا وإِنَّ الله على نصرهم لقدير ) [ الحج: 39 ].
2.ضرب الناحية الاقتصادية وهي إحدى الاستراتيجيات الهامة في الحرب وذلك من خلال اعتراض القافلة.
3.إن عامة ممتلكات الحربيين تعتبر بالنسبة للمسلمين أموالا غير محترمة.
4.تعيين أبا لبابة أميرا على المدينة المنورة، مما يبين أهمية وجود الأمير في الحضر والسفر والسلم، والحرب، وهو ما يسمى حديثا بتأمين الجبهة داخليا.
5.ضرورة استعراض الجيش والتعرف على أفراده ومدى قدرتهم على المضي.
6.الأخذ بمبدأ الولاء والبراء ويتجلى ذلك في عدم استعانته صلى الله عليه وسلم بالمشرك.
7.المسلمون كلهم سواء، ويتجلى ذلك في مشاركته صلى الله عليه وسلم الصعاب مع أصحابه.
8.الجرأة من القائد في اختيار ( قرار الحرب ) لأنها تعتبر معركة حاسمة وفاصلة بين الإسلام والكفر خاصة وأن معظم رؤوس الكفر قد تم قتلهم.
9.الاستشارة: وهي استشارته صلى الله عليه وسلم أصحابه في خوض المعركة وفيه عدم فرض المعركة على الجنود.
10.العهود والمواثيق والالتزام بها، ويتجلى ذلك في طلب النبي صلى الله عليه وسلم بيان موقف الأنصار من القتال معه فيما لو حدث قتال بعد نجاة العير.
11.قبل بدء الحرب تم إرسال ما يسمى في عصرنا الحديث ( بالدوريات الاستطلاعية ) أو ما يعرف بالاستخبارات ومنهم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد، وكذلك بسبس بن عمرو وعدى بن أبى الزعباء.
12.مسح منطقة المعركة تعرفا عليها وتطلعا إلى أخبار العدو، كما فعل الرسول وأبى بكر، وكذلك إرسال على وسعد والزبير.
13.ضرورة استعمال المعاريض والتورية في الكلام في حالة الحرب والتعمية على العدو.
14.الأخذ بأسباب النصر على الأعداء، والمتجلي فيمعرفة عدد جنود الأعداء، وذلك من خلال سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن مقدار ما ينحرون من الإبل، فمن خلال مسألة حسابية عرف الرسول صلى الله عليه وسلم عددهم.
15.استنطاق أفراد العدو للحاجة وجواز ضربهم ضرباً خفيفاً لذلك.
16.بث الروح المعنوية القوية في صفوف المسلمين بالنصر، وذلك من قوله صلى الله عليه وسلم: ( سيرو على بركة الله وابشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين إما العير وإما النفير ).
17.الأخذ بمبدأ الأسلوب الإقناعى، وأن القائد لا يقود جنده بمقتضى السلطة، بل بالكفاءة والثقة وذلك من خلال أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن المنذر.
18.فرض أرض المعركة على العدو أيضا من خلال أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمشورة الحباب بن المنذر، حيث أشار عليه أن يسير إلى مكان آخر هو أصلح وذلك بقطع ماء بدر عن المشركين.
ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة:
ويمكن أن نخرج من هذه المرحلة بعدة المواقف، وهى كالتالي:
1.وجوب المحافظة على قائد المعركة، ويتجلى ذلك في بناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلموراء صفوف المسلمين.
2.النعاس والمطر جند من جنود الله.
3.الأخذ بأسباب النصر على الأعداء، والمتجلي في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم.
4.ابتكار نظام الصفوف في القتال، والذي قلل من خسائر المسلمين وعوض عن قلة عددهم أمام المشركين.
5.الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال الأعداء.
6.الحرص على النظام من خلال تسوية الصفوف، كما يتجلى ذلك من موقف سواد بن غزية.
7.تقليل الله لعدد كل من الجيشين في عين مقاتله.
8.المبارزة قبل الالتحام من باب بث روح الحماس من خلال استعراض القوة مما فيه ( إرهاب العدو ).
9.استخدام أسلوب القيادة التوجيهية والمستفاد به في تغيير إستراتيجية الحرب، والتي تتجلى في أمور:
·أَمْر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، وهذا يوضح استخدام عدة خيارات للحرب.
·أمره صلى الله عليه وسلم الصحابة بالاقتصاد في الرمي.
·نهيه صلى الله عليه وسلمعن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف.
·أمره صلى الله عليه وسلمبعدم مقاتلة من خرج مكرها على القتال.
10. ( أحدٌ أحد ) حرب نفسية مضادة على المشركين.
11.مباغتة العدو بأسلوب الكرِّ والفر في القتال، وهو من الأساليب التي تنهك قوة العدو وتجعله يتوغل داخل ارض المعركة.
12.بث روح العزيمة في الجيش والتحريض على القتال، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ).
13.مباشرة القائد القتال بنفسه وإحاطتهم بتوجيهاته مما له الأثر الكبير على الروح المعنوية للجند.
14. تقرير مبدأ لا موالاة بين الكافر والمؤمن إذا قاتل الرجل ولده، وقاتل أباه، وقاتل ابن عمه.
15. إمداد الله تعالى للمسلمين بالملائكة، وأثر ذلك في رفع الروح المعنوية للجيش المسلم.
16.الهلاك والخلان للطغاة المستهزئين، مصداق لقوله تعالى: ( إنا كفيناك المستهزئين ) [ الحجر: 95 ].
17.تأكيد الحياة البرزخية للأموات.

ثالثا: مرحلة ما بعد المعركة:
ولنا أن نَخْلُص من هذه المرحلة بعدة مواقف وهى كالتالي:
1.استحباب تبشير المسلمين المقيمين في البلد بالنصر.
2.البقاء بأرض المعركة بعد الظهور على العدو مدة من الوقت.
3.خلاف الأحبة على الغنائم، ومعالجة الله له.
4.العدل في تقسيم الغائم على من تخلف عن المعركة بأمر من القائد، وكذلك تقسيمها على من عُوفوا منها بسبب ظروفهم الأسرية.
5.تشريع الله في أمر الأسرى بعد مشاور الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة فيهم.
6.تعدد أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وتتمثل في:
·الوفاء لمواقف الرجال، ولو كانوا مشركين.
·الحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة، كما فعل مععقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث .
·عدم محاباة ذوي القربى، كما فعل مع عمه العباس.
·المنَّ، من باب تأليف القلب للدخول في الإسلام، كما فعل مع صهره أبو العاص بن الربيع.
·التعليم مقابل الفداء، لمن ليس لهم فداء.
7.الوصية بالأسرى خيرا، وذلك عند الرجوع بهم إلى المدينة.

هذا ما منَّ به الله من تجميع للمواقف، التي يستفاد بها كل من أراد أن يسير على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبع ما أنزل الله من الوحي للوصول إلى التمكين...

والله من وراء القصد،،

ـــــــــــــ
1.فقه السيرة / محمد سعيد رمضان البوطي .
2.السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث / على محمد الصلابي.
3.هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم يا محب / أبو بكر الجزائري.
4.السيرة النبوية الصحيحة / أكرم ضياء العمري.
5.السيرة النبوية دروس وعبر / مصطفى السباعي.










عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

الباب الخامس
دروس وعبر من معركة بدر
من خلال هذا الباب، سنعرض إن شاء الله تحليلا للمواقف التي حدثت في معركة بدر الكبرى
ومدى الاستفادة من تلكم المواقف، على أساس تشريعي وعسكري أيضا،
ومن ثم يتم تقسيم ذلك الباب إلى فصلين
هما:
الفصل الأول: مصدر تشريعي.
الفصل الثاني: مصدر عسكري.
ولن يتم الالتزام في هذا الباب على عرض المواقف على ترتيب أحداث الغزوة نوعا ما، نظرا لذلك التقسيم الموضح أعلاه،
لكننا سنراعى الالتزام بالمراحل الثلاث التي تم توضيحها في الباب الرابع
وهى كالتالي:
1.مرحلة ما قبل المعركة.
2. النبي صلى الله عليه وسلموالمسلمون في ساحة المعركة.
3. مرحلة ما بعد المعركة.


الفصل الأول
المصدر التشريعي
إن الالتزام بالمبادئ والأحكام التي قررها الشرع سواء كان مصدره الكتاب أو السنة، ليجعل الفرد بل والمجتمع أيضا في مأمن من غضب الله تعالى، كما أنه السبيل إلى الفوز برضوانه، وإنه لييسر الوصول إلى الغاية المنشودة بأفضل الطرق وأقل الأوقات... ومن هنا كان النصر حليفا للمؤمنين في غزوة بدر، تلك الغزوة التي نفذ فيها الصحابة جميع أوامر الله واتبعوا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم... فإننا نرى كيف التزم الصحابة مبدأ الصبر على البلاء إلى أن جاء الفرج بالإذن بالقتال لمن ظُلِمُوا، ويتجلى ذلك أيضا في موقف الغنائم التي لما اختلف فيها الصحابة جاءت الآيات لتحسم الموقف وتوجه الأنظار إلى ما هو أسمى من ذلك وهو تحقيق تقوى الله عز وجل، ومن ذلك الموقف يتبين لنا أدب الصحابة رضوان الله عليهم في التزام تلكم الآيات التي قررها الشرع،، فما أتقى هؤلاء الصحب الكرام وما أروع نفوسهم، رضي الله عنهم، وألحقنا بهم في دار كرامته سبحانه...
إلى غير ذلك من المواقف التي سنعرض لها إن شاء الله في هذا الجزء، والله المستعان، ولتكن البداية:

أولا: مرحلة ما قبل المعركة:
وفيها من المواقف التالي :
1.الأخذ بمبدأ الدفاع عن النفس عملا بقوله تعالى: ( أُذِنَ للذين يقَاتَلُون بأنهم ظُلِموا وإِنَّ الله على نصرهم لقدير ) [ الحج: 39 ].
التحليل:
لقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته بالحسنى والموعظة، يتلو على قومه ما يتنزل عليه من كتاب الله ويحدثهم من قلبه وعقله ما يفتح عيونهم على ما هم عليه من وثنية وخرافة وضلالة وجهل، ولكن قومه قابلوه بالصد والسخرية أولا، ثم بالافتراء والأذى ثانيا، ثم بالتآمر على قتله أخيرا، إلى أن هيأ الله لدعوته مكانا تستقر فيه آمنة مطمئنة، لكنه صلى الله عليه وسلم واجه في مكانه الجديد قوتين تتربصان به الدوائر:
1.قوة قريش، التي أَقَضَّ مضجعها هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى المدينة التي آمن أصحابها بدعوته أيضا، فغدت له قوة تتمزق لها مرارة قريش.
2.قوة اليهود التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقيم علاقة سلم معها منذ استقراره، ولكن طبيعة اليهود طبيعة حاقدة ماكرة متآمرة، فما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يستقر بالمدينة، وتتم له زعامة المهاجرين والأنصار، حتى شرق زعماء اليهود بالحسد والغيظ من هذه الزعامة التي نافستهم وسيطرت على المدينة سيطرة تامة.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة تتنزل عليه آيات القرآن الكريم بالصبر على ما يقولون. يقول الله تعالى: ( وَاصْبِرْ عَلَىمَايَقُولُونَوَاهْجُرْهُمْهَجْرًاجَمِيلًا ) [ المزمل: 10 ] وكان المشركون كلما تنزلت آيات الصبر على أذاهم ازدادوا في الأذى والكيد والعدوان، ولم يكن المسلمون يومئذ قادرين على صد الأذى لقلتهم واستضعافهم، فلما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأصبحت للمسلمين شوكة ومنعة، واجهتم قوة قريش وعداوتها، وضغينة اليهود وخبثهم، باحتمال العدوان عليهم في كل حين، فكان لا بد للإسلام أن يحتمي بالقوة، ويستعد لرد العدوان، ويقضي على قوة الباطل وشوكته، ليفسح المجال أمام دعوته الخيرة المحررة، لتخاطب العقول، وتزكي النفوس، وتصلح الفساد.
* لهذا كله وما يشبهه شرع الله القتال للمؤمنين في السنة الثانية للهجرة، حين نزلت الآيات التالية: ( أُذِنَلِلَّذِينَيُقَاتَلُونَبِأَنَّهُمْظُلِمُواوَإِنَّاللَّهَعَلَىنَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَأُخْرِجُوامِندِيَارِهِمْبِغَيْرِحَقٍّإِلَّاأَن يَقُولُوارَبُّنَااللَّهُوَلَوْلَادَفْعُاللَّهِالنَّاسَبَعْضَهُمبِبَعْضٍلَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُوَبِيَعٌوَصَلَوَاتٌوَمَسَاجِدُيُذْكَرُفِيهَااسْمُاللَّهِ كَثِيرًاوَلَيَنصُرَنَّاللَّهُمَنيَنصُرُهُإِنَّاللَّهَلَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ،الَّذِينَإِنمَّكَّنَّاهُمْفِيالْأَرْضِأَقَامُواالصَّلَاةَ وَآتَوُاالزَّكَاةَوَأَمَرُوابِالْمَعْرُوفِوَنَهَوْاعَنِالْمُنكَرِ وَلِلَّهِعَاقِبَةُالْأُمُورِ ) [ الحج: 39 : 41 ].
ويحسن بنا أن نقف عند هذه الآيات لنعرف الحكمة في الإذن بالقتال وفائدته وأهدافه:
1.في هذه الآية إذن للمؤمنين بالقتال، وقوله تعالى: ( يقاتلون ) يفيد أن هؤلاء المؤمنين كانوا يضطهدون ويعذبون، فهذا صريح في علة الإذن لهم بالقتال، وهى معاملة المثل بالمثل، كما في قوله تعالى: ( فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِبِمِثْلِمَااعْتَدَىعَلَيْكُمْ ) [ البقرة: 194] وقوله تعالى: (وَجَزَاءسَيِّئَةٍسَيِّئَةٌمِّثْلُهَا ) [ الشورى: 40].
2.وفي الآية تصريح بأن هذا القتال الذي كانوا يقاتلون به إنما كان ظلما وعدوانا لا مسوغ له، وذلك في قوله تعالى في الآية: ( بِأَنَّهُمْظُلِمُوا ) فالمؤمنون في مكة لم يكونوا ظالمين ولا متعسفين، إنما كانوا يدافعون عن العقيدة، ويدعون قومهم إلى التحرر من الأوهام والخرافات، ومساوئ الأخلاق.
3.وفي الآية الثانية تصريح بالحقائق التاريخية التي وقع فيها الاضطهاد، ذلك أن هؤلاء المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال كانوا قد أخرجوا من ديارهم، وليس هنالك ظلم أشد من إخراج الإنسان من وطنه.
4.وكذلك في الآية بيان للسبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، وهو أنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية، وعبادة الآلهة الباطلة، وعبدوا الله الواحد الأحد، فالقوم كانوا مضطهدين من أجل العقيدة، لا تريد قريش أن تكون لهم حريتهم فيها.
5.وما دام المؤمنون كانوا لا يملكون حرية الاعتقاد، فالقتال الذي شرع إنما هو لتأمين هذه الحرية التي هي أغلى ما يعتز به الإنسان من قيم هذه الحياة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350658
6.ثم بين الله أن هذا القتال الذي شرعه للمؤمنين ليست فائدته في تأمين الحرية الدينية لهم وحدهم، بل يستفيد منها أتباع الديانات السماوية الأخرى، فإن المسلمين يومئذ كانوا يقاتلون وثنيين لا دين لهم، فإذا قويت شوكتهم استطاعوا أن يحموا أماكن العبادة لليهود والنصارى مع حمايتهم للمساجد، وذلك واضح في قوله في تلك الآية: ( وَلَوْلَادَفْعُاللَّهِالنَّاسَبَعْضَهُمبِبَعْضٍلَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُوَبِيَعٌوَصَلَوَاتٌوَمَسَاجِدُيُذْكَرُفِيهَااسْمُاللَّهِ كَثِيرًا ) [ الحج: 40 ].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350658
7.وفي الآية الثالثة تصريح بالنتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في هذا القتال المشروع، فهي ليست استعمار الشعوب، ولا أكل خيراتها، ولا انتهاب ثرواتها، ولا إذلال كراماتها، وإنما هي نتائج في مصلحة الإنسانية، ولفوائد المجتمعات، فهي:
‌أ- فهي لنشر السمو الروحي في العالم عن طريق العبادة ( أَقَامُواالصَّلَاةَ ).
‌ب- ولنشر العدالة الاجتماعية بين الشعوب عن طريق الزكاة ( وَآتَوُاالزَّكَاةَ ).
‌ج- ولتحقيق التعاون على خير المجتمع وكرامته ورقيه ( وَأَمَرُوابِالْمَعْرُوفِ).
‌د- وللتعاون على مكافحة الشر والجريمة والفساد ( وَنَهَوْاعَنِالْمُنكَرِ ).(1)
**********
2. الأخذ بمبدأ الولاء والبراء ويتجلى ذلك في عدم استعانته صلى الله عليه وسلم بالمشرك.
التحليل:
لما أراد مشرك أن يلحق بجيش المسلمين، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلمالموافقة على قبوله معهم، والاشتراك فيما هم ذاهبون إليه قال له صلى الله عليه وسلم: ( ارجع فلن أستعين بمشرك ).
من هنا يتبين لنا أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة.
ولكن لهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة، وهي:
1.تحقق المصلحة، أو رجحانها بهذه الاستعانة.
2.وألا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها.
3.وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به.
4.وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلامية، لا متبوعًا ومقودًا فيها لا قائدًا لها.
5.وألا تكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين.
6.وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة وبمن يستعان به.
فإذا تحققت هذه الشروط جازت الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة.
· وفي ضوء هذا الأصل رفض رسول الله صلى الله عليه وسلماشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش إذ لا حاجة به أصلاً.
· وفي ضوء الاستثناء وتحقق شروطه استعان النبيصلى الله عليه وسلم بالمشرك عبد الله بن أريقط الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر استأجره في هجرتهما إلى المدينة، ليدلهما على الطريق إليها.. وهكذا على هذا الاستثناء وتحقق شروطه قبل صلى الله عليه وسلمحماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه صلى الله عليه وسلممن الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤلاء الأذى عمن أجاروهم.
وضبط هذه القاعدة مع فهم شروط الاستثناء في واقع الحياة يحتاج إلى فقه دقيق وإيمان عميق.
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]2)
**********

ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة:
وفيها من المواقف ما يلي:
1.تقرير مبدأ لا موالاة بين الكافر والمؤمن إذا قاتل الرجل ولده، وقاتل أباه، وقاتل ابن عمه.
التحليل:
فقد رسمت غزوة بدر لأجيال الأمة صورًا مشرقة في الولاء والبراء، وجعلت خطًا فاصلاً بين الحق والباطل،
فكانت الفرقان النفسي والمادي والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر، وفيها تجسدت هذه المعاني، فعاشها الصحابة واقعًا ماديًّا وحقيقة نفسية تهاوت فيها القيم الجاهلية، كما نرى من مواقف أولئك الأفذاذ:
1. كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة في صف المسلمين، وكان أبوه عتبة وأخوه الوليد وعمه شيبة في صف المشركين، وقد قتلوا جميعًا في المبارزة الأولى.
2. كان أبو بكر الصديق في صف المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن في صف المشركين.
3. كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز بن عمير في صف المشركين، ثم وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يدك به فإن أمه ذات متاع، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصيتك بي ؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك.
تك كانت حقائق وليس مجرد كلمات، إنها القيم المطروحة لتقوم الإنسانية على أساسها، فإذا العقيدة هي آصرة النسب والقرابة وهي الرباط الاجتماعي.
4. إن شعار المسلمين في بدر كان (أَحَدٌ، أَحَدٌ) وهذا يعني أن القتال في سبيل عقيدة تتمثل بالعبودية للإله الواحد، فلا العصبية والقبلية، ولا الأحقاد والضغائن، ولا الثأر هو الباعث والمحرك، ولكنه الإيمان بالله وحده.
ومن هذا المنطلق كانت صور الإيمان مختلفة المظاهر واحدة في مضمونها، وللإيمان فقه عظيم، ولقد ضرب الصحابة الكرام لهذا الفهم العميق لفقه الإيمان مُثلاً عليا لصدق الإيمان في بدر ووضوح معالم التوحيد، ( فالولاء عندهم يكون للمسلمين وإن كانوا أباعد لا تربطهم أي رابطة من النسب أو الوطن أو غير ذلك، والبراءة من الكافرين ولو كانوا من الأقارب الأدنين، وهذا المبدأ يعتبر من أصول التوحيد، ومن التكاليف التي لا يطبقها عن طيب نفس إلا أقوياء الإيمان. )(1) والتي تدل على أنهم آثروا رضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على حب الوالد والولد والأهل والعشيرة، ومن ثم لا نعجب من ثناء الله تعالى على هذه المواقف الصادقة في قوله تعالى: ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ المجادلة: 22 ].
**********
2. تأكيد الحياة البرزخية للأموات.
التحليل:
[ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتلى المشركين الأخباث فسحبوا إلى القليب من قلب بدر فطرحوا فيه وقف عليه فجعل يناديهم: ( يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا ) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ؟ فقال: ( والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب ).
ولم يكن الذين طرحوا في القليب جميع من قتل من المشركين في بدر، لكن الذين طرحوا فيه هم الرؤساء منهم، ( إلا ما كان من الطاغية أمية بن خلف، فإنه قد انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه فتركوه مكانه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة )(1)، وإنما خصُّوا بالمخاطبة لما تقدم منهم من المعاندة، أما باقي القتلى فقد طرحوا في أمكنة أخرى.(2)

وفى مناداته صلى الله عليه وسلم إياهم ما يؤكد أمرا عظيما هو أنهم قد بدؤوا حياة جديدة، هي حياة البرزخ الخاصة، وهم فيها يسمعون كلام الأحياء، غير أنهم لا يجيبون ولا يتكلمون، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب ).
( ولكن الظاهر من خلال هذا النص التعارض مع ما أخبر الله به في قوله تعالى: ( إنك لا تسمع الموتى ) [النمل: 80]، وقوله: ( وما أنت بمسمع من في القبور ) [فاطر:22]، فظاهر القرآن والسنة يجب المصير إليه، وليس من طريق إلا الجمع بينهما كما قال العلماء، فالآيتان على ظاهرهما وهو عام، أما قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) فخاص، ولا يتعارض خاص وعام، فالأصل أن الموتى لا يسمعون كما دلت عليه الآيات، ولكن الله عز وجل أسمع هؤلاء معجزة لنبيه ولتوبيخهم وزيادة في ذلهم وعذابهم، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما )(3).
والإيمان بهذه الحياة من عقائد المسلمين، وكذلك عذاب القبر ونعيمه الذي تأكد ثبوته في الأحاديث الصحيحة والتي منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين وقال: ( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ) وذكر أن سبب تعذيبهما النم بين الناس، وعدم الاستنزاه من البول...
كما قرر القرآن هذه الحقيقة في تعذيب آل فرعون فقال تعالى: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [ غافر: 46 ]، وكذلك ما ورد في حق الشهداء كما قال الله تعالى فيهم: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [ آل عمران: 169 ]، ( فكأن أرواح الموتى تظل حائمة حول أجسادهم، غير أن ذلك كله إنما يخضع لموازين لا تنضبط بعقولنا وادراكانا الدنيوية هذه، إذ هو مما يسمى بالملكوت البعيد عن مشاهداتنا وتجاربنا العقلية والمادية )(1) ](2).
**********
ثالثا: مرحلة ما بعد المعركة:
والتي بها من المواقف ما يلي:
1. خلاف الأحبة على الغنائم، ومعالجة الله له.
التحليل:
لما هزم الله تبارك وتعالى العدو، انطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) [ الأنفال: 1 ].
فلما اختلف الصحابة على الغنائم جاءت الآية الكريمة تعالج النفس البشرية وتربيها على معاني الإيمان العميق والتكوين الدقيق، فبينت أن هذه الغنائم لله وللرسول، فالله هو مالك كل شيء، ورسوله هو خليفته، ثم أمر الله المؤمنين بثلاثة أوامر:
1.بالتقوى.
2.وإصلاح ذات البين.
3.والطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.
وهي أوامر مهمة جدًّا في موضوع الجهاد، فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهادًا، والجهاد يحتاج إلى وحدة الصف، ومن ثم فلا بد من إصلاح ذات البين، والانضباط هو الأساس في الجهاد، إذ لا جهاد بلا انضباط، ثم بين الله عز وجل أن الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلمعلامة الإيمان.
ثم تأتى الآيات القرآنية لتحدد صفات المؤمنين الحقيقيين ومدى ارتباط ذلك الإيمان الحقيقي بالجهاد الإسلامي، فوصفهم بأنهم:
1.إذا ذكر الله فزعت قلوبهم وخافت وفرقت.
2.إذا قرئ عليهم القرآن ازداد إيمانهم ونما.
3.التوكل على الله، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ويعلمون أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الخلق وحده لا شريك له.
4.إقامة الصلاة والمحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
5.الإنفاق مما رزقهم الله، ويشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحق.
ثم بين الله عز وجل أن المتصفين بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، وأن لهم عند الله منازل ومقامات ودرجات في الجنات، وأن الله يغفر لهم السيئات، ويشكر الحسنات.
هكذا عالج القرآن الكريم نفوس المؤمنين بما يرفع الهمم لكل لوازم الجهاد، وينفى كل عوامل الخذلان من الاختلاف على الغنائم، أو غيرها. يقول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ `الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ `أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [ الأنفال: 2- 4 ].
فنرى أن الآيات القرآنية عرضت عتاب للمؤمنين بغير عتاب، ولكنه يحمل المؤمنين على الرجوع إلى أنفسهم والاستحياء من ربهم، فيالا روعة الأسلوب القرآني في التربية.
ثم بعدها تأتى الآيات القرآنية لتوضح كيف توزع الغنائم بعد أن أصبحت لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيقول تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[الأنفال: 41 ].
إن التوجيه التربوي في القرآن اقتضى ألا يأتي الجواب عن السؤال إلا بعد أن يهيأ لها الجو النفسي الروحي المناسب ، لتحتل مكانها اللائق في العقل والضمير، فتثبت وتتمكن، وتؤتي أطيب النتائج، وهكذا صرف المولى عز وجل عباده المؤمنين عن التعلق بالغير أولا، وبالغنائم ثانيا، ليكونوا له من المخلصين الجديرين بنصره، وإتمام نعمته، فلما تفرغوا للخالق وأخلصوا في الجهاد أكرمهم بالنصر، وأسبغ عليهم من فضله بأكثر مما كانوا يودون.(1)
**********
2. تشريع الله في أمر الأسرى بعد مشاور الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة فيهم.
التحليل:
لما أسر الأسرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ ) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة: أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما ترى يا ابن الخطاب ؟ ) قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي يراه أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان ( نسيبًا لعمر ) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهْوَ ما قال عمر، فلما كان من الغد جاء عمر فإذا رسولصلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقال يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، ولقد عُرِض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) - شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) إلى قوله : ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا ) [ الأنفال : 67-69 ].(1)

لقد كان حكم الله تعالى في أسرى هذه الغزوة هو القتل بدليل قوله تعالى: ( حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)، والمعنى: أي يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولى أهله.(2) وأما ما عداها فالحكم فيه كما هو متقرر من قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) [محمّد: 4]، فالمفاداة في غيرها خير.
وإنما كان القتل في هذه المعركة البدرية خير من المفاداة، لأنها أول معركة انتصر فيها الإسلام، ولأنه يُوجب قوة الرعب وشدة المهابة فلذلك أمر الله تعالى به.(3)
ومن خلال هذا الموقف يمكننا أن نقف على عدة أمور وهي:
1.أن الرسول صلى الله عليه وسلمله أن يجتهد، والذين ذهبوا إلى ذلك هم جمهور علماء الأصول، وإذا صح أن للرسول صلى الله عليه وسلمأن يجتهد، صح منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب، غير أن الخطأ لا يستمر، بل لا بد أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده، فإذا لم تنزل آية فهذا دليل على أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم قد وقع على ما هو الحق في علم الله تعالى.(4)
2.أن في قبول الرسولصلى الله عليه وسلم لافتداء الأسرى بالمال جمعٌ بين الرحمة والرفق بالأسرى عسى أن يرعوا ويؤمنوا بالله، والتعويض عما فات المهاجرين من أموالهم التي تركوها في مكة عسى أن يقع موقعا لديهم ويساعدهم على إصلاح شؤون دنياهم.(5)
3.أن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم ميل رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم الله وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه. (6)
4.أن القرآن الكريم لما عاتب الرسولصلى الله عليه وسلم على قبوله لفداء الأسرى فذلك لأن هناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب أعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، فلو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش لأنه قد قضي على زعمائها ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.(7)
ولذلك جرت الحكمة الإلهية أن تضع قاعدة عامة تسير عليها الدولة الإسلامية عندما تكون في مرحلة التكوين والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهر بمظهر اللين، حتى تُرْهَبْ من قبل أعدائها، وفي سبيل هذه الكلية يُطْرَحْ الاهتمام بالجزئيات حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها. وبذلك كان حكم الله تعالى موافقا لرأى عمر رضي الله عنه.(1)
ولعل هناك سر آخر في قبول الرسول صلى الله عليه وسلمأمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلمكان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلمقبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرا، وكان يخبر الرسول صلى الله عليه وسلمعن كل تحركات قريش، مما يؤكد أنه كان مسلما يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه ؟ ولو استثناه الرسول صلى الله عليه وسلممن بين الأسرى:
·لخالفالرسولشريعته في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلما.
·وإن كان مشركا فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.(2)
**********
3. تعدد أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وتتمثل في الأساليب التالية:
oالوفاء لمواقف الرجال، ولو كانوا مشركين.
التحليل:
ويتجلى ذلك في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لجوار المطعم بن عدي حيث قال صلى الله عليه وسلم: في أسارى بدر: ( لو كان مُطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له ) وذلك اعترافا منهصلى الله عليه وسلمبالجميللمطعم الذي كان له من المواقف ما يُذَكِّر بالخير، فهو الذي دخل الرسول صلى الله عليه وسلمفي جواره حينما عاد من الطائف، كما كان من أشد القائمين على نقض الصحيفة يوم حُوصِرَ المسلمون وبنو هاشم.
[فقط الأعضاء المسجلين يمكنهم رؤية الروابط. ]

**********
oالحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة.
التحليل:
ويتجلى ذلك من موقفه صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فقد كانا من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام، والمتربصين بالمسلمين الدوائر، فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير على الإسلام، ولا سيما في تلك الظروف الحاسمة التي تمر بها الدعوة الإسلامية، فلو أطلق سراحهما لما تورعا على سلوك أي طريق فيه كيد للإسلام وأهله، فقتْلهما في هذا الظرف ضرورة تقتضيها المصلحة العامة لدعوة الإسلام الفتية.
ومن خلال هذا التصرف يتبين لنا أن الطغاة العتاة المعادين لا ينبغي التساهل معهم، لأنهم زعماء الشر وقادة الضلال فلا هوادة معهم؛ لأنهم تجاوزوا حد العفو والصفح. (1)
**********
oعدم محاباة ذوي القربى.
التحليل:
ويتجلى ذلك في موقفه صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس، فإنه لما فدى كل قوم أسراهم قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم قد كنت مسلما، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك قد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر )، ومن هنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحابى العباس لأنه عمه بل على العكس لقد غالى عليه في الفداء، وفي ذلك درسٌ في عدم المحاباة أو المجاملة لأحدٍ كائناً ما كان، إذا تعلّقت القضيّة بالدين.
**********
oالمـــنَّ:
1.من باب تأليف القلب للدخول في الإسلام.
التحليل:
كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم معصهره أبو العاص بن الربيع، فقد مَنَّ عليه فأطلقه بغير فداء وردَّ القلادة التي بعثت بها زوجته زينب بنت رسول اللهصلى الله عليه وسلم لفدائه، وهذا الموقف منه صلى الله عليه وسلميحمل في طياته مقصدا أخر أهم، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يتألفه للإسلام بذلك، لما عرف عنه من العقل السديد، والرأي الرشيد، فقد كان صلى الله عليه وسلميثني عليه وهو على شركه بحسن المعاملة. وليس أدل على أن النبيصلى الله عليه وسلم لم يراع أبا العاص لمجرد كونه صهره هو ذلك الذي نجده منه صلى الله عليه وسلم في تصرفه مع عمه العباس وتشديده عليه في دفع الفداء، فلم يكن فعل النبيصلى الله عليه وسلم إلا لغرض ديني وهو محاولة اجتذابه إلى الإسلام.(3)
2.المنُّ بسبب الفقر والحاجة.
التحليل:
كما فعل صلى الله عليه وسلم مع أبو عزة عمرو بن عبد الله الجرحى، حيث كان محتاجا ذا بنات فمنَّ الرسول عليه بغير فداء على أن لا يُظَاهِر عليه أحدا، ولكنه نقض ما عاهد عليه الرسول، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم، فلما كان يوم أحد أُسِرَ مرة أخرى فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه مرة أخرى ولكن الرسول من حزمه قال له: ( لا أدعك تمسح عارضيك ، وتقول : خدعت محمدا مرتين )، ثم أمر به فضربت عنقه.(1)
وبذلك يقرر النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة من بعده لزوم المحافظة على عزة الإسلام ودولته، والحذر من الوقوع في خداع المخادعين، لأن الأمر ليس قضايا فردية وإنما هو قضية الأمة، فإذا وقع القائد في خداع الأعداء تضرر من ذلك جيشه وأمته.(2)
**********
oالتعليم مقابل الفداء، لمن ليس لهم فداء.
التحليل:
جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء بعض الأسرى الذين ليس لهم فداء تعليم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة والقراءة، وهذا التصرف من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ما لهذا الدين من تطلع إلى الحرية وإلى محاربة الجهل الفكري والاعتقادي على حد سواء، وأنه يتطلع إلى دولة العلم والتفكير الصحيح والاعتقاد بالتوحيد، ولكن للأسف فإن الإنسانية لم تنتبه حتى يومنا هذا إلى هذا الحكم النبوي الكريم الذي طبقه سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرناً، في وقت لم تكن للثقافة قيمة ولا للأسير حاجة، ولا توجد جمعيات دولية أو منظمات تهتم بالأسرى، وبهذا العمل الجليل يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أول من وضع حجر الأساس في إزالة الأمية وإشاعة القراءة والكتابة، وأن السبق في هذا للإسلام.(3)
**********
من خلال العرض السابق للأساليب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عامل بعضهم بالرحمة وبعضهم بالحزم وبعضهم بالعدل وبعضهم بما يخدم الدعوة الإسلامية.
ومن ذلك يمكن لنا أن نقف على أن الحكم على الأسرى قد يأخذ حكما من أربعة، وذلك حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وهى التالي:(4)
1.المن: وهو إطلاق الأسير بدون مقابل.
2.الفداء: وهو إطلاق سراح الأسير مقابل مبلغ من المال.
فالمن أو الفداء هما الحكم الشرعي الأصلي الذي يحدد مصير الأسرى كما هو منصوص عليه في قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) [ محمّد: 4 ].
3.الاسترقاق: كما حكم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة بأن يقتل المحاربون وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء.
ولكن هذا الحكم قد انتهى وجوده في هذا العصر بالاتفاقات الدولية، وذلك أمر يحرص عليه الإسلام ويدعو له لأنه في الأساس يدعو إلى تحرير الإنسان من كلّ عبودية لغير الله.
4.القتل: كما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث.
وقد جوَّزه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم هذا الحكم، لكنّهم يجعلونه خياراً مرتبطاً بالمصلحة وجوباً، وذلك لأنّ قتل الأسير يُبنى على أسباب محدّدة تبيح قتله، ولذلك لا يكون إلاّ من الإمام بناءً على حكم قضائي.
أما قتل الأسير لمجرّد أنه أسير فهو غير جائز أصلاً استنادا إلى الآية الكريمة التي حصرت مصير الأسير بالمنِّ أو الفداء، لكنّه يصير جائزاً إذا وُجِدَ في أسير معيّن أسباب أخرى تبيح قتله، فهو عند ذلك يقتل لهذه الأسباب وليس للأسر، وهذا ما يفسّر كلّ الحوادث التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل بعض الأسرى.(1)
**********
4. الوصية بالأسرى خيرا.
التحليل:
اتفق المستشرقون المنصفون، والعلماء العسكريون على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من وضع أُسساً إنسانية واضحة في معاملة الأسرى؛ فكان يعاملهم معاملة فيها رفق، وشفقة، وعناية، وإنسانية، وأوصى بهم خيراً، وعفا عنهم حين ظفر بهم، وأرخى وثاق أحدهم حين سمع أنينه، وكان نتيجة هذه المعاملة أن دخل أغلبهم في الإسلام؛ رغبة منهم في هذا الدين الجديد، كما نراه من إسلام أبو عزيز والسائب بن عبيد يوم بدر.
كما قرر الإسلام أيضا بسماحته أنه يجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطعام مماثلاً في الجودة والكمية لطعام المسلمين، أو أفضل منه إذا كان ذلك ممكناً، استجابة لأمر الله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) [ الإنسان: 8 ]، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم أطعم بعض الأسرى ورواهم بيده الكريمة.(2)
فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أعطى الأسرى لأصحابه يوم بدر يأتون بهم إلى المدينة النبوية، قال لهم: ( استوصوا بالأسرى خيرا )، فنفذ الصحابة الكرام وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
°فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالأسارى خيرًا )، وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
° وكذلك كان الحال مع أبو العاص بن الربيع.(3)
° وكذلك نرى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من سهيل بن عمرو حين أبى أنينزع ثنيته، ورأى أن ذلك من باب التمثيل وتشويه خلقة الإنسان، وفيه أيضا دليل على خلق الرسول صلى الله عليه وسلمفي معاملة الأسرى، حيث قال لعمر: ( لا أمثل به فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًا )، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ( إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه )، وحقا فقد كان لسهيل بن عمرو قولا حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلموارتد العرب، فقام بمكة فخطب في الناس وثبتهم على الدين الحنيف... وهذا نموذج من منهج رسالته صلى الله عليه وسلموضعه ليكون نبراسًا لأمته في انتصاراتها على أعدائها.(1)
كما كان من خلق الرسول ألا يستكره الأسير على الإدلاء بالمعلومات العسكرية المحظورة، ولا يضربه إن أدلى بمعلومات كاذبة قاصداً بها خداع المسلمين، ولا يعذبه أبداً إن لم يدل على أسرار العدو، فإن أدلى بها فمن نفسه، وهذا السلوك الإنساني هو ما حاولت اتفاقية جنيف إلزام الجيوش به في العصر الحديث؛ إذ نصت اتفاقية لندن الموقعة عام 1954م على ضرورة عدم استخدام العنف، والإكراه، والتعذيب للحصول على معلومات عسكرية من الأسرى العسكريين. (2)
وجاء في المادة (14) من اتفاقية لاهاي لعام 1977م حول معاملة الأسرى العسكريين في الحروب ما يلي: ( يحق للجهة التي تأسر عسكريين أن تحصل على اسم الأسير، ورتبته، وتاريخ التحاقه بالخدمة العسكرية، ولا يحق للجهة الآسرة أن تحصل بالتعذيب، والإكراه، والتهديد، واستعمال العنف المادي والمعنوي على أية معلومات من الأسير تتعلق بأسرار الجيش الذي قاتل فيه... ).
ولكن بقي معظم هذه الاتفاقيات كلاماً نظرياً؛ في حين كان النبي صلى الله عليه وسلم أول من أحسن إلى أسرى حروبه، وكذلك فعل المسلمون من بعده في سائر حروبهم؛ مستمدين من تعاليم الإسلام العظيمة ما يفوق كل التنظيرات المعاصرة من اتفاقيات. (3)









عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

الباب الخامس

دروس وعبر من معركة بدر
من خلال هذا الباب، سنعرض إن شاء الله تحليلا للمواقف التي حدثت في معركة بدر الكبرى
ومدى الاستفادة من تلكم المواقف، على أساس تشريعي وعسكري أيضا،
ومن ثم يتم تقسيم ذلك الباب إلى فصلين
هما:
الفصل الأول: مصدر تشريعي.
الفصل الثاني: مصدر عسكري.
ولن يتم الالتزام في هذا الباب على عرض المواقف على ترتيب أحداث الغزوة نوعا ما، نظرا لذلك التقسيم الموضح أعلاه،
لكننا سنراعى الالتزام بالمراحل الثلاث التي تم توضيحها في الباب الرابع
وهى كالتالي:
1.مرحلة ما قبل المعركة.
2. النبي صلى الله عليه وسلموالمسلمون في ساحة المعركة.
3. مرحلة ما بعد المعركة.




الفصل الأول

المصدر التشريعي


إن الالتزام بالمبادئ والأحكام التي قررها الشرع سواء كان مصدره الكتاب أو السنة، ليجعل الفرد بل والمجتمع أيضا في مأمن من غضب الله تعالى، كما أنه السبيل إلى الفوز برضوانه، وإنه لييسر الوصول إلى الغاية المنشودة بأفضل الطرق وأقل الأوقات... ومن هنا كان النصر حليفا للمؤمنين في غزوة بدر، تلك الغزوة التي نفذ فيها الصحابة جميع أوامر الله واتبعوا منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم... فإننا نرى كيف التزم الصحابة مبدأ الصبر على البلاء إلى أن جاء الفرج بالإذن بالقتال لمن ظُلِمُوا، ويتجلى ذلك أيضا في موقف الغنائم التي لما اختلف فيها الصحابة جاءت الآيات لتحسم الموقف وتوجه الأنظار إلى ما هو أسمى من ذلك وهو تحقيق تقوى الله عز وجل، ومن ذلك الموقف يتبين لنا أدب الصحابة رضوان الله عليهم في التزام تلكم الآيات التي قررها الشرع،، فما أتقى هؤلاء الصحب الكرام وما أروع نفوسهم، رضي الله عنهم، وألحقنا بهم في دار كرامته سبحانه...
إلى غير ذلك من المواقف التي سنعرض لها إن شاء الله في هذا الجزء، والله المستعان، ولتكن البداية:

أولا: مرحلة ما قبل المعركة:
وفيها من المواقف التالي :
1.الأخذ بمبدأ الدفاع عن النفس عملا بقوله تعالى: ( أُذِنَ للذين يقَاتَلُون بأنهم ظُلِموا وإِنَّ الله على نصرهم لقدير ) [ الحج: 39 ].
التحليل:
لقد بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته بالحسنى والموعظة، يتلو على قومه ما يتنزل عليه من كتاب الله ويحدثهم من قلبه وعقله ما يفتح عيونهم على ما هم عليه من وثنية وخرافة وضلالة وجهل، ولكن قومه قابلوه بالصد والسخرية أولا، ثم بالافتراء والأذى ثانيا، ثم بالتآمر على قتله أخيرا، إلى أن هيأ الله لدعوته مكانا تستقر فيه آمنة مطمئنة، لكنه صلى الله عليه وسلم واجه في مكانه الجديد قوتين تتربصان به الدوائر:
1.قوة قريش، التي أَقَضَّ مضجعها هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى المدينة التي آمن أصحابها بدعوته أيضا، فغدت له قوة تتمزق لها مرارة قريش.
2.قوة اليهود التي حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن يقيم علاقة سلم معها منذ استقراره، ولكن طبيعة اليهود طبيعة حاقدة ماكرة متآمرة، فما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يستقر بالمدينة، وتتم له زعامة المهاجرين والأنصار، حتى شرق زعماء اليهود بالحسد والغيظ من هذه الزعامة التي نافستهم وسيطرت على المدينة سيطرة تامة.
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مدة مقامه بالمدينة تتنزل عليه آيات القرآن الكريم بالصبر على ما يقولون. يقول الله تعالى: ( وَاصْبِرْ عَلَىمَايَقُولُونَوَاهْجُرْهُمْهَجْرًاجَمِيلًا ) [ المزمل: 10 ] وكان المشركون كلما تنزلت آيات الصبر على أذاهم ازدادوا في الأذى والكيد والعدوان، ولم يكن المسلمون يومئذ قادرين على صد الأذى لقلتهم واستضعافهم، فلما استقر النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأصبحت للمسلمين شوكة ومنعة، واجهتم قوة قريش وعداوتها، وضغينة اليهود وخبثهم، باحتمال العدوان عليهم في كل حين، فكان لا بد للإسلام أن يحتمي بالقوة، ويستعد لرد العدوان، ويقضي على قوة الباطل وشوكته، ليفسح المجال أمام دعوته الخيرة المحررة، لتخاطب العقول، وتزكي النفوس، وتصلح الفساد.
* لهذا كله وما يشبهه شرع الله القتال للمؤمنين في السنة الثانية للهجرة، حين نزلت الآيات التالية: ( أُذِنَلِلَّذِينَيُقَاتَلُونَبِأَنَّهُمْظُلِمُواوَإِنَّاللَّهَعَلَىنَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ، الَّذِينَأُخْرِجُوامِندِيَارِهِمْبِغَيْرِحَقٍّإِلَّاأَن يَقُولُوارَبُّنَااللَّهُوَلَوْلَادَفْعُاللَّهِالنَّاسَبَعْضَهُمبِبَعْضٍلَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُوَبِيَعٌوَصَلَوَاتٌوَمَسَاجِدُيُذْكَرُفِيهَااسْمُاللَّهِ كَثِيرًاوَلَيَنصُرَنَّاللَّهُمَنيَنصُرُهُإِنَّاللَّهَلَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ،الَّذِينَإِنمَّكَّنَّاهُمْفِيالْأَرْضِأَقَامُواالصَّلَاةَ وَآتَوُاالزَّكَاةَوَأَمَرُوابِالْمَعْرُوفِوَنَهَوْاعَنِالْمُنكَرِ وَلِلَّهِعَاقِبَةُالْأُمُورِ ) [ الحج: 39 : 41 ].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350659
ويحسن بنا أن نقف عند هذه الآيات لنعرف الحكمة في الإذن بالقتال وفائدته وأهدافه:
1.في هذه الآية إذن للمؤمنين بالقتال، وقوله تعالى: ( يقاتلون ) يفيد أن هؤلاء المؤمنين كانوا يضطهدون ويعذبون، فهذا صريح في علة الإذن لهم بالقتال، وهى معاملة المثل بالمثل، كما في قوله تعالى: ( فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِبِمِثْلِمَااعْتَدَىعَلَيْكُمْ ) [ البقرة: 194] وقوله تعالى: (وَجَزَاءسَيِّئَةٍسَيِّئَةٌمِّثْلُهَا ) [ الشورى: 40].
2.وفي الآية تصريح بأن هذا القتال الذي كانوا يقاتلون به إنما كان ظلما وعدوانا لا مسوغ له، وذلك في قوله تعالى في الآية: ( بِأَنَّهُمْظُلِمُوا ) فالمؤمنون في مكة لم يكونوا ظالمين ولا متعسفين، إنما كانوا يدافعون عن العقيدة، ويدعون قومهم إلى التحرر من الأوهام والخرافات، ومساوئ الأخلاق.
3.وفي الآية الثانية تصريح بالحقائق التاريخية التي وقع فيها الاضطهاد، ذلك أن هؤلاء المؤمنين الذين أذن لهم بالقتال كانوا قد أخرجوا من ديارهم، وليس هنالك ظلم أشد من إخراج الإنسان من وطنه.
4.وكذلك في الآية بيان للسبب الذي من أجله أخرج هؤلاء المؤمنون من ديارهم، وهو أنهم خالفوا قومهم في اعتناق الوثنية، وعبادة الآلهة الباطلة، وعبدوا الله الواحد الأحد، فالقوم كانوا مضطهدين من أجل العقيدة، لا تريد قريش أن تكون لهم حريتهم فيها.
5.وما دام المؤمنون كانوا لا يملكون حرية الاعتقاد، فالقتال الذي شرع إنما هو لتأمين هذه الحرية التي هي أغلى ما يعتز به الإنسان من قيم هذه الحياة.
6.ثم بين الله أن هذا القتال الذي شرعه للمؤمنين ليست فائدته في تأمين الحرية الدينية لهم وحدهم، بل يستفيد منها أتباع الديانات السماوية الأخرى، فإن المسلمين يومئذ كانوا يقاتلون وثنيين لا دين لهم، فإذا قويت شوكتهم استطاعوا أن يحموا أماكن العبادة لليهود والنصارى مع حمايتهم للمساجد، وذلك واضح في قوله في تلك الآية: ( وَلَوْلَادَفْعُاللَّهِالنَّاسَبَعْضَهُمبِبَعْضٍلَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُوَبِيَعٌوَصَلَوَاتٌوَمَسَاجِدُيُذْكَرُفِيهَااسْمُاللَّهِ كَثِيرًا ) [ الحج: 40 ].
7.وفي الآية الثالثة تصريح بالنتائج التي تترتب على انتصار المؤمنين في هذا القتال المشروع، فهي ليست استعمار الشعوب، ولا أكل خيراتها، ولا انتهاب ثرواتها، ولا إذلال كراماتها، وإنما هي نتائج في مصلحة الإنسانية، ولفوائد المجتمعات، فهي:
‌أ- فهي لنشر السمو الروحي في العالم عن طريق العبادة ( أَقَامُواالصَّلَاةَ ).
‌ب- ولنشر العدالة الاجتماعية بين الشعوب عن طريق الزكاة ( وَآتَوُاالزَّكَاةَ ).
‌ج- ولتحقيق التعاون على خير المجتمع وكرامته ورقيه ( وَأَمَرُوابِالْمَعْرُوفِ).
‌د- وللتعاون على مكافحة الشر والجريمة والفساد ( وَنَهَوْاعَنِالْمُنكَرِ ).(1)

**********


2. الأخذ بمبدأ الولاء والبراء ويتجلى ذلك في عدم استعانته صلى الله عليه وسلم بالمشرك.
التحليل:
لما أراد مشرك أن يلحق بجيش المسلمين، وطلب من النبي صلى الله عليه وسلمالموافقة على قبوله معهم، والاشتراك فيما هم ذاهبون إليه قال له صلى الله عليه وسلم: ( ارجع فلن أستعين بمشرك ).
من هنا يتبين لنا أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة.
ولكن لهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة، وهي:
1.تحقق المصلحة، أو رجحانها بهذه الاستعانة.
2.وألا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها.
3.وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به.
4.وأن يكون تابعًا للقيادة الإسلامية، لا متبوعًا ومقودًا فيها لا قائدًا لها.
5.وألا تكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين.
6.وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة وبمن يستعان به.
فإذا تحققت هذه الشروط جازت الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة.
· وفي ضوء هذا الأصل رفض رسول الله صلى الله عليه وسلماشتراك المشرك مع المسلمين في مسيرهم إلى عير قريش إذ لا حاجة به أصلاً.
· وفي ضوء الاستثناء وتحقق شروطه استعان النبيصلى الله عليه وسلم بالمشرك عبد الله بن أريقط الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر استأجره في هجرتهما إلى المدينة، ليدلهما على الطريق إليها.. وهكذا على هذا الاستثناء وتحقق شروطه قبل صلى الله عليه وسلمحماية عمه أبي طالب له، كما قبل جوار أو إجارة المطعم بن عدي له عند رجوعه صلى الله عليه وسلممن الطائف، وكذلك قبول الصحابة الكرام جوار من أجارهم من المشركين ليدفع هؤلاء الأذى عمن أجاروهم.
وضبط هذه القاعدة مع فهم شروط الاستثناء في واقع الحياة يحتاج إلى فقه دقيق وإيمان عميق. 2)

**********



ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة:
وفيها من المواقف ما يلي:
1.تقرير مبدأ لا موالاة بين الكافر والمؤمن إذا قاتل الرجل ولده، وقاتل أباه، وقاتل ابن عمه.
التحليل:
فقد رسمت غزوة بدر لأجيال الأمة صورًا مشرقة في الولاء والبراء، وجعلت خطًا فاصلاً بين الحق والباطل،
فكانت الفرقان النفسي والمادي والمفاصلة التامة بين الإسلام والكفر، وفيها تجسدت هذه المعاني، فعاشها الصحابة واقعًا ماديًّا وحقيقة نفسية تهاوت فيها القيم الجاهلية، كما نرى من مواقف أولئك الأفذاذ:
1. كان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة في صف المسلمين، وكان أبوه عتبة وأخوه الوليد وعمه شيبة في صف المشركين، وقد قتلوا جميعًا في المبارزة الأولى.
2. كان أبو بكر الصديق في صف المسلمين، وكان ابنه عبد الرحمن في صف المشركين.
3. كان مصعب بن عمير حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز بن عمير في صف المشركين، ثم وقع أسيرًا في يد أحد الأنصار، فقال مصعب للأنصاري: شد يدك به فإن أمه ذات متاع، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصيتك بي ؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك.
تك كانت حقائق وليس مجرد كلمات، إنها القيم المطروحة لتقوم الإنسانية على أساسها، فإذا العقيدة هي آصرة النسب والقرابة وهي الرباط الاجتماعي.
4. إن شعار المسلمين في بدر كان (أَحَدٌ، أَحَدٌ) وهذا يعني أن القتال في سبيل عقيدة تتمثل بالعبودية للإله الواحد، فلا العصبية والقبلية، ولا الأحقاد والضغائن، ولا الثأر هو الباعث والمحرك، ولكنه الإيمان بالله وحده.
ومن هذا المنطلق كانت صور الإيمان مختلفة المظاهر واحدة في مضمونها، وللإيمان فقه عظيم، ولقد ضرب الصحابة الكرام لهذا الفهم العميق لفقه الإيمان مُثلاً عليا لصدق الإيمان في بدر ووضوح معالم التوحيد، ( فالولاء عندهم يكون للمسلمين وإن كانوا أباعد لا تربطهم أي رابطة من النسب أو الوطن أو غير ذلك، والبراءة من الكافرين ولو كانوا من الأقارب الأدنين، وهذا المبدأ يعتبر من أصول التوحيد، ومن التكاليف التي لا يطبقها عن طيب نفس إلا أقوياء الإيمان. )(1) والتي تدل على أنهم آثروا رضاء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على حب الوالد والولد والأهل والعشيرة، ومن ثم لا نعجب من ثناء الله تعالى على هذه المواقف الصادقة في قوله تعالى: ( لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) [ المجادلة: 22 ].

**********


2. تأكيد الحياة البرزخية للأموات.
التحليل:
[ فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتلى المشركين الأخباث فسحبوا إلى القليب من قلب بدر فطرحوا فيه وقف عليه فجعل يناديهم: ( يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا ) فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا ؟ فقال: ( والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب ).
ولم يكن الذين طرحوا في القليب جميع من قتل من المشركين في بدر، لكن الذين طرحوا فيه هم الرؤساء منهم، ( إلا ما كان من الطاغية أمية بن خلف، فإنه قد انتفخ في درعه فملأها فذهبوا ليحركوه فتزايل لحمه فتركوه مكانه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة )(1)، وإنما خصُّوا بالمخاطبة لما تقدم منهم من المعاندة، أما باقي القتلى فقد طرحوا في أمكنة أخرى.(2)

وفى مناداته صلى الله عليه وسلم إياهم ما يؤكد أمرا عظيما هو أنهم قد بدؤوا حياة جديدة، هي حياة البرزخ الخاصة، وهم فيها يسمعون كلام الأحياء، غير أنهم لا يجيبون ولا يتكلمون، كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب ).
( ولكن الظاهر من خلال هذا النص التعارض مع ما أخبر الله به في قوله تعالى: ( إنك لا تسمع الموتى ) [النمل: 80]، وقوله: ( وما أنت بمسمع من في القبور ) [فاطر:22]، فظاهر القرآن والسنة يجب المصير إليه، وليس من طريق إلا الجمع بينهما كما قال العلماء، فالآيتان على ظاهرهما وهو عام، أما قوله صلى الله عليه وسلم: ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ) فخاص، ولا يتعارض خاص وعام، فالأصل أن الموتى لا يسمعون كما دلت عليه الآيات، ولكن الله عز وجل أسمع هؤلاء معجزة لنبيه ولتوبيخهم وزيادة في ذلهم وعذابهم، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخا وتصغيرا ونقمة وحسرة وندما )(3).
والإيمان بهذه الحياة من عقائد المسلمين، وكذلك عذاب القبر ونعيمه الذي تأكد ثبوته في الأحاديث الصحيحة والتي منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين وقال: ( إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير ) وذكر أن سبب تعذيبهما النم بين الناس، وعدم الاستنزاه من البول...
كما قرر القرآن هذه الحقيقة في تعذيب آل فرعون فقال تعالى: ( النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) [ غافر: 46 ]، وكذلك ما ورد في حق الشهداء كما قال الله تعالى فيهم: ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) [ آل عمران: 169 ]، ( فكأن أرواح الموتى تظل حائمة حول أجسادهم، غير أن ذلك كله إنما يخضع لموازين لا تنضبط بعقولنا وادراكانا الدنيوية هذه، إذ هو مما يسمى بالملكوت البعيد عن مشاهداتنا وتجاربنا العقلية والمادية )(1) ](2).

**********


ثالثا: مرحلة ما بعد المعركة:
والتي بها من المواقف ما يلي:
1. خلاف الأحبة على الغنائم، ومعالجة الله له.
التحليل:
لما هزم الله تبارك وتعالى العدو، انطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض، قال الذين جمعوا الغنائم: نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: لستم بأحق بها منا، نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم: وخفنا أن يصيب العدو منه غرة واشتغلنا به، فنزلت: ( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنْفَالِ قُلِ الأنفَالُ للهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ ) [ الأنفال: 1 ].
فلما اختلف الصحابة على الغنائم جاءت الآية الكريمة تعالج النفس البشرية وتربيها على معاني الإيمان العميق والتكوين الدقيق، فبينت أن هذه الغنائم لله وللرسول، فالله هو مالك كل شيء، ورسوله هو خليفته، ثم أمر الله المؤمنين بثلاثة أوامر:
1.بالتقوى.
2.وإصلاح ذات البين.
3.والطاعة لله وللرسول صلى الله عليه وسلم.
وهي أوامر مهمة جدًّا في موضوع الجهاد، فالجهاد إذا لم ينشأ عن تقوى فليس جهادًا، والجهاد يحتاج إلى وحدة الصف، ومن ثم فلا بد من إصلاح ذات البين، والانضباط هو الأساس في الجهاد، إذ لا جهاد بلا انضباط، ثم بين الله عز وجل أن الطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلمعلامة الإيمان.
ثم تأتى الآيات القرآنية لتحدد صفات المؤمنين الحقيقيين ومدى ارتباط ذلك الإيمان الحقيقي بالجهاد الإسلامي، فوصفهم بأنهم:
1.إذا ذكر الله فزعت قلوبهم وخافت وفرقت.
2.إذا قرئ عليهم القرآن ازداد إيمانهم ونما.
3.التوكل على الله، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ويعلمون أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الخلق وحده لا شريك له.
4.إقامة الصلاة والمحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها.
5.الإنفاق مما رزقهم الله، ويشمل إخراج الزكاة وسائر الحقوق للعباد من واجب ومستحق.
ثم بين الله عز وجل أن المتصفين بهذه الصفات هم المؤمنون حق الإيمان، وأن لهم عند الله منازل ومقامات ودرجات في الجنات، وأن الله يغفر لهم السيئات، ويشكر الحسنات.
هكذا عالج القرآن الكريم نفوس المؤمنين بما يرفع الهمم لكل لوازم الجهاد، وينفى كل عوامل الخذلان من الاختلاف على الغنائم، أو غيرها. يقول الله تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ `الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ `أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ) [ الأنفال: 2- 4 ].
فنرى أن الآيات القرآنية عرضت عتاب للمؤمنين بغير عتاب، ولكنه يحمل المؤمنين على الرجوع إلى أنفسهم والاستحياء من ربهم، فيالا روعة الأسلوب القرآني في التربية.
ثم بعدها تأتى الآيات القرآنية لتوضح كيف توزع الغنائم بعد أن أصبحت لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيقول تعالى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ )[الأنفال: 41 ].
إن التوجيه التربوي في القرآن اقتضى ألا يأتي الجواب عن السؤال إلا بعد أن يهيأ لها الجو النفسي الروحي المناسب ، لتحتل مكانها اللائق في العقل والضمير، فتثبت وتتمكن، وتؤتي أطيب النتائج، وهكذا صرف المولى عز وجل عباده المؤمنين عن التعلق بالغير أولا، وبالغنائم ثانيا، ليكونوا له من المخلصين الجديرين بنصره، وإتمام نعمته، فلما تفرغوا للخالق وأخلصوا في الجهاد أكرمهم بالنصر، وأسبغ عليهم من فضله بأكثر مما كانوا يودون.(1)

**********


2. تشريع الله في أمر الأسرى بعد مشاور الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة فيهم.
التحليل:
لما أسر الأسرى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ( ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ ) فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة: أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ما ترى يا ابن الخطاب ؟ ) قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي يراه أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا منهم، فنضرب أعناقهم، فتمكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان ( نسيبًا لعمر ) فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدهم، فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يهْوَ ما قال عمر، فلما كان من الغد جاء عمر فإذا رسولصلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقال يا رسول الله: أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، ولقد عُرِض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة ) - شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم- وأنزل الله عز وجل: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ ) إلى قوله : ( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا ) [ الأنفال : 67-69 ].(1)

لقد كان حكم الله تعالى في أسرى هذه الغزوة هو القتل بدليل قوله تعالى: ( حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ)، والمعنى: أي يكثر القتل ويبالغ فيه، حتى يذل الكفر ويقل حزبه، ويعز الإسلام ويستولى أهله.(2) وأما ما عداها فالحكم فيه كما هو متقرر من قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) [محمّد: 4]، فالمفاداة في غيرها خير.
وإنما كان القتل في هذه المعركة البدرية خير من المفاداة، لأنها أول معركة انتصر فيها الإسلام، ولأنه يُوجب قوة الرعب وشدة المهابة فلذلك أمر الله تعالى به.(3)
ومن خلال هذا الموقف يمكننا أن نقف على عدة أمور وهي:
1.أن الرسول صلى الله عليه وسلمله أن يجتهد، والذين ذهبوا إلى ذلك هم جمهور علماء الأصول، وإذا صح أن للرسول صلى الله عليه وسلمأن يجتهد، صح منه بناء على ذلك أن يخطئ في الاجتهاد ويصيب، غير أن الخطأ لا يستمر، بل لا بد أن تنزل آية من القرآن تصحح له اجتهاده، فإذا لم تنزل آية فهذا دليل على أن اجتهاده صلى الله عليه وسلم قد وقع على ما هو الحق في علم الله تعالى.(4)
2.أن في قبول الرسولصلى الله عليه وسلم لافتداء الأسرى بالمال جمعٌ بين الرحمة والرفق بالأسرى عسى أن يرعوا ويؤمنوا بالله، والتعويض عما فات المهاجرين من أموالهم التي تركوها في مكة عسى أن يقع موقعا لديهم ويساعدهم على إصلاح شؤون دنياهم.(5)
3.أن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم ميل رسول اللهصلى الله عليه وسلم إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم الله وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه. (6)
4.أن القرآن الكريم لما عاتب الرسولصلى الله عليه وسلم على قبوله لفداء الأسرى فذلك لأن هناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب أعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، فلو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش لأنه قد قضي على زعمائها ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.(7)
ولذلك جرت الحكمة الإلهية أن تضع قاعدة عامة تسير عليها الدولة الإسلامية عندما تكون في مرحلة التكوين والإعداد، وكيف ينبغي ألا تظهر بمظهر اللين، حتى تُرْهَبْ من قبل أعدائها، وفي سبيل هذه الكلية يُطْرَحْ الاهتمام بالجزئيات حتى ولو كانت الحاجة ملحة إليها. وبذلك كان حكم الله تعالى موافقا لرأى عمر رضي الله عنه.(1)
ولعل هناك سر آخر في قبول الرسول صلى الله عليه وسلمأمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلمكان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلمقبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرا، وكان يخبر الرسول صلى الله عليه وسلمعن كل تحركات قريش، مما يؤكد أنه كان مسلما يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه ؟ ولو استثناه الرسول صلى الله عليه وسلممن بين الأسرى:
·لخالفالرسولشريعته في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلما.
·وإن كان مشركا فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.(2)

**********


3. تعدد أساليب الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وتتمثل في الأساليب التالية:
oالوفاء لمواقف الرجال، ولو كانوا مشركين.
التحليل:
ويتجلى ذلك في حفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم لجوار المطعم بن عدي حيث قال صلى الله عليه وسلم: في أسارى بدر: ( لو كان مُطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له ) وذلك اعترافا منهصلى الله عليه وسلمبالجميللمطعم الذي كان له من المواقف ما يُذَكِّر بالخير، فهو الذي دخل الرسول صلى الله عليه وسلمفي جواره حينما عاد من الطائف، كما كان من أشد القائمين على نقض الصحيفة يوم حُوصِرَ المسلمون وبنو هاشم.


**********


oالحزم مع مجرمي الحرب، ورؤوس الفتنة.
التحليل:
ويتجلى ذلك من موقفه صلى الله عليه وسلم مع عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فقد كانا من أكبر دعاة الحرب ضد الإسلام، والمتربصين بالمسلمين الدوائر، فبقاؤهما يعد مصدر خطر كبير على الإسلام، ولا سيما في تلك الظروف الحاسمة التي تمر بها الدعوة الإسلامية، فلو أطلق سراحهما لما تورعا على سلوك أي طريق فيه كيد للإسلام وأهله، فقتْلهما في هذا الظرف ضرورة تقتضيها المصلحة العامة لدعوة الإسلام الفتية.
ومن خلال هذا التصرف يتبين لنا أن الطغاة العتاة المعادين لا ينبغي التساهل معهم، لأنهم زعماء الشر وقادة الضلال فلا هوادة معهم؛ لأنهم تجاوزوا حد العفو والصفح. (1)

**********


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350659

oعدم محاباة ذوي القربى.
التحليل:
ويتجلى ذلك في موقفه صلى الله عليه وسلم مع عمه العباس، فإنه لما فدى كل قوم أسراهم قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم قد كنت مسلما، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: ( الله أعلم بإسلامك، فإن يكن كما تقول فإن الله يجزيك، وأما ظاهرك قد كان علينا، فافتد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر )، ومن هنا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحابى العباس لأنه عمه بل على العكس لقد غالى عليه في الفداء، وفي ذلك درسٌ في عدم المحاباة أو المجاملة لأحدٍ كائناً ما كان، إذا تعلّقت القضيّة بالدين.

**********


oالمـــنَّ:
1.من باب تأليف القلب للدخول في الإسلام.
التحليل:
كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم معصهره أبو العاص بن الربيع، فقد مَنَّ عليه فأطلقه بغير فداء وردَّ القلادة التي بعثت بها زوجته زينب بنت رسول اللهصلى الله عليه وسلم لفدائه، وهذا الموقف منه صلى الله عليه وسلميحمل في طياته مقصدا أخر أهم، وهو أنه صلى الله عليه وسلم كان يتألفه للإسلام بذلك، لما عرف عنه من العقل السديد، والرأي الرشيد، فقد كان صلى الله عليه وسلميثني عليه وهو على شركه بحسن المعاملة. وليس أدل على أن النبيصلى الله عليه وسلم لم يراع أبا العاص لمجرد كونه صهره هو ذلك الذي نجده منه صلى الله عليه وسلم في تصرفه مع عمه العباس وتشديده عليه في دفع الفداء، فلم يكن فعل النبيصلى الله عليه وسلم إلا لغرض ديني وهو محاولة اجتذابه إلى الإسلام.(3)
2.المنُّ بسبب الفقر والحاجة.
التحليل:
كما فعل صلى الله عليه وسلم مع أبو عزة عمرو بن عبد الله الجرحى، حيث كان محتاجا ذا بنات فمنَّ الرسول عليه بغير فداء على أن لا يُظَاهِر عليه أحدا، ولكنه نقض ما عاهد عليه الرسول، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم، فلما كان يوم أحد أُسِرَ مرة أخرى فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه مرة أخرى ولكن الرسول من حزمه قال له: ( لا أدعك تمسح عارضيك ، وتقول : خدعت محمدا مرتين )، ثم أمر به فضربت عنقه.(1)
وبذلك يقرر النبي صلى الله عليه وسلم للقيادة من بعده لزوم المحافظة على عزة الإسلام ودولته، والحذر من الوقوع في خداع المخادعين، لأن الأمر ليس قضايا فردية وإنما هو قضية الأمة، فإذا وقع القائد في خداع الأعداء تضرر من ذلك جيشه وأمته.(2)

**********


oالتعليم مقابل الفداء، لمن ليس لهم فداء.
التحليل:
جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء بعض الأسرى الذين ليس لهم فداء تعليم عشرة من غلمان الأنصار الكتابة والقراءة، وهذا التصرف من النبي صلى الله عليه وسلم يدل على ما لهذا الدين من تطلع إلى الحرية وإلى محاربة الجهل الفكري والاعتقادي على حد سواء، وأنه يتطلع إلى دولة العلم والتفكير الصحيح والاعتقاد بالتوحيد، ولكن للأسف فإن الإنسانية لم تنتبه حتى يومنا هذا إلى هذا الحكم النبوي الكريم الذي طبقه سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام منذ أربعة عشر قرناً، في وقت لم تكن للثقافة قيمة ولا للأسير حاجة، ولا توجد جمعيات دولية أو منظمات تهتم بالأسرى، وبهذا العمل الجليل يعتبر النبي صلى الله عليه وسلم أول من وضع حجر الأساس في إزالة الأمية وإشاعة القراءة والكتابة، وأن السبق في هذا للإسلام.(3)

**********


من خلال العرض السابق للأساليب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم في معاملة الأسرى يتبين لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عامل بعضهم بالرحمة وبعضهم بالحزم وبعضهم بالعدل وبعضهم بما يخدم الدعوة الإسلامية.
ومن ذلك يمكن لنا أن نقف على أن الحكم على الأسرى قد يأخذ حكما من أربعة، وذلك حسب المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وهى التالي:(4)
1.المن: وهو إطلاق الأسير بدون مقابل.
2.الفداء: وهو إطلاق سراح الأسير مقابل مبلغ من المال.
فالمن أو الفداء هما الحكم الشرعي الأصلي الذي يحدد مصير الأسرى كما هو منصوص عليه في قوله تعالى: ( فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ) [ محمّد: 4 ].
3.الاسترقاق: كما حكم سعد بن معاذ في يهود بني قريظة بأن يقتل المحاربون وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء.
ولكن هذا الحكم قد انتهى وجوده في هذا العصر بالاتفاقات الدولية، وذلك أمر يحرص عليه الإسلام ويدعو له لأنه في الأساس يدعو إلى تحرير الإنسان من كلّ عبودية لغير الله.
4.القتل: كما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث.
وقد جوَّزه جمهور الفقهاء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم هذا الحكم، لكنّهم يجعلونه خياراً مرتبطاً بالمصلحة وجوباً، وذلك لأنّ قتل الأسير يُبنى على أسباب محدّدة تبيح قتله، ولذلك لا يكون إلاّ من الإمام بناءً على حكم قضائي.
أما قتل الأسير لمجرّد أنه أسير فهو غير جائز أصلاً استنادا إلى الآية الكريمة التي حصرت مصير الأسير بالمنِّ أو الفداء، لكنّه يصير جائزاً إذا وُجِدَ في أسير معيّن أسباب أخرى تبيح قتله، فهو عند ذلك يقتل لهذه الأسباب وليس للأسر، وهذا ما يفسّر كلّ الحوادث التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل بعض الأسرى.(1)

**********


4. الوصية بالأسرى خيرا.
التحليل:
اتفق المستشرقون المنصفون، والعلماء العسكريون على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول من وضع أُسساً إنسانية واضحة في معاملة الأسرى؛ فكان يعاملهم معاملة فيها رفق، وشفقة، وعناية، وإنسانية، وأوصى بهم خيراً، وعفا عنهم حين ظفر بهم، وأرخى وثاق أحدهم حين سمع أنينه، وكان نتيجة هذه المعاملة أن دخل أغلبهم في الإسلام؛ رغبة منهم في هذا الدين الجديد، كما نراه من إسلام أبو عزيز والسائب بن عبيد يوم بدر.
كما قرر الإسلام أيضا بسماحته أنه يجب على المسلمين إطعام الأسير وعدم تجويعه، وأن يكون الطعام مماثلاً في الجودة والكمية لطعام المسلمين، أو أفضل منه إذا كان ذلك ممكناً، استجابة لأمر الله تعالى: ( ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) [ الإنسان: 8 ]، ويروى أنه صلى الله عليه وسلم أطعم بعض الأسرى ورواهم بيده الكريمة.(2)
فالرسول صلى الله عليه وسلم لما أعطى الأسرى لأصحابه يوم بدر يأتون بهم إلى المدينة النبوية، قال لهم: ( استوصوا بالأسرى خيرا )، فنفذ الصحابة الكرام وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
°فهذا أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير يحدثنا عما رأى قال: كنت في الأسرى يوم بدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( استوصوا بالأسارى خيرًا )، وكنت في نفر من الأنصار، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم أكلوا التمر، وأطعموني البُرَّ لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
° وكذلك كان الحال مع أبو العاص بن الربيع.(3)
° وكذلك نرى موقف الرسول صلى الله عليه وسلم من سهيل بن عمرو حين أبى أنينزع ثنيته، ورأى أن ذلك من باب التمثيل وتشويه خلقة الإنسان، وفيه أيضا دليل على خلق الرسول صلى الله عليه وسلمفي معاملة الأسرى، حيث قال لعمر: ( لا أمثل به فيمثل الله بي، وإن كنت نبيًا )، ثم قال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ( إنه عسى أن يقوم مقامًا لا تذمه )، وحقا فقد كان لسهيل بن عمرو قولا حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلموارتد العرب، فقام بمكة فخطب في الناس وثبتهم على الدين الحنيف... وهذا نموذج من منهج رسالته صلى الله عليه وسلموضعه ليكون نبراسًا لأمته في انتصاراتها على أعدائها.(1)
كما كان من خلق الرسول ألا يستكره الأسير على الإدلاء بالمعلومات العسكرية المحظورة، ولا يضربه إن أدلى بمعلومات كاذبة قاصداً بها خداع المسلمين، ولا يعذبه أبداً إن لم يدل على أسرار العدو، فإن أدلى بها فمن نفسه، وهذا السلوك الإنساني هو ما حاولت اتفاقية جنيف إلزام الجيوش به في العصر الحديث؛ إذ نصت اتفاقية لندن الموقعة عام 1954م على ضرورة عدم استخدام العنف، والإكراه، والتعذيب للحصول على معلومات عسكرية من الأسرى العسكريين. (2)
وجاء في المادة (14) من اتفاقية لاهاي لعام 1977م حول معاملة الأسرى العسكريين في الحروب ما يلي: ( يحق للجهة التي تأسر عسكريين أن تحصل على اسم الأسير، ورتبته، وتاريخ التحاقه بالخدمة العسكرية، ولا يحق للجهة الآسرة أن تحصل بالتعذيب، والإكراه، والتهديد، واستعمال العنف المادي والمعنوي على أية معلومات من الأسير تتعلق بأسرار الجيش الذي قاتل فيه... ).
ولكن بقي معظم هذه الاتفاقيات كلاماً نظرياً؛ في حين كان النبي صلى الله عليه وسلم أول من أحسن إلى أسرى حروبه، وكذلك فعل المسلمون من بعده في سائر حروبهم؛ مستمدين من تعاليم الإسلام العظيمة ما يفوق كل التنظيرات المعاصرة من اتفاقيات. (3)









عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون في ساحة المعركة:
وتضم المواقف التالية:
1.وجوب المحافظة على قائد المعركة والمتجلي في بناء عريش للرسول صلى الله عليه وسلموراء صفوفالمسلمين.
التحليل:
إن احتياط الجنود لحياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، كما أنه يساهم في بقاء الجماعة متماسكة قوية، وعلى القائد أن يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوة، وفي فواتها خسارة المعركة،(1) والتي من الصعب أن تُعَوَض؛ إذ هو الرأس المدبر والعقل المفكر للجيش، فإذا ذهب الرأس اضطرب الجيش وتزعزعت النفوس.(2)فبهذا الأسلوب العسكري لا تتعرض القيادة للخطر.(3)
وهذا ما حرص عليه المسلمون؛ وذلك استعدادا للطوارئ، وتقديرا للهزيمة قبل النصر،(4)ومن ثم جاء اقترح سعد بن معاذ بأن يُبْنَى للنبيصلى الله عليه وسلم عريشا يكون مقرا لقيادته يأمن فيه من العدو،(5)ويشرف فيه على ساحة المعركة بحيث يصدر أوامره من هذا المقر(6). فبني المسلمون العريش على تل مرتفع يقع في الشمال الشرقي لميدان القتال، وانتخبت فرقة من شباب الأنصار يتزعمهم سعد بن معاذ رضي الله عنه لحراسته صلى الله عليه وسلم ، كما أعدت الركائب التي تحمله إلى المدينة إذا ما أصيب المسلمون لا سمح الله.(7)
ويمكن لنا أن نقف على الأمور المستفادة من بناء العريش وهي كالتالي:
1.لابد أن يكون مكان القيادة مشرفًا على أرض المعركة، يتمكن القائد فيه من متابعة المعركة وإدارتها.
2. ينبغي أن يكون مقر القيادة آمنًا بتوافر الحراسة الكافية له.
3.ينبغي الاهتمام بحياة القائد، وصونها من التعرض لأي خطر.
4.ينبغي أن يكون للقائد قوة احتياطية أخرى تُعَوِّض الخسائر التي قد تحدث في المعركة.(8)
ولعل البعض يتساءل: كيف نجمع بين قولنا أن القائد لابد أن يكون شجاعاً جريئاً يتقدم الصفوف وبين بناء العريش للرسول صلى الله عليه وسلم واتخاذه صلى الله عليه وسلم مقرا لقيادته ؟
فإن الجواب يأتي:
أولا: أنه لا تعارض بينهما، لأن لكل حالة ما يناسبها، وأن هذا كله إنما هو داخل في دائرة الأخذ بالأسباب، وأن مجاله العقول والأفهام،(1) فلم ينكر الرسول صلى الله عليه وسلممع شجاعته وتأييد الله له ذلك، بل قد ثبت أنه صلى الله عليه وسلمأثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما عُلِمَ ذلك من ثنائه صلى الله عليه وسلم يوم أحد على نسيبة أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة.(2)
ثانيا: [ أن النبي صلى الله عليه وسلملم يكن كل وقته داخل العريش كما هو مبين في التالي:
1.في الليلة التي سبقت القتال كان قائماً يصلي ويدعو ربه، ويسأله النصر للمسلمين، ويلح على ربه في الدعاء حتى أصبح.
2.قبل أن تطلع الشمس كان قد رتب المسلمين صفوفاً، متراصة للقتال، كما كان يعدلها كلما لزم الأمر.
3.وكان يحرض على القتال، ويختار من يبارز قادة المشركون، بل هو الذي رماهم بالحصباء.
4.ولما اشتدت المعركة نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخوضها بنفسه.
وهذه شهادة علي بن أبي طالب رضي الله عنه تقول: "إنا كنا إذا اشتد الخطب، واحمرت الحدقة، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلمفما يكون أحد أقرب إلى العدو منه".
وعنه أيضا قال: "لما كان يوم بدر وحضر الناس، أمنا رسول الله صلى الله عليه وسلمفما كان منا أحد أقرب إلى المشركين منه، وكان أشد الناس بأساً".(3) ].(4)
**********
2.المطر والنعاس جند من جنود الله.
التحليل:
من المنن التي منَّ الله بها على عباده المؤمنين يوم بدر أنه أنزل عليهم النعاس والمطر، وذلك قبل أن يلتحموا مع أعدائهم, قال تعالى: ( إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأقْدَامَ ) [ الأنفال: 11 ].(5)
فأما المطر: فإن الله تعالى قد أكرم المؤمنين بإنزال المطر عليهم في وقت لم يكن المعتاد فيه نزول الأمطار، وذلك فضلاً منه وكرمًا؛ وإسناد هذا الإنزال إلى الله للتنبيه على أنه أكرمهم به.(6)
-فكان عليهم خفيفا رطَّبا حوَّل لهم الجو وجعل نسائم الصباح تهب عليهم فتنعش صدورهم وتجدد أملهم.(7)
- كما أنه تعالى طهرهم به، وأذهب عنهم رجس الشيطان: فإن النبي وأصحابه لما ساروا إلى بدر نزلوا مكانا قريبا من العدوة الدنيا لا ماء فيه، فعطش المعسكر، وأصاب بعضهم جنابة بالاحتلام، فلم يجدوا ماء يغتسلون به ووسوس الشيطان لبعضهم: كيف تقاتلون غدا وأنتم جنب، وكيف تقاتلون ولا ماء عندكم، قد تموتون عطشا... إلى أخر ما يلقى الشيطان في نفوس الناس، فأكرمهم الله تعالى بنزول المطر،(1) فشرب المسلمون وسقوا أنعامهم وملئوا أوعيتهم، وتطهروا، وأذهب الله عنهم رجز الشيطان(2).
قال الإمام الرازي: ( وقد عُلِمَ بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه، إذ كان جنبًا، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال، ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب، فلا جَرَمَ عدَّ الله تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه... ).(3)
- كما وطأ به الأرض، وصلب به الرمل، ومهد به المنزل(4) بعد أن كان دهسا فتلبد وتماسك(5) ليسهل عليه الكر والفر(6): وذلك أن الناظر في منطقة بدر يجد في المنطقة رمالا متحركة لا زالت حتى اليوم، ومن العسير المشي عليها، ولها غبار كبير، فلما نزلت الأمطار تماسكت تلك الرمال، وانطفأ غبارها، وسهل السير عليها، فمشي الناس عليها والدواب فساروا إلى القوم، وكل ذلك كان نعمة من الله على عباده.(7)
- كما ربط به على قلوبهم، وثبت به الأقدام، فتطهروا به حسيًّا ومعنويًّا.(8)
ومع أن المطر الذي أنزله الله كان واحدا، إلا أنه كان على المشركين وابلا شديدا منعهم من التقدم، حيث ساخت الأرض تحت أقدامهم، فصارت حركتهم بطيئة، بخلاف المسلمين الذين تماسكت الأرض تحت أقدامهم فأسرعت من حركتهم، مما جعلهم يحرزون المكان العسكري القوي والأرض المناسبة في ميدان القتال.
ولا شك أن هذا له تأثير على نفسية المقاتل, فهو في الوقت الذي يصعب عليه أن يتحرك إلى المكان الذي يريد، يجد عدوه يتحرك بسهولة ويسر, ويختار المكان الذي يريده.(9)
وأما النعاس والنوم:
فإن الله تعالى منَّ على عباده المؤمنين قبل القتال، فقضوا ليلا هادئ الأنفاس، منير الآفاق،(10) فناموا واستراحت أجسامهم واطمأنت نفوسهم وغمرت الثقة قلوبهم، فقاموا بروح عالية ونفسية مستقرة هادئة وهمة مثبتة.(11)
فعن علي رضي الله عنه قال: ( ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح).(1)
قال القرطبي: ( وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها، فكان النوم عجيبًا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم، وكأن الله ربط جأشهم ).(2)
وأما عدوهم فقد أنهكهم السهر والتعب فكانت نفوسهم مضطربة، مما أضعف قدرتهم على القتال.(3)
وفي امتنان الله على المؤمنين بالنوم في هذه الليلة وجهان:
1.أن قوَّاهم بالاستراحة على القتال من الغد.
2.أن أمَّنهم بزوال الرعب من قلوبهم كما يقال: ( الأمن مُنيم، والخوف مُسْهِر ).(4)

**********
3.الأخذ بأسباب النصر على الأعداء، والمتجلي في دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصر عليهم.
التحليل:
إن السلاح الحقيقي الذي يجب على المؤمنين أن يتسلحوا به بعد الأخذ بالأسباب هو دعاء الله تعالى والتوكل عليه وإتباع منهجه، فالتمسك بحبل الله المتين واللجوء إليه بالمناجاة وكثرة التضرع، لا بد لهم من نتيجة إيجابية مهما قل العدد وقلت العدة, ترجم ذلك القرآن الكريم في آيات تشير كل كلمة منها إلى معنى واحد، و تقر مبدأً واحد ألا وهو: ( وَمَاْ اَلْنَّصْرُ إِلَّاْ مِنْ عِندِ اَللهِ إِنََّ اَللهَ عَزِيْزٌ حَكِيْمٌ ) [ الأنفال: 10 ]. فمنتهى القوه أن نلجأ إلى لله عز وجل, ومنتهى العزة أن ننكسر لله عز وجل، و منتهى الغلبة أن نخضع لله عز وجل.(5)
وهكذا تتضح أهمية الدعاء، وأنه باب عظيم إذا فُتح للعبد تتابعت عليه الخيرات، وانهالت عليه البركات، فلابد من تربية الأفراد الذين يُعَدُّون لحمل الرسالة وأداء الأمانة على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء، لأن ذلك من أعظم وأقوى عوامل النصر, كما أن الله تعالى أمرنا بالذكر والدعاء عند لقاء العدو, فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ) [الأنفال: 45].(6)
ولا يعنى هذا أن نتواكل فنقف ثباتاً منتظرين النصر دون أن نقدم أسبابه، فالله تعالى لم يأمرنا بذلك، بل علينا أن نلتمس أسباب النصر ببذل الجهد والمشقة، ونستنفذ كل ما أوتينا من قوه ثم نطلب النصر من الله تعالى.(7)
والحال أننا نجد في تلك الغزوة أن قوام الجيش الإسلامي كان ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن معهم إلا فرسان وسبعون بعيراً، في حين بلغ قوام الجيش المكي نحو ألف وثلاثمائة مقاتل وكان معهم مائة فرس وستمائة درع وجمال كثيرة لا يعرف عددها، فملكوا من المقومات المادية أضعاف ما ملك المسلمون, ورغم ذلك كانت الغلبة للمؤمنين، لأنهم ملكو السلاح الحقيقي، السلاح الذي لا يُخَيِّب قاصده، بينما كان ذلك السلاح بعيد المنال عن جيش المشركين

فقد كان الرسولصلى الله عليه وسلم في عريشه يجأر إلى الله تعالى بالدعاء، باسطا كفيه إلى السماء يناشد الله أن يأتيه نصره الذي وعده ويقول: ( اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخُيلائها وفخرها تحادّك وتكذب رسولك, اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة )، ويتضرع إلى ربه: ( اللهم إن تُهْلك هذه العصابة اليوم لا تُعبد، اللهم إن شئت لم تُعبد بعد اليوم أبدا ), ( اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك ) حتى سقط رداؤه عن منكبيهوأبو بكر من ورائه يلتزمه، ويسوِّي عليه رداءه ويقول مشفقاً عليه من كثرة الابتهال: ( يا رسول الله، بعض مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك )، فخرج رسولصلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( سيهزم الجمع ويولون الدبر )، (2) بل قد جعل يضع يده على الأرض ويقول: هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله.(3)
فإن قيل: كيف جعل أبو بكر يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلمبالكف عن الاجتهاد في الدعاء ويقوى رجائه وثبته، ومقام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقام الأحمد ويقينه فوق يقين كل أحد ؟
° قيل: أن رسول الله صلى الله عليه وسلمكان في مقام الخوف وكان صاحبه في مقام الرجاء، وكلا المقامين سواء في الفضل، وليس المراد أن النبي صلى الله عليه وسلموالصديق سواء، ولكن الرجاء والخوف مقامان لا بد للإيمان منهما، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله والنبي صلى الله عليه وسلمكان في مقام الخوف من الله، لأن لله أن يفعل ما يشاء، فخاف ألا يُعبد الله في الأرض بعدها وخوفه ذلك عبادة.(4)
° وقد أجيب عن ذلك بمعنى أخر هو: أن الصديق قال ذلك مأوية للنبي صلى الله عليه وسلم ورقة عليه، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه فقال له: بعض هذا يا رسول الله، أي: لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر، وكان رقيق القلب شديد الإشفاق على النبي صلى الله عليه وسلم.(5)
° وأجيب أيضا: بأن الحامل للنبي على الاجتهاد في الدعاء هو شفقته على أصحابه وتقوية لقلوبهم، لأنه كان أول مشهد شهده، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال لتسكن نفوسهم عند ذلك، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك وعلم أنه أستجيب له لمَّا وجد من أبي بكر في نفسه من القوة والطمأنينة، ولهذا عقَّب بقوله ( سيهزم الجمع ).(6)
وإن قيل: لماذا كل هذه الضراعة ما دام أنه مطمئن بالنصر كما أخبر من قبل بقوله: ( سيروا على بركة الله وابشروا فان الله وعدني إحدى الطائفتين ) وإلى درجة أنه قال: ( لكأنى أنظر إلى مصارع القوم )، بل قد حدد مصارع بعضهم على الأرض ؟؟
قيل: ( أن اطمئنان النبيصلى الله عليه وسلم وإيمانه بالنصر إنما كان تصديقا منه للوعد الذي وعد الله به رسوله، ولا شك أن الله لا يخلف الميعاد، وربما أوحى إليه بخبر النصر في تلك الموقعة.
أما الاستغراق في التضرع والدعاء وبسط الكف إلى السماء فتلك هي وظيفة العبودية التي خلق من أجلها الإنسان، وذلك هو ثمن النصر في كل حال. فما النصر مهما توفرت الوسائل والأسباب إلا من عند الله وبتوفيقه، والله تعالى لا يريد من إلا أن نكون عبيدا له بالطبع والاختيار، وما تقرب متقرب إلى الله بصفة أعظم من صفة العبودية، وما كل أنواع المصائب والمحن المختلفة التي تهدد الإنسان في هذه الحياة، إلا أسباب وعوامل تنبهه لعبوديته، وتصرف آماله وفكره إلى عظمة الله وقدرته، كي يفر إليه ويبسط أمامه ضعفه وعبوديته.)(1)
فهذا درس رباني مهم لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه؛ لكي ينزل نصره.(2)

**********
4. ابتكار نظام الصفوف في القتال، والذي قلل من خسائر المسلمين وعوَّض عن قلة عددهم أمام المشركين.
التحليل:
كان النبيصلى الله عليه وسلم في حروبه يباغت خصومه ببعض الأساليب القتالية الجديدة، خاصة تلك التي لم يعهدها العرب من قبل، فقد استخدم صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة أسلوب القتال بنظام الصفوف، حيث يكون المقاتلون فيه على هيئة صفوف الصلاة، وتقل هذه الصفوف أو تكثر تبعًا لقلة المقاتلين أو كثرتهم،(3) وفيها يمشون بصفوفهم إلى العدو قدماً‏، ولذلك هي أثبت عندالمصارع وأصدق في القتال وأرهب للعدو لأنه كالحائط الممتد والقصر المشيد لا يُطمع فيإزالته‏.(4) وتكون الصفوف الأولى من أصحاب الرماح لصد هجمات الفرسان، والصفوف التي خلفها من أصحاب النبال، لتسديدها من المهاجمين على الأعداء، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأسلوب في قوله تعالى: ( إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ ) [ الصف: 4 ].(5)
ومن المعلوم أن تحقيق الصف والتراص كالبنيان المرصوص في القتال لا يتم إلا من خلال التعاون، وبالتالي فإن هذه الآية الكريمة تحمل دعوة ضمنية إلى تحقيق مبدأ التعاون في ساحات القتال، والذي هو أحد المبادئ العسكرية الهامة في الحرب، حيث يحقق التضامن من أجل الوصول إلى الهدف، وتوحيد كافة جهود الدوائر والقطاعات.(6)
ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم خير مثال في تحقيق هذا المبدأ ومن ثم عمل على ممارسته في تلك الغزوة من خلال التراص في صفوف للمقاتلة، بل لم يكتف به في تحقيق التراص فقط، بل جعل يمارسه في كل مراحل المعركة منذ القرار المبدئي إلى الخطط الإستراتيجية، وبعدها المهام التنفيذية، كما رأينا ذلك من قبل من خلال المشاورة لأجل اتخاذ قرار الحرب، وبعد ذلك المشاورة في الخطة، ثم توزيع المهام والتعاون الكامل في تنفيذها، هكذا حرص الرسول على تحقيق مبدأ التعاون ليس فقط في هذه الغزوة بل في جميع غزواته بل لك أن تقول أن مبدأ التعاون قد امتد ليشمل كل مراحل حياتهصلى الله عليه وسلم.(1)
يقول الشيخ السعدي في تفسيره لهذه الآية:
ينبغي ‏‏على المؤمنين في الجهاد ‏أن يُصفوا صفا متراصا متساويا، من غير خلل يقع فيالصفوف، وتكون صفوفهم على نظام وترتيب به تحصل المساواة بين المجاهدين والتعاضدوإرهاب العدو وتنشيط بعضهم بعضا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حضرالقتال، صف أصحابه، ورتبهم في مواقفهم، بحيث لا يحصل اتكال بعضهم على بعض، بل تكونكل طائفة منهم مهتمة بمركزها وقائمة بوظيفتها، وبهذه الطريقة تتم الأعمال ويحصلالكمال‏.‏(2)
ومن هنا يظهر لنا حكمة إيجاب الثباتوتحريم التولي في الزحف، لأن المقصود من الصف في القتال حفظ النظام، فمنولى العدو ظهره فقد أخل بالمصاف وباء بإثم الهزيمة إن وقعت، وصار كأنه جرها علىالمسلمين وأمكن منهم عدوهم، فعَظُمَ الذنب لعموم المفسدة وتعديها إلى الدين بخرق سياجهفعد من الكبائر‏.‏(3)
وجاء في تفسير القرطبي: أنه لا يجوز الخروج عن الصف إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة يرسلها الإمام، أو في منفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها.
أما الخروج عن الصف للمبارزة ففيه خلاف على قولين:
1.أنه لا بأس بذلك إرهابا للعدو، وطلبا للشهادة وتحريضا على القتال.
2.لا يبرز أحد طالبا لذلك، لأن فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله عنه من لقاء العدو، فقد قالصلى الله عليه وسلم ( لا تمنوا لقاء العدو(4) )، وقال تعالى: ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) [ البقرة: 195 ]، وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر؛ كما كانت في حروب النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه درج السلف.(5)
ولقد كان لهذا الأسلوب من الفوائد في غزوة بدر ما يلي:
1.إرهاب الأعداء ودلالة على حسن وترتيب النظام عند المسلمين.
2.تحقيق مبدأ التعاون من أجل الوصول إلى الهدف.
3.أنه قلل من خسائر المسلمين وعوضهم عن قلة عددهم أمام المشركين.
4.فيه مزية السيطرة على القوة بكاملها وتأمين العمق للجيش بحيث تبقى دائما بيد القائد قوة احتياطية في الخلف يعالج بها المواقف التي ليست بالحسبان، كصد هجوم معاكس, أو ضرب كمينٍ غير متوقع.
5.حماية الأجنحة من خطر المشاة والفرسان.(1)
قسم الرسول صلى الله عليه وسلم جيشه إلى كتيبتين هما:
1.كتيبة المهاجرين، وأعطى علمها لعلى بن أبي طالب، كتيبة الأنصار.
2.وأعطى علمها لسعد بن معاذ.
وجعل على قيادة الميمنة الزبير بن العوام، وعلى الميسرة المقداد بن عمرو، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، ودفع لواء القيادة العامة إلى مصعب بن عمير القرشي العبدري، وكان هذا اللواء أبيض، وظلت القيادة العامة في يد الرسول صلى الله عليه وسلمكقائد أعلى للجيش.(2)
ويعد تطبيق هذا الأسلوب لأول مرة في غزوة بدر سبقًا عسكريًا تميزت به المدرسة العسكرية الإسلامية على غيرها منذ أربعة عشر قرنًا من الزمان.(3)

**********
5. الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال الأعداء.
التحليل:
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يستفيد من كل الظروف في ميدان المعركة لمصلحة جيشه، ليتحقق له النصر، فكان ذلك من باب الأخذ بالأسباب، حيث لم يهمل صلى الله عليه وسلم فرصة الاستفادة من الظروف الطبيعية أثناء قتال العدو،(4) فقد كان من خطته صلى الله عليه وسلم أن جعل المسلمين قبل بدء القتال يوم بدر يتجهون إلى الغرب فتكون الشمس في أول النهار في ظهورهم، بينما تكون في أعين المشركين فتُضعِف قوة أبصارهم وتُغْشِى عيونهم عن رؤية خصومهم،(5) وإنما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لأن المقاتل إذا كانت الشمس في وجهه سببت له عشا البصر فتقل مقاومته ومجابهته لعدوه(6). وهذا يدل على حسن تدبيره صلى الله عليه وسلم واستفادته حتى من الظروف الطبيعية لما يحقق المصلحة لجيشه، وفي ذلك إشارة إلى أن الظروف الطبيعية كالشمس والريح والتضاريس الجغرافية وغيرها لها تأثير عظيم على موازين القوى في المعارك, وهي من الأسباب التي طلب الله منا الأخذ بها لتحقيق النصر والصعود إلى المعالي.(7)

**********
6. الحرص على النظام من خلال تسوية الصفوف، كما يتجلى ذلك من موقف سواد بن غزية.
التحليل:
اهتم النبيصلى الله عليه وسلم بالنظام في كل شيء وبخاصة في الجيش، حيث يجب أن يصل إلى الذروة عند التهيؤ للمعركة وإنقاذها، فكانصلى الله عليه وسلم يصفهم قلبا وقالبا فلا يوجد بينهم ثغرات بحيث لا يجد الشيطان إلى صفوفهم سبيلا.(1) فبينما الرسول صلى الله عليه وسلميعدل الصفوف وبيده قدح، مر بسَوَاد بن غَزِيَّة حليف بني عدي، وهو متقدم على الصف فطعنه في بطنه بالقدح، وقال : ( استو يا سواد )، فقال : يا رسول الله أوجعتني فأقدني، فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: ( استقد )، فاعتنقه سواد وقَبَّلَ بطنه، فقالصلى الله عليه وسلم: ( ما حملك على هذا يا سواد ؟ ) قال: يا رسول الله حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك، فدعا له النبيصلى الله عليه وسلم بخير.(2)
(ومن خلال هذا الموقف يمكن لنا أن نخرج بعدة فوائد وأمور وهي كالتالي:
1.حرص الإسلام على النظام في كل الأمور.
2.كمال خلق الرسولصلى الله عليه وسلم ، حيث لم يمنعه علو مكانته وخطورة الموقف من أن يَقْبَل أن يقتص منه أحد رجاله(3).
3.العدل المطلق: فقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلمالقود من نفسه.
4.حب الجندي لقائده، وهو من أهم عوامل نجاح القائد السياسي للأمة والمساعد في تحقيق النصر.
5.تذكر الموت والشهادة وختم الأعمال بصالحها، وليس من عمل أفضل من حب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه بالقبلة لجسده، ففي الحديث: ( المرء مع من أحب ).
6.جسد رسول الله صلى الله عليه وسلممبارك، ومسه فيه بركة, ولهذا حرص عليها سواد.
7.بطن الرجل ليس بعورة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف عنه، ولو كان عورة لما كشف عنه

**********
7. تقليل الله لعدد كل من الجيشين في عين مقاتله.
التحليل:
من عجيب تدبير الله تعالى أنه قوّى قلب نبيه صلى الله عليه وسلم على خوض المعركة برؤيا رآها في منامه (5)- ليلة اليوم الذي التقى فيه الجيشان - حيث رأى المشركين قلة في عددهم وعُدَدِهم، فأخبر أصحابه بذلك فكان سببا لثباتهم، فاستبشروا خيرا وتشجعوا على القتال وتحمسوا لحرب المشركين،(6) ولو كانت الرؤيا بخلاف ذلك لفشلوا وجبنوا عن قتالهم فتضعف روحهم المعنوية، ولتنازعوا في الأمر، ولكن الله عصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول اللهصلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ( إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأمْرِ وَلَكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) [ الأنفال: 42 ].(1)
ولما التقى جيش المسلمون مع جيش المشركين، أرى الله كل طائفة منهما قلة الطائفة الأخرى، وأطمعها فيها، ليؤلف بينهم على الحرب، فينتقم ممن أراد الانتقام منه، وينعم على من أراد إتمام النعمة عليه، فلا المسلمين هابوا المشركين وهم ثلاثة أضعافهم، ولا كفَّ المشركون عن المؤمنين خوفا منهم.(2)
·فأما تقليل الله المشركين في عيون المسلمين: فكان ذلك تصديقًا لرؤيا النبيصلى الله عليه وسلم، ليعاينوا ما أخبرهم به فيزدادوا يقينا ويجدُّوا في قتالهم ويثبتوا، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ( قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين ؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا له: كم كنتم ؟ قال: ألفًا ).(3)

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350674

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350674
·وأما تقليل المسلمين في عين المشركين حتى قال قائل منهم: ( إنما هم أكلة جزور ): فذلك من إغراء الله تعالى لهم حتى يقدموا على قتالهم غير خائفين ولا مبالين بهم، ولا آخذين الحذر منهم، فلا يقاتلون بجد واستعداد ويقظة وتحرز.(4)
قال تعالى: ( وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ) [ الأنفال: 44 ]، فقلل الله كل فريق في عين الأخرليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وليسوقهم إلى مقابلةغير محسوبة من قبلهم. فقد أصدر الله حكمه ولا بد من تنفيذه، فالعاقبة كانت مؤكدة لا يمكن الهروب منها، وكان الله يستدرج أعداء الإسلام إلى هذهالنتيجة، ليجد هؤلاء الأعداء أنفسهم فجأة وجهاً لوجه مع المسلمين في بدر الكبرىفي وقت لم يحسبوا حسابه ولم يتوقعوه من قبل، إذ لم يكونوا يعرفون استيراتيجية الحربلدى الرسول صلى الله عليه وسلم.(5)
ولما التحم الجيشين تغيرت الصور، فأظهر الله المؤمنين في أعين المشركين كثيرين يفوقون عددهم مرتين، مما أغرى المسلمين بالقتال والاستمرار فيه وقوى نفوسهم وقلوبهم، وأوقع الوهن في قلوب المشركين وكسر شوكتهم حين رأوا ما لم يكن في حسبانهم فأيقنوا ألا طاقة لهم بهم مما كان سببا في خذلانهم وانتصار المسلمين
عليهم. قال تعالى: ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) [ آل عمران: 13 ].(6)

**********
8. المبارزة قبل الالتحام من باب بث روح الحماس من خلال استعراض القوة مما فيه ( إرهاب العدو ).
التحليل:
أسلوب المبارزة قبل الالتحام كان يستخدمه الأولين في بداية حروبهم، حيث كان يطلب أحد المعسكرين المبارزة من الأخر، وذلك من باب إثارة الحمية والحماس في نفوس المقاتلين،(1) وإرهاب العدو بإظهار شجاعة وإقدام الجيش واستعداده لخوض غمار المعركة، ولا شك أن المبارز الأقوى يرفع الروح المعنوية لجيشه ويزيده إقداما وإصرارا على خوض المعركة، وهذا ولا ريب من أهم عوامل تحقيق النصر، فإذا ما ارتبطت هذه الروح المعنوية العالية بالعقيدة وقوة الإيمان فليس من ريب أن النصر حليف لهذه الفئة المؤمنة.(2)
من هنا جاء مطلب جيش المشركين للمبارزة، وأخرجوا لذلك ثلاثة من أجود فرسانهم وأبطالهم، عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة, فخرج إليهم ثلاثة من شباب الأنصار، وهم عوف ومعوذ ابنا الحارث ، وعبد الله بن رواحة، فسألوهم: من أنتم ؟ فقالوا: رهط من الأنصار. فقالوا: لا حاجة لنا بكم, يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قم يا عبيدة بن الحارث، قم يا حمزة, قم يا علي ). فلما دنوا منهم قالوا: من أنتم ؟ فأخبروهم، فقالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز علي الوليد،فأما حمزة وعلي فقتل كل واحد منهما صاحبه،واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كل منهما أصاب مبارزه بجراح بليغة، فكر حمزة وعلي على عتبة فأجهزا عليه واحتملا عبيدة إلى النبيصلى الله عليه وسلم.(3)
لقد كانت نهاية هذه المبارزة بداية سيئة بالنسبة إلى المشركين، إذ فقدوا ثلاثة من خيرة فرسانهم وقادتهم دفعة واحدة فاستشاطوا غضبا وهاجوا وابتدءوا القتال دون وعي أو تعقل أو تخطيط،وكانت العاطفة هي التي تسيرهم في القتال. أما المسلمون فقد فرحوا فرحاً شديداً وارتفعت معنوياتهم إذ قضي على ثلاثة من قادة قريش وأبطالها... فكان هذا أول وقود المعركة !.(4)
ومن هذا الموقف يمكننا أن نقف على أن القائد ينبغي أن يكون قدوة في التضحية بنفسه وأقاربه، فيتقدم الصفوف هو وأقاربه بثبات جنان ورباطة جأش، فإن فعل ذلك سار الناس وراءه وفدوه بأموالهم وأنفسهم، بخلاف ما نجده اليوم من احتجاب القائد أو الحاكم هو وأسرته عن الناس وإرساله أبناء شعبه وقوداً لكل معركة, فهذا ليس من القيادة والسياسة في شيء, بل هي الأنانية وحب النفس.(5)
فالرسولصلى الله عليه وسلم لما اختار من يبارز القوم اختار أهله وأقربائه، فحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه هو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ابن عمه صلى الله عليه وسلموزوج ابنته فاطمة رضي الله عنها ، وأما عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب رضي الله عنه فهو قريب النبي صلى الله عليه وسلموابن عمه.(6)

**********
9. استخدام أسلوب القيادة التوجيهية والمستفاد به في تغيير إستراتيجية الحرب.
التحليل:
أشرتُ من قبل أن النبيصلى الله عليه وسلم كان يستخدم في محاربة عدوه الأسلوب المناسب في الوقت والمكان المناسب، وهذا يوضح أنه صلى الله عليه وسلمكان يستخدم عدة خيارات للحرب، ويتصرف في كل موقف حسب ما تدعو إليه المصلحة؛ وذلك لاختلاف مقتضيات الأحوال والظروف، ومن جهة النظرة العسكرية، فإن هذه الأساليب تدعو إلى الإعجاب بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم وبراعته العسكرية؛ لأن التعليمات العسكرية التي كان يصدرها خلال تطبيقه لها، تطابق تمامًا الأصول الحديثة في استخدام الأسلحة.(1) ومن هنا كان لنا أن نقف لنناقش أسلوب القيادة التوجيهية الذي اتخذه الرسولصلى الله عليه وسلم في أمور عدة في تلك المعركة، والذي يوضح تغيير إستراتيجية الحرب حسب الحالة التي تناسب كل موقف، وهذه المواقف كالتالي:
oأَمْر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بنضح المشركين بالنبل إذا اقتربوا منهم، والاقتصاد في الرمي أيضا.
التحليل:
اتبع الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوب الدفاع ولم يهاجم قوة قريش أولا، حيث كانت أوامره إلى جيشه ألا يهاجموا إلا إذا أمرهم، وألا يرمى أصحاب النبال والرماح جنود الأعداء إلا إذا اقتربوا منهم وأصبحوا في موضع إصابة السهم أو الرمح، حتى يكون الرمي في هذه الحالة دقيقاً، والإصابة مؤكدة، وذلك حرصا على الإفادة من النبال بأقصى ما يستطاع، ومن ثم يحصل الاقتصاد فيها، ولأن الرمي من مسافات بعيدة يكشف عن موقع الرماة، فضلاً عن أنه لا يكون محكماً فيطيش التصويب، ومن هنا جاءت الأوامر المحكمة من النبيصلى الله عليه وسلم: ( إن دنا القوم منكم فانضحوهم بالنبل ولا تحملوا عليهم حتى تُؤذنوا ) وفي حديث أخر: ( إذا أكثبوكم - يعني غشوكم والغشيان الاقتراب - فارموا بالنبل واستبقوا نبلكم )،(2) فكانت توجيهاته التكتيكية التي نفذها جنوده بكل دقة تكشف عن سياسة محنكة رشيدة تقدر أهمية الأشياء وتحرص على الاستفادة من كل ما يمكن الإفادة منه، والذي كان سببًا في زعزعة مركز العدو، وإضعاف نفسيته.

**********
oنهيه صلى الله عليه وسلمعن سل السيوف إلى أن تتداخل الصفوف.
التحليل:
نهى النبي صلى الله عليه وسلمجيشه عن سل السيوف في بداية الأمر حتى تتداخل الصفوف فقال:( ولا تسلوا السيوف حتى يغشوكم )،(3) فكانت خطته صلى الله عليه وسلمأن يتصدى إلى هجمات العدو ويردها على أعقابها، وينهك مقدرته على القتال، فإذا ما ذهبت حدة هجمات العدو، وفتر حماسه، وأهلكت قدرته على القتال أمر صلى الله عليه وسلم بالهجوم المضاد، والقتال الهجومي،(4) فكان لهذه الخطة الحكيمة أثر في تعزيز موقف المسلمين، حيث كان نشاطهم الحربي على شبابه لما تلقوا الأمر بالهجوم، فقاموا بهجوم كاسح مرير (1)وتعقبوا فلول المشركين قتلاً وأسراً، وحينئذٍ تتداخل الصفوف ويختلط الناس وأنسب سلاح في هذه الحالة سل السيوف والمجالدة بها(2).
قال صاحب العبقرية العسكرية في غزوات الرسولصلى الله عليه وسلم: " ولقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ هاماً في كيفية استخدام السلاح الأبيض, وهو السيف عند المسلمين، والسلاح الأبيض هو سلاح القتال وجهاً لوجه, ولا يستخدم إلا وقت الالتحام وتداخل القوات فعندما يتم التلاحم يوقف الرمي ويُلجأ إلى السلاح الأبيض".(3)
وهكذا نجد أن النبيصلى الله عليه وسلم قد سبق
بهذه التعليمات الحربية إلى المبادئ الحديثة في الدفاع من غير عكوف على الدرس ولا التحاق بالكليات الحربية، حيث كان يرمي من وراء تعليماته التي استعرضناها آنفا إلى تحقيق ما يعرف حديثًا بكبت النيران إلى اللحظة التي يصبح فيها العدو في المدى المؤثر لهذه الأس4)

**********
oأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم مقاتلة من خرج مستكرها للقتال.
التحليل:
كان من جملة أسلوب القيادة التوجيهية التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلمأن وجَّه أوامره إلى أصحابه بعدم مقاتلة من خرج مكرها للقتال، لأنهم لم يكن لهم حاجة بقتال المسلمين،(5) وإنما خرجوا مكرهين خائفين من لائمة قومهم،(6) فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل من يجدوه من بني هاشم ومنهم العباس بن عبد المطلب ونوفل بن الحارث وطالب بن أبي طالب وعقيل بن أبي طالب وغيرهم،(7) فقد روى الإمام أحمد عن على بن أبي طالب قال: قال رسول الله يوم بدر: ( ما استطعتم أن تأسروه من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرها )( 8) .
كما نهى النبي صلى الله عليه وسلمعن قتل أبا البختري لأنه كان من أكف القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلموهو بمكة، وكان لا يؤذيه ولا يبلغ عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام في نقض صحيفة مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، ولكن أبا البختري قد قُتِلَ رغم نهى النبي لأنه لم يرض أن يقتل زميله دونه(9).

**********
10. ( أحدٌ أحد )، حرب نفسية مضادة على المشركين.
التحليل:
إن الحرب النفسية كماتعرفها العسكريات الحديثة هي الأعمال التي يقوم بها الخصم ضد الآخر للتأثير عليه،هادفاً من ذلك شل إرادته وتفكيره وقواه المادية والمعنوية،
وقد أجمع العلم العسكري وخبراء الحروب على أن الحرب النفسية تساهم مساهمة كبيرة على أعمال القتال وغيرها من أساليب الصراع في تحقيق النصر بسرعة وبأقل الخسائر في الأرواح والمعدات، ولذلك تعتبر من أخطر أنواع الحروب؛ لأنها تستهدف في المقاتل عقله وتفكيره وقلبه، لكي تحطم روحه المعنوية، وتقضي على إرادة القتال لديه، وتقوده بالتالي نحو الهزيمة.
ولقد انتبه الأعداء لأهمية الحرب النفسية وأثرها في إدارة الصراع وفي نتائجه، حيث يقول القائد الألماني روميل: ( إن القائد الناجح هو الذي يسيطر على عقول أعدائه قبل أبدانهم )، كما قال الجنرال ديجول: ( لكي تنتصر دولة ما في حرب عليها أن تشن الحرب النفسية قبل أن تترك قواتها إلى ميادين القتال، وتظل هذه الحرب تساند هذه القوات حتى تنتهي من مهمتها )، وفي ظل انتباه الأعداء لأهمية الحرب النفسية كان لا بد للمسلم الذي يريد أن ينتصر على عدوه، ويرد كيده إلى نحره من استخدام الأسلوب الأمثل في صد الحرب النفسية والتي يسعى العدو ليحقق النصر من خلالها، ونقل المعركة في ملعبه بتوجيه الحرب النفسية إلى جنده وشعبه من أجل إرباكه وإضعاف نفسيته، ومن ثم فإننا نحتاج إلى وسائل إعلام فاعلة ومؤثرة، إلى جانب إعداد القوة والقدرة على إيلام الأعداء. وهذا يدل على أن الحرب النفسية والإرهاب النفسي يكون بالإعداد دون قتال في الغالب،(2) إذ ليس من الضروري أن تأتي ضمن خطة عسكرية، بل قد تمارس زمن السلم، ومن ثم فهي تشكل معركة مستقلة، والتي قد تُوَفِّرُ جهودَ معركةٍ عسكرية كبيرة(3).
ولكن أثناء الحرب والقتال توجد عدة صور وأشكال للحرب النفسية في الإسلام، ومن ذلك الشعارات والهتافات في القتال والتي كانت من أهم الأمور التي تحطم الروح المعنوية للعدو وتلقي بالرعب في قلبه، كصيحات الجنود ( الله أكبر، الله أكبر ) ونحوها من الصيحات التي تهدف إلى زعزعة روح العدو، ففي حين كان الرسولصلى الله عليه وسلميحرص علي رفع معنويات أتباعه وتحصينهم ضد التأثر بما قد يلجأ إليه الأعداء من حرب نفسية، كان يعمل على تقويض روح أعدائه وزلزلتهم، حتى ينهاروا ويهزموا أو يفروا، فكان المسلمون في غزوة بدر ترتفع صيحاتهم ( أحدٌ أحد )، والتي ساهمت في تحميس المجاهدين، وتحفيزهم على الإقدام والاستبسال في المعركة، وهي عوامل نفسية تؤثر على إرادة القتال.(4)
وإذا كان الأصل في سلوك المسلم أنه يقوم على الصدق والوضوح، إلا أن الحرب
لا تحتاج إلى مثل هذه القيم الرفيعة إذا كان من شأنها أن تسبب الضرر للمسلمين، وتؤخر النصر عنهم، لذا فإنه يباح في الحرب مالا يباح في غيرها، لا سيما إن كانت هذه الأساليب تساهم في إسراع إنهاء القتال، وحفظ الأنفس من الجانبين.
وقد جاء التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار، وأن من لم يتيقظ لذلك، لم يأمن أن ينعكس الأمر عليه.. فعن أبي هريرة رضي الله عنهم أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: ( الحرب خدعة )، وكذلك صح عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه أجاز الكذب في ثلاثة أشياء: أحدها في الحرب.
·ومن هنا جاء اتفاق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيفما أمكن الخداع، إلاّ أن يكون فيه نقض عهد، أو أمان فلا يحل.
· وبناء عليه يجوز التضليل والكذب في شن الحرب النفسية ضد الأعداء؛ لأن الحرب النفسية تمثل جزءاً من الحرب الشاملة ضد الأعداء، شريطة أن تساهم في تعجيل النصر، وكسر شوكة الأعداء، وحفظ الأنفس.(1)
وقد قرر الرسولصلى الله عليه وسلمفي مجال الإستراتيجية العسكريةمبادئ للحرب النفسية على نحو لا تتسامى إليها نظريات العصر، وهذه المبادئ هي:
1.التأثر النفسي للقوة: قال
صلى الله عليه وسلم: ( نصرت بالرعب مسيرة شهر ) [رواه البخاري]، فهو بذلك يقرر أن تدمير إرادة العدو القتالية يمكن أن تتحقق عن طريق إرهابه، وإيقاع الرعب في قلبه، وإخافته من عاقبة عدوانه.
2.التفريق بين العدو وحلفائه: كما حدث في غزوة الخندق، وبذلك نجد أن الرسولصلى الله عليه وسلم قد اتخذ مبدأ أن الحرب خدعة؛ والتي أفادت في قتال الأعداء بأقل خسائر في الأرواح.
3.تحييد القُوى الأخرى وحرمان العدو من محالفتها: كما يظهر من إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة لسياسة عقد الاتفاقات والمعاهدات مع مختلف القبائل لكفالة حرية الدعوة وحسن الجوار والمعاملة؛ وكانت النتيجة المباشرة لذلك حرمان قريش من قوى كان يمكنها أن تتحالف معها.
4.زعزعة ثقة العدو في إحراز النصر: وأبرز الأمثلة على ذلك فتح مكة، والتي استخدم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم عامل المفاجأة وإظهار القوة والتقدم نحو مكة في أربعة أرتال لإرباك قريش وتشتيت قوتها وعقلها... إلى إحداث خلل في توازنها النفسي.(2)
ومن أهم الوسائل التي يجب على الأمة أن تأخذ بها لحماية جبهتها الداخلية والخارجية من الحرب النفسية التي يشنها العدو عليها؛ ما يلي:
1.الإيمان وقوة العقيدة: وذلك لأن العقيدة الراسخة القائمة على الإيمان بالله الذي لا يتزعزع؛ هي الركيزة القوية والعامل المنيع لتحصين المجاهد ضد الحرب النفسية،فالتعبئة العسكرية في الحرب وحدها لا تكفي، لأن السلاح لا يحمل نفسه وإنما يحتاج إلى اليد التي تستعمله، واليد تحتاج إلى الإرادة التي تحركها، والإرادة تحتاج إلى الإيمان الذي يدفعها، وهكذا تبدوا أهمية الإيمان وقوة العقيدة في تحقيق النصر، بل إن علماء النفس وخبراء الحرب النفسية يتفقون على أن الحرب النفسية تؤثر بفاعلية أكثر على الجنود الخالين من العقائد الثابتة، وذوي الوعي السياسي الضيق، وغير المثقفين، لذلك كان الإيمان بالنسبة للمسلمين نوراً يهديهم، وكان بالنسبة للأعداء صخرة تتحطم عليها أساليبهم ومحاولاتهم للنيل من معنويات المسلمين.
2.الوعي بأهداف العدو وأساليبه في الحرب النفسية: لأن ذلك يحصن المقاتل ضد آثار الحرب؛ ويجعله مستعداً لمواجهة تلك الأساليب، وعدم الاستجابة لها والتأثر بها. وقد سبق القرآن الكريم إلى فضح أساليب العدو في الحرب النفسية ليكون المسلمون على حذر منها، كتشكيك المنافقين في وعد الله ونصره للمؤمنين كما قال تعالى: ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورا ) [ الأحزاب: 12 ].
3.كتمان الأسرار ومنع ترويج الإشاعات: حيث ينبغي أن تُكْتَم أسرار الأمة والجيش عند أهل العلم من القادة والمسئولين؛ لأنهم الأدرى بكيفية التعامل مع هذه المعلومات، وما يصلح أن يقال وما لا يصلح أن يقال خاصة في الظروف الحساسة، قال تعالى: ( وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلا )
[ النساء: 83 ].
4.التصدي للقوى المستترة التي تروج الإشاعات: فحين أمر الإسلام بالإعداد لردع العدو الخارجي، أمر أيضاً بردع أعداء الأمة من القوى المضادة الخفية، وهم من نسميهم اليوم بالطابور الخامس أو العملاء أو المنافقين، والذين هم أخطر بكثير من خطر العدو الظاهر، لأنهم يحقدون على الأمة ويثيرون الفتن ويروجون الإشاعات ويقتلون الإرادة الإيجابية، ولذلك حذر الإسلام منهم وأوجب على الأمة إعداد وسائل القوة التي تروعها، قال تعالى: ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) [ الأنفال: 60 ].(1)
ومن صور الحرب النفسية التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلمفي تلك المعركة والتي تهدف بالدرجة الأولى إلى إضعاف نفسية العدو والعمل على هزيمته ما كان منه صلى الله عليه وسلمحين أخذ حفنة من الحصباء فأستقبل بها قريشا وقال: ( شاهت الوجوه ) ورمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينه ومنخره وفمه من تلك القبضة، وفي ذلك أنزل الله: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى )[الأنفال: 1
)، فقد أثبت الله لرسوله ابتداء الرمي ونفى عنه الإيصال الذي لم يحصل برميته، فالرمي يراد به الحذف والإيصال، فأثبت لنبيه الحذف، ونفى عنه الإيصال (3)، فهذه النفحة بالحصباء قد نفذت إلى وجوه أكثر المقاتلين فأصابتهم بالهزيمة، ولولا الله ما كانت تصل إلى أكثر من واحد أو اثنين من المشركين(1)، فنجد أن الرسول صلى الله عليه وسلمقد أخذ بأحد الأسباب المادية، والتي أخذت الشكل المعنوي، حيث اجتمع في بدر الأخذ بالأسباب بالقدر الممكن مع التوفيق الرباني في تهيئة جميع أسباب النصر متعاونة متكافئة مع التأييدات الربانية الخارقة والغيبية(2).

**********
11. مباغتة العدو بأسلوب الكرِّ والفر في القتال، وهو من الأساليب التي تنهك قوة العدو وتجعله يتوغل داخل ارض المعركة.
التحليل:
أولا؛ إن مبدأ المباغتة الذي اتبعه النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته كان ذا دور كبير في الإسلام، والمباغتة تعني المفاجأة وهي الظهور أمام العدو في وقت لا يقدره وبصورة لا يتوقعها وبأسلوب يجهله، وهي بهذا تؤدى إلى ارتباك خطير في صفوفه وقد تشل حركته وتجهز على معنويته، والمباغتة قد تكون بقوات كبيرة لم تكن في حسبانه أو في وقت لا يتوقعه أو في جبهة لا يقدر العدو أهميتها، كما أنها لا تتم إلا إذا تحققت لها سهولة الحركة وسرِّيتها وسرعتها، وفي بدر فوجئت قريش بقوم يحاربونهم بكل ما لديهم من قوة وبكل ما استطاعوا من عنف مما أذهلهم، وأفقدهم رشدهم، فكان انتصار المسلمين في هذه الغزوة معجزة فريدة في تاريخ الحروب كلها.

أما ثانيا؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلمكان من عادته أن يغير خططه العسكرية على الدوام كأي عسكري جيد، وذلك على حسب الحالة التي تقتضيها المعركة، وفي العادة أن الخطة التي يستعملها مرة لا يطبقها مرة أخرى، لذا كان خصومهيتخبطون أمامه ويُفاجئون بخططه صلى الله عليه وسلم ، ومن تلك الأساليب التي استخدمهاصلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة أسلوب الكر والفر وهو يعنى: الهجوم ثمالانسحاب، ثم الهجوم من موضع لا يتوقعه العدو، وهو من الأساليب التي تنهك قوة العدو وتجعله يتوغل داخل ارض المعركة،وهذا ما اتبعه الرسول صلى الله عليه وسلممع عدوه هذه المرة فقد استخدم معهم هذا الأسلوب من موضع لا يتوقعونه،( ولكن قتال الكر والفر ليس فيه من الشدة والأمن من الهزيمة ما في قتال الزحف‏.‏ إلا أنهم قديتخذون وراءهم في القتال مصافاً ثابتاً يلجئون إليه في الكر والفر ويقوم لهم مقامقتال الزحف4)، وقد أوقع هذا الأسلوب اضطرابا بين القرشيين، فلم يدر المشركون ماذا أصابهم، لذا فقدتضعضعوا من الوهلة الأولى رغم كل ما هيئوا للحرب من مقاتلين وخيول وجمال، بينما لميكن المسلمون يملكون غير فرسين، ولم يكن نصيب كل مسلم منأدوات القتال يزيد عن رمح وبضعة سهام. ولكن الأعداء عندما جوبهوا بما لم يكن في حسبانهم اضطربواوذعروا.. وبدأت الأسباب الموجودة في القدر الإلهي تطاردهم وتكيل لهم الصفعات جزاءشركهم بالله


**********
12. بث روح العزيمة في الجيش والتحريض على القتال، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة ).
التحليل:
إن شدة عزائم الجيش وإصراره على القتال واندفاعه في خوض المعركة، يزيد القائد إقداما في تنفيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر،(1) لذلك حرص الرسولصلى الله عليه وسلم على أن يربي أصحابه ليكونوا أصحاب إرادات قوية راسخة ثابتة ثبات الشُّمِّ الرواسي، ويملأ قلوبهم شجاعة وجرأة وأملاً في النصر على الأعداء، فكان صلى الله عليه وسلم يحرضهم على القتال امتثالا لقوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِن يَّكُن مِّنْكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ ) [الأنفال: 65]، ويحدثهم عن عوامل النصر وأسبابه ليأخذوا بها ويلتزموها، ويحذرهم من أسباب الهزيمة ليقلعوا عنها، وينأوا بأنفسهم عن الاقتراب منها، وكان يسلك في سبيل تكوين هذه الإرادة القوية أسلوب الترغيب والترهيب.(2)
·فأما الترغيب: فالآيات والأحاديث كثيرة تلك التي تبين أجر المجاهدين الثابتين(3) ومنزلة الشهداء وما أعد الله لهم من الفضل والتكريم، والتي تشحن القلوب وترفع المعنويات فيقبلون على الجهاد وهم مطمئنين، لأنهم قد باعوا أنفسهم وأموالهم لله بالجنة، فالموت أحب إلى الصادقين منهم من الحياة، لأن نعيم الحياة زائل ونعيم الله باق خالد، قال تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم ) [ التوبة: 111 ].(4)
·وأما الترهيب: فإن التولي يوم الزحف، والفرار من ساحات الوغى ليس مجرد فرارًا ونجاةً من المعركة في الدنيا،(5) وإنما الأمر أعظم من ذلك، لأنه يفر وهو يحمل غضب الله معه، وبذلك تكون نهايته جهنم وبئس المصير، قال تعالى: ( ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) [ الأنفال: 16 ].(6)
وفي غزوة بدر حرَّض النبي صلى الله عليه وسلمأصحابه على القتال قائلا: ( والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة )، وقال وهو يشد من عزائمهم ويرفع من هممهم: ( قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض )، فكان لهذه الكلمات الصادقة في تبيان ما اعد الله تعالى للمجاهدين من الأجر والثواب أثرا على ارتفاع الروح المعنوية للصحابة وشحذ هممهم للتفاني في نصرة الدين، ومن ثم حُقَّ لنا أن نرى تلك الصور المشرفة من الصحابة رضي الله عنهم، أمثال:
1.عمير بن الحمام الأنصاري والذي لم يطق أن ينتظر ليكمل تمراته بعدما أُخبر أنه من أهل الجنة، إذن فما الذي يمنعه منها ؟ هذه التمرات ! فإنها لحياة طويلة، فألقى بتمراته وقاتل القوم حتى قُتل.
2.عوف بن الحارث الذي يسأل الرسول صلى الله عليه وسلمعما يضحك الرب سبحانه وتعالى ؟ فيخبره صلى الله عليه وسلم قائلا:( غمسه يده في العدو حاسرًا ) فنزع درعًه فقذفها، ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل.
3.استهام سعد بن خيثمة وأبيه للتنافس على الخروج للجهاد في سبيل الله، ومدي حرص كل منهما على أن يخرج سهمه لينال الشهادة فتكون الجنة من نصيبه، فالأب يسأل ابنه أن يؤثره على نفسه، والابن يجيب في اشتياق: ( يا أبت لو كان غير الجنة فعلت ).
وغير ذلك من مواقف الصحابة التي تدل على قوة ارتباطهم بالآخرة، وحرصهم على رضوان الله تعالى. (1)
هكذا ربَّى النبي صلى الله عليه وسلمأصحابه على حب الموت كحب الناس للحياة بل أشد، بل إن الموت قد صار بالنسبة لهم أسمى الأماني التي يرجونها؛ وليس ذلك إلا لمن فقه حقيقة الجنة. يقول صلى الله عليه وسلم( إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةُ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ) [ رواه البخاري ]. (2)

**********
13. مباشرة القائد القتال بنفسه وإحاطتهم بتوجيهاته مما له الأثر الكبير على الروح المعنوية للجند.
التحليل:
لم يكن الرسولصلى الله عليه وسلمفي حروبه بمعزل عن جيشه، يصدر الأوامر بالتحرك نحو العدو وتَتَبُّعِه وشن الهجمات عليه ويبقى هو بمأمن عنه منعزلا !، بل إن الأمر على عكس ذلك تماما، فالثابت أنه صلى الله عليه وسلم كان يقاتل مع أصحابه، بل كان يتقدم الصفوف في كل معركة ويخوض غمارها مع جيشه إلا فيما يشير به أصحابه،(3) ومن ثم كانت معاركه معيناً لا ينضب في ترسيخ مبادئ الإدارة العسكرية التي غدت منهاجاً حربياً لدى المسلمين.(4)
وهذا يدل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت المحب للتضحية، وأن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب، ولا لقيادة الجيوش، ولا لزعامة حركات الإصلاح ودعوات الخير، لأن شجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير، كما أن العادة أن الجنود والأنصار يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا ما جبن القائد في مواقف اللقاء، وضعف في مواطن الشدة، أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضرراً بالغاً.(5) أما الرسول صلى الله عليه وسلمفقد كانأشجع إنسان على الإطلاق، لم تكتحل عين الوجود بمثله صلى الله عليه وسلم ، وقد شهد له بذلك الشجعان الأبطال، يقول على رضي الله عنه: ( كنا إذا حمى البأس واحمرت الحدق نتقى برسول الله صلى الله عليه وسلم )، بل إنهصلى الله عليه وسلم جمع كل الشمائل القيادية، والسياسية، والإدارية، والإنسانية؛ مستمداً إياها من الوحي الإلهي الذي يتنزل عليه، ومن إيمانه بالله تعالى الذي أعطاه القوة، والثبات، والشجاعة، ودرايته بمبادئ الحرب، والعلم العسكري.(1) وفي غزوة بدر يخبر على رضي الله عنه عن شجاعة صلى الله عليه وسلم واحتماء الصحابة به وأنه أقرب الناس إلى العدو فيقول: ( لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا )، [ مسند الإمام أحمد ].(2)
وأما إحاطة الجيش بتوجيهاته صلى الله عليه وسلمووضعها موضع التنفيذ، فذلك نابع من ثقة الجيش في قائده وفي توجيهاته وأوامره، إذ لا ريب أن يكون حب القائد والثقة به دافعا إلى تنفيذ الأوامر وتحقيق الطاعة، وبذلك يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بلغ بأتباعه من الانضباط العسكري مبلغاً ما بلغه قائد عسكري آخر، خاصة وإذا علمنا عن أمة العرب أنها الشعب المارد المتمرد الذي لا يعرفانضباطاً ولا طاعة، فالانضباط العسكري هو كل شيء في المعركة، ولا يمكن أن تظهر عبقرية قائدعسكرياً إلا إذا كان الانضباط موجوداً، ولذلك فإن ثمانين بالمائة من عبقرية القيادةالعسكرية تظهر في انضباط جندها معها في اللحظة الحاسمة، فإذا رأينا أن الرسول صلى الله عليه وسلمقد بلغ من هذا قمته، مع علمنا بحال العرب آن ذاك؛ فتلك معجزة المعجزات.(3)

**********
14. إمداد الله تعالى للمسلمين بالملائكة، وأثر ذلك في رفع الروح المعنوية للجيش المسلم.
التحليل:
إن الله تعالى إذا علم صدق عباده المؤمنين وحسن توكلهم عليه أحاطهم بجيش من عنده وأكرمهم بنصر دينه على أيديهم، ماداموا يحاربون في سبيله ولإعلاء كلمته، قال تعالى: ( وَكَانَحَقًّاعَلَيْنَانَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )[ الروم: 47 ] وقال أيضا: ( إِنَّاللَّهَ يُدَافِعُعَنِالَّذِينَآمَنُوا ) [ الحج:38 ]، ولذلك لما أخذ المسلمون بأسباب القوة والاستعداد ودعوا الله تعالى في بدر أمدهم بملائكته تقاتل معهم حيث قال تعالى: ( إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ) [ الأنفال: 9 ]، (فإمداد الله تعالى للمؤمنين بالملائكة أمر قطعي ثابت لا شك فيه،ثبتت حقيقته بدلالة صريحة من الكتاب والسنة الصحيحة، وأما الحكمة من هذا الإمداد فهي تحصيل ما يكون سببًا لانتصار المسلمين في المعركة، وهذا ما حصل بنزولهم في غزوة بدر، فقد قاموا بكل ما يمكن أن يكون سببا لنصر المسلمين، وليس هذا بفعل ذاتي من الملائكة، وإنما النصر من عند الله وحده )(4) فكان منهم:
1.تثبيت قلوب المؤمنين: بما ألقوه في قلوبهم من بواعث الأمل في نصرهم، والنشاط في قتالهم، وبما أظهروه لهم من أنهم معانون من الله تعالى، كما أخبر تعالى عن ذلك فقال: ( إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ) [ الأنفال: 12 ]، فكان ذلك قوة عظمى وثبات راسخ للمؤمنين حينما يوقنون بأنهم ليسوا وحدهم في الميدان، وأنهم إذا حققوا أسباب النصر واجتنبوا موانعه، فإنهم أهل لمدد السماء، وهذا الشعور يعطيهم جرأة في مقابلة الأعداء، وإن كان ذلك على سبيل المغامرة، لبعد التكافؤ المادي بين جيش الكفار الكبير عددًا القوي إعدادًا وجيش المؤمنين القليل عددًا الضعيف إعدادًا.(1)
2.الاشتراك الفعلي من بعض الملائكة في القتال والذي ألقى الرعب في قلوب المشركين: ففي حين قوى اشتراك الملائكة قلوب المؤمنين وثبتهم في القتال، كان ذلك عاملا قويا في تحطيم معنوية الكفار وزعزعة يقينهم، حيث أنه عندما يشيع في صفوفهم احتمال تكرار نزول الملائكة الذين شاهدهم بعضهم عيانًا، أنهم مهما قدروا قوة المسلمين وعددهم فإنه سيبقى في وجدانهم رعب مزلزل من احتمال مشاركة قوى غير منظورة لا يعلمون عددها ولا يُقَدِّرُون مدى قوته
) قال تعالى: ( سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل ) [ الأنفال: 12].(3)
ولعلنا ندحض هاهنا ما يتوهمه البعض من أن المقصود بالملائكة المدد الروحي أو القوة المعنوية: وذلك لأن الآيات والأحاديث الصحيحة قد دلت على أن الملائكة قد اشتركت فعليا في القتال، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع )، ومن أوضح الأدلة القاطعة على بطلان هذا الوهم: أن البيان الإلهي قد ضبط الملائكة بعدد محدود وهو الألف، قال تعالى: ( فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة مردفين )، إذ العدد من مستلزمات الكم المنفصل في الأشياء، ولا يكون ذلك إلا في الأشياء المادية المحسوسة، ومن هنا نعلم أن تقييد البيان الإلهي بعددٍ معينٍ ينطوي على حِكَمٍ باهرةٍ من أجََلِّهَا قطع السبيل على من يريد أن يتناول الآية، ويفسر الملائكة بالمعنى الذي يروق له وهو مجرد الدعم المعنوي.(4)
ويمكننا أن نخرج بأحد الدروس الهامة في الحرب من خلال قول الله تعالى: ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ )، ( فقد جاء في معنى قوله تعالى: ( مُرْدِفِينَ ) أي: يردف بعضهم بعضا أرسالا لم يأتوا دفعة واحدة )(5).
وهذا يوضح أن القرآن الكريم قد سجل مبدأً هاما من مبادئ الحرب ألا وهو الاقتصاد في القوى، والذي يقوم على عدم تبديد القوى المقاتلة في مهام ثانوية، والحفاظ على القوى الضاربة، وحشد كل الإمكانيات، وزجها في مسرح العمليات وفق أهمية الأهداف. وبذلك يتضح لنا أهمية الاقتصاد، وأنه جزء من ثقافة الجندي المسلم، والذي قد تربى على هذا المبدأ في كل جوانب حياته. (5)
فالاقتصاد ينبغي أن يشمل القوى البشرية، والقوى المادية، من عتاد وسلاح، وممتلكات، لكن من الضروري أن لا يؤثر الاقتصاد في استخدام القوى على النتائج، فلا نستخدم جندياً إلا في الموضع الذي لابد أن يكون فيه.
وإن الاقتصاد في القوى لا يعني البخل، وإذا علم القائد أننا بحاجة لقوة في ثغرٍ ما، وبخل بها، يكون بذلك خائناً عسكرياً، وخلاصة في ذلك أن القوى لا بد أن توظف حسب أهمية الأهداف ومتطلباتها .(1)
فالآية الكريمة قد تحدثت عن مدد من الملائكة والمدد إنما يكون على قاعدة الاقتصاد في القوى، وتتابع هذا المدد يؤكد نظرية الاقتصاد في القوى، فالله تعالى يعلم السر وأخفى، وكان بمقدوره أن يمد المسلمين بالملائكة كلهم منذ البداية، ولكن التتابع جاء ليجسد لنا درساً في اقتصاد القوى، وتوزيعها حسب الحاجة. (2)
ولعل البعض قد يسأل: ما الحكمة في إمداد المسلمين بهذا الكم من الملائكة مع أن واحدًا من الملائكة كجبريل عليه السلام قادر بتوفيق الله على إبادة الكفار؟
° أجاب البعض: بأن نزول هذا العدد الكبير من الملائكة لأجل إدخال السرور والفرح على المؤمنين.(3)
° وأجاب السبكي: وقع ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي وأصحابه، وتكون مَدَدًا على عادة مدد الجيش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى في عباده.(4)
° ولكن الأستاذ عبد الكريم زيدان أجاب على ذلك فقال: ( لقد مضت سنة الله بتدافع الحق وأهله مع الباطل وأهله، وأن الغلبة تكون وفقًا لسنن الله في الغلبة والانتصار، وأن هذا التدافع يقع في الأصل بين أهل الجانبين: الحق والباطل، ومن ثمرات التمسك بالحق والقيام بمتطلباته أن يحصلوا على عون وتأييد من الله تعالى، بأشكال وأنواع متعددة من التأييد والعون، ولكن تبقى المدافعة والتدافع يجريان وفقًا لسنن الله فيهما، وفي نتيجة هذا التدافع فالجهة الأقوى بكل معاني القول اللازمة للغلبة هي التي تغلب.
فالإمداد بالملائكة هو بعض ثمرات إيمان تلك العصبة المجاهدة، ذلك الإمداد الذي تحقق به ما يستلزم الغلبة على العدو، ولكن بقيت الغلبة موقوفة على ما قدمه أولئك المؤمنون في قتال ومباشرة لأعمال القتال، وتعرضهم للقتل، وصمودهم وثباتهم في الحرب، واستدامة توكلهم على الله، واعتمادهم عليه، وثقتهم به، وهذه معانٍ جعلها الله حسب سننه في الحياة أسبابًا للغلبة والنصر، مع الأسباب الأخرى المادية، مثل العُدة والعدد والاستعداد للحرب وتعلم فنونه... الخ.
ولهذا فإن الإسلام يدعو المسلمين إلى أن يباشروا بأنفسهم إزهاق الباطل وقتال المبطلين، وأن يهيئوا الأسباب المادية والإيمانية للغلبة والانتصار، وبأيديهم إن شاء الله تعالى ينال المبطلون ما يستحقونه من العقاب، قال تعالى: ( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِين وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة: 14، 15]. )(5)

**********
15. الهلاك والخلان للطغاة المستهزئين، مصداقا لقوله تعالى:( إنا كفيناك المستهزئين )[ الحجر: 95 ].
التحليل:
لقد مكَّن الله تعالى لنبيه في هذه المعركة من قتل صناديد الكفر وأولياء الشرك الطغاة، أولئك الذين طالما ألحقوا به وبالمسلمين في مكة من الأذى والاستهزاء والتعذيب ما ينأى عن تحمله الكثير، وكأن الله تعالى في ذلك يبشر أئمة الكفر في كل زمان بهذه النهاية المشئومة، إن لم يتوبوا إلى ربهم، ويثوبوا إلى رشدهم،(1) إذ هلك بالمعركة جلهم كأبي جهل فرعون هذه الأمة وعتبة وشيبة وأمية والوليد وعقبة بن أبي معيط وغيرهم،(2) حيث أعمل الله تعالى فيهم سيوف المسلمين حتى قتلوا منهم نحو السبعين عامتهم القادة والزعماء، وأسروا سبعون آخرون وقيدوهم بالسلاسل فصارت تعلو وجوههم كآبة ذل الأسر.(3)
هكذا يتجلى البيان الإلهي بأن الله يمهل ولا يهمل، قالصلى الله عليه وسلم: ( إن الله ليملى للظالم حتى إذا أخذه لم يُفلته ) [البخاري]، ويقول الله تعالى: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [هود: 102].(4)
ولعلنا نقف على بعض النقاط التي هي محل نظر واستدلال من خلال عرضي لذلك الموقف والتي هي كالتالي:
1.شدة محبة شباب الأنصار لرسول اللهصلى الله عليه وسلم وحرصهم على بذل النفس في سبيل الانتقام ممن تعرض له بالأذى والاستهزاء.
2.لم يُعجِّل الله لأبي جهل بالموت بعد أن أصابته ضربات أشفت به على الهلاك الأبدي على يد أشبال الأنصار، ولكنه أبقاه مصروعًا في حالة من الإدراك والوعي ليريه بعين بصره ما بلغه من المهانة والذل والخذلان على يد من كان يستضعفه ويؤذيه.
3.يفرج الله عن المكروبين من المؤمنين الذين ذاقوا الذل والهوان على أيدي الفجرة الطغاة بالتشفي منهم في الدنيا، قال تعالى:( قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَوَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) [التوبة: 14، 15].
4.العاقبة السيئة في الآخرة للطغاة المتجبرين الذين يغترون بقوتهم وينخدعون بجاههم ومكانتهم فيعتدون على الضعفاء، ويسلبونهم حقوقهم، كما يظهر ذلك مما جرى لأمية بن خلف من القتل المفزع.
5.قوة الرباط الأخوي بين الصحابة الكرام، كما نراه من مساعدة الأنصار له لما استنجد بهم.
6. ترسخ عقيدة الولاء والبراء في نفوس المؤمنين وحبهم للمسلمين وإن لم يكونوا من قبيلتهم، وكراهيتهم الكافرين وإن كانوا أبنائهم، كما نلحظه من موقف أم صفوان بنت أمية بعد إسلامها لما قيل لها أن الحباب بن المنذر هو الذي قطع رجل ابنها على.(5)

**********
ثالثا: مرحلة ما بعد المعركة:
وفيها من المواقف ما يلي:
1. البقاء بأرض المعركة بعد الظهور على العدو مدة من الوقت.
التحليل:
لعل من أهم سياسات الميادين في الحروب التي لا يغفل عنها قائد مدرب ولا سياسي حكيم أن المعركة الحربية لا تنتهي آثارها بتناثر الأشلاء في جوانب الميادين، بل يجب أن يستمر العمل في جمع الأشلاء ومواراة الجثث مخافة أن تتعفن فتهب منها ريح تؤذي، وتنتشر منها أوبئة وأمراض، وقد أدرك النبيصلى الله عليه وسلم ذلك لأول وهلة وانتبه له وعمل به، ولا ينتبه لمثل ذلك إلا قائد معركة وراعي أمة يظل دائب العمل باحثا عن الخير للناس.
فقد كانت ساحة بدر معرضة لهذه المخاطرة، وكانت مياهها آيلة لا محالة إلى أن تصير سما زعافا، فأدرك الرسولصلى الله عليه وسلم واجب القائد الحكيم إلى النهاية حتى يقي أمته من الأمراض والسموم، ومن ثم كانت عادته أنه إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال.(1)
ولعلنا أيضا نخرج ببعض حكمٍ أخرى من خلال إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في أرض المعركة ثلاث ليال، وهي:
1.تصفية الموقف بالقضاء على أية حركة من المقاومة اليائسة التي يحتمل أن يقوم بها فلول المنهزمين الفارين هربًا إلى الجبال.
2.دفن القتلى في أرض المعركة، حيث لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلمقد دفن أحدا منهم خارج بدر.
3.جمع الغنائم وحفظها، وإسناد أمرها إلى من يقوم بهذا الحفظ حتى تؤدى كاملة إلى مستحقيها.
4.إعطاء الجيش الظافر فرصة يستروح فيها، بعد الجهد النفسي والبدني المضني الذي بذله أفراده في ميدان المعركة، ويضمد فيها جراح مجروحيه، ويذكر نعم الله عليه فيما أفاء الله عليه من النصر المؤزر الذي لم يكن داني القطوف، سهل المنال.
5.التعرف على جيف قتلى الأعداء الذين انفرجت المعركة عن قتلهم وعلى مكانتهم في حشودهم، وعلى من بقي منهم مصروعًا بجراحه لم يدركه الموت، للإجهاز على من ترى قيادة جيش الإسلام المصلحة في القضاء عليه اتقاء شره في المستقبل، كالذي كان من أمر الفاسق أبي جهل فرعون هذه الأمة، والذي كان في شأن رأس الكفر أمية بن خلف وأضرابهما.(2)

**********
2. استحباب تبشير المسلمين المقيمين في البلد بالنصر.
التحليل:
لما تم الفتح للمسلمين أرسل رسول اللهصلى الله عليه وسلم بشيرين إلى أهل المدينة ليعجل لهم البشرى، فأرسل عبد الله بن رواحة بشيراً إلى أهل العالية، وأرسل
زيد بن ثابت إلى أهل السافلة) ولعل هناك فائدتين من إرسال البشيرين إلى أهل المدينة قبل وصول النبي
صلى الله عليه وسلم إليها وهما:
1.التعجيل بالبشرى إلى المسلمين المقيمين فيها والذين لا يدرون مما حدث شيئا، حتى يطمئنهم على سلامة رسول اللهصلى الله عليه وسلم ، وليتأهبوا لاستقبال الجيش المنتصر، وقد فعل ذلك أسيد بن الحضير رضي الله عنه ومعه بعض المسلمين فقد خرجوا ليتلقوا الرسول صلى الله عليه وسلمويهنئونه بالفتح وكان ذلك بالروحاء.(2)
2.دحض الدعايات الكاذبة من اليهود والمنافقين، والذين قد أرجفوا في المدينة بإشاعات كاذبة حتى أنهم أشاعوا خبر مقتل النبيصلى الله عليه وسلم ، وقد أخذوا يُرَوِّجُونَ لتلك الشائعات لما رأوا زيد بن ثابت راكبا القصواء، ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يقول لقد قتل محمد، وهذه ناقته نعرفها، وهذا زيد لا يدري ما يقول من الرعب ، ما جاء إلا منهزماً.(3)

**********
3. العدل في تقسيم الغائم على من تخلف عن المعركة بأمر من القائد، وكذلك تقسيمها على من عُوفوا منها بسبب ظروفهم الأسرية.
التحليل:
كان من عدل النبيصلى الله عليه وسلم في تقسيم الغنائم إعطاؤه من هذه الغنيمة من تخلف بأمر منه صلى الله عليه وسلملمهام أوكلها إليهم، فضرب لهم بسهمهم من الغنيمة وبأجرهم فكانوا كمن حضرها، فكان صلى الله عليه وسلميراعي ظروف الجنود التي تمنعهم من المشاركة في القتال، لأن الله تعالى لم يكلف عباده شيئًا فوق طاقتهم، قال تعالى:( لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ) [البقرة: 286]. ولذلك كان الرسولصلى الله عليه وسلم لا يكلف المسلمين فوق طاقتهم سواء كان ذلك في السلم أو الحرب.
ففي غزوة بدر أعفى النبي صلى الله عليه وسلمبعض الصحابة من القتال؛ لأن ظروفهم الأسرية تتطلب منهم القيام عليها ورعايتها، فكان ممن أعفاهم النبي صلى الله عليه وسلم:
1.عثمان بن عفان رضي الله عنه: لأن زوجته رقية كانت مريضة وبحاجة إلى من يرعى شؤونها، وقد أخبر عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن سبب تغيب عثمان رضي الله عنه في غزوة بدر فقال: وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلموكانت مريضة، فقال له رسول اللهصلى الله عليه وسلم: ( إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه ).
2.أبا أمامة رضي الله عنه: فقد أمره صلى الله عليه وسلم بالبقاء عند أمه حيث كانت مريضة وهي بحاجة إليه، فعن أبي أمامة بن ثعلبة رضي الله عنه أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم أخبرهم بالخروج إلى بدر وأجمع الخروج معه، فقال له خاله أبو بردة بن نيار: أقم على أمك، يا ابن أختي. فقال له أبو أمامة: بل أنت فأقم على أختك، فذكرا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أبا أمامة بالمقام على أمه وخرج بأبي بردة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلموقد توفيت فصلى عليها.
فهذه الأخلاق الرفيعة التي تمتع بها النبي ومراعاته لشعور الجنود وأحوالهم العائلية تولد قوة ترابط بين القيادة والجنود، وتدخل تحت مفهوم فقه التمكين، والذي مارسه الرسول صلى الله عليه وسلمفي أعلى صوره.
وأما الصحابة الذين عافاهم النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ما لهم من مهمات خاصة، أو الذين أصيبوا أثناء الطريق فردهم الرسولصلى الله عليه وسلمفهم:
1.أبو لبابة: استخلفه على المدينة.
2.عاصم بن عدي: أرسله صلى الله عليه وسلمفي مهمة لأهل العالية في المدينة.
3.الحارث بن حاطب: أرسلهصلى الله عليه وسلم في مهمة إلى بني عمرو بن عوف.
4.الحارث بن الصمة: وقع أثناء الطريق فكسر فرُد.
5.خوَّات بن جبير: أصابه في الطريق حجر في ساقه فرده من الصفراء.
كما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم لورثة الشهداء وذويهم نصيبهم من الغنائم؛ وبذلك كان للإسلام السبق في تكريم الشهداء ورعاية أبنائهم وأسرهم من قرابة أربعة عشر قرنًا، ( وذلك بالإضافة إلى ما يناله الشهيد بصدق جهاده من الحوافز الروحية وأولها الحياة البرزخية بعد استشهاده، لقوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لهم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) [ آل عمران: 169،170 ] )(1). (2)
يتبع













عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-27-2010   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سوزان


البيانات
التسجيل: Sep 2009
العضوية: 10306
المشاركات: 10,711 [+]
بمعدل : 3.55 يوميا
اخر زياره : 04-01-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 133

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سوزان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

الخاتمة
وبعد، فهذا ما منَّ به الرب الجليل من جمع وترتيب وتحليل لأبواب هذا البحث المتواضع: ( استثمار المعلومات في غزوة بدر ) فلله الحمد والمنة وله الثناء الحسن، ولا أدعي فيه الكمال والخروج عن الخطأ فذاك محال، فكل بني أدم خطاء وخير الخطاءين التوابين، واحسبني قد توخيت فيه الصحة قدر المستطاع والله الهادي في ذلك إلى سواء السبيل، وأسأل الله أن يكون فيه ما يعود بالنفع على المسلمين، وطريقا إلى تمكينهم وعزهم متى ساروا على نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يغفر لي ذللي ويتوب على مثلي إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وجزي الله خيرا من يقرأ بحثي فيوجهني متى وجد النقص أو الخلل في شيء.
وأخيرا أُحيل القارئ الكريم إلى أهم النتائج والتوصيات التي خرجت بها من خلال هذه الدراسة المتواضعة:
أولا: نتائج البحث:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t46605.html#post350675
1.أهمية المعلومات في حياة البشر وأنها الأساس لاتخاذ القرار، فحياتنا ليست إلا سلسلة متصلة من القرارات، وأقدر الناس على التخطيط هو من يمتلك المعلومات بشتى صورها وأشكالها.
2.أن العالم العربي بحاجة إلى الاهتمام بقطاع المعلومات وسبل استثمارها والعمل على استغلالها بشكل صحيح لضمان الوصول إلى وضع اقتصادي جيد، مستوى اجتماعي معقول.
3.تبرز مصداقية الشيء من خلال التعرف على مصدره من حيث الثقة والأمانة، وهذا ما تميزت به المعلومات في عصر الرسولصلى الله عليه وسلم ، إذ هي مصادر التشريع الإسلامي.
4.أن غزوة بدر كانت مثالا رائعا لحسن استغلال المعلومات، والاستفادة منها لتحقيق النصر المبين.
5.المعلومات في بدر كانت ذات مصدرين، أولهما: الله عز وجل، ومن ثم أخذت الاتجاه التشريعي، والمصدر الثاني: البشر، وفي الغالب أخذت الاتجاه العسكري، إلا ما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلمفقد أخذ الاتجاهين معا حسب مقتضى الحال.
6.أن من أهم السنن الربانية التي ترتبط بعلاقة مباشرة مع سنن التمكين سنة الأخذ بالأسباب، ولذلك يجب على الأفراد والجماعات العاملة للتمكين لدين الله من فهمها واستيعابها وإنزالها على أرض الواقع.
7.الجهاد من أعظم عوامل التمكين، بل هو أعظمها على الإطلاق من حيث ما يترتب عليه من نتائج وآثار تمكينية للأمة.
8.أن الجراءة في اختيار قرار الحرب يعنى توفر خمسة شروط هامة لاتخاذ هذا القرار الحاسم، وتلك الشروط هي:
أ‌-ثقة الشعب بحكومته.
ب‌-ارتفاع معنويات الجند.
ت‌-وجود القائد الكفء.
ث‌-معرفة الأرض.
ج‌-مراعاة الطقس...
ولا شك أن تلك الشروط قد تحققت في غزوة بدر، فالثقة من الصحابة بالرسول القائد صلى الله عليه وسلملا مثيل لها، والمعنويات مرتفعة، والقيادة لا مثيل لها، واختيار لأرض المعركة بل وفرضها على العدو، كما ترى أن الطقس كان مواتيا لأهل الحق، وذلك كله من توفيق الله تعالى لعباده المؤمنين.
9.أن الرسولصلى الله عليه وسلم قد مارس جميع مقومات النصر وأسباب التمكين سواء المادية أو المعنوية.
10.طبق الصحابة رضي الله عنهم كافة التوجيهات التي أمر بها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فاستحقوا تأييد الله ونصره.
11.ديمومة الضراعة إلى الله والالتجاء إليه في طريق السعي للتمكين عامل يجب الحرص عليه والعناية به أكثر من دراسة مخططات الأعداء وأساليب المواجهة.
12.إعداد الجيش وتعبئته واستعراضه وتفقده وتنظيمه كل تلك الأمورممارسة لمقومات النصر المادية.
13.التخطيط العسكري من العناصر الهامة في حسم نتائج المعارك، لكن المعوِّل الأكبر على قوة الإيمان وثبات العقيدة ووضوح الهدف المُقَاتَلُ لأجله.
14.أن الحرب النفسية والإعلامية قد تحسم معركة عسكرية كاملة، وقد تمنع وقوعها، أو تحسم نتائجها قبل وقوعها، لذا كان علينا أن نهتم بها ليس فقط على مستوى الجنود بل على مستوى الأمة كلها.
15.الروح المعنوية العالية ضرورة مُلحة لأفراد الجيش حتى نهاية المعركة مهما بلغت صعوبة الموقف.
16.استخدام المبادئ العسكرية من تحقيق مبدأ السلامة للجيش، والمباغتة للعدو، وحشد القوى سواء كانت مادية أو معنوية، والتعاون وخفة الحركة والمطاردة والاقتصاد في القوى، في فن إدارة الحروب ضرورة يتحتم استخدامها حسب مقتضى الحال وظروف المعركة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=350675

**********
ثانيا: توصيات البحث:
وأهم ما أوصى به من خلال هذه الدراسة:
1.لعل أهم ما أهيب به إلى هذه الأمة الغراء التي متى سادت سعد العالم كله لأن في سيادتها المصلحة للعالم كله أن تتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلمالقدوة والأسوة الحسنة في كل شؤون حياتها، فإنها متى سارت على نهجه صلى الله عليه وسلم سلمت وغنمت وعزت وانتصرت، والله سبحانه وتعالى هو من اختاره لنا، فلماذا نعدل عما اختاره الله وهو الأعلم بالخير لنا ؟!.
2.أوصي رجال الأمة القائمين على جامعاتها أن يربطوا مناهج التعليم في جميع التخصصات بنهج الرسولصلى الله عليه وسلم وتعاليمه، فإن ذلك يجعلنا نعايش هذه القيادة الفذة والشخصية الرائعة على أرض الواقع، ونتصرف من منظور تحركاتها واتجاهاتها، ومن ثم نساير ركب التقدم وعناصر الرقي.
3.أوصي أمة الإسلام أن تتبنى الثقافة العربية وتفعلها على كل مستوى، وتنحي الثقافة الدخيلة جانبا فإن ذلك مما يرقى بالروح المعنوية لدى أفراد الشعوب، ومن ثم يمكننا أن نواجه أعدائنا بأيسر السبيل وأقل الجهود، على عكس ما نحن عليه الآن والذي يجعلنا نضخم من إمكانات العدو واحتياطاته مما يُخِّذلنا عن مواجهته وصد عدوانه، فالهزيمة الثقافية لا تلبث أن تتحول إلى هزيمة عسكرية.
4.أوصي القائمين على الدراسات الحربية ببناء مركز إسلامي للأبحاث يتعلق بدراسة الحروب الإسلامية ومدى تطبيقها للمبادئ العسكرية ومقومات النصر والتمكين، لنقف على الأسباب التي حققت للمسلمين الأُول المجد الزاخر والعز الشامخ.
5.أوصي بضرورة الاهتمام باستخدام الوسائل الإعلامية الحديثة والمتطورة لعمل حرب نفسية وإعلامية مضادة من أجل نقل فكر الهزيمة إلى الأعداء، وهو يتطلب منا متابعة إعلام العدو ودحض حربه النفسية وردها عليه، وهذا يعني مخاطبته بلغته التي يفهم.
6.أوصي بضرورة تتبع آيات القرآن الكريم المتعلقة بالجهاد والغزوات لاستخلاص الفوائد الميدانية، والمبادئ العسكرية، والتوجيهات العقائدية والأخلاقية والنفسية والتشريعية لإفادة الأمة عامة والمجاهدين في سبيل الله خاصة.
7.أوصي المسلمين في كل زمان ومكان بتقوى الله في الأمور كلها، والحرص على أن لا يؤتى الإسلام من قبلنا ليستعملنا الله ولا يستبدلنا.

**********
هذا وما كان من توفيق فمن الله وحده، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، وأسأل الله أن يعاملنا بما هو أهله ولا يعاملنا بما نحن أهله، كما أسأله سبحانه ألا يحرمني وأساتذتي الفضلاء الذين ساعدوني على إنجاز البحث الأجر والثواب إنه كريم مجيب، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) [الحشر: 10].
ومنك الجود والفضل الجزيل



إلهي أنت للإحسان أهل


وحالي لا يسرُّ به خليل



إلهي بات قلبي في هموم


من الأوزار مدمعه يسيل



إلهي تب وجد وارحم عُبيدًا


ذنوب حملها أبدًا ثقيل



إلهي ثوب جسمي دنستْه


على الأبواب منكسر ذليل



إلهي جد بعفوك لي فإني


وجاء الشيب واقترب الرحيل



إلهي خانني جلدي وصبري


به يُشفي فؤادي والغليل



إلهي داوني بدواء عفو


ومن فعل القبيح أنا القتيل



إلهي ذاب قلبي من ذنوبي


فهاك العبد يدعو يا وكيل



إلهي قلت ادعوني أجبكم


بأعمار لنا وبها تزول



إلهي هذه الأوقات تمضي




سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.












عرض البوم صور سوزان  
قديم 08-28-2010   المشاركة رقم: 8 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: مشرف :: أقسام الشريعة اسلامية
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية AZOU.FLEXY


البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 10829
المشاركات: 4,915 [+]
بمعدل : 1.80 يوميا
اخر زياره : 07-30-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 91

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
AZOU.FLEXY غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : سوزان المنتدى : أرشيف رمضان جزائرنا- 1431
افتراضي

بارك الله فيك شكرا على الموضوع القيم









عرض البوم صور AZOU.FLEXY  
 

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
ملف عن الجفاف - استثمار النص- حياة قسم السنة الثالثة متوسط 1 04-18-2011 05:26 PM
غزوة بدر محمد الامين منتدى التاريخ الجزائري 2 12-10-2010 04:03 AM
غزوة بدر الكبرى _ 17 رمضان ahfiri4 منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما 1 09-01-2010 02:43 AM
استثمار سن الشباب بنت المغرب منتــــدى قضـايا الشبـاب 8 09-01-2010 01:35 AM
قصة غزوة بدر عبدالرؤوف منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما 1 08-06-2010 08:23 PM


الساعة الآن 03:58 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302