العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى القرآن الكريم وعلومه


منتدى القرآن الكريم وعلومه منتدى لتلاوات القرآن الكريم، وتجويده وحفظه


الواضح في التفسير

منتدى القرآن الكريم وعلومه


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-09-2010   المشاركة رقم: 11 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة التاسعة

الجزء الثالث
سورة البقرة
(الآيات 253- 268)

{تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة:253].
253- لقد فضَّلنا رسلاً على رسلٍ آخرين، فقد كلَّم اللهُ بعضاً منهم، كموسى عليه السلام، ورفعَ بعضَهم درجاتٍ أعلى من درجاتِ آخرين، كمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، الذي فضَّلَهُ الله على العالمين، وهو رسولُ الله إلى الناسِ كافَّة، ونَسَختْ رسالةُ الإسلامِ التي جاءَ بها سائرَ الرسالاتِ السابقة. وآتينا نبيَّ اللهِ عيسى بنَ مريم -عليه السلامُ- دلائلَ وحُججاً قويَّة، كإحياءِ الموتى بإذنِ الله، وغيرِها، تُثبتُ صحَّة نبوَّتهِ وما جاءَ به لبني إسرائيل، وأيَّدناهُ بجبريلَ عليه السلام، يثبِّته ويقوِّيه.
وقد تقاتلَ أتباعُ الرسلِ من بعدُ نتيجةَ اختلافهم، على الرغمِ من كونِ أنبيائهم جميعاً دعاةً إلى عبادةِ اللهِ الواحدِ الأحد، وعلى الرغمِ من وضوحِ الآياتِ البيِّناتِ والحججِ الساطعاتِ لدى الفريقِ المؤمن، فكان منهم من كفر، ومنهم من آمن، ولو أرادَ اللهُ لما تقاتلوا، ولكنْ هذه إرادتهُ ومشيئته، ليدفعَ الكفرَ بالإيمان، وليثبِّتَ العقيدةَ الصحيحةَ في الأرض، لتنتشرَ ويعرفَها الناس.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة:254].
254- أيها المؤمنون، إن الدنيا فرصةٌ للعملِ الصالح، فأنفقوا مما تفضَّل اللهُ به عليكم من رزق، قبل أن تُغلقَ صفحةُ الدنيا فلا يُقبلُ من أحدٍ عمل، وإن أمامَكم يومَ القيامة، الذي لا يوجدُ فيه بيعٌ ولا شراءٌ حتى تجرِّبوا ربحاً، فلا مالَ يبذلهُ المرءُ ليفديَ به نفسه، ولا تنفعُ صداقةُ أحدٍ ولا قرابتهُ لمسامحتكم، ولا وساطاتٌ جاريةٌ لتشفعَ لكم وتعفوَ عنكم، بل الأمرُ كلُّه يومئذٍ لله.
والكافرونَ هم أكثرُ الناسِ خسارةً في ذلك اليوم، فقد أنكروا الحقّ، وظلموا أنفسَهم بعدمِ اتِّباعه، وظلموا غيرَهم عندما صدُّوهم عن الهدى، وحرموهم من خيرٍ كثير، فباؤوا بإثمهم وآثامِ الآخرين.

{اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة:255].
255- إنه اللهُ الواحدُ الأحد، الذي لا يُعْبَدُ بحقٍّ إلا هو، الحيُّ الدائمُ الباقي الذي لا يعتريهِ الموتُ ولا سبيلَ للفناءِ إليه، فهو ذو حياةٍ أزليَّةٍ لا بدايةَ لها، وأبديَّةٍ لا نهايةَ لها، وهو الموجودُ القائمُ بتدبيرِ كلِّ شيءٍ وحفظه، لا يطرأ عليه فتورٌ ولا يغلبُ عليه وسَنٌ ولا نُعاس، فضلاً عن النومِ المستغرق، فهو منزَّهٌ سبحانَهُ عن هذا وذاك، لا يغفلُ عن شيءٍ لحظة.
كلُّ ما في السماواتِ والأرضِ مُلكٌ له وتحتَ سيطرتهِ وإرادته.
ولا يتجاسرُ أحدٌ على طلبِ الشفاعةِ منه إلا بإذنه، فالكلُّ له عبيد،خاضعونَ لمشيئته، يطلبونَ منه الإذن، ويشفعونَ في حدودِ المأذونِ لهم به، وله المُلْكُ والعظمةُ والجلال.
وعلمهُ مطلقٌ شاملٌ كاملٌ، محيطٌ بجميعِ الكائنات، ماضيها وحاضرِها ومستقبلِها،وما تُسِرُّهُ وما تُظهره، ولا يعرفونَ شيئاًَ من علمهِ إلا إذا أطلعَهم عليه، مما يناسبُ حالَهم وحاجتَهم مما سخَّرَ لهم في الأرضِ وفي السماء {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.[فصلت: 53].
وقد وَسِعَ كرسيُّهُ السماواتِ والأرض.
ولا يُتعبهُ حفظُ ما فيهما ولا يُثقلهُ شيءٌ من ذلك، ولا ما بينهما، بل هو سهلٌ عليه يسير، فهو الرقيبُ على جميعِ الكائنات، لا يغيبُ عنه شيءٌ من حركاتِها، والأشياءُ كلُّها صغيرةٌ ومتواضعةٌ بالنسبةِ إلى قدرتهِ وعظمته، وهي جميعاً محتاجةٌ إلى حفظهِ وتدبيره.
وهو المتفرِّدُ بالعلوِّ والعظمة، والجلالِ والجبروت، الرفيعُ فوق خلقه، المتعالي عن الأشياءِ والأمثال، الكبيرُ الذي لا شيءَ أعظمُ منه.
ومهما علا إنسانٌ فلا يتجاوزُ مقامَ العبوديةِ للهِ العظيم!
وهذه آيةُ الكرسيِّ، شأنُها عظيم، وردَ في أحاديثَ صحيحةٍ أنها أعظمُ آيةٍ في القرآنِ الكريم.

{لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:256].
256- لا يُجْبَرُ أحدٌ على الدخولِ في الإسلام، ولا لزومَ لذلك، فإنه نهجٌ واضحٌ بيِّنٌ يُخاطِبُ عقلَ الإنسانِ وقواهُ وطاقاتهِ كلِّها. وهو دينُ الفطرةِ والبداهةِ والإقناع، وليس دينَ الغموضِ والقهرِ والإكراهِ، ولا يفيدُ الإسلامَ وأهلَهُ رجلٌ أبدى اعتناقَهُ للإسلامِ وهو غيرُ مقتنعٍ به، بل هذه صفةُ المنافقينَ الذين ذمَّهمُ اللهُ تعالى في كتابهِ ورفضَ قبولَ إسلامهم، وهم بهذا يكونونَ عالةً على المجتمعِ الإسلامي، ومرضاً ينخرُ في جسمه.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361283
وفي كلِّ الأحوالِ لا يُقْبَلُ من المرءِ إلا إيمانٌ عن طواعية، كما لا يُقْبَلُ منه عملٌ إلا عن رضىً واقتناع.
وقد وضحَ الفرقُ بين الإيمانِ والكفر، بين طريقِ الحقِّ وطريقِ الضلال، وقد أودعَ اللهُ في الإنسانِ ما يُدرِكُ به ذلك، فمن تجنَّبَ الأصنامَ وتخلَّى عن كلِّ ما يدعو إليه الشيطانُ من عبادةِ غيرِ الله، ونبذَ كلَّ ما تجاوزَ الحدودَ التي رسمها اللهُ للعباد، وآمنَ باللهِ وحده، واستمَدَّ من كتابهِ طريقَ العبادةِ والعمل، فقد تمسَّكَ من الدينِ بأقوى سبب، وقبضَ على عُقدةٍ قويَّةٍ متمكِّنةٍ لا تنفصم، وحبلٍ متينٍ لا ينقطع، وثبتَ على الطريقِ الصحيح، واستقامَ على النهجِ المبين.
والله أعلمُ بما تلهجُ به الألسنة، عليمٌ بما تكنُّهُ القلوبُ من عزائمَ وعقائد.

{اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:257].
257- إن اللهَ يؤيِّدُ عبادَهُ المؤمنينَ فيقوِّي عزائمهم ويَهديهم إلى الحقّ، ويُخرجهم من ظلماتِ الكفرِ والشكِّ إلى نورِ الحقِّ المبين، وإلى ضيائهِ وإشعاعهِ الصافي، الذي يملأ القلبَ اطمئناناً ويزيدهُ ثباتاً.
أما الكافرونَ الذين ركنوا إلى الطاغوتِ ورضوا بالضلال، فإن الشيطانَ يزيِّنُ لهم ما هم فيه من الغيِّ والضلالِ حتى يثبتوا عليه، بل يزيدُهم غوايةً واعوجاجاً، وظلاماً وهوى، وشروداً وتيهاً، وشكّاً وقلقاً.
وهؤلاءِ مصيرُهم النار، فهو اللائقُ بأصحابِ الظلمات، الذين آثروها على النورِ والحقِّ المبين، ولا يستوي الحقُّ والباطل، كما لا يستوي أهلُهما، ولا يستوي – كذلك- مصيرُهما.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللهُ المُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ المَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة:258].
258- وانظرْ إلى هذا الملكِ المتكبِّرِ المتعنِّت، الذي أعطاهُ اللهُ من المالِ ما أعطاه، ثم جاءَ يجادلُ النبيَّ إبراهيمَ -عليه السلامُ- ويخاصمهُ في ربِّه، وذلك لمّا رأى نفسَهُ مختصّاً بمالٍ ومُلكٍ ليسَ عند غيره، ويأمرُ وينهى كما يشاءُ فيُسمَعُ ويُطاع، فقال له إبراهيمُ عليه السلام، لِيُريَهُ حقيقةَ نفسهِ وضعفَ قوَّتهِ وإرادتهِ أمامَ ربِّهِ الخالق: إن اللهَ يُحيي ويُميتُ، وإن ما يُرى من ذلك في عالمِ الإنسانِ والحيوانِ دليلٌ على وجوده، وعلى تصريفهِ للكونِ وتدبيرهِ لما يجري فيه وحده، فهي لا تحدثُ بنفسها، بل لا بدَّ لها من موجدٍ ومن مدبِّر، وهو الذي يسلبُ حياةَ مَنْ شاءَ متى شاء، بأسبابٍ ظاهرةٍ أو باطنة، معروفةٍ أو غيرِ معروفة.
فالإحياءُ والإماتةُ من صفاتِ هذا الإلهِ الذي لا يكونُ أحدٌ مثلَه، ولا يستطيعُ أحدٌ أن يقومَ بما يقومُ هو به، وهو الذي أعبدهُ وأدعوكَ وأدعو الناسَ إلى الاستسلامِ له وعبادته، فهو الخالق، والمحيي والمميت، الذي بيدهِ كلُّ شيءٍ في هذا الكون، فلا إلهَ إلا هو، ولا عبادةَ إلا له.
واغترَّ هذا المَلِكُ المتجبِّرُ بما يملكُ من قُوىً بشريَّةٍ وسيطرة، فتمادى في لجاجهِ وقال لإبراهيم: أنا أيضاً أُحيي وأميت!
ذكرَ غيرُ واحدٍ أنه أوتيَ برجلينِ استحقّا القتل، فأمرَ بقتلِ أحدِهما وعفا عن الآخر، فذكرَ أنه أماتَ الأولَ وأحيا الآخر، فكان هذا مفهومَ الإحياءِ والإماتةِ عنده!
ولم يُرِدْ إبراهيمُ -عليه السلامُ- أن يُطيلَ معه الجدالَ وهو بهذه العقليةِ المتكبِّرةِ المنكرة، فأرادَ أن يُفهِمَهُ أن الإلهَ المقصودَ بعبادتهِ هو المتصرِّفُ في الكونِ كلِّه، وأن هذه القوانينَ الكونيَّةَ الموجودةَ هي من صنعهِ وتدبيره، وطلبَ منه تغييرَ قانونٍ واحدٍ من هذه القوانينِ الكثيرةِ المبثوثةِ في الكون، بما أنه يدَّعي أنه هو الآخرُ فيه صفةُ الربوبية، وقال له: إن اللهَ جعلَ الشمسَ تُشرقُ من الشرق، فَأْمُرْها أنت لتشرقَ من الغرب!
فتحيَّرَ ذلك الملكُ وسكت، وعجزَ عن الكلام، وقد صُدِمَ بهذه الحجَّةِ الدامغةِ التي لم تَدَعْ له منطقاً يدافعُ به عن نفسه. لكنه لم يسلِّمْ بالأمرِ ولم يؤمن، لأنه لم يرغبْ في الحقّ، ولم يتلمَّسْ طريقَ الهداية. واللهُ لا يَهدي هؤلاءِ الذين يظلمونَ أنفسهم، فيختارونَ طريقَ الضلالِ والعناد، على الرغمِ من وضوحِ الحجَّةِ ضدَّهم.

{أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:259].
259- وانظرْ أيضاً إلى هذا الذي مرَّ على قريةٍ خربةٍ محطَّمةٍ على قواعدها، قد سقطتْ سقوفُها وجدرانُها، ليس فيها أحد، ولا ينطقُ فيها شيء، بل كلُّ شيءٍ فيها خواء. فوقفَ هذا الرجلُ أمامَ هذا المشهدِ المحطَّمِ الميِّتِ البالي، وقال: كيف يُحيي اللهُ هذه القريةَ بعد أن ماتَ فيها كلُّ شيء، فلا حسَّ ولا حركة؟!
فأماتَهُ اللهُ مائةَ عام، ثم أحياهُ بقدرته، وقيل له: كم بقيت؟ وهو لا يدري كم لبث، فما كان في حياةٍ ولا وعي.
فقال: بقيتُ يوماً أو أقلَّ! قيل له: بل بقيتَ مائةَ عامٍ ميتاً! فانظرْ إلى قدرتِنا على إماتتِكَ وعلى إحيائك، وانظرْ إلى طعامِكَ وشرابِكَ كيف أنَّنا حفظناه، فلم يتعفَّنْ ولم يتغيَّرْ طعمهُ كلَّ هذه المدَّةِ الطويلة، بل هو كما تركتَهُ قبل أن نُميتك.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361283
وهذا حمارُكَ الذي كنتَ راكباً عليه، انظرْ كيف نخرتْ عظامهُ وتمزَّقتْ أوصاله!
ولنجعلكَ عبرةً ودلالةً على البعثِ بعد الموت.
وانظرْ إلى هذه العظامِ المتفرِّقةِ لحمارِكَ كيف نرفعُ بعضها إلى بعضٍ ونجمعُها في أماكنها ونلبِّسُها لحماً ونُحييها!
فلما تبيَّنَ له كلُّ ذلك، وتوضَّحَ له الأمرُ عياناً، أيقنَ بذلك تمامَ الإيقان، وقال: أعلمُ أن اللهَ قادرٌ على كلِّ شيء، لا يستعصي عليه أمر.

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة:260].
260- وقال نبيُّ اللهِ وخليلهُ إبراهيمُ عليه السلامُ داعياً ربَّه: بصِّرني كيف تُحيي الموتى ياربّ، لأرى ذلك عياناً.
فقال له ربُّه: أوَلم تؤمنْ بأني قادرٌ على الإحياءِ يا إبراهيم؟
وهو يعلمُ سبحانَهُ أنه أثبتُ الناسِ إيماناً وأقواهم يقيناً.
فقال عبدهُ ونبيُّهُ إبراهيمُ عليه السلام: بلى ياربّ، قد علمتُ وقد آمنت، ولكني أريدُ أن أرى ذلك عياناً، لينضمَّ ما أراهُ إلى ما أعتقدهُ يقيناً، فأزدادُ بالمشاهدةِ بصيرة، ويطمئنُّ بذلك قلبي، فإنه يسكنُ إذا عاينَ شيئاً وشاهدَه، وليس الخبرُ كالمعاينة.
قال صاحبُ "روح المعاني": ولا أرى رؤيةَ الكيفيةِ زادتْ من إيمانهِ المطلوبِ منه عليه السلام، وإنما أفادتْ أمراً لا يجبُ الإيمانُ به".
فاستجابَ اللهُ دعاءه، وأراهُ كيفيَّةَ الإحياءِ عياناً، وقال له: خذْ أربعةَ طيور، فاذبحها وقطِّعها ومزِّقها، وفرِّقْ أجزاءَها على جبال، ثم نادِها، فسوفَ تأتيكَ مسرعة. فاجتمعتْ أجزاؤها مرَّةً أخرى، وعادتْ إلى الحياةِ بإذنِ الله.
واعلمْ أن اللهَ عزيزٌ لا يُعجزهُ ولا يمتنعُ منه شيء. حكيمٌ فيما يقولُ ويفعل، ويشرِّعُ ويقدِّر.

{مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:261].
261- إن مَثَلَ الذين ينفقونَ أموالهم في سبيلِ الله وابتغاءَ مرضاته، من الإنفاقِ في الجهاد، أو غيرهِ من وجوهِ الخيرِ والطاعة، هو كَمثَلِ حبَّةٍ زُرِعَتْ فأعطتْ سبعَ سنابل، في كلِّ سنبلةٍ منها مائةُ حبَّة. واللهُ يضاعفُ أجرَ مَنْ أنفقَ في سبيلهِ بمثلِ هذا وزيادة، لمن شاء، بحسبِ حالِ المنفقِ وإخلاصهِ وتعبه.
واللهُ ذو فضلٍ واسعٍ كثير، يُعطي عن سَعة، ولا يضيقُ عليه مما يتفضَّلُ به على الناس، عليمٌ بمن يستحقُّ فضلَهُ ممن لا يستحقّ، وبنيَّةِ المنفقِ ومقدارِ إنفاقه.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:262].
262- إن الذين ينفقونَ أموالَهم في سبيلِ الله ومرضاته، من خيراتٍ وصدقات، ولا يُردفونَ عطاءَهم هذا بمَنٍّ ولا أذى، فلا يمتعضونَ من السائلينَ ولا يتكبَّرونَ عليهم، ولا يعيِّرونهم ولا يتطاولونَ عليهم بكلامٍ لا يحبُّونَ سماعَهُ أو نشره، بل يعطونهم بخُلقٍ طيِّبٍ ونفسٍ راضية، فهؤلاءِ لهم أجرُهم الكبيرُ الموعودُ به عند ربِّهم، ولا يلحقُهم مكروهٌ في الدارين، ولا هم يأسفونَ على ما فاتَهم من الحياةِ الدنيا وزهرتها، حيث صاروا إلى ما هو أفضلُ منها.

{قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ} [البقرة:263].
263- وإنَّ كلاماً حسناً لطِيفاً تقبلهُ القلوب، ومسامحةً للسائلينَ على إلحاحِهم، أفضلُ لهم من عطاءٍ يَتْبَعُهُ تطاولٌ عليهم وكلامٌ غيرُ مرغوب.
ويُقال: وعدُ الكريمِ خيرٌ من نقدِ اللئيم.
والله غنيٌّ عمّا عندكم من الصدقة، حليم، فلا يعجِّلُ بالعقوبةِ على من يمنُّ بصدقته.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ} [البقرة:264].
264- أيها المؤمنون، لا تجعلوا صدقاتِكم تذهبُ هباء، وذلك عندما تُتْبِعونها بالمنِّ والأذى، فإن هذه الخطيئةَ منكم تُذهبُ ثوابَ ما تصدَّقتم به.
وهذا مَثَلُ المُنفقِ المرائي بصدقته، الذي يعطي ليراهُ الناس، وهو لا يرجو من ورائهِ ثواباً من عند الله، لأنه لا يؤمنُ باللهِ ولا بيومِ الجزاء، فهذا لا يؤجَرُ على فعلهِ مهما تصدَّق.
ومَثَلهُ في هذا كمَثَلِ صخرٍ أملسَ عليه ترابٌ خفيف، فنزلَ عليه مطرٌ شديد، فأذهبَ ما عليه من تراب، وتركَ الحجرَ أملسَ يابساً لم يُنبِتْ زرعاً، فما أفادَهُ المطر.
وكذا أعمالُ المُرائينَ لن تفيدَهم، ولا تعقبُ مثوبة، بل تذهبُ هباءً وتضمحلُّ عند الله، وإنْ ظهرَ لهم أعمالٌ فيما يرى الناس، كالتراب.
والله لا يَهدي الكفّارَ إلى الخيرِ والرشد، حيث لم يطلبوا الهدايةَ والرشادَ من الله.
وفيه تعريضٌ بأن كلاًّ من الرياءِ، والمنِّ والأذى، من خصائصِ الكفار، فلابدَّ للمؤمنينَ من أن يجتنبوها.

{وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة:265].
265- أما الذين يعطونَ أموالَهم في سبيلِ الله، وابتغاءَ رضاهِ ورجاءَ ثوابه، وهم متيقِّنونَ أن اللهَ لا يُضيعُ عملَهم هذا، بل سيَجزيهم عليها ما داموا أخلصوا نيّاتهم وآمنوا بيومِ الجزاء، فإن مثَلَهم كمَثَلِ حديقةٍ على رابيةٍ هطلَ عليها مطرٌ شديد، فأثمرتْ ضعفي أمثالِها من الحدائق. فإذا لم ينزلْ عليها مطرٌ كثيرٌ فرَذاذٌ يكفي لسقي تربتِها الخِصْبة.
وهو كعملِ المؤمنِ الذي لا ينقطعُ كذلك، بل يتقبَّلهُ اللهُ ويضاعفهُ له. ولا يخفى على اللهِ شيءٌ من أعمالِ عباده، وسوف يُجازيهم عليها.
وفيه ترغيبٌ في الإخلاصِ مع تحذيرٍ من الرياءِ ونحوه.

{أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة:266].
266- وهل يحبُّ أحدُكم أن يكونَ له بستانٌ ظليلٌ وارف، فيه نخيلٌ وأعنابٌ تجري من بينها الأنهارُ العذبةُ والجداولُ الصافيةُ الرقراقة، وله فيه ما يريدُ ويتمنَّى من الثمارِ الطيِّبةِ اللذيذة، تدرُّ عليه خيراً وبركة، تكفيهِ وتكفي من يعوله، ولمّا كبرَ وشاخَ وعجزَ عن الغرْسِ والعمل، وله أولادٌ وأحفادٌ صغارٌ لا قدرةَ لهم على التكسُّب، جاءَهُ ريحٌ عاصفٌ فيه نارٌ شديدةٌ، فأحرقتِ البستانَ كلَّه، ولم تُبقِ فيه شيئاً من الأشجارِ والثمار؟!
إنه مَثَلٌ ضربَهُ اللهُ " لرجلٍ غنيٍّ يعملُ بطاعةِ الله، ثم بعثَ الله له الشيطانَ فعملَ بالمعاصي حتى أغرقَ أعماله"، كما فسَّرَهُ ابنُ عباسٍ -رضي اللهُ عنهما- ورواهُ له البخاريُّ في صحيحه.
فيكونُ المرءُ حسنَ العملِ في الأوَّل، كثيرَ الخيرِ والبرِّ والإحسان، ولمّا يكبرُ ويقتربُ من الموتِ والحساب، تنعكسُ حاله، فينقبضُ عن الخيرِ والعملِ الصالح، فلا يُرتجى منه إحسان، فيخونهُ عملهُ وهو أحوجُ ما يكونُ إليه، ويُحرَمُ الأجرَ وهو أفقرُ ما يكونُ إليه.
فمن يريدُ منكم أن تكونَ حالهُ مثلَ حالِ هذا، ومن ذا الذي يحبُّ أن يكونَ مصيرهُ مثلَ مصيره.
إنها أمثالٌ وآياتٌ واضحاتٌ يضربُها اللهُ لكم، لتتفكروا وتعتبروا وتعملوا بموجبها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ} [البقرة:267].
267- أيها المؤمنون، إذا تصدَّقتم بشيءٍ من أموالكم فليكنْ ذلك من طيِّبِ ما كسبتموهُ وأجوده، من تجارةٍ أو غيرِها، ومن طيِّبِ ما أخرجَهُ اللهُ لكم من الأرض، من تمرٍ أو غيره، ولا تلجؤوا إلى الرديءِ منه فتُعطوهُ للناس، فإن الله طيِّبٌ لا يقبلُ إلا طيِّباً، وإنكم لو أُعطيتُمْ مثلَ هذا المالِ الدنيء لما أخذتموه، إلا إذا تغاضيتُم عنه وتسامحتُم فيه، فلا تجعلوا للهِ ما تكرهون.
واعلموا أن الله غنيٌّ عن إنفاقِكم، وإنما يأمرُكم بذلك لمنفعتِكم، وهو مستحقٌّ للحمدِ على نعمهِ العظيمةِ عليكم.
وكان البعضُ يقصدُ الرديءَ من مالهِ فيُعطيهِ زكاةً أو صدقة، فنزلتِ الآيةُ للنهي عن ذلك.

{الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [البقرة:268].
268- إنما يسوِّلُ لكمُ الشيطانُ لتُخرجوا السيِّئَ من أموالِكم تخويفاً من الفقر، حتى تُمسكوا ما بأيديكم ولا تُنفقوا شيئاً في مرضاةِ الله، وهو مع ذلك يأمرُكم بالمعاصي وارتكابِ المحرَّمات، ويُغريكم على البخلِ ومنعِ الصدقات. واللهُ يَعِدُكم في مقابلِ الإنفاقِ غفراناً وتكفيراً عن سيِّئاتكم، وخيراً وبركة، وهو سبحانَهُ ذو قدرةٍ واسعةٍ وفضلٍ عميم، يعلمُ إنفاقَكم ولا يُضِيعُ أجرَكم.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-09-2010   المشاركة رقم: 12 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة العاشرة

سورة البقرة
(الآيات 269 – 286)

{يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} [البقرة:269].
269- واللهُ يؤتي من يشاءُ من عبادهِ ممَّن أرادَ بهم خيراً: العقلَ السويَّ والعلمَ النافع، والإصابةَ في القولِ والفعل، والقصدَ والاعتدال، والبصيرةَ المستنيرة، فيدركُ الأشياءَ على حقيقتها، ويفهمُ الأمورَ على واقعِها كما ينبغي، فيهتدي ويُصيب.
وإن الذي يؤتَى هذا كلَّهُ لفي خيرٍ عظيم، وهِبَةٍ جليلة، فإنه أُخرِجَ من ظلماتِ الجهلِ فكان في نورِ الهدى، ومن الانحرافِ إلى الاستقامةِ والرزانةِ والسداد.
ولا يعرفُ قدرَ هذا العطاءِ الجليلِ والنعمةِ الكبيرةِ إلا أولو الأحلامِ والنُّهى، الذين يعرفونَ النافعَ فيعملونَ به، ويعرفونَ الضارَّ فيجتنبونه.

{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [البقرة:270].
270- واعلموا أنكم ما أَعطيتم من أموال، في حقٍّ أو باطل، من قليلٍ أو كثير، في سرٍّ أو علن، وما نذرتُمْ من نذور، في طاعةٍ أو معصية، فإن اللهَ عالمٌ بها، لا يخفى عليه شيءٌ من نيّاتِكم وحركاتِكم، ولسوفَ يُجازي المحسنَ منكم خيرَ الجزاء، ويعاقبُ المسيءَ سيِّءَ الجزاء، ولن تجدَ لمن ظلمَ نفسَهُ، فمنعَ الصدقات، ولم يفِ بالنذور، أو أنفقَ الخبيثَ، أو راءَى ومنَّ وآذى، لن تجدَ لهؤلاءِ أعواناً ينصرونَهم من بأسِ اللهِ وعقابه، أو ينقذونَهم من عذابِ اللهِ ونقمته.

{إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [البقرة:271].
271- وإذا أظهرتمُ الصدقاتِ أمامَ الناسِ فهو أمرٌ مرغوبٌ ولا حرجَ فيه، وخاصَّةً إذا ترتَّبَ على إظهارِها مصلحةٌ راجحة، كأن يكونَ أداءً للزكاة، فإن إظهارَها فيه معنى الطاعة، وانتشارُ هذا الأمرِ وظهورهُ خير، وإذا أخفيتمْ صدقاتِكم فهو أفضل، لأنه أبعدُ عن الرياءِ وشوائبِ النفس، وأقربُ إلى الإخلاصِ وطلبِ مرضاةِ الله. وسوف يُمحي اللهُ بها سيِّئاتِكم.
ولا يخفى على اللهِ شيءٌ مما تقدِّمونَهُ لأنفسِكم، وما تُسرُّونَهُ وما تُعلنونه، في نيّاتِكم وأفعالِكم.

{لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة:272].
272- وكان الصحابةُ رضوانُ اللهِ عليهم يكرهونَ أن يجعلوا شيئاً من النفقةِ لأنسبائهم من المشركين، خشيةَ الإثم، وطمعاً في إسلامِهم. فبيَّنتِ الآيةُ أن الأمرَ أوسع، فرُخِّصَ لهم. فهم قد لا يهتدونَ بهذا الأسلوبِ أو ذاك، لأن الأمرَ يختصُّ بالقلوب، وهي بيدِ الله، يَهدي من يشاءُ منها، وهو أعلمُ بمن يستحقُّ الهُدَى والإيمانَ منها. فليُبذَلْ لهمُ الخيرُ والعون، ولْينالوا منكمُ المساعدة.
وما تنفقونَ من مالٍ فإنَّ فائدتَهُ تعودُ عليكم، وكأنكم بذلك أنفقتُمْ على أنفسِكم، ولا يضرُّكم كفرُ من أنفقتم عليهم، فلا تمنعوا الناسَ خيرَكم، فإن ثوابَهُ محفوظٌ لكم عند الله، مادامَ إنفاقُكم ابتغاءَ مرضاته، وليس رياءً ولا هو عن هَوى.
ولن تُظلموا، فاللهُ يُعطي جزاءَ الحسنةِ أضعافاً مضاعفة.
قال البغويُّ في تفسيره: وهذا في صدقةِ التطوُّع، أباحَ اللهُ تعالى أن توضعَ في أهلِ الإسلامِ وأهلِ الذمَّة، فأمّا الصدقةُ المفروضة، فلا يجوزُ وضعُها إلا في المسلمين.

{لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [البقرة:273].
273- وهؤلاءِ المهاجرونَ الذين تركوا أموالَهم وأهليهم، وسكنوا المدينةَ المنوَّرةَ منقطعينَ إلى اللهِ ورسوله، يبتغونَ نصرةَ الإسلامِ والجهادَ في سبيلِ الله، ولا يجدونَ ما يُغنيهم، ولا يستطيعونَ سفراً للتجارةِ والتكسُّب، فهم على أهبةِ الاستعدادِ إذا نوديَ للجهاد.
ومع ما هم فيه من فقرٍ وحاجةٍ يظنُّ من لا يعرفُ حقيقةَ حالِهم أنهم أغنياءُ مكفيُّونَ في المعاش، من تعفُّفِهم في لباسِهم وحالِهم ومقالِهم، فيتجمَّلونَ ظاهراً حتى لا يُعرفوا ولا تظهرَ حاجتُهم، لكنَّ اللبيبَ ذا البصيرةِ يدركُ ما وراءَ هذه الحال، ويعرفُ أن هذا العفافَ يُخفي فقراً واستكانة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361288
وإذا بدا لبعضِهم أن يطلبوا شيئاً فلا يلحّونَ في المسألة، ولا يكلِّفونَ الناسَ مالا يحتاجونَ إليه. إنهم فقراءُ كرامٌ بررة، ذوو حياءٍ وتجلُّدٍ وصبر، ودينٍ قويمٍ وخُلق، فلا تنسَوا هؤلاءِ أيها المؤمنون، وإذا أعطيتموهم شيئاً فليكنْ ذلك في سرٍّ وتلطُّف، لا يخدشُ إباءَهم ولا يجرحُ كرامتَهم.
وإن ما تُنفقونَهُ من مالٍ عليهم لا يخفى على اللهِ منه شيء، ولا يضيعُ عنده الخير، ولسوفَ يجزي عليه أوفرَ الجزاءِ وأوفاه.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:274].
274- الذين يفعلونَ الخيراتِ ويتصدَّقونَ من أموالهم في سبيلِ الله في كلِّ أوقاتِهم وأحوالِهم، ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، حتى من أنفقَ على والديهِ وعيالهِ وخدمهِ الفقراءِ وأقربائهِ... فلهم عند اللهِ الثوابُ العظيم، ولا خوفٌ عليهم يومَ الحسابِ عندما يخافُ البخلاءُ الشحيحون، ولا يحزنونَ إذا تأسَّف المُفرِطونَ المُسرفون.

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا البَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة:275].
275- إن الذين يأكلونَ الرِّبا أو يتعاطونَ به، سيكونُ مصيرُهم عندما يقومونَ من قبورهم للحشرِ والحساب، أن يقوموا كما يقومُ المصروع، الذي يؤذيهِ الشيطانُ فيصرعه، فتكونُ حركتهُ هستيريةً عشوائيةً وكأنه مجنونٌ يُخنَق، مما به من جنونٍ وفزع!
ويرى صاحبُ "الظلال" أن هذه الصورةُ واقعةٌ بذاتِها في حياةِ البشريةِ الضَّالةِ في هذا العصر، التي صارتْ تتخبَّطُ كالممسوسِ في عقابيل النظامِ الربوي، وأن هذا العالمَ هو عالمُ القلقِ والاضطرابِ والخوفِ والأمراضِ العصبيَّةِ والنفسيَّة، باعترافِ عقلاءِ أهلهِ ومفكريهِ وعلمائهِ ودارسيه، وعالمُ الحروبِ والتهديدِ الدائمِ بالحروبِ المبيدةِ، وحربِ الأعصابِ والاضطراباتِ التي لا تنقطعُ هنا وهناك، وأنها حياةُ شقاءٍ وبؤسٍ ونكد! ومن هذا البلاءِ الذي تعيشُ فيه البشريَّةُ بلاءُ الرِّبا، بلاءُ الاقتصادِ الذي ينمو نمواً مائلاً جانحاً إلى حفنةٍ من المموِّلين المُرابين، الذين لا يهدفونَ إلى سدِّ مصالحِ البشريةِ وحاجاتهم، بل إلى ما يحقِّقُ لهم الأرباح، ولو أفسدوا حياةَ الملايين، وزرعوا الشكَّ والقلقَ والخوفَ في حياةِ البشريةِ جميعاً...اهـ.
وإن سببَ ما ينزلُ بهؤلاءِ المرابينَ عندما يُبعثونَ من قبورهم، هو قولُهم إن البيعَ مثلُ الربا، وقالوا: لماذا أُحلَّ هذا وحرِّم ذاك؟ فهو اعتراضٌ على أحكامِ الله وشرعه. وشبهتُهم الواهيةُ في هذا أن كليهما يجرّانِ ربحاً! مع أن العملياتِ الربويةَ محدَّدٌ ربحُها وفائدتُها في كلِّ حالة، والبيعُ والتجارةُ يُخضَعُ فيه للربحِ والخسارة، في مهاراتٍ شخصيةٍ وظروفٍ جارية. فالربا يفسدُ الحياةَ البشرية، والبيعُ والتجارةُ تنشِّطُ الحياةَ الاقتصادية. ولهذا وغيرهِ من الاعتباراتِ التي يعرفُها الاقتصاديونَ والتجّار، أحلَّ اللهُ البيع، وحرَّمَ الرِّبا تحريماً قاطعاً.
فمن بلغَهُ نهيٌ وزجرٌ عن تعاطي الرِّبا حالَ وصولِ حكمِ الشرعِ إليه، فله ما سبقَ من مالهِ الذي وصلَهُ عن طريقِ الربا، يعني قبلَ التحريم، فلا يُسترَدُّ منه، وأمرهُ إلى الله، يعني يرجو به عفوَهُ ورحمته، فهو من العفوِ عمّا سلفَ إن شاءَ الله.
ومن عادَ إلى التعاملِ بالرِّبا بعد بلوغهِ نهيَ اللهِ عنه، فقد استحقَّ العقوبةَ والنارَ المحرقةَ الدائمة. فلا يغرَّنَّ أحداً طولُ وقتٍ عاشه، فإن الموتَ يأتي فجأة، ولا يبعدنَّ من حسابهِ تهديدَ اللهِ ووعيدَه، فإنه حقٌ وصدق، وهو واقعٌ بمن خالفَ أمره.
وقد جاءَ التحريمُ لآكلِ الربا لأنه الغالب، والمقصودُ هو ومَنْ في حكمه، وفي صحيحِ مسلمٍ قولُ جابرٍ رضيَ الله عنه: "لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم آكلَ الرِّبا، ومُوْكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهدَيْه، وقال: هم سواء".

{يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276].
276- إن الله يُذهبُ البركةَ من الأموالِ الربويَّة، فلا ينتفعُ بها، وستكونُ حسرةً على صاحبِها وعقاباً له في اليومِ الآخر. وما استوى خبيثٌ وطيِّب، ولو كان هذا الخبيثُ أبيضَ برّاقاً، فإن اللهَ يركمهُ ويجعلهُ في جهنَّم. وهو لا يعودُ على المجتمعِ الربويِّ إلا بالشقاءِ والنكد، على الرغمِ مما يُرى في ظاهرهِ من غنىً وموارد، فإنه يفيضُ بالقلقِ النفسيِّ والخوفِ والاضطراب، وليس فيه أمانٌ واطمئنانٌ وسعادةٌ حقيقيَّة، حيث لا بركةَ ولا تكافلَ قائمٌ على الحقِّ والتقوى.
أما المالُ الطيِّبُ والصدقات، فإن اللهَ يُنميها ويزيدُها خيراً وبركةً ووفرة، وجعلَ في مجتمعهِ المودَّةَ والاطمئنانَ وراحةَ البال، حيث التكافلُ والتعاونُ على الخير.
وإن اللهَ يبغضُ ذلك المرابيَ الكفورَ القلب، الذي يأثمُ في قولهِ وفعله، فلا يرضى بما قسمَ اللهُ له من الحلال، ولا يكتفي بما شرعَ الله له من التكسُّبِ المباح، بل يسعى إلى أكلِ أموالِ الناس بالباطل، من الرِّبا وغيره.

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:277].
277- إن الذين آمنوا وأتبَعوا إيمانَهم بالأعمالِ الصالحة، فأطاعوا ربَّهم، وشكروا له نعمَهُ عليهم، ورضوا بما قسمَ لهم من الحلال، وأحسنوا إلى خَلْقه، وداوموا على صلواتِهم، وأعطوا زكاةَ أموالِهم للفقراءِ والمحتاجين، لهم جميعاً الجزاءُ العظيمُ عند ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم يومَ الحساب، في مقابلِ التخبُّطِ والهلعِ الذي يُصيبُ المرابي، ولا هم يحزنونَ على ما فاتَهم من الدنيا، فهم في مكانٍ أجلّ، ونعيمٍ أعظم، وسعادةٍ لا توصفُ ولا تقارنُ بالدنيا.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [البقرة:278].
278- أيها المؤمنون، خافوا اللهَ واتَّقوهُ حقَّ التقوى، واتركوا ما لكم على الناسِ من الرِّبا، إذا كنتم مؤمنينَ باللهِ وبما شرعَ لكم من الحلالِ والحرام.

{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ} [البقرة:279].
279- فإذا لم تنتهوا عن التعاملِ بالربا، فانتظروا غضبَ الربّ، وتيقَّنوا حرباً من اللهِ ورسوله!
وهو ترهيبٌ مخيف، ووعيدٌ شديد، وغضبٌ ماحقٌ من جبّارِ السماواتِ والأرض، يهدِّدُ فيه الذين لا يكفُّونَ عن التعاملِ بالرِّبا بالعقابِ والقتل.
وهو عقابٌ دنيويٌّ وأخروي.وقد سبقَ بيانُ الأخروي، أما الدنيوي، فإن المرابيَ يُستتابُ من فعلتهِ الشنعاءِ هذه، فإذا لم يَدَعْها عوقب. وكذلك الجماعاتُ والفئاتُ كالصيارفةِ وأصحابِ البنوك ومَنْ إليهم. وهي مسؤوليةٌ كبرى يتحمَّلُها الحاكمُ خاصَّة. وقد أمرَ رسولُ الله -صلى اللهُ عليه وسلَّم- عند فتحِ مكَّةَ بوضعِ كلِّ ربا في الجاهلية. قال أهلُ المعاني: حربُ اللهِ النارُ، وحربُ رسولِ الله السيفُ.
فإذا تبتُمْ وعدتُمْ إلى الحقّ، وانتهيتُم عن التعاملِ بالربا، فإنَّ رؤوسَ أموالِكم تُعادُ إليكم، لا يَنْقصُ منها شيءٌ ولا يُزادُ عليها شيء.

{وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:280].
280- فإذا كان المَدينُ مُعسراً لا يستطيعُ أن يفيَ دَيْنَه، فيُتَظَرُ حتى يَيْسَرَ ويدفعَ إليكم رؤوسَ أموالكم، لا كما يفعلُ المرابي الجشعُ بوضعِ المزيدِ من الرِّبا إذا لم يدفع!
وإذا تصَدَّقتُمْ بها عليه وسامحتموهُ فإنه خيرٌ لكم وأفضل، هذا إذا علمتُمُ الثوابَ الكبيرَ الذي ينتظركم من فضلِ التيسيرِ على المُعسر.

{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281].
281- واخشوا اللهَ حقَّ الخشية، وانتظروا ذلك اليومَ الذي تُرجعونَ فيه إليهِ وقد تركتمُ الدنيا وما فيها من أموال، وسوفَ يحاسبُكم على ما كسبتُمْ من طرقِ حلالٍ أو حرام، ويحذِّركُمْ من عقوبته، كما يرغِّبُكمْ في مثوبته، ولن يُظْلَمَ أحدٌ في ذلك اليومِ والمحاسِبُ هو الله.
ويومئذٍ يندمُ المُرابي أيَّما ندم، وكلٌّ يرجو لو كان تنازل، وأنفق، وأحسن...وهاهمُ الأحياءُ يسمعون، إنْ كانتْ لهم آذانٌ يسمعونَ بها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة:282].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361288
282- أيها المؤمنون، إذا تعاملتم فيما بينكم بمعاملاتٍ مؤجَّلةٍ فاكتبوها، فإنه أثبتُ وأحفظ، كما يأتي.
وليكنِ الكاتبُ بينكم شخصاً يكتبُ بالقسطِ والحقِّ على ما اتفقتُمْ عليه، من غيرِ زيادةٍ ولا نقصان.
ولا يرفضِ العارفُ بالكتابةِ أن يكتبَ لهم إذا طُلبَ منه ذلك، فإن عليه أن يكتبَ وفاءً للعلمِ الذي علَّمَهُ الله.
وليقلِ المَدينُ ما عليه من الدَّيْن ليُكتَب، ولْيَخْشَ اللهَ في قولهِ وليصدُقْ ما في ذمَّتهِ ولا ينقصْ منه شيئاً، وليذكرْ شرطَهُ وأَجَله.
فإنْ كان المَدينُ سفيهاً لا يُحسنُ تدبيرَ أموره، أو ضعيفاً، يعني صغيراً، أو مجنوناً، أو لا يستطيعُ أن يُمليَ هو ويبيِّنَ مقدارَ ما عليه وملابساته، لعيبٍ خَلْقي أو جهلٍ أو أيِّ سببٍ آخر، فليتحدَّثْ عنه وليُّ أمرهِ أو القيِّمُ عليه، بالحقِّ والعدل.
وأشهدوا على عقدِكم هذا اثنينِ من الشهداءِ عدلينِ يحوزانِ على رضاكِما. فإذا لم يكونا رجلينِ فليكنْ رجلاً وامرأتين، حتى إذا نسيتْ إحداهما ذكَّرتها الأخرى، فإن واجبَها الأُسريَّ واهتمامَها وانشغالَها بأعمالها الخاصَّة، وبُعدها عن أمورِ البيعِ والعقودِ يُنسيها ذلك، فتذكِّرُها الأخرى بملابساتِ الموضوعِ فتذكر.
وإذا دُعيَ الأشهادُ إلى الشهادةِ فليستجيبوا.
ولا تملُّوا من أن تكتبوا معاملاتِ الديونِ وبيانِ مدَّةِ إيفائها، سواءٌ كانتْ قليلةً أو كثيرة، فالكتابةُ أعدل، وأثبتُ للشاهدِ إذا رأى خطَّهُ أو توقيعَه، فإنه من المحتملِ أنه لو لم يكتبْهُ لم يذكره. وهو أبعدُ من شبهةِ الكذبِ والادِّعاء، الذي يُفضي إلى التنازعِ بين المتعاقدين.
وإذا كان البيعُ حاضراً في مجلسٍ واحد، فلا بأسَ من عدمِ الكتابة، لتيسيرِ العمليّاتِ التجاريةِ وعدمِ تعقيدها، مع الإشهادِ على ذلك.
والأمرُ هنا للإرشادِ والنَّدْبِ لا الوجوب، عند جمهورِ العلماء.
وكذا الأمرُ بكتابةِ الدَّيْنِ –كما جاءَ في أوَّلِ الآية- أمرُ نَدْبٍ واستحبابٍ وليس بفرض، عند أكثرِ الفقهاء، لأمورٍ وأدلَّةٍ أخرى في الموضوع. لكنَّ الكتابةَ أفضلُ وأحسنُ وأوثق، كما مرَّ في الآية. وصاحبُ الدَّيْنِ يحتاطُ لذلك، فإذا لم يكتبْهُ وحدثَ ما لا يُحمدُ فلا يلومنَّ إلا نفسَه.
ولا يضرَّ الكاتبُ فيكتبَ عقدَ الدَّينِ بخلافٍ ما يُملَى عليه.
ولا يضرَّ الشاهدُ فيُدليَ في شهادتهِ بخلافِ ما رأى أو سمع، أو يكتمَها.
كما أن الكاتبَ والشاهدَ لا يُجبَرانِ على الكتابةِ والشهادةِ إذا اعتذرا، وإذا فعلا فلا يتعرَّضانِ للضَّررِ من قبلِ العاقدينِ لأيِّ سببٍ من الأسبابِ الخلافيَّةِ بينهما.
واخشوا اللهَ في معاملاتِكم وخافوهُ وراقبوه، واتَّبعوا أمرَهُ واستقيموا عليه، فإن اللهَ يعلِّمُكم أحكامَهُ المتضمِّنةَ مصالحَكم، واللهُ عالمٌ بحقائقِ الأشياءِ ومصالِحها وعواقِبها، ولا يخفَى عليه حالُكم.

{وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة:283].
283- وإذا كنتُمْ مسافرينَ ولم يكنْ هناك كاتبٌ يكتبُ لكم عقدَ دَيْنِكم وبيعِكم، فليكنْ بدلَهُ رهنٌ يقبضهُ المرتهن، وهو صاحبُ الحقّ.
فإذا أَمِنَ بعضُكم بعضاً ووثقَ به ولم يرتهنِ الدائن، فليؤدِّ المَدينُ دَيْنَهُ الذي أؤتمنَ عليه، وليخْشَ اللهَ في ذلكَ فلا ينقصْ ولا يزد.
ولا تكتموا الشهادةَ عند التقاضي، فإنها أمانة، ومن كتمَها فقد فجرَ وباءَ بالإثم، واعتُبِرَ كتمانُها كتزويرها، فلا فرقَ بين إخفائها أو قولها على غيرِ حقيقتها.
والله عليمٌ بما تُكنُّهُ القلوب، خبيرٌ بما تُخفيه، ويجزي كلاًّ بما يستحقّ، إنْ خيراً، أو شرًّا.

{للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [البقرة:284].
284- إن كلَّ ما في السماواتِ والأرضِ مُلكٌ لله، وهو مطَّلعٌ على جميعِ ما فيها، خبيرٌ بحركاتِها وسكناتِها، مهما خفيتْ وصَغُرت، عليمٌ بما نفوسِكم أيها البشر، إن أظهرتموهُ أو كتمتموه، وسوفَ يحاسبُكم على كلِّ ذلك، ثم يغفرُ لمن شاءَ منكم، ويعذِّبُ من شاء، واللهُ لا يُعجزهُ شيء، وهو قادرٌ على ما يشاء.
وفي هذا تخويفٌ شديد، وترهيبٌ مُخيف، فإن المحاسبةَ على السيِّءِ من الأعمالِ القلبيةِ ليس في صالحِ النفسِ البشريَّةِ مهما كانتْ مؤمنةً صالحة، فلا يمكنُ الاحترازُ عن كثيرٍ من هذه الأعمال. وهذا الذي دفعَ الصحابةَ -رضي اللهُ عنهم- إلى أن يراجعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك؛ لتقواهم وشدَّةِ إيمانهم، وقالوا: "كُلِّفنا من الأعمالِ ما نُطيق، الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أُنزلتْ عليكَ هذه الآيةُ، ولا نطيقُها".
فنهاهم رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أن يكونوا مثلَ أهلِ الكتابينِ وقولهم "سمعنا وعصينا"، وأمرهم أن يقولوا: "سمعنا وأطعنا غفرانكَ ربَّنا وإليكَ المصير".
فقالوا ذلك، فنزلتِ الآيةُ التاليةُ ناسخةَ لها، وفيها قولهُ تعالى: {رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ}. فاستجابَ لهم ربُّهم، وقال: "قد فعلت". كما في صحيحِ مسلمٍ وغيره.
وفي الحديثِ الذي رواهُ البخاريُّ وغيره: "إن اللهَ تجاوزَ عن أمَّتي ما حدَّثتْ به أنفُسَها ما لم تعملْ أو تتكلَّم".
وفي الآيةِ تذكيرٌ للمؤمنينَ بما يمكنُ أن يُحاسَبوا عليه حتى يزيدوا من معالجةِ تربيةِ أنفسِهم ويحافظوا على تزكيتِها باستمرار، ويطلبوا منه العفوَ والمغفرةَ دائماً. وفي التاليةِ بيانٌ لفضلِ الله عليهم وتجاوزهِ عن ذلك.

{آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ} [البقرة:285].
285- إن الرسولَ محمّداً -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنونَ كلَّهم آمنوا إيماناً شاملاً كاملاً، فآمنوا باللهِ الواحدِ الأحد، وآمنوا بملائكتهِ الذينَ ذكرهم اللهُ ورسوله، وآمنوا بما أُنزلَ من كتب، وآمنوا بالرسلِ جميعاً، وليس ببعضهم كما فعلَ اليهودُ وغيرهم، وهم جميعاً عبيدُ اللهِ صادقونَ موحى إليهم.
وقالوا جميعاً مؤمنينَ مستسلمين: سمعنا قولكَ يا ربَّنا وعقلناه، وأطعنا ما فيه وامتثلناه، فاغفرْ لنا يا ربَّنا ذنوبَنا وتقصيرَنا، فإن إليكَ مآبَنا ومرجِعَنا يومَ الحساب، فلا ملجأ منكَ إلا إليك، ولا نجاةَ من عقابِكَ إلا بغفرانك.

{لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة:286].
286- لا يكلِّفُ اللهُ نفساً فوق طاقتها، فلا يؤمَرُ أحدٌ بأمرٍ لا يقدرُ عليه، فلها ثوابُ ما عملتْ من خير، وعليها عقوبةُ ما اكتسبتْ من شرّ.
وقالوا: ربَّنا سامحنا واعفُ عنّا إذا تركنا أمراً أو ارتكبنا محظوراً نسياناً لا عن قصد، أو أخطأنا الصوابَ في العملِ جهلاً منا بالوجهِ الشرعيّ.
وفي الحديثِ الصحيحِ الذي مرَّ أن اللهَ استجابَ دعاءَ عبادهِ المؤمنينَ في ذلك وقال: "نعم".
وقالوا: ربَّنا ولا تكلِّفنا بالأعمالِ الشاقَّةِ كما كلَّفْتَ به أمماً ماضية، مثلَ بني إسرائيل، الذين كانوا يعصونَ المرَّةَ تلوَ الأخرى، فيعاقبُهم اللهُ بمزيدٍ من التكاليف.
ودَعَوا فقالوا: واعفُ عنّا يا ربَّنا تقصيرَنا وزَلَلنا، واغفرْ لنا ما اقترفنا من ذنوبٍ وسيِّئات، فإنه لا يغفرها إلا أنت، وارحمنا برحمتِكَ الواسعة، وتولَّنا بحفظِكَ ورعايتِك، فأنتَ وليُّنا وناصرُنا، نستعينُ بكَ ولا نتوكَّلُ إلا عليك، واكتبْ لنا التأييدَ والنصرَ على هؤلاءِ الكفّارِ الذين جحدوا دينك، وأنكروا وحدانيتك، وكفروا برسالةِ نبيِّك، وأشركوا في عبادتك، فانصرنا وأنتَ خيرُ الناصرين.
فاستجابَ اللهُ لهم.
والآيتانِ الأخيرتانِ من هذه السورةِ العظيمةِ فيهما خيرٌ كثيرٌ لمن قرأهما، وفي فضلِهما أحاديث، منها قولهُ صلى الله عليه وسلم: "من قرأ بالآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ في ليلةٍ كفتاه". رواهُ الشيخانِ وغيرُهما.
يعني كفتاهُ عن قيامِ تلك الليلة، أو كفتاهُ المكروه... وذلك لما فيهما من اعتقادٍِ شامل، ومن الثناءِ على الصحابةِ بجميلِ انقيادهم إلى الله، وابتهالِهم، ورجوعِهم إليه، وما حصلَ لهم من الإجابةِ إلى مطلوبه. كما ذكرَهُ شرّاحُ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 13 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
(الحلقة الحادية عشرة)

سورة آل عمران
(الآيات 1-34)
بسم الله الرحمن الرحيم
{الم} [آل عمران:1]
1 - حروفٌ مقطَّعة، لم يردْ في تفسيرِها خبرٌ ثابتٌ صحيح، فاللهُ أعلمُ بمرادها.

{اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ} [آل عمران:2]
2 - هو اللهُ الواحدُ الأحد، ذو الحياةِ الحقيقيَّةِ الدائمة، فلا بدايةَ لها ولا نهاية، فهو دائمُ الوجود، قائمٌ بتدبيرِ الكونِ كلِّه، لا حركةَ له ولا حياةَ لمن فيه بدونه.

{نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [آل عمران:3]
3 - أنزلَ اللهُ عليكَ القرآنَ بالحقِّ أيُّها النبيُّ محمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- يصدِّقُ الكتبَ السماويَّةَ السابقة، بما أخبرتْ به وبشَّرت، من ذلك إرسالُكَ نبيَّا خاتماً، وأنزلَ التوراةَ على موسى، والإنجيلَ على عيسى، عليهما الصلاةُ والسلام.

{مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ} [آل عمران:4]
4- أنزلهما قبلَ القرآن، ليهتديَ بهما الناسُ في زمانِهما، وأنزلَ القرآنَ ليكونَ فرقاناً بين الحقِّ والباطل، وبياناً لما كان في الكتبِ السابقةِ من حقّ، وتنبيهاً لما فيها من باطل، بما فيه من آياتٍ بيِّنات، ودلائلَ واضحات.
والذين كفروا بآياتِ الله، فجحدوا بها وأنكروها، أو انحرفوا عنها فزوَّروها وأوَّلوها على غيرِ وجهِها الحقّ، لهم عذابٌ مؤلمٌ قاسٍ يومَ القيامة. وهو عزيزٌ لا يُغالَب، يفعلُ ما يشاء، ويحكمُ ما يريد، ينتقمُ ممن كذَّبَ بآياته، وخالفَ أنبياءَه.

{إِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ} [آل عمران:5]
5 - ولا يخفى على اللهِ شيءٌ من الأشياء، في السماواتِ والأرض، مهما دقَّتْ وصَغُرت، وعلمهُ بالماضي والحاضرِ والمستقبلِ شاملٌ مطلق.

{هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران:6]
6 - وهو الذي يخلقكمْ في أرحامِ أمَّهاتِكم كما يشاء، من ذكرٍ أو أنثى، وحَسَنٍ وقبيح، وتامٍّ وناقص، وميزةِ كلِّ واحدٍ وخصائصه، بمشيئتهِ وإرادتهِ النافذة. فهو وحدَهُ الخالقُ المصوِّر، لا يشركهُ في أمرهِ أحد، فهو وحدَهُ المستحقُّ للعبادة، له العزَّةُ والحكمة، والأمرُ والتدبير.

{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلْبَابِ} [آل عمران:7]

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361293
7- هو الذي أنزلَ عليكَ هذا القرآنَ العظيم، فيه آياتٌ مُحْكَماتٌ واضحاتٌ يعرفُ معناها الناس، لا اشتباهَ في معناها ودلالتِها، وفي بعضهِ الآخرِ آياتٌ مُتشابهاتٌ غيرُ واضحات، فمن كان في قلبهِ شكٌّ وانحرافٌ وضلال، فإنهم يتركونَ الأصولَ الواضحةَ المُحكمةَ الدقيقة، ويجرونَ وراءَ ما تشابهَ من الآيات، وقصدُهم من ذلك إحداثُ بلبلةٍ، وإثارةُ خلاف، وإيهامُ أتباعِهم بأنهم على حقّ، وذلك بإنزالِ جزءٍ مما تدلُّ عليه هذه الآياتُ على معنىً أعمَّ، وتكبيرهِ بما يناسبُ ضلالهَم وعقيدتَهم الفاسدة. والحالُ أن تأويلَ الآياتِ المتشابهاتِ وتفسيرَها الحقيقيَّ مخصوصٌ باللهِ تعالى.
والذين وفَّقهم اللهُ من عبادهِ الراسخينَ في العلم، المتثبِّتينَ المتمكِّنين، يقولون: آمنا بالمتشابهِ أنه هو والمُحكَمُ من عند ربِّنا، لا مخالفةَ بينهما، كلُّ واحدٍ منهما يصدِّقُ الآخرَ ويشهدُ له، وأن معناهُ الحقَّ هو على مرادهِ تعالى.
ويجوزُ أن يكونَ في القرآنِ تأويلٌ استأثرَ اللهُ بعلمهِ ولم يُطْلِعْ عليه أحداً من خلقه، كما استأثرَ بعلمِ الساعةِ وغيرها. والخَلْقُ متعبَّدونَ في المتشابهِ بالإيمانِ به، وفي المحكمِ بالإيمانِ به والعمل. أفادَهُ البغويّ.
وما يذكرُ هذا حقَّ التذكُّر، ولا يتَّعظُ بما في القرآن، ولا يفهمُ ويتدبَّرُ معانيَ الآياتِ على وجهِها، إلا الألبّاءُ والأسوياءُ من ذوي العقولِ الراجحةِ المستقيمة، الذين لا يزيغونَ ولا يتَّبعونَ الأهواء.

{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ} [آل عمران:8]
8- ويقولُ هؤلاءِ الراسخونَ في العلم، ويقولُ معهم كلُّ مؤمن: اللهمَّ إنا نسألُكَ ألاّ تُميلَ قلوبَنا عن الحقِّ والهُدَى بعد أن أقمتَها عليه، ولا تجعلنا مثلَ الذين في قلوبهمْ زيغٌ فيتَّبعونَ ما تشابهَ من القرآنِ ويذَرونَ محكمه، وأعطِنا من عندِكَ رحمةً واسعةً تثبِّتُ بها قلوبَنا على الهُدَى والصراطِ المستقيم، فأنتَ الواهبُ المُنعم، الهادي إلى الهُدَى والإيمان.

{رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ المِيعَادَ} [آل عمران:9]
9- ويقولونَ في دعائهم أيضاً: اللهمَّ إنكَ ستجمعُ الناسَ في يومٍ لا شكَّ فيه، هو يومُ الحسابِ ويومُ الجزاء، لتفصلَ بينهم وتجزيَ كلاًّ بما عمل، ووعدُك الحقّ، فلا تُزِغْ قلوبَنا، وارحمنا.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ} [آل عمران:10]
10- إن هؤلاءِ الكفّارَ لن تُفيدَهم أموالُهم التي جمعوها وكنزوها في الدنيا لتفكَّ رقابَهم من النارِ يومَ القيامة، ولا يقدِرُ أولادُهم أن ينتصروا لهم في ذلك اليومَ ويُنقذوهمْ من عذابِ اللهِ كما كانوا يفزعونَ إليهم في الحياةِ الدنيا، بل إن عاقبتهمْ أن يكونوا حطبَ النارِ وحَصَبها التي تُسْعَرُ بهم.

{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ العِقَابِ} [آل عمران:11]
11- وهذا كصنيعِ آلِ فرعونَ ومَنْ قبلهم من الأممِ الكافرةِ، من الكفرِ والتكذيبِ بما جاءَ به أنبياءُ الله، عندما حاربوهم واستهزؤوا بهم ونبذوا ما جاؤوا به وراءَ ظهورهم، واللهُ شديدٌ في عقابهِ لهؤلاءِ الكفّارِ وأمثالهم.

{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ} [آل عمران:12]
12- قل – أيها النبيُّ – لليهودِ والمشركين: سوفَ تُهزَمونَ وتَخْسَرونَ في قتالِكمْ ضدَّ المسلمين، كما كانَ الأمرُ في غزوةِ بدر.
وفي حديثٍ حسنٍ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ لليهود: "يا معشرَ يهود، أسلِموا قبلَ أن يصيبَكمْ مثلَ ما أصابَ قريشاً". لكنهم أبوا وتحدَّوا، فأنزلَ اللهُ في ذلكَ الآية.
وصدقَ اللهُ وعده، بقتلِ بني قريظة، وإجلاءِ بني النَّضير، وفتحِ خيبر، وضربِ الجزيةِ على مَنْ عداهم.
وسوفَ تُقادونَ جميعاً إلى جهنَّم، ويا لهُ من مهجعٍ سيِّءٍ فظيع!

{قَدْ كَانَ لَكُمْ آَيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ العَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ} [آل عمران:13]
13- أيُّها الكفّار، من مشركينَ ويهود، يا من اغترُّوا بعَدَدِهم وعُدَدهم، لقد بدا لكم في وضوحٍ تامٍّ كيف أظهرَ اللهُ دينه، ونصر نبيَّه، في غزوةِ بدر، عندما التقتْ طائفتانِ في المعركة، طائفةٌ مسلمةٌ تقاتلُ تحت رايةِ لا إلهَ إلا الله، وطائفةٌ كافرةٌ تقاتلُ في سبيلِ الطاغوت.
ومع أن عددَ الكفّارِ كان ثلاثةَ أضعافِ عددِ المسلمين، إلا أنهم كانوا يرونهم – في رأي العين – ضعفيهم، عند التحامِ القتال، وكانوا أوَّلاً يرونهم أقلَّ من ذلك. كما بدوا للمسلمينَ أقلَّ ممّا هم عليه، وقد عَرفوا من قبلُ أنهم أكثرُ منهم؛ ليتَّجهَ المسلمونَ إلى ربِّهم ويطلبوا منه النصر، ثم يقوِّيَ عزائمَهم ويربطَ على قلوبهم، وليُلقيَ الرُّعبَ في قلوبِ أعدائهم.
قال ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنه: نظرنا إلى المشركينَ فرأيناهم يضعفونَ علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يَزيدونَ علينا رجلاً واحداً!
وقال في موضعٍ آخر: لقد قُلِّلوا في أعينِنا حتى قلتُ لرجلٍ إلى جانبي: تراهم سبعين؟ وكانوا نحوَ الألف.
فاتَّجهَ المجاهدونَ إلى ربِّهم يطلبونَ منه العونَ والتأييد، وأحسنوا توكُّلَهمْ عليه، ودبَّ الخوفُ والرُّعبُ في قلوبِ المشركين، وأيَّدَ اللهُ الفئةَ المسلمةَ فانتصرت.
وفي ذلكَ عِبرةٌ لمن أرادَ أن يَعتبر، فإنهُ قادرٌ على نصرِهم مرَّةً أخرى. فآمنوا، ولا تخسروا الدنيا والآخرة.

{زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالبَنِينَ وَالقَنَاطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالخَيْلِ المُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ المَآَبِ} [آل عمران:14]
14- لقد زُيِّنَ في نفوسِ الناسِ مُشتهَياتٌ مُستحبَّةٌ مُستلذَّة، من النساءِ اللواتي لا صبرَ للرجالِ بدونهن، والرغبةُ فيهنَّ للشهوةِ والعِفَّة، والسكَنِ والرحمة، والودِّ والولد.
ومن البنين، حيث التفاخرُ والنسلُ والزينة.
والمالِ الكثير، من الذهبِ والفضَّة، الذي قد يكونُ تكديسهُ للخيلاءِ والتكبُّرِ والسيطرة، وقد يكونُ تخزينهُ وتنميتهُ ليُنفقَ في وجوهِ الخيرِ والطاعة.
والخيولِ المحجَّلةِِ الحِسان، التي قد تُقتنى للقتال، أو للهوايةِ والرياضة، فهي زينةٌ مشتهاةٌ على كلِّ حال.
والأنعام، من إبِلٍ وبقرٍ وغنم.
والأراضي الزراعيةِ والحدائقِ والحقول، التي تزوِّدُ الإنسانَ بالقوتِ والطعام، وتدرُّ عليه المالَ الوفير.
وهذه الشهواتُ كلُّها من متاعِ الدنيا ولذائذِها المحبَّبة، وهي من زهرتِها الذابلة، وزينتِها الزائلة، فهي إلى فناءٍ قريباً، وإلى حسابٍ مستقبلاً.
والذي عند اللهِ من اللذَّةِ والنعيمِ المقيم، وأكبرُ من ذلك رضوانُ الله، هو خيرٌ من ذلك كلِّه.

{قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ} [آل عمران:15]
15 – فهل علمتُمْ ما هو خيرٌ من هذه الشهواتِ الفانية، ولو كانتْ مما يعجبُ الإنسانَ ويتمسَّكُ بها؟
إنه من نصيبِ عبادِ اللهِ المتَّقين، الذين آمنوا باللهِ وقاموا بالأعمالِ الصالحة، فهؤلاءِ لهم عند ربِّهم جِنانٌ جميلة، واسعةٌ رائعة، تجري من تحتها جداولُ المياهِ والأنهارُ العذبة، ومنها ما يجري بالعسلِ واللبنِ وأنواعِ الأشربة، وفيها ما لم يرَهُ الإنسانُ وما لم يسمعْ به، مع حياةٍ دائمةٍ هنيئة، لا نغصَ فيها ولا انقطاع.
ولهم فيها أزواجٌ مطهّراتٌ من الأذَى الذي يعتري نساءَ الدنيا، وحورٌ عينٌ جميلاتٌ محبَّباتٌ إلى النفوس، وفوق كلِّ ذلك رضوانُ الله، فلا سخطَ عليهم بعَدهُ أبداً.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361293
واللهُ بصيرٌ بأعمالِ عبادهِ ونيّاتهم وتوجُّهاتِهم في الدنيا، خبيرٌ بميولهم ونوازعهم. وهو يعطي كلاًّ بحسبِ ما عملَ واجتهدَ وأخلص.

{الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران:16]
16 – وعبادُ اللهِ المؤمنونَ المتَّقونَ هم الذين يدعونَ ربَّهم ويقولون: اللهمَّ إننا آمنّا بكَ وبكتابِكَ وبرسولك، فاغفرْ لنا ذنوبنا، وتجاوزْ عن سيِّئاتِنا، فإنه لا يغفرُها إلا أنت، ولا إلهَ لنا غيرُك، واصرفْ عنا عذابَ النار.

{الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالقَانِتِينَ وَالمُنْفِقِينَ وَالمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ} [آل عمران:17]
17 – وهم أيضاً عبادُ اللهِ الصابرون، الذين يَثبتونَ على التكاليفِ الشرعية، فيُطيعونَ اللهَ بما أمرهم، ويتركونَ المحرَّمات. ويستسلمونَ لحكمِ اللهِ ويرضونَ به، وإن ذلكَ من عزمِ الأمور.
والصادقونَ الذين لا يرضونَ عن الحقِّ بديلاً، ويعتزُّون به، ويقاتلونَ في سبيله.
والقانتونَ الذين يقومونَ بواجبِ العبوديةِ لربِّهم، ولا يركعونَ إلا له، ولا يسجدونَ لغيره.
والمنفقونَ الذين لا يبخلونَ بما أنعمَ اللهُ عليهم، ويتفقَّدونَ المساكينَ واليتامَى وأهلَ الحاجة، فيعطونهم مما أعطاهمُ الله.
والمستغفرونَ في وقتِ السَّحرِ وقد نامَ الناس، فيلتجئونَ إلى اللهِ ويطلبونَ منه العفوَ والغفران.
وجزاءُ هؤلاءِ جميعاً خيرٌ من كلِّ ما زُيِّن للناسِ من الشهواتِ المستلذّاتِ في الدنيا، ورضوانُ اللهِ عليهم أكبرُ من ذلك كلِّه، فهو أجلُّ من كلِّ شهوة، وخيرٌ من كلِّ متاع، وأعظمُ من كلِّ أمنيَّةٍ كان يتمنّاها الإنسان.

{شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالمَلَائِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِمًا بِالقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران:18]
18 – لقد شهدَ الله، وكفى به شهيداً، أنه الإلهُ الواحدُ الأحد، إلهُ الخلقِ كلِّهم، فالكلُّ له عبيد، وهو عنهم غنيّ، وشهدتْ ملائكتهُ بوحدانيته، وكذا العلماءُ الراسخون، في تصديقٍ وطاعةٍ واتِّباع.
وهي شهادةٌ أيضاً بقيامِ اللهِ سبحانَهُ بالعدلِ والقسطِ في تدبيرِ الكونِ وحياةِ الناس، فلا يَظلمُ أحداً، سبحانَهُ وتعالى، لا إلهَ غيره، ولا ربَّ سواه، ولا أعدلَ منه، وهو ذو العزَّةِ والعظمة، الحكيمُ في كلِّ ما يفعلُ ويَشرَعُ ويقدِّر.

{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ} [آل عمران:19]
19 – والدِّينُ عند اللهِ الإسلام، وهو ما أُرسِلَ به جميعُ الأنبياء، وهو الذي يجبُ أن يتَّبعَ عند إرسالِ أيِّ رسول، حتى خُتِمَ بهمْ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، فلا يُقبَلُ من أحدٍ دينٌ بعد بعثتهِ صلى الله عليه وسلم سوى دينِ الإسلام. والدينُ عند اللهِ هو الاستسلامُ لدينه، واتِّباعُ حُكمه، وطاعتُهُ كما أمر.
وما اختلفَ أهل الكتابِ وما تنازعوا إلا بعد أن جاءهمُ العلمُ وقامتْ عليهم الحجَّةُ ووضحَ أمامهم الطريق، بإرسالِ الرسلِ إليهم، وإنزالِ الكتبِ عليهم، فتركوا الأدلةَ الواضحة وتخلَّوا عن العقيدةِ الصحيحةِ والشريعةِ المُحْكَمة، ولا زموا جانبَ الخلافِ والجدال، والمخاصمةِ واللجاجة، اعتداءً وظلماً، وحسداً وتباغضاً ، وعناداً واستكباراً، حتى صاروا يخالفُ بعضُهم بعضاً قصداً ونكايةً ولو لم يعرفوا حقيقةَ الأمر!
وإنَّ مَنْ جحَدَ شيئاً من آياتِ الله، وأنكرَ وحدانيته، ونبذَ دينَه الحقّ، فسوفَ يحاسبهُ اللهُ على تكذيبهِ هذا، ويعاقبهُ على مخالفةِ كتابه، وهو سريعُ الحساب، وشديدُ العقاب، وخاصَّةً لمن كفرَ بعد معرفةِ الحق.

{فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلَاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالعِبَادِ} [آل عمران:20]
20 – فإذا خاصمكَ المشركونَ وأهلُ الكتاب، وجادلوكَ في عقيدةِ الإسلامِ التوحيديةِ الصافية، فقلْ لهم: لقد استسلمتُ لطاعةِ ربِّي، وخضعتُ لأمره، واتَّبعتُ وحيه، وأخلصتُ عبادتي له وحدَهُ لا شريكَ له، ومن اتَّبعني من الناسِ كان مسلماً وقالَ كما قلت.
وقلْ لأهلِ الكتابِ والمشركينَ في دعوتِهم إلى دينِ التوحيد: أأسلمتُمْ وأقررتُمْ بتوحيدِ الله، والإيمانِ بألوهيَّتهِ للخلقِ أجمعين، وتحاكمتُمْ إلى كتابه؟
فإذا أسلموا واتَّبعوكَ فقد اهتدوا إلى الدينِ الصحيح، وإذا أبَوا وعاندوا وآثروا الشركَ والكفرَ على دينِ الإسلام، فما عليكَ أكثرُ مما بلَّغتَ وبيَّنتَ لهم الدينَ الحقّ، ولا تَقْدِرُ على سَوْقِ قلوبِ الناس إلى الإسلام، إنما مرجعهمْ وحسابهمْ على الله، وهو عالمٌ بأمرِ عباده، بصيرٌ بمن يستحقُّ الهدايةَ ممَّن يستحقُّ الضلالة.

{إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران:21]
21 – إنَّ الذين كفروا بدينِ اللهِ وما أنزلَهُ من آياتٍ بيِّناتٍ، فأثروا الكفرَ على الإيمان، وارتكبوا المآثمَ بتكذيبهم رسله، وخالفوهم استكباراً وعناداً، ولم يكتفوا بهذا، بل قتلوا بعضَ أنبياءِ اللهِ الكرام، ولا جريمةَ لهم في ذلك سوى دعوتِهم إلى الحقّ! ثم شهروا السيفَ ضدَّ كلِّ من صارَ يأمرُهم بالعدلِ واتِّباعِ الصراطِ المستقيم، وينهاهُم عن المنكرِ والبغي والجهالة، مادامَ ذلك لا يوافقهم أهواءهم وضلالاتهم، تكبُّراً واستعلاءً على الحقِّ والهُدَى. إذاً فبشِّرْهُمْ بذلَّةٍ وصَغار، وعذابٍ قريبٍ ينالهم.

{أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران:22]
22 – لقد بَطَلَ ثوابُ جميعِ ما عملوا من أعمالٍ في الدنيا، ولو بدا بعضُها حسناً وكبيراً،وذلك لكفرِهم وعنادِهم وإيثارِهم الباطلَ على الحقّ، وقد فقدوا الميزانَ الحقيقيَّ الذي يحكمُ على الأعمالِ فيبيِّنُ خيرَها من شرِّها، ولن يكونَ لهم ناصرٌ ينصرهم من بأسِ الله، ولا مؤيِّدٌ يومَ القيامةِ يُخرجهمْ من العذابِ المُهين.

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ} [آل عمران: 23]
23 – ألا تنظرُ إلى هؤلاءِ الذين أوتوا حظاً من التوراةِ والإنجيل، من اليهودِ والنصارى، إذا دُعوا إلى التحاكمِ إلى ما فيهما من طاعةِ الله، ومن بينها اتِّباعُ الرسولِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أعرضَ قسمٌ منهم مخالفةً وعناداً، وإصراراً على الباطل، وكأنهم ليسوا أهلَ كتاب، فلا يُهمُّهم العملُ بما فيه؟!

{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [آل عمران:24]
24 – فإذا عُيِّروا بهذه المخالفةِ وقيلَ لهم إنها جرأةٌ ومعصيةٌ منكرة، ويترتَّبُ عليها عقابٌ عظيمٌ من الله، هوَّنوا من إقدامهم على هذا الفعلِ المنكر، وافترَوا على اللهِ الكذب، بقولهمْ إنهم سيعذَّبونَ أياماً قليلةً في النار، ثم يخرجونَ منها إلى الجنة. ومثلُ هذا الذي منَّوا به أنفسَهم أبقاهُم على دينهم الباطل، وهو ما لم يُنزلِ اللهُ به سلطاناً، إنما هو كذبٌ وافتراء.

{فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:25]
25 – فلينتظروا ذلك اليومَ الحقَّ الذي نجمعهم فيه للحساب، ونعطي كلَّ نفسٍ نصيبَها من العقاب، ولن يُظلموا، وكفى بالنارِ موئلاً وعذاباً لمن عصى وأبى.

{قُلِ اللهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:26]
26 – قلْ يا رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم): اللهمَّ لكَ الملكُ كلُّهُ بلا شريك، أنتَ وحدَكَ المتصرِّفُ فيه، وتؤتي فيه ما تشاءُ لعبادك، مُلكاً مُعاراً مُؤقَّتاً، فأنتَ صاحبهُ وتفعلُ فيه ما تريد، فتسلبُهُ ممَّن تشاءُ عندما تشاء، لا أحدَ يقدرُ أن يمنعَ ويقولَ لا، فأنتَ مالكهُ وصاحبه.

وتجعلُ من تشاءُ من عبادِكَ عزيزاً كريماً مهاباً، وتجعلُ من تشاءُ منهم ذليلاً صاغراً مهيناً، بالقسطِ والعدل، فميزانُ الحقِّ والخيرُ كلُّهُ بيدك، وكلُّ شيءٍ عندكَ بميزان، والخيرُ كلُّه بيدِكَ وفي ملكك، وأنتَ قادرٌ على كلِّ شيء، فتُعطي من تشاء، وتمنعُ من تشاء، وما شئتَ كان، وما لم تَشَأ لم يكن.

{تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وَتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران:27]
27 – ومن آياتِكَ العظيمةِ في الطبيعةِ يا ربّ، أن تجعلَ حركةَ الضياءِ والظُّلمةِ على مثالِ ما يراهُ الإنسانُ من إعجاز، فتجعلُ الضياءَ في النهارِ وتقلِّلُ منه حتى يدخلَ في ظلمةِ المساءِ الخفيفة، ثم يأتي الظلامُ فتَخِفُّ ظلمتهُ شيئاً فشيئاً ويدخلُ في نورِ النهار، وتأخذُ من طولِ النهارِ لتزيدَهُ في قصرِ الليلِ حتى يعتدلا، ثم العكس، حتى تكتملَ دورةُ الفصول.

وأنتَ الذي تٌخرجُ الحيَّ من الميِّت، وتُخرجُ الميِّتَ من الحيّ، فتُخرجُ الحبوبَ من الزروعِ والزروعَ من الحبوب، وتخرجُ الدجاجةَ من البيضةِ والبيضةَ من الدجاجة، وتُميتُ أشياءَ لتكونَ مادَّةً لحياةٍ أخرى في الإنسانِ والكون، وهكذا في حركةٍ دائمة، لا يدَّعي أحدٌ أنه قادرٌ على مثلِها، كما لا يقدرُ عاقلٌ أن يقولَ إنه مصادفةٌ من غيرِ تدبيرٍ وتقدير.

وإذا عرفَ الإنسانُ أنَّ كلَّ ما في الكونِ مُلكٌ لله، وأن ما يجري فيه من عزٍّ وذُلٍّ، وحياةٍ وموت، بمشيئهِ وتقديره، فليعلمْ أنه هو وحدَهُ الذي يرزقُ من يشاءُ بما يشاء، فلا أحدَ يقدرُ أن يمنعَ نعمَهُ من أحد، ولا أن يُعطيَ من يمنعه، فهو صاحبُ المشيئة والإرادة، وهو العادلُ الذي لا يظلم.

{لَا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ المُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ المَصِيرُ} [آل عمران:28]
28 – لا يحلُّ لأحدٍ من المسلمينَ أن يُواليَ كافراً ويحبَّهُ من دونِ المؤمنين، فمن فعلَ ذلك فقد مالَ قلبهُ إلى الكافرِ وفضَّلَهُ على المؤمن، وهو بهذا العملِ ليسَ من اللهِ في شيء، فهو منقطعُ الصلةِ منه، بعيدٌ عنه، بريءٌ منه. إلا مَنْ خافَ منهم فاتَّقى شرَّهم، في بلدانٍ وأوقاتٍ معيَّنة، بظاهرِ لسانهِ لا بقلبه، فإذا زالَ الخوف، زالتِ التقيَّة.
وإن اللهَ يحذِّركمْ نقمتَهُ وغضبه، فإن العذابَ سينالُ مَن والَى أعداءَهُ وعادَى أولياءه، وإنَّ مصيرَكم جميعاً إلى الله، ولسوفَ يُجازي كلاًّ بما عمل.

{قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:29]
29 - وقلْ: إنكمْ إنْ أخفيتُمْ ما في قلوبِكم من مودَّةِ الكفار، أو أبديتُمْ موالاتَكم لهم قولاً وفعلاً، فإن اللهَ عالمٌ بالسرائرِ والظواهر، لا يخفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماء، وهو قادرٌ على عقوبتِكم إن لم تنتهوا عما نهاكمْ عنه، وقادرٌ على كلِّ شيء. فاتَّقوا الله، ولا ترتكبوا ما منعكم منه.

{يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَءُوفٌ بِالعِبَادِ} [آل عمران:30]
30 – وفي يومِ الحسابِ يرى كلُّ عبدٍ أعمالَهُ أمامَهُ من خيرٍِ وشرّ، لم ينقصْ منها شيء، فيُسَرُّ ويفرحُ بالخير، ويندمُ ويتحسَّرُ على ما اقترفَ من شرّ، ويودُّ لو أن بينَهُ وبين يومِ القيامةِ يوماً بعيداً لا يصلُ إليه.
وإنَّ اللهَ يخوِّفكمْ حسابَهُ وعقابه، وهو كذلك رؤوفٌ بكم واسعُ الرحمة. ورحمتهُ لا تمنعُ عقابَ ما حذَّركمْ منه، وتحذيرهُ لا يعني رفعَ الرحمةِ عنكم، لكنَّ كليهما متحقِّقان. فاحذروا، ولا تيأسوا، واعملوا الخيرَ وأبشروا.

{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران:31]
31 – وقلْ: إذا كنتُمْ تحبُّونَ اللهَ حقّاً فاتَّبعوني واسلكوا طريقي، وأطيعوا ما آمركمْ به، فإذا فعلتُمْ ذلك فقد حصلَ لكمْ جزاءُ طلبكم، وهو محبَّةُ اللهِ لكم ورضاهُ عنكم، ومن ثمَّ مغفرتهُ لذنوبكم، فإنه كثيرُ المغفرة، واسعُ المرحمة.

{قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الكَافِرِينَ} [آل عمران:32]
32 – وقل: أطيعوا اللهَ بما يأمركم، واتَّبعوا الرسولَ محمَّداً (صلى الله عليه وسلم) في جميعِ ما يبلِّغكمْ من أمرٍ ونهي، لتفوزوا برضَى اللهِ وعفوه، فإذا أبوا ورضوا بالكفرِ والضلال، فإنَّ اللهَ يبغضهم ويسخَطُ عليهم، ويعدُّ لهمْ ما يستحقُّونَهُ من عقاب.

{إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى العَالَمِينَ} [آل عمران:33]
33 – لقد اختارَ الله لحملِ رسالةِ الإسلامِ وتبليغِ دعوتهِ آدم، ونوحاً، وآلَ إبراهيم، وآلَ عمران، من بين سائرِ الناس.
فآدمُ خلقَهُ بيدهِ وأسجدَ له ملائكته، ونوحٌ جعلَهُ أوَّلَ رسولٍ إلى أهلِ الأرض، وآلُ إبراهيمَ منهم صاحبُ الملَّةِ الحنيفيَّةِ خليلُ اللهِ إبراهيمُ نفسه، ومحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم من ذرِّيته، وهو أفضلُ الخلقِ وأكرمُهمْ على الله، وخاتمُ أنبيائه، وآلُ عِمران، وعِمرانُ والدُ مريمَ أمِّ عيسى، نبيِّ اللهِ الكريم. إليها.

{ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران:34]
34 – وهؤلاءِ ذَرِّيةٌ مباركةٌ بعضُها من بعضٍ في الدينِ والتناصر، يجمعهم وحدةُ العقيدة، وتبليغُ الرسالة، والدعوةُ إلى الحقّ.

وهو يسمعُ من عبادهِ ما يدعونَ به ويُسرُّونَ ويُظهرون، عليمٌ بهم وبأعمالهم، فيختارُ من يشاءُ منهم لحملِ رسالته.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 14 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة الثانية عشرة

سورة آل عمران
(الآيات 35-92)

{إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [آل عمران: 35].
35 – واذكرْ ما قالتْهُ أمُّ مريمَ زوجةُ عِمرانَ بعد أن حملتْ، قالت: اللهمَّ إني نذرتُ أن أجعلَ حَمْلي خالصاً لعبادتِك، متفرِّغاً لخدمةِ الكنيسةِ في بيتِ المقدس، فتقبَّلْ مني ذلك، فأنتَ الكريمُ المجيب، تسمعُ دعائي وتضرُّعي إليك، وتعلمُ صدقَ نيَّتي في ذلك.

{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36].
36 – فلما وضعتْ حَمْلَها قالت: اللهمَّ إني وضعتُها أنثى، واللهُ عالمٌ بما رُزقتْ به، قالت: وليسَ الذكرُ كالأنثى، في العبادةِ والقوَّة، والصبرِ على المشاقّ، وخاصَّةً في خدمةِ الكنيسة، التي نذرتْ أنْ تقدِّمَ حَملها لها. وكان الصبيانُ هم الذين ينهضونَ لمثلِ هذا وليس الإناث. قالت: وسمَّيتُها مريم، وقد عوَّذتُها وذرِّيتَها بكَ من شرِّ الشيطانِ المُبْعَدِ من رحمتك، وأودعتُها حمايتكَ ورعايتك.

{فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا المِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 37].
37 – فتقبَّلَ اللهُ نذرها جزاءَ إخلاصها، وربَّى مريمَ تربيةً حسنةً منذ نشأتها، ويسَّرَ لها أسبابَ القبول، وجعلَ نبيَّ اللهِ زكريّا كافلاً لها وأميناً عليها، وكان المسؤولَ الأوَّلَ في مركزِ العبادةِ ببيتِ المقدس، فتعلَّمتْ منه علماً جمّاً وعملاً صالحاً، فنشأتْ مباركةً مهيّأةً لأمرٍ جَلَل.
وكان زكريّا كلَّما دخلَ عليها في مكانِ عبادتِها وجدَ عندها طعاماً وفاكهة، فيعجبُ لذلكَ وهو نبيُّ الله، ويقولُ لها: من أينَ لكِ هذا الرزقُ يا مريم؟ فتقولُ في تواضعٍ وخشوعٍ وإيمان: هو من عند الله، وهو سبحانَهُ يعطي من يشاءُ بغيرِ حساب، فهو كريمٌ واسعُ الفضلِ جميلُ العطاء.

{هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} [آل عمران: 38].
38 – وعندما رأى زكريّا – عليه السلام – فيها هذا الصلاحَ والولايةَ والتعبُّدَ والقنوت، والإخلاصَ في الخدمةِ، تحرَّكَ في قلبهِ حبُّ الذرِّيةِ الصالحة، لتكونَ امتداداً له ولعمله، وكان شيخاً كبيراً قد وهنَ منه العظم، وزوجهُ كبيرةٌ عاقرٌ لا تُنجب، ومع ذلك لم ييأس، فاللهُ قادرٌ على كلِّ شيء. فدعا في استكانةٍ وخشوع، وقال بصوتٍ ضعيف: اللهمَّ إني أسألُكَ أن ترزقني ولداً صالحاً تَقَرُّ به عيني، وأنت تسمعُ مناجاتي بين يديك، وتضرُّعي إليك، ورغبتي في الذريَّة الطيِّبة.

{فَنَادَتْهُ المَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 39].
39 – فاستجابَ اللهُ دعاءه، ونادتْهُ الملائكةُ وهو يصلِّي في مجلسِ مناجاتهِ وصلاته: إن اللهَ يبشِّرُكَ بولدٍ من صُلبِكَ اسمهُ يحيى، يصدِّق بنبوَّةِ عيسى بنِ مريم، الذي وُجدَ بكلمةِ الله: كن. (فكانَ أوَّلَ مصدِّقٍ به) ويكونُ سيِّداً ورئيساً جليلاً في العلمِ والعبادة، قد حبسَ نفسَهُ عن الشهواتِ فلا يأتي النساء، ونبيّاً كريماً يوحَى إليه، من المشهورينَ بالصلاح.

{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [آل عمران: 40].
40 – قال زكريّا عليه السلامُ في تبتُّلٍ ومناجاةٍ وتشوُّق: يا ربّ، وكيفَ يصيرُ لي ولدٌ وقد أدركني كِبَرُ السنِّ وامرأتي عاقرٌ لا تُنجب؟
قال ذلكَ اعتداداً بنعمةِ الله، وتعظيماً لقدرتهِ وتعجيباً منها، لا استبعاداً.
فقال اللهُ له: هذا أمرُ الله، فلا يُعجزهُ شيءٌ ولا يتعاظمهُ أمر، ويفعلُ ما يشاءُ من الأمورِ الخارقةِ والصنائعِ البديعة.

{قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ} [آل عمران: 41].
41 – فقالَ زكريّا: أطلبُ منكَ يا ربِّي أن تجعلَ لي علامةً أستدلُّ بها على وقوعِ الحَمْلِ لأتلقّاهُ بالحمدِ والشكر.
فقال اللهُ له: علامةُ ذلك أنْ لا تستطيعَ النطقَ إلا إشارةً لمدَّةِ ثلاثةِ أيام، مع القدرةِ على الذِّكر، واذكرِ اللهَ كثيراً، فاشكرْهُ على هذه النعمة، ونزِّهْهُ كثيراً من وقتِ الظهرِ إلى مغيبِ الشمس، ومن طلوعِ الفجرِ إلى وقتِ الضُّحى.

{وَإِذْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 42].
42 – وقالتِ الملائكةُ لمريمَ عليها السلام: إن اللهَ اختارَكِ لكثرةِ عبادتكِ وشرفك، وجعلكِ طاهرةً عفيفةً كريمة، وفضَّلكِ على نساءِ العالم.

{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: 43].
43 – فأكثري العبادةَ لربِّكِ يا مريم، وداومي على طاعتهِ والخشوعِ له والخضوع، واسجدي له ونزِّهيه، واركعي له مع الراكعين، تمهيداً لأمرٍ عظيم.

{ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].
44 – وهذا الذي نقصُّ عليكَ أيُّها النبيُّ محمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) من خبرِ زكريّا ويحيى ومريم، هو من علمِ الغيبِ الذي نوحيهِ إليك، فما كنتَ تعلمُ هذا من قبل، وما كنتَ لدى القائمينَ على الكنيسةِ لتعرفَ ما الذي جرى بينهم من كلامٍ وخصومةٍ واقتراعٍ فيمن يكفلُ مريمَ بعد أن وَفَتْ أمُّها بنذرها ووضعتْها هناك، وذلك لرغبتِهم في الأجر، حتى قدَّرَ اللهُ أن يكفِّلها زكريّا عليه السلام، كبيرُهم وسيِّدُهم.

{إِذْ قَالَتِ المَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ} [آل عمران: 45].
45 – وهذا هو الأمرُ الجَلَلُ الذي فاتحتْ به ملائكةُ اللهِ مريمَ عليها السلام، فقالوا لها: إن اللهَ يبشِّرُكِ بولدٍ تلدينَهُ بأمرٍ من اللهِ وكلمةٍ منه، هي "كُنْ"، فيكون. اسمهُ المسيحُ عيسى بنُ مريم، نسبةً إلى أمِّهِ الصِّدِّيقة، حيث لا أبَ له. وسيكونُ ذا وجاهةٍ ومكانةٍ عند اللهِ في الدنيا والآخرة، فيجعلهُ نبيّاً عظيماً من أولي العزمِ من الرسل، ويُنزِّلُ عليه كتاباً جليلاً هو الإنجيل، وكذا سيكونُ في الآخرةِ ذا منزلةٍ عند ربِّه، فيشفَعُ عند اللهِ لمن يأذنُ له، ويقبلُ منه، وسيكونُ مُقَرَّباً عند اللهِ مع سائرِ إخوانهِ النبيِّين عليهمُ الصلاةُ والسلام.

{وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 46].
46 – وسيتكلَّمُ مع الناسِ وهو طفلٌ صغيرٌ في المهد، في معجزةٍ من اللهِ له، ويدعوهم إلى عبادةِ اللهِ وحده، كما يفعلُ ذلك وهو كهلٌُ كبير، بما يوحي إليه ربُّه، وسيكونُ من الصالحينَ المقبولينَ عند الله.

{قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 47].
47 – قالتِ العفيفةُ الطاهرةُ مريم: يا ربّ، وكيف يكونُ لي ولدٌ ولم يَقْرَبْني رجلُ؟
فقالتْ لها الملائكةُ عن اللهِ تعالى: هكذا أمرُ الله، لا يُعجزهُ شيء، فهو يخلقُ ما يشاءُ كيفما شاء، وفي أيِّ وقتٍ شاء، وإذا أرادَ شيئاً فإنما يُخْلَقُ بعد قولهِ "كن" فيكون، ولا يتأخَّر.
وتتأكَّدُ مريمُ من قدرةِ الله، وتزولُ حيرتها، ويطمئنُّ قلبُها.

{وَيُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ} [آل عمران: 48].
48- ويعلِّمُ اللهُ المسيحَ عيسى الكتابة، ويؤتيهِ الحكمة، فيُدركُ الصوابَ ويتبِّعه، ويضعُ الأمورَ في مواضعها، فيكونُ من العقلاءِ الأسوياءِ الألبَّاء، كما يعلِّمهُ التوراةَ التي أُنزلتْ على موسى عليه السلام، والإنجيلَ الذي نزَّلَهُ عليه، وكان يحفظُهما، والتوراةُ كانتْ أساسَ الدِّينِ الذي دعا إليه، والإنجيلُ تكملةٌ وإحياءٌ لها، مع مخالفةِ بعضِ الأحكامِ وتعديلٍ فيها، وهي قليلة.

{وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49].
49- ويجعلهُ رسولاً إلى بني إسرائيل، ويقولُ لهم مبيِّناً ما أيَّدَهُ اللهُ به من المعجزاتِ الباهرات: إني قد أتيتُ لكم بعلامةٍ ودليلٍ من ربِّكم لتعلموا أنِّي رسولهُ إليكم، فأصوِّرُ لكمْ من الطينِ شكلَ طير، ثمَّ أنفخُ فيه فيطيرُ في السماء، كما ترونَهُ عياناً، بإذنِ اللهِ وقدرته.
وأُبْرِئُ الأعمى فيُصبحُ مُبصراً.
وأشفي المُبتلى بالبرص، وهو بياضٌ يُصيبُ الجسدَ لمرض.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361296
وأُحيي الموتى بإذنِ الله.
وقد أيّدَ اللهُ عيسى بمعجزاتٍ تناسبُ عصره، فكان أوانهُ انتشارَ الطبِّ وأهله، فجاءَ بما يُعجزهم ويُبهرُ عقولهم، لئلاّ يكونَ لأحدٍ حجَّةٌ في عدمِ تصديقه.
قال: وأخبرُكمْ بما تأكلونَهُ في وقتِكم. وما تدَّخرونَهُ في بيوتِكم لغدِكم.
وكلُّ هذا حجَّةٌ بالغةٌ ودليلٌ على إرسالي إليكم، إذا كنتمْ مؤمنين.
وإنَّ الذي قدَّرَ كلَّ هذا على يدِ عبدٍ له، لا يُعجزهُ أن يخلقَ واحداً مثلي من دونِ أب، فهو على ما يشاءُ قدير، فآمنوا بما هو حقٌّ ولا تتجاوزوه.

{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ} [آل عمران: 50].
50- وأُرسلتُ إليكم لأصدِّقَ ما في التوراةِ وأُحييَ ما بها من أحكام، ولأُحلَّ لكم بعضَ ما حُرِّمَ عليكم، وجئتُكم بآياتٍ معجزاتٍ تشهدُ بصحَّة إرسالي إليكم، فاخشوا اللهَ والزموا جانبَ الإيمان، وأطيعوني فيما آمركم به وأنهاكم عنه.

{إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} [آل عمران : 51].
51- واللهُ ربِّي وربُّكم، فكِلانا نخضعُ له بالعبوديَّة والطاعة، فاثبتوا على عبادتهِ وطاعته، فإنه الطريقُ الصحيحُ الذي يُقيمُ عليه المؤمنونَ المتَّقون.

{فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ آَمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52].
52- فلما استشعرَ نبيُّ اللهِ عيسى منهم الإصرارَ على الكفرِ والمُضيَّ في الضلال، وأرادوا قتله، قال للناس: من يتَّبعني في دينِ اللهِ ويناصرني في الدعوةِ إليه؟
فقال الحواريُّون، وكانوا صفوةَ بني إسرائيل وخالصتَهم: نحن أعوانُ دينِ اللهِ ورسوله، نعضدُكَ ونؤازرُكَ وننصرك، فقد آمنَّا باللهِ ربًّا، وبكَ رسولاً، فاشهدْ على أننا استسلمنا لأمرِ الله، وأخلصنا له الدِّين.

{رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 53].
53- اللهمَّ إننا آمنّا بما أنزلتَ من كتاب، واتَّبعنا رسولكَ عيسى بنَ مريمَ فيما يأمرُ وفيما ينهى، فاكتبنا عندكَ من الشاهدينَ مع أمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فإنهم شهداءُ على الناس.

{وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ} [آل عمران: 54].
54- وتحرَّكتِ الطائفةُ الكافرةُ المعاديةُ لعيسى عليه السلام لتقتلَهُ غيلة، بعد اتِّهامهِ بالكذبِ والشعوذة، وقذفِ والدتهِ الطاهرةِ بالزنا، ووشوا به إلى الملك...، ولكنَّ اللهَ أبطلَ حيلهمْ في الوصولِ إليه، واللهُ أقواهم مكراً، وأنفذهم كيداً، وأحكمُهم تدبيراً، وأقدرُهم على الانتقام.
قال البغوي: والمكرُ لدى المخلوقين: الخبثُ والخديعةُ والحيلة، والمكرُ من الله: استدراجُ العبدِ وأخذهُ بغتةً من حيثُ لا يعلم... وقال ما معناه: ومكرُ اللهِ تعالى بهم في هذه الآيةِ هو إلقاؤهُ الشِّبْهَ على صاحبِهم الذي أرادَ قتلَ عيسى عليه السلام حتى قُتل!

{إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [آل عمران: 55].
55- وقد قالَ اللهُ لنبيِّهِ عيسى: سألقي النومَ على عينيكَ وأرفعُكَ إليّ، وأُخرجُكَ من بين الكفرةِ الذين أرادوا قتلكَ وأُنجيك منهم، وسأجعلُ من الذين كانوا يتَّبعونكَ فوق الذين كفروا من اليهود؛ وسوف يبقونَ ظاهرينَ عليهم إلى يومِ القيامة، وعندما ترجعونَ إلي في يومِ البعث، فسأحكمُ بينكم فيما تختلفونَ فيه من أمورِ الدين، وأبيِّنُ لكم الحقَّ فيها، وأُظهرُ من أفسدَ منهم الدينَ وحرَّفَهُ وكفرَ به، ومن حافظَ عليه واتَّبعَ أوامرَ أنبيائي وتعاليمَهم فآمنَ والتزم.

{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
} [آل عمران: 56].
56- فأمَّا من كفرَ منهم فسوفَ أعذِّبهم عذاباً أليماً موجعاً جزاءَ كفرِهم وعنادِهم، في الدنيا والآخرة.
وكان هذا حالَ اليهودِ الذين كفروا بالمسيحِ عليه السلام، فجُوْزُوا بالقتلِ والسبي والذُّلّ، وفي الآخرةِ مصيرُهم النار.
ولن يقدرَ أحدٌ أن يمنعهمْ ويخلِّصهم من عذابِ الدنيا والآخرة.

{وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57].
57- وأمّا من آمنَ باللهِ ورسله، وأتْبَعَ إيمانَهُ بالعملِ الصالحِ كما يفعلُ المؤمنون، فسوفَ يُعطيهم الله ثوابَ أعمالهم كاملاً، في الدنيا بالنصرِ والظفر، وفي الآخرةِ بالنعيمِ المقيم. واللهُ يبغضُ الكافرينَ الذين يؤثرونَ الغيَّ والضلالَ على الإيمانِ والهُدَى، ولن يرحمهم.

{ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَليْكَ مِنَ الآَيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ} [آل عمران: 58].
58- وهذا الذي قصصناهُ عليكَ من شأنِ عيسى عليه السلام، هو من وحي اللهِ إليك، ومن كلامهِ المُحْكَمِ الذي لا يتطرَّقُ إليه الشكُّ والخلل.

{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59].
59- إن مَثَلَ قدرةِ اللهِ في خلقِ عيسى من غير أبٍ، هو كقدرتهِ على خلقِ آدمَ من غيرِ أبٍ ولا أمّ، فقد خلقَهُ من تراب، وقال له كنْ آدمَ، فكان، والذي خلقَ آدمَ قادرٌ على خلقِ عيسى بطريقٍ أولى، فإنْ كانَ هذا له والدة، فذاكَ ليس بذي والدةٍ ولا والد. وقد أرادَ اللهُ بهذا أنْ يُظهِرَ قدرتَهُ لخلقه، على غيرِ مثالٍ سابقٍ في الخلقِ من الذكرِ والأنثى.

{الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ} [آل عمران: 60].
60- إنه برهانٌ ودليلٌ فطريٌّ ومنطقيٌّ قويمٌ على قدرةِ اللهِ الخالقِ المصوِّرِ يا نبيَّ اللهِ محمَّداً، وهو القولُ الحقُّ الذي لا ثانيَ له في أمرِ عيسى بنِ مريم، وما سواهُ ضلال، فلا تكنْ ممن يشكُّ في شيءٍ من ذلك.
وهو من أسلوبِ التثبيتِ على الحقّ، وليعرفَهُ المسلمونَ ومن أرادَ الإيمان، فما كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم شاكًّا في شيءٍ من ذلك.

{فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].
61- جاءَ وفدٌ من نصارى نجرانَ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يجادلونَهُ في شأنِ عيسى عليه السلام، وأنه الله، أو ابنه، أو ثالثُ ثلاثةٍ من الآلهة، فلم يُسلموا، ولم يقتنعوا بما أوردَ لهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من حججٍ وأدلَّةٍ على أنه نبيٌّ من عبادِ الله، فدعاهم إلى المباهلة، كما في تفسير الآيةِ الكريمة:
فإذا جادلَكَ علماؤهم وخاصموكَ في شأنِ عيسى وأمِّهِ، بعدما علمتَ من أمرهِ وسمعوا منكَ ذلك، ولم يرجعوا عمّا هم فيه من ضلال، فقلْ لهم: هلمَّ بنا فليدْعُ كلٌّ منّا نفسَهُ وأبناءَهُ ونساءه، ثم نبتهلْ جميعاً ونتضرَّعْ إلى اللهِ ليجعلَ لعنتَهُ على الكاذبينَ منّا ومنكمْ في أمرِ عيسى.
فقالوا: حتى نرجعَ وننظرَ في أمرنا ثم نأتيكَ غداً.
وفي الغدِ أخذَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيد عليٍّ وفاطمةَ والحسنِ والحسين، رضي اللهُ عنهم جميعاً، ونادى كبيري وفدِ النصارى "السيِّدَ" و"العاقبَ" ليحضروا المباهلة، يعني الملاعنة، فلم يستجيبا، ورضوا بإعطاءِ الجزية. وخبرُ المباهلةِ في صحيحِ البخاري.

{إِنَّ هَذَا لَهُوَ القَصَصُ الحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} [آل عمران: 62].
62- وهذا الذي قصصناهُ عليكَ يا نبيَّ اللهِ هو الحقُّ الذي لا شكَّ فيه، وليس أكاذيبَ النصارى وافتراءاتهم، فاللهُ واحدٌ أحدٌ لا شريكَ له، لا ابنٌ ولا أب، فلم يلدْ ولم يولَد، وهو العزيزُ القادرُ على كلِّ شيء، الحكيمُ العالم، لا أحدَ يشاركهُ في القدرةِ والحكمةِ حتى يشاركَهُ في الألوهية.

{فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 63].
63- فإذا أعرضوا عن التوحيدِ وأبوا إلا الإشراك، بعد معاينةِ كلِّ الحججِ والبراهين، فإنهم بذلك قد أفسدوا فطرتهم، ففسدَ بذلك علمهم، وصارتْ قلوبهم سوداءَ مغلقة، واللهُ عليمٌ بهم وبجنايتهمْ هذه، لا يفوتهُ شيءٌ ممّا فعلوهُ وأورثوهُ من الضلال، وسيجزيهم شرَّ الجزاءِ على ذلك.

{قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
64- وقلْ يا نبيَّ الله: تعالَوا يا أهلَ الكتاب، من يهودٍ ونصارى وغيرهم، تعالوا إلى أمرٍ عادلٍ منصف، يجمعُ بيننا وبينكم، ونكونُ فيه أسوياء، لا يختلفُ فيه الرسلُ والكتبُ المُنزلة: وهو ألاّ نعبدَ إلا الله، ولا نشركَ في عبادتهِ رجلاً ولا صنماً، ولا ناراً ولا صليباً، ولا أيَّ شيءٍ يكدِّرُ الإخلاصَ في توحيدهِ وعبادته، وألاّ يُطيعَ أحدٌ منا عبداً في معصيةِ اللهِ مهما كان شأنه، فلا يسجدُ أحدُنا لغيرِ الله، ولا نطيعُ الأحبارَ والعلماءَ فيما أحدثوا من تحليلٍ وتحريمٍ لم يشرِّعْهُ الله...فإذا أعرضوا عن هذه الدعوةِ المنصفة، فقولوا أنتم لهم: اشهدوا بأنَّنا مستمرُّونَ على الإسلامِ الذي شرعَهُ الله لجميعِ أنبيائه، ومخلصونَ في توحيدهِ وعبادته.

{يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 65].
65- يا أهلَ الكتاب، لمَ يدَّعي اليهودُ منكمْ أنَّ نبيَّ الله إبراهيمَ منهم، ولمَ يدَّعي النصارى أنه منهم، كيف تدَّعونَ ذلك وقد كان زمنهُ قبلَ أن تنزلَ التوراةُ على موسى، وقبلَ أن ينزلَ الإنجيلُ على عيسى، ألا ترونَ أن هذه دعوى مخالفةٌ للعقل؟ ألا تفكرونَ في ذلك؟

{هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 66].
66- لقد تجادلتُمْ فيما بين أيديكمْ من كتبٍ محرَّفةٍ تعلمونَ ما فيها، فما بالكمْ تتكلَّمونَ فيما لا علمَ لكمْ به ولا تعرفونه. واللهُ هو الذي يعلمُ بذلك، فهو مما مضى من علمِ الغيب، وأنتم لا تعلمونه.

{مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} [آل عمران: 67].
67- والحقُّ أن إبراهيمَ ما كان يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكنَّهُ كان مسلماً، مائلاً عن كل ملَّةٍ إلاّ الإسلام، وما كان مشركاً مثلكم.

{إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 68].
68- وإن أحقَّ الناسِ باتِّباعِ إبراهيمَ هم الذين اتَّبعوهُ على نهجهِ واحتكموا إلى سنَّته، وهذا النبيُّ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم الذي يلتقي معه في الدِّينِ الحق، ثم الذين آمنوا، الذين يلتقونَ جميعاً على التوحيد.

{وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [آل عمران: 69].
69- لقد حسدتْكُمْ جماعةٌ من أهلِ الكتابِ لأنهم يكرهونَ لكمُ الهداية، وأبغضتكمْ يهودُ وودُّوا لو كنتم ضالِّين منحرفين، وبذلوا جهودهم لأجلِ إضلالِكم، وكادوا ودسُّوا وجادلوا ولبَّسوا لإغوائِكم، ولكنَّ وبالَ ذلك يعودُ على أنفسهم، فهم يوقِعون أنفسَهم بذلك في الضلال، غيرَ شاعرينَ أنهمْ يمكرونَ بأنفسهم.

{يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} [آل عمران: 70].
70- يا أهلَ الكتاب، لم تردُّونَ الحقائق وهي واضحةٌ تماماً؟ لم تكفرونَ بآياتِ اللهِ وأنتم تعلمونَ صدقَها، لم تنبذونَ الأدلَّةَ بعد أن تحقَّقتُمْ أنها كافيةٌ ودامغة؟

{يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [آل عمران: 71].
71- يا أهلَ الكتاب، لماذا تُخفونَ ما في كتبكمْ من صفةِ الرسولِ محمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم؟ لماذا تكتمونَ الحقَّ وتَلْبِسونَهُ بالباطلِ وتضيِّعونَهُ عن عمدٍ وقصدٍ وأنتم تعرفونَهُ جيداً؟

{وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آَمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آَخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [آل عمران: 72].
72- ومن أساليبِ أهلِ الكتابِ في الكيدِ للإسلامِ وأهله، أنْ قالتْ جماعةٌ منهم، ليَلْبِسوا بذلك على ضعيفي الإيمانِ ويردُّوهم عن دينِ الإسلام: أظهِروا الإيمانَ في أوَّلِ النهار، وارجعوا عنه في آخره، فلعلَّ بعضَ الذين آمنوا يرتدُّونَ معكم، ويقولون: إن اليهودَ عندهم علم، وإنهم رجعوا إلى دينهم لاطِّلاعهم على نقصٍ وعيبٍ في دينِ المسلمين، وبذلك تقعُ بلبلةٌ واضطرابٌ في صفِّهم وعقيدةِ ناسٍ منهم!

{وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الهُدَى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 73].
73- ويقولون: لا تثقوا إلاّ بأهلِ دينِكم، ولا تطمئنُّوا إلا لمن اتَّبعَ دينَكم، ولا تُظهروا أسرارَكم إلا لجماعتِكم.
قلْ أيُّها النبيُّ الكريم: إن الطريقَ الصحيحَ والهديَ القويمَ هو ما أنزلَهُ الله على رسولهِ في فرقانه، ولا يُهدَى إليه إلاّ من ابتغى الحقَّ وأخلصَ في التوجُّه إليه.
ويقولون: لا تُظهِروا ما عندكم من العلمِ الذي يؤيِّدُ دينهم، فيعرفوا ذلك ويتَّخذوهُ حجَّةً ضدَّكم عند اللهِ يومَ القيامة، بالشهادةِ عليكم!
فقلْ لهم: إن الأمورَ كلَّها بيدِ الله، وهو صاحبُ الفضلِ والمنَّة، والكرمِ الواسع، والنِّعَمِ العظيمة، فيُعطيها من يشاءُ ويمنعُها من يشاء.

{يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [آل عمران: 74].
74- وهو سبحانَهُ يخصُّ من يشاءُ من عبادهِ برحمته، وقد خصَّ المؤمنينَ بفضلٍ كبيرٍ عندما جعلهم على ملَّةِ خليلهِ إبراهيمَ عليه السلام، وعلى دينِ أحبِّ خلقهِ إليه محمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم. وهو ذو إحسان ٍكبيرٍ وفضلٍ عميم، وَسِعَتْ رحمتهُ كلَّ شيء!

{وَمِنْ أَهْلِ الكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 75].
75- وهناكَ من أهلِ الكتابِ مَنْ إذا ائتمنتَهُ على مبلغٍ مهما كان كثيراً فإنَّهُ يردُّهُ إليكَ بأمانة، لا ينقصُ منه شيئاً، ومنهم مَنْ إذا ائتمنتَهُ على مبلغٍ قليلٍ يجحدهُ ولا يردُّه إليك، إلاّ إذا لازمتَهُ بالمطالبةِ وكرَّرتَها عليه، وهذا لأنهم قالوا إنه لا حرجَ علينا أن نغشَّ وندلِّسَ ونأكلَ أموالَ العرب، وأن دينَهم يسمحُ لهم بذلك. وهذا من خُلق اليهود، وهم يتعاملونَ بهذا مع كلِّ من لم يكنْ يهوديًّا وليس مع العربِ وحدَهم. وقد كذبوا على اللهِ وعلى كتابه، فإنَّ اللهَ لا يأمرُ بالفحشاء، ولم يُحِلَّ لأحدٍ أن يأكلَ مالَ آخَر بالباطل، وإنما اليهودُ هم الذين اختلقوا هذا القول، وهم أهلُ زورٍ وبُهتان.

{بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ} [آل عمران: 76].
76- نعم، إن أهلَ الوفاءِ بالعهدِ والتُّقى هم الذين يحبُّهمُ اللهُ تعالى، لا غيرهم. ولو وفَّى أهلُ الكتابِ بعهودهم وتركوا الخيانةَ في أمرِ دينهم، فإنهم يكتسبونَ بذلك محبَّةَ الله، وإذا أوفوا بالعهود، فإنَّ أبرزَها وآكدَها هو ما أخذَ اللهُ عليهم في كتابهم من الإيمانِ بمحمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم. وتقواهم هو تركُ الخيانة، وعدمُ الكذبِ على الله، وتجنُّبُ تحريفِ التوراة.

{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77].
77- إنَّ الذين يستبدلونَ بما عَهِدَ اللهُ إليهم، من الإيمانِ بالرسولِ صلى الله عليه وسلم، وبما حَلَفوا به من قولهم: "واللهِ لنؤمِنَنَّ به ولننصرنَّه"، يستبدلونَ بهذا أثماناً زهيدةً من حطامِ الدنيا وعروضها الزائلة، فيخونونَ العهدَ مقابلَ ذلك ويغدرونَ بالأمانة، فهؤلاءِ لا نصيبَ لهم في نعيمِ الآخرة، ولا يكلمهمُ اللهُ بشيءٍ يَسرُّهم، ولا ينظرُ إليهم نظرَ رحمةٍ يومَ الحساب، ولا يُثني عليهمْ، ولا يطهِّرهمْ من آثامِهمْ وذنوبِهمُ المتراكمة، بل يُعْرِضُ عنهم ويَسْخَطُ عليهم ويَقْذِفُ بهم إلى النارِ ليُعَذَّبوا فيها.
والآيةُ عامَّةٌ في هذا وغيره، فقد وردَ في الصحيحِ أنها نزلتْ فيمن يحلفُ باللهِ على شيءٍ ولا يبالي، فقالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "من حلفَ على يمينٍ يستحقُّ بها مالاً وهو فيها فاجر، لقيَ الله وهو عليه غضبان". فأنزلَ اللهُ تصديقَ ذلك، كما رواهُ ابنُ مسعودٍ رضيَ الله عنه في صحيحِ البخاريِّ وغيره.

{وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78].
78- وإنَّ هناكَ جماعةً من أهلِ الكتاب، وكانوا يهوداً، يميلونَ عن المُنْزَلِ إلى المحرَّفِ من الكتابِ ويعطفونَهُ بشبهه، إمعاناً في التحريفِ والتزييف، أو تأويلاً للنصوصِ وليِّها؛ لتوافِقَ أهواءهم، وليوهِموا الجهلةَ أنه حكمُ اللهِ في كتابه، وليسَ هو من عندِ الله، بل هم كاذبونَ مفترون، وهم يعرفونَ ذلك ويتعمَّدونه.

{مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الكِتَابَ وَالحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ} [آل عمران: 79].
79- هذا ردٌّ لمن ذكرَ أن النبيَّ يُعْبَد، سواءٌ ما ذُكِرَ من أن النصارى قالوا ذلك في عيسى بنِ مريمَ من أنه أمرَهم بعبادته، أو أن بعضاً منهم جاءَ مستفسراً من النبيِّ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ما إذا كانَ يدعوهم لعبادتهِ كعبادةِ عيسى عليه السلام! قال تعالى ما معناه:
لا ينبغي لإنسانٍ أنزلَ اللهُ عليه الكتابَ الناطقَ بالحقّ، الذي فيه أمرٌ بتوحيدِ اللهِ وإخلاصِ العبادةِ له، وآتاهُ عقلاً وفهماً، وأوحى إليه وجعلَهُ نبيًّا، ثم يقولُ هذا الإنسان، وهو بشرٌ من عبادِ الله: كونوا أيُّها الناسَ عباداً لي لا عبادا ًلله، أو أشركوني بالعبادةِ معه. فهذا لا يصلحُ لنبيٍّ قوله، ولا لأحدٍ من الناس، فإن العبادةَ ليستْ للعباد، وإنما هي لخالقِ العبادِ وحدَه.
لكنَّ الحق أن يقولَ هذا النبيُّ للناس: كونوا حكماءَ علماءَ حلماء، متمسِّكينَ بطاعةِ الله ودينه، بمتابعتِكمْ ومثابرتِكمْ على تعليمِ الكتابِ وقراءته ِوحفظه.

{وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا المَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 80].
80- وأنْ يقولَ النبيُّ للناسِ أيضاً: إن اللهَ لا يأمرُكمْ قطُّ أن تعبدوا ملائكةً ولا أنبياء، أيأمركمُ النبيُّ بعبادةِ غيرِ الله وهو كفر، والأنبياءُ إنما يأمرونَ بالإيمانِ والإخلاصِ في العبادة، وهو ما دعاكم إليه نبيُّكم أيها المسلمون، من عبادة ِالله وحدَهُ لا شريكَ له.

{وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران: 81].
81- وقد أخذَ اللهُ العهدَ والميثاقَ من كلِّ نبيٍّ بعثه، من لدنْ آدمَ وحتى عيسى عليه السلام: إني إذا أنزلتُ عليكم الكتاب، وأتيتكمُ الحكمة، ومهما بلغتمْ من درجةٍ في العلم، ثم جاءكم رسولٌ من بعد، فإنَّ عليكم أن تؤمنوا به وتتَّبعوهُ وتنصروه، ولا يمنعْكُمْ ما أنتم عليه من النبوَّةِ والعلمِ من اتِّباعه ونُصرته.
وقال لهم سبحانه: أوافقتم على الذي طلبتهُ منكمْ وأخذتُمْ على ذلكَ عهدي وميثاقيَ الشديدَ المؤكَّد؟ قالوا: أقررنا بذلكَ ووافقنا عليه.
قال سبحانه: فليشهدْ بعضُكم على بعضٍ بهذا الإقرارِ، وأنا أشهدُ أيضاً على إقراركم.
وهو المطلوبُ من أتباعهم أيضاً، فإنَّ كلَّ نبيٍّ كان يوصيهم بذلك، ليتَّبعوا النبيَّ التاليَ له.

{فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ} [آل عمران: 82].
82- فمن أعرَض عن ذلكَ كلِّهِ بعد أخذِ الميثاقِ والتأكيدِ بالإقرارِ والشهادة، فإنهم فاسقونَ خارجونَ عن الطاعة.

{أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83].
83- وهل هؤلاءِ المُعرضونَ يريدونَ دِيْناً غيرَ دينِ الله، وهو الذي استسلمَ له كلُّ من في السماواتِ والأرض، مختارينَ ًوكارهين، فإنهم جميعاً، مؤمنهم وكافرهم، تحت سلطانِ اللهِ العظيمِ وقضائهِ الذي لا يُرَدّ، ومصيرُهمْ جميعاً إليه في يومِ المعاد، فيجازي كلاًّ بعمله.

{قُلْ آَمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 84].
84- قلْ أنتَ أيُّها الرسولُ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ومن معكَ من المؤمنين: آمنّا باللهِ وحده، وبالقرآنِ الذي أنزلَهُ علينا، وبما أنزلَهُ على أنبيائه: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباطِ، وهم بطونٌ من أولادِ يعقوبَ عليه السلام، من صحفٍ ووحي، وما أوتيَهُ موسى، وهو التوراة، وعيسى، وهو الإنجيل، وما أوتي كلُّ الأنبياءِ من ربِّهم من كتبٍ ومعجزات، لا نفرِّقُ بين أحدٍ منهم، فنؤمنُ بهم جميعاً، وليس مثلَ أهلِ الكتابِ الذين يؤمنونَ ببعضٍ ويكفرونَ ببعض. ونحن مستسلمونَ لأمرِ الله وحُكمه، مخلصونَ في عبادتِنا له، نطيعهُ فيما أمر، وننتهي عمّا نهى، ونؤمنُ بجميع ما طلبَ منّا الإيمانَ به.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361296

{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
85- ومن يسلُكْ غيرَ دينِ الإسلامِ طريقاً ومنهجاً، من مذهبٍ أو دينٍ أو فكرةٍ أو نظام، فإن اللهَ لن يقبلَ منه، فلا عبرةَ بما تريدهُ أهواءُ البشر، وإنما يكونُ التوجُّهُ إلى ما يشرِّعهُ ربُّ البشر، فمن أبى وتنحَّلَ غيرَ دينِ الله، فإن اللهَ لن يقبلَ منه، وسيكونُ من الخاسرين، حيث ينتظرهُ العذابُ المقيم، لرفضهِ الحقَّ المبين، ولتفضيلهِ الضلالَ على الهداية.

{كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86].
86- وكيف يَهدي اللهُ قوماً إلى الحقِّ وقد ارتدُّوا عن الإسلامِ بعد أن آمنوا باللهِ وأقرُّوا بنبوَّةِ الرسولِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأحقِّيتهِ بالاتِّباع، وقامتْ عليهمُ الحججُ والبراهين، ووضحَ لهم الأمر؟ لقد ظلموا أنفسهمْ بارتدادِهمْ وعودتِهمْ إلى الضلال، وإيثارهمُ الغوايةَ على الرشاد.

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [آل عمران: 87].
87- فأولئكَ جزاؤهمُ الطردُ من رحمةِ الله، فعليهمْ لعنةُ اللهِ وملائكتهِ والناسِ أجمعين.

{خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} [آل عمران: 88].
88- وجزاؤهمُ الخلودُ في النار، لا يُخفَّفُ عنهم العذابُ ساعة، ولا هم يُمهَلون، فقد مضى زمنُ الإمهال، وحتى لو رُدُّوا إلى الدنيا فإنهم سيعودونَ إلى ما نُهوا عنه.

{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 89].
89- إلا من تابَ إلى اللهِ بعد ردَّتهِ فآمن، وحسنَ إيمانه، وأصلحَ ما كان أفسد، فصلحتْ أعماله، واستقامَ سلوكه، فإن اللهَ يقبلُ توبته، ويتفضَّلُ عليه فيغفرُ ذنوبه، إنه كثيرُ البرِّ بعباده، رحيمٌ بهم، لطيفٌ معهم.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ} [آل عمران: 90].
90- إنَّ مَنْ كفرَ بعد أن هداهُم اللهُ للإيمان، ثم ازدادوا كفراً وإصراراً، واستمرُّوا على ذلك إلى أن ماتوا، فإن اللهَ لن يقبلَ توبتهم عند الممات، فأولئكَ هم الضالُّونَ الذين أمضوا حياتهم في طريق الغيِّ والكفر.
ومن أمثلةِ زيادةِ الكفرِ ردُّ الحججِ والآياتِ المتتالية.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [آل عمران: 91].
91- وإنَّ الذينَ كفروا، ثم ماتوا وهم كفّار، لن يُقْبَلَ منهم ثوابُ عملٍ أبداً، ولن يُقْبَلَ منهم فداءُ أنفسِهم، ولو كان هذا الذي يُفتدَى به ما يملأُ الأرضَ ذهباً، فإنَّ لهم عذاباً شديداً موجعاً، ولن يكونَ هناكَ من يعينهُ لدفعِ العذابِ عنه أو تخفيفه.

{لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ} [آل عمران: 92].
92- لن تنالوا البرَّ، وهو العملُ الصالح، أو ثوابه، وهو الجنة، إلا إذا أنفقتُمْ ما تحبُّونَهُ من أموالٍ في سبيلِ الخير، من صدقةٍ، أو غيرِها من الطاعات؛ رغبةً فيما عند الله. وما تُنفقوا من شيءٍ كائناً ما كان، صغيراً أو كبيراً، طيِّباً أو خبيثاً، حلالاً أو حراماً، فإنَّ اللهَ عليمٌ به وبنيَّاتكمْ فيه، فيجازي كلاًّ بحسبه.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 15 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة الثالثة عشرة

الجزء الرابع
سورة آل عمران (93-200)
سورة النساء (1-23)
سورة آل عمران
(93-132)

{كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 93].
93 - لقد كانتْ كلُّ الأطعمةِ حلالاً على بني إسرائيل، إلا ما حرَّمَهُ إسرائيلُ (يعقوبُ) عليه السلامُ على نفسه، قبلَ أن تَنزِلَ التوراةُ على موسى، وربما حرَّمها لمرضٍ أو نذرٍ، فتابعتْهُ بنو إسرائيلَ هكذا، وليسَ تبعاً للتوراة، ثم حُرِّمتْ عليهم أطعمةٌ لملابساتٍ أخرى؛ عقوبةً لهم على معاصيهم المتتالية.
وقلْ لهم يا رسولَ الله: هاتوا التوراةَ فاقرؤوها لتقرُّوا بصحَّةِ ما قلتهُ لكم أيُّها اليهود، وليتبيَّنَ صدقُ قولكم، إذا كنتمْ صادقينَ فيه.
فبُهتوا، ولم يأتوا بها!

{فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ الكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [آل عمران: 94].
94 – فمن كذبَ على اللهِ وادَّعى غيرَ ذلك، بعدما ظهرتِ الحجَّة ووضحَ لهم الحقّ، فهم ظالمونَ غيرُ منصفين، قد تجاوزوا الحقَّ إلى الباطل.

{قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95].
95 – قلْ لهمْ يا نبيَّ الله: لقد صدقَ الله فيما أخبرَ به وشَرَعهُ في القرآنِ العظيم، فاتَّبعوا ملَّةَ إبراهيم، المائلةَ عن كلِّ شرك، الداعيةَ إلى التوحيدِ الخالص، كما بيَّنها اللهُ في القرآن، وما كان من المشركين، فلمَ يُشركُ أهلُ الكتابِ الذين يدَّعونَ أنهم ورثةُ إبراهيمَ عليه السلام؟

{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].
96 – إن أوَّلَ بيتٍ وُضعَ لعمومِ الناسِ في الأرضِ لكي يعبدوا ربَّهم فيه، هو البيتُ الحرام، الذي بناهُ نبيُّ اللهِ إبراهيمُ في مكةَ المكرمة، وضعَهُ بأمرٍ من الله، فكثرَ خيره، وعمَّ نفعه، وعظمَ ثوابُ قاصده، وصارَ هدىً لهم، لأنهُ قبلتُهمْ ومتعبَّدُهم.

{فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ} [آل عمران: 97].
97 – وفيه أدلَّةٌ واضحةٌ على ما شرَّفَهُ اللهُ به وعظَّمه، من ذلك مقامُ إبراهيم، الذي كان يعتلي فيه على حجرٍ ليبنيَ البيت، وهذا المكانُ مقصودٌ بالصلاةِ فيه. وفيه الحجرُ الأسود، وزمزم، وقصدَهُ الأنبياءُ والمرسَلون، والأولياءُ الأبرار، وفيه مضاعفةُ الثوابِ أضعافاً كثيرة، وقهرَ اللهُ كلَّ جبارٍ قصدهُ بسوء.
ومن دخلَهُ فقد أمِن، فلا يُقْتَلُ ولا يُعْرَضُ له بسوء.
وقد فرضَ اللهُ الحجَّ إليه مرَّةً في العمر لمن قدرَ على ذلك: صحياً، ومالياً، وأمنياً، على ما فصَّلَهُ الفقهاء. فهو ركنٌ من أركانِ الإسلام.
ومن كفرَ بما فرضَهُ اللهُ من الحجّ، فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن حجِّهِ وعن عبادةِ الناسِ أجمعين.وإنما شرعَ اللهُ الحجَّ لما فيه من ثوابٍ يعودُ على صاحبه، فإن "مَنْ حجَّ للهِ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجعَ كيومَ وَلَدَتْهُ أمُّه"، كما في صحيحِ البخاريّ.

{قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98].
98 – قلْ يا نبيَّ اللهِ للكفرةِ من اليهودِ والنصارى: يا أهلَ الكتاب، لماذا تكفرونَ بالإثباتاتِ القويَّة، والبراهينِ الجليَّةِ التي يُنزِلها الله؟ واللهُ شاهدٌ على صنيعكمْ بما تخالفونَ به ما نزلَ من الحقّ، وتعاندونَ الرسولَ وتحاربونَ رسالته.

{قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آَمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 99].
99 – وقلْ لهم: لماذا تمنعونَ الناسَ من الإيمان، وتقفونَ حاجزاً بينهمْ وبين إرادةِ الحقّ، وتختارونَ بذلك الطريقَ الأعوجَ على الصحيحِ المستقيم، وأنتم شهداءُ على صحَّةِ آياتِ الله، وعلى يقينٍ من صدقِ الرسول، بما عندكمْ من علم، وبما ترونَهُ ممّا يطابقُ ما أتى به صلى الله عليه وسلم. واللهُ ليسَ بغافلٍ عما تعملون، وسوفَ يحاسبكمْ على كفركمْ وصدِّكمْ عن الإيمان.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ} [آل عمران: 100].
100 – أيُّها المؤمنون، إنكم إذا أطعتمْ طائفةً من أهلِ الكتابِ من اليهودِ والنصارى، فإنهم سيردُّونكم إلى الكفرِ بعد أن كنتمْ مؤمنين، حسداً منهم على ما آتاكمُ اللهُ من فضل، ومنحكمْ به من رسول. فلا تثقوا بهم وبمناهجهم، ولا تتلقَّوا عنهم ولا تقتبسوا منهم، فإن هذا يدلُّ على ضعفٍ منكم وثقةٍ بهم.

{وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101].
101 – وكيف تكفرونَ وأنتم ترونَ الآياتِ تَنزل، والرسولُ بين ظهرانيكمْ يتلوها عليكم، ومعجزاتُهُ ماثلةٌ أمامَ أعينكم، فكلُّ هذا يُعينكمْ على الإيمانِ ويثبتكمْ عليه. فالكفرُ بعيدٌ عنكم ما دمتمْ تنهلونَ علومكمْ من معينِ الكتابِ المبين، ولا تستمعونَ إلى أهل الكتابِ وأباطيلِ المفترين. وإنَّ من تمسَّكَ بحبلِ اللهِ وتوكَّلَ عليه حقَّ التوكل، فإنه يهديهِ إلى طريقهِ المستقيم، ويثبتهُ عليه، ويسدِّده.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
102 – يا عبادَ اللهِ المؤمنين، اتَّقوا اللهَ حقَّ تقواه، واخشوهُ حقَّ الخشية، فأطيعوهُ ولا تعصوه، واذكروهُ ولا تنسوه، واشكروهُ ولا تكفروه، وجاهدوا في سبيلهِ حقَّ جهاده، واثبتوا على هذا، وحافظوا على إسلامكمْ في جميعِ أحوالكم، لتموتوا عليه، فإن من ثبتَ على شيءٍ ماتَ عليه ، ويُبْعَثُ عليه، إنْ شاءَ الله.

{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 103].
103 – وتمسَّكوا بعهدَ اللهِ والقرآنِ الذي أنزلَهُ عليكم، الذي به هُديتم، وكونوا جميعاً إخوةً مجتمعينَ متحابِّين، ولا تختلفوا مثل اليهودِ والنصارى فتتفرَّقوا وتتباغضوا، واذكروا فضلَ اللهِ عليكمْ عندما كنتمْ أعداءً يقتلُ بعضُكمْ بعضاً في حروبٍ مستمرَّة، فجمعَ بين قلوبكمْ بهذا الدينِ الحقّ، فصرتُمْ بفضلهِ ونعمتهِ إخواناً متآلفين، ينصرُ بعضُكم بعضاً، ويعطفُ عليه ويرحمه، بعد أن كنتمْ على وشكِ الدخولِ في النارِ بسببِ كفركم، فأنقذكمُ اللهُ بهذا الدينِ وهداكمْ للإيمان، وأنقذكمْ من النار، ويبيِّنُ اللهُ لكم دلائلَهُ لتثبتوا على الهداية، وتزدادوا إيماناً.

{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].
104 – ولتكنْ من بينكم فرقةٌ أو جماعةٌ تدعو إلى الخير، وتنهى عن الشرّ، وتأمرُ بالفضيلةِ والحقِّ والعدل، وتنهى عن الرذيلةِ والباطلِ والظلم. وهي مهمَّةٌ ليستْ يسيرة، حيث الاصطدامُ بطبائعِ ناسٍ وشهواتهمْ ومنافعهمْ ومصالحهم. ومن قامَ بهذا التكليفِ فهو من المفلحينَ الفائزين.
قال ابنُ كثير: والمقصودُ من هذه الآيةِ أن تكونَ فرقةٌ من الأمَّةِ متصدِّيةً لهذا الشأن، وإنْ كان ذلك واجباً على كلِّ فردٍ من الأمَّةِ بحسبه، كما ثبتَ في صحيحِ مسلم، عن أبي هريرة، قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكمْ مُنكراً فليغيِّرْهُ بيده، فإنْ لم يستطعْ فبلسانه، فإنْ لم يستطعْ فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان".

{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].
105 – ولا تكونوا مثلَ الأممِ السابقة، كأهلِ الكتابِ وغيرهم، حيث تفرَّقوا واختلفوا، على الرغمِ من قيامِ الحجَّةِ عليهم، وبيانِ الأدلَّةِ عندهم، فكان مصيرَهم في الدنيا الهزيمةُ والذلّ، والفتنةُ والتقاتل، وسيكونُ عاقبتَهم يومَ القيامةِ عذابٌ عظيمٌ جزاءَ إعراضِهم عن دينِ اللهِ الحقّ، فلا تكونوا مثلهمْ، لئلاّ يصيبكمْ ما أصابهم.

{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا العَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ} [آل عمران: 106].
106 – في يومِ القيامةِ تبيضُّ وجوهُ أهلِ الإيمانِ والخير، وتُشرقُ بالنور، وتفيضُ بالبهجةِ والسرور، ووجوهُ أهلِ الكفرِ والنِّفاقِ تسودُّ كالحةً وكئيبةً من الحزنِ والهمِّ والغمّ. ويُقالُ لهؤلاءِ المنافقينَ والمرتدِّينَ أهلِ الكفرِ والنفاق، الذين اسودَّْتْ وجوههم: أكفرتمْ بعد أن ذقتمْ حلاوةَ الإيمانِ وعرفتمُ الحقّ؟ إذاً فذوقوا العذابَ جزاءَ كفركمْ وتفضيلِكمُ الباطلَ على الحقّ!

{وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 107].
107 – وأمّا الذين ابيضَّتْ وجوهُهمْ مستبشرةً بالخير، فهم في جنَّةِ اللهِ خالدون، في فرحٍ وسعادةٍ لا تنقطع.

{تِلْكَ آَيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 108].
108 – وتلك الأمورُ حججٌ وبراهين، ومبادئُ وقيم، ننزِّلها يا نبيَّ اللهِ كما يكونُ عليه الأمرُ دنيا وآخرة، وليكونَ الناسُ على حذرٍ فيما يأخذونَ به وما يذَرون، ولا يريدُ اللهُ ظلماً لهم، فهو حَكمٌ عدل، لكنَّهم إذا ظلموا وكفروا فإنهم يرمونَ بأنفسهمْ إلى الهلاك.

{وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [آل عمران: 109].
109 – وليس اللهُ بحاجةٍ إلى طاعةِ أحد، ولا يزيدُ شيئاً في ملكه أو ينقصُ منه إذا أعطى أو منع، فإنهُ غنيٌّ واسعُ الملك، له ما في السماواتِ والأرض، وكلُّ الأمورِ صائرةٌ إليه، وهو حاكمُها ومصرِّفُها. فليفكِّرِ الإنسانُ بمصيره، وليُطعِ اللهَ حتى يُفلحَ ويلقَى الجزاءَ الطيِّب.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361298

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ المُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الفَاسِقُونَ} [آل عمران: 110].
110 – لقد كنتمْ يا أمَّةَ الإسلامِ خيرَ الأممِ وأفضلَها وأنفعَها للناس، حيث تأمرونَ الناسَ بالخير، وتنشرونَ الحقَّ والعدل، وتحثُّون على الفضائلِ والآدابِ الحسنة، وتنهونهمْ عن المنكراتِ والفواحشِ السيِّئةِ والأخلاقِ المسترذَلة، وتؤمنونَ باللهِ الواحدِ الأحد، فتعبدونَهُ ولا تشركونَ به شيئاً.
ولو أنَّ أهلَ الكتابِ من اليهودِ والنصارى آمنوا مثلَكم بما أُنزلَ على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم واهتدوا إلى الحقّ، ونبذوا الشركَ والكفر، لكان خيراً لهم في دنياهمْ وآخرتهم، ولكنَّ قليلاً منهم مَنْ فعلَ ذلك، وبقيَ أكثرهمْ على الضلالِ والكفر، مؤثِرينَ الفسوقَ والعصيان، ولم يَفُوا بميثاقِ اللهِ مع النبيِّين، ثم وصيَّتِهم لأممهمْ بأن تتَّبع النبيَّ الأمي َّوتنصره.
ذُكِرَ أن قولَهُ تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} خاصٌّ بعهدِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، وعمَّه آخرون، فقالوا: الصحيحُ أن هذهِ الآيةَ عامَّةٌّ في جميعِ الأمَّة، كلُّ قرنٍ بحسبه، وخيرُ قرونهم الذين بُعِثَ فيهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وإنَّما حازتْ هذه الأمَّةُ قصبَ السبقِ إلى الخيراتِ بنبيِّها محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فإنه أشرفُ خلقِ اللهِ وأكرمُ الرسلِ على الله، وبعثَهٌ الله بشرعٍ كاملٍ عظيمٍ لم يُعطهِ نبيّاً قبلَهُ ولا رسولاً من الرسل.
قلت: الذي يظهرُ أن خيريَّةَ هذه الأمةِ مرتبطةٌ بكونها تأمرُ بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتؤمنُ بالله، كما في الآيةِ نفسها، فإذا لم تفعلْ ذلك لم تَحُزْ هذه الفضيلة. واللهُ أعلم.

{لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} [آل عمران: 111].
111 – ولن يستطيعَ أهلُ الكتابِ – وخاصَّةً اليهود – إلحاقَ الضررِ بكم، إلا ضرراً عارضاً يسيراً، وإذا حدثَ بينكمْ وبينهمْ قتالٌ فسوف يُهزمونَ شرَّ هزيمة، ولن ينتصرَ لهم أحد، ولن يجدوا معونةً تُنقذهمْ من بأسكم.
وكانوا كذلك، فقد أذلَّ اللهُ اليهودَ ونصرَ المسلمين عليهم، وكذلك النصارى في بلادِ الشامِ وغيرها، وسيكونُ النصرُ لهم ما داموا متمسِّكينَ بشرعِ الله، رافعينَ رايةَ الجهادِ في سبيله.

{ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [آل عمران: 112].
112 – لقد ألزمهمُ اللهُ الذلَّةَ والمهانةَ أينما كانوا، وصارَ هذا ملازماً لهم حتى استكنَّ في مشاعرهم، ولن يجدوا راحةً ولا استقراراً إلا بذمَّةٍ من الله، وهو أن يكونوا ذمِّيينَ في الدولةِ الإسلامية، يُلزَمونَ بدفعِ الجزية، أو بعهدٍٍ من الناس، كأمانٍ منهم لهم، أو معاهداتٍ بينهم وبين دولٍ كبرى يتقوَّونَ بهم.
لقد تلبَّسوا بغضبِ اللهِ وأُلزِموا به، فلا يغادرهمْ ولا ينفكُّ عنهم. وسببُ هذا الذلِّ المكتوبِ عليهم والغضبِ الذي يلازمهم، هو أنهم كانوا يرفضونَ اتِّباعَ الحقِّ مهما كان واضحاً وقويّاً، ويكفرونَ بالحججِ والمعجزاتِ وهم يرونها عياناً، وزادوا على ذلك جريمةً لا يرتكبها إلا أكبرُ مجرمي البشرِ وأشقاهم، وهو قتلُ الأنبياء، أصفى البشرِ وأنقاهم سريرة ،وأحسنهم خُلقاً،وأعظمهم قدراً، قتلوهم بدونِ أيِّ مبرِّر، وبدونِ أي حقّ، بل هكذا سوَّلتْ لهم نفوسُهم السيِّئة وقلوبُهم السوداء؛ عناداً وتكبُّراً أو حسداً.فالذي دفعهمْ إلى كلِّ هذه الجرائمِ هو عصيانهم المستمرُّ لأوامرِ اللهِ واعتداؤهم وظلمهم.

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آَيَاتِ اللهِ آَنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} [آل عمران: 113].
113 – لكنْ ليسوا كلُّهم هكذا، فقد آمنَ منهم خلقٌ فاستقاموا على طريقِ الحقّ، وأطاعوا شرعَ الله، واتَّبعوا نبيَّه، وصاروا يتلونَ آياتِ القرآنِ الكريم، ويقومونَ الليل، ويتهجَّدونَ في تبتُّلٍ وخشوع.

{يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} [آل عمران: 114].
114 – ويؤمنونَ باللهِ الواحدِ الأحد، وباليومِ الآخر، ويأمرونَ الناسَ بالخيرِ والحقِّ والعدل، وينهونهم عن الشرِّ والأذى والظلم، ويتسابقونَ في الأعمالِ الخيِّرة، ويبرُّونَ إخوانَهم المؤمنين، في تعاونٍ وطاعةٍ وتقوى، وهؤلاءِ هم الصالحون، الذين أتْبَعوا إيمانَهمْ بالأعمالِ الطيِّبة والمباركة.

{وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ} [آل عمران: 115].
115 – وإنِّ كلَّ ما يفعلونَهُ من خيرٍ وبرٍّ وإحسانٍ فلن يُبْخَسوا حقَّه، ولن يُكْفَروا أجره، بل يجزيهم اللهُ عليها أوفرَ الجزاء. فهو عليمٌ بمن اتَّقاهُ وطلبَ رضاه، لا يخفَى عليه عملُ أحد.

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 116].
116 – والذين كفروا وكذَّبوا بما أنزلَ اللهُ من حقٍّ وخيرٍ وهدى، فلن يفيدَهمْ شيءٌ مما جمعوهُ من أموال، وشيَّدوهُ من قصور، ولن يستطيعَ أولادُهم وذراريهم أن يمنعوا عنهم بأسَ اللهِ وعذابه، ولسوفَ يكون مصيرَهمْ النارُ المحرقة، التي تأتي على وجوههمْ وأفئدتهم، خالدينَ فيها أبداً.

{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [آل عمران: 117].
117 – إن مَثَلَ ما يُنفِقُ الكفّار ُ من أموالٍ ظاهرُها خير، في نزوةٍ عابرة، أو لمصلحةٍ مادِّية، أو مساعدةٍ إنسانية، هو مَثَلُ ريحٍ شديدةِ البرودة، فيها بَرَدٌ وجليد، أهلكتْ زرعَ جماعةٍ وقد آنَ حصاده، فدمَّرتْهُ وأبادته، وقضتْ على ما فيه من ثمرٍ وزرع، بسبب ذنوبِ أصحابهِ وظلمهم. وكذلك هؤلاءِ الكفار، فإن أموالَهم وخيراتِهم إلى هلاكٍ وفناء، لن تفيدَهم سوى في دنياهم، أمّا في الآخرةِ فلا نصيبَ لهم منها، حيث اكتفوا بجهودهم الدنيويةِ لها، ولم يعتبروا الآخرة، لقد ظلموا أنفسهمْ عندما اختاروا لأنفسهمُ الغيَّ والضلالَ والاكتفاءَ بلذائذِ الدنيا، فلن تغنيَ عنهم أموالُهم وأولادُهم في الآخرةِ شيئاً، لأنهم أصابوها بريحٍ قاتلة، بكفرهم وضلالهم، فلم تُبقِ لهم شيئاً لآخرتهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآَيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118].
118 – أيُّها المؤمنون، لا تثقوا بالكفّار والمنافقينَ وأهلِ الكتاب، ولا تتَّخذوا منهم أصدقاءَ تستشيرونهمْ وتجعلونهمْ موضعَ ثقتكم، ولا تُسرُّوا إليهم بشيءٍ من أسراركم، فإنَّهم ليسوا منكم، بل يسعونَ إلى مخالفتكمْ ومضرَّتكمْ بكلِّ ما يملكونَ من جهدٍ ومكرٍ وخديعة، ويحبُّونَ أن يُحرجوكمْ ويوقعوكمْ في المشكلاتِ ليؤذوكمْ وينتقموا منكم، هذا ظاهرُ ما يخطِّطونَ له، وما تفوهُ به ألسنتهمْ من حقدٍ وبغض، والذي تُخفيهِ صدورهمْ من كُرهٍ وعداوةٍ أكثرُ مما يظهرونه، وفي هذا دلائلُ كافيةٌ لكم لئلاّ تتَّخذوا منهم أصدقاء، ولا توادُّوهم، ولا تفتحوا لهم قلوبكم.
وقد نزلتِ الآيةُ في رجالٍ من المسلمين كانوا يواصلونَ رجالاً من اليهود، لِما كان بينهم من الجوارِ والحلفِ في الجاهلية، فنُهوا عن مباطنتهمْ خوفَ الفتنةِ عليهم منهم.

{هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران: 119].
119 – وها أنتم أيُّها المؤمنونُ تحبُّونَ المنافقينَ لأنهم يظهرونَ لكم الإيمان، وهم لا يحبُّونكم أبداً، بل يتربَّصونَ بكم الشرّ، وينقلونَ أخباركمْ إلى أعدائكمْ ويوادُّونهم، وتؤمنونَ بكتابِ اللهِ كله، وهم في شكٍّ منه وريبة، ويصلُّون أمامكمْ أحياناً، لكنهمْ إذا اجتمعوا مع بعضهمُ البعض، أظهروا غيظَهمْ وعداوتَهمْ وكرههمْ لكم.
قولوا لهم: اكرهوا المؤمنينَ بما تقدرونَ عليه وموتوا بغيظكمْ لهم، فإنَّ اللهَ متمُّ دينهِ وناصرُ عبادهِ المؤمنين، ومخذلُ أعدائهم الكفارِ والمنافقين، وهو عليمٌ بما تُخفيهِ صدوركمْ من حقدٍ وغلٍّ على المسلمين، ولسوفَ يُجازيكمْ في الآخرةِ بالعذابِ الشديد.

{إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120].
120 – وممّا يبدو من عداوةِ المنافقينَ لكم، أنَّ اللهَ إذا مَنَّ عليكم برزقٍ أو نصرٍ أو فتح، أصابهمُ الهمُّ والغمّ، وإذا أصابكمْ مكروهٌ كقحطٍ أو هزيمة، فرحوا واستبشروا، فلا يحزننَّكمْ هذا، واتقوا شرَّهمْ بالتحلِّي بالصبر، والدوامِ على طاعةِ الله، وحسنِ التوكلِ عليه، ولن يضرَّكمْ شيءٌ من كيدهم إذا كنتمْ كذلك، فاللهُ محيطٌ بهم، عليمٌ بما يصنعون، ولن يقعَ شيءٌ في الوجودِ إلا بتقديرهِ ومشيئته.

{وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 121].
121 – واذكرْ أيُّها النبيُّ في وقعةِ أُحدٍ عندما خرجتَ من بيتِكَ وقد لبستَ لباسَ الحرب، وعزمتَ على الجهادِ ضدَّ المشركينَ بعد مشاورةِ أصحابك، وأنتَ تنظِّمُ صفوفَ المجاهدين، وتُعيِّنُ للرماةِ مكانهم في جبلِ أحد، وقد جمعَ المشركونَ الجموعَ والأحابيشَ للانتقامِ مما أصابهمْ في غزوةِ بدر، واللهُ سميعٌ بكلِّ ما جرى، عليمٌ بما كانتْ تقولهُ الألسنُ وتهمسُ به الضمائر.

{إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران: 122].
122 – وقد كادتْ جماعتانِ منكمْ أن تضعفا وتفشلا وتتركا الجهاد، بعد أن انفصلَ رأسُ النفاقِ عبداللهِ بنُ أبي سلول بثلثِ الجيشِ من أتباعه، فكادَ هذا أنْ يؤثِّرَ فيهما، ولكنَّ اللهَ سلَّم، فأدركتهما ولايتهُ وتثبيتهُ وعصمته، وليكنْ توكُّلُ المؤمنينَ على اللهِ وحدَهُ في جميعِ أمورهم، فهو حسبهم، ومعينهم، وناصرهم.

{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [آل عمران: 123].
123 – واذكروا عندما نصركمُ اللهُ بتأييدهِ في غزوةِ بدرٍ وكنتمْ قلَّة ضعفاء، والعدوُّ ثلاثةُ أضعافكم، فتذكَّروا ذلك، واثبتوا على طاعةِ اللهِ وتقواه، لعلكم تكونوا من الشاكرينَ بتقواكم، ولمِا أنعمَ به عليكم من نصر.

{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ} [آل عمران: 124].
124 – وقد بشَّرْتَ المؤمنينَ المجاهدينَ من أصحابِكَ بقولك: أليسَ كافيكمْ أن يمدَّكمْ ربُّكمْ بعددِ ثلاثةِ آلافٍ من الملائكةِ ينزلونَ من السماء؟

{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ المَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ} [آل عمران: 125].
125 – بلى، فإنكمْ إذا استمسكتمْ بالصبر، واتَّقيتمُ الله، وثبَّتكمُ في المعركةِ حين يطلعُ عليكم المشركونَ من وجههِم هذا، سيُمدُّكمُ اللهُ بخمسةِ آلافٍ من الملائكة، مُعْلَمينَ بسيماءٍ معيَّنة.

{وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ} [آل عمران: 126].
126 – وما جعلَ اللهُ هذا الإمدادَ بالملائكةِ إلا بُشرى لكم، لتطمئنَّ قلوبُكم، وتطيبَ نفوسُكم، ويثبتَ جأشُكم، أما النصرُ فهو من عند اللهِ وحده، فهو ذو السلطانِ القويّ، القادرُ على تحقيقِ النصر، وهو الحكيمُ الذي يقدِّرُ الحكمةَ من وراءِ هذا النصر.

{لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ} [آل عمران: 127].
127 – فجهادُكمْ ضدَّ المشركينَ وما يترتَّبُ عليه من نصرٍ من عند الله، ليهلكَ بذلك طائفةً من القومِ المشركين، ويكسرَ شوكتهمْ ويقهرهم، أو يخزيهمْ ويردَّهمْ مغلوبينَ أذلاّءَ خائبين، لم يحصلوا على ما أمَّلوا.

{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} [آل عمران: 128].
128 – والحكمُ في عبادي ليسَ لكَ أيُّها النبيّ، إلا ما أمرتُكَ به فيهم، فإنَّ الأمرَ كلَّهُ لله، فقد يقودُهم هذا الانكسارُ إلى التوبةِ فيُسلمونَ ويؤمنونَ ويقبلُ اللهُ منهم، أو يعذِّبُهم بهذا النصرِ فيُؤسَروا أو يموتوا على الكفرِ ويكونُ مصيرَهم النار، وهم يستحقُّون ذلك، فقد فَتنوا المسلمينَ عن دينهم، وأفسدوا في الأرض...

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361298
نزلتْ هذه الآيةُ وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " كيف يُفلحُ قومٌ شجُّوا نبيَّهم وكسروا رَباعيَّتَهُ وهو يدعوهمْ إلى الله " في يومِ أحد، كما في الصحيحينِ وغيرِهما.

{وَللهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران: 129].
129 – وكلُّ شيءٍ في السماءِ والأرضِ هو مُلكٌ للهِ وحده، وهو المتصرِّفُ المطلقُ في شأنِ العباد، يغفرُ لمن يشاءُ منهم فيُدخلهمُ الجنَّة، ويعذِّبُ من يشاءُ منهم في النّار، وقضاؤهُ هذا بالحكمةِ والعدل، وبالرحمةِ والمغفرة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 130].
130 – أيُّها المؤمنون، لا يحلُّ لكمْ أن تأكلوا الرِّبا، الذي يتضاعفُ كلَّما عَجَزَ المَدينُ عن إيفاءِ دينه، فإذا لم يُعطِ دَينَهُ زادَهُ الدائنُ في الأجَلِ وزادَهُ المَدينُ في القدَرِ فتضاعف، فيصيرُ القليلُ أضعافاً مضاعفة.
فاتَّقوا اللهَ وانتهوا عن هذه الكبيرةِ لتفلحوا وتفوزوا، في الدنيا والآخرة، فإنَّهُ لا فوزَ لكم إلا بطاعته.

{وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131].
131 – وابتعدوا عن النارِ التي جُهِّزتْ للكافرين؛ نتيجةَ عصيانهمْ وتعاملهمْ بالرِّبا وغيرهِ من الكبائرِ والذنوب.
وكان أبو حنيفةَ رحمَهُ اللهُ يقول: هي أخوفُ آيةٍ في القرآن، حيثُ أوعدَ اللهُ المؤمنينَ بالنارِ المعَدَّةِ للكافرين، إنْ لم يتَّقوهُ في اجتنابِ محارمه.

{وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [آل عمران: 132].
132 – وأطيعوا اللهَ واتَّبِعوا أوامرَ رسولهِ في كلِّ ما أمركمْ به ونهاكمْ عنه؛ لكي تُرْحَموا.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 16 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة الرابعة عشرة
سورة آل عمران
(133-168)
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}
133 – وتسابقوا في فعلِ الخيرات، وسارعوا إلى نيلِ القُربات، لتنالوا جائزةَ ربِّكم: مغفرةَ ذنوبِكم، وجنَّةً عظيمةً عرضُها السماواتُ والأرض، فكيف بطولها؟! وقد أُعدَّتْ لعبادِ اللهِ المؤمنينَ الصالحين.

{الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [آل عمران:134].
134 – ومن صفاتِ المتَّقينَ أهلِ الجنَّة، أنَّهم ثابتونَ على البذل، يُنفقونَ في الشدَّةِ والرخاء، والمنشطِ والمكره، لا يَشْغَلُهم أمرٌ عن طاعةِ الله، والإنفاقِ فيما يُرضيه، والإحسانِ إلى المحتاجينَ من خَلْقه.
وهم يكتمونَ غيظهمْ وغضبَهم عن الناسِ ولا يؤذونهم، ثم يعفونَ ويصفحون، ويحتسبونَ ذلك عند الله.
والذين أنفقوا، وكظموا غيظهم، وعفوا، فإنَّهم محسنون، واللهُ يحبُّ المحسنين، الذين ينشرونَ الودَّ والسماحةَ والبِشْرَ بين الناس.

{وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران:135].
135 – ومن صفاتِ المتَّقينَ أيضاً، أنَّهم إذا أذنبوا ذنباً، كبيراً كان أوصغيراً، لم يصرُّوا على ما فعلوا، ولم يتبجَّحوا بالمعصية، بل تذكَّروا اللهَ وما أعدَّ للعاصينَ من عقاب، وما وعدَ به التائبينَ المستغفرينَ من العفوِ والمغفرة، فاستغفروا لذنوبهم، وتابوا إلى ربِّهم وأنابوا إليه، وهم يعلمونَ أنهُ لا يغفرُ ذنوبَهمْ إلا هو، ولا يرحمهمْ إلا هو، وأنَّ من تابَ تابَ اللهُ عليه، مادامَ معترفاً بذنبه، نادماً غيرَ مُصِرٍّ عليه، عازماً على تركه.

{أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ} [آل عمران:136].
136 – فهؤلاءِ هم المتَّقون، وجزاؤهمْ على هذه الصفاتِ الإيجابيَّةِ الطيِّبة، أن يغفرَ اللهُ لهم، ويُدخلَهم جنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار، ما كثينَ فيها أبداً، ونعمتِ الجنَّةُ جزاءَ أعمالهمُ الحسنة.

{قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ} [آل عمران:137].
137 – وما أُصبتمْ به في غزوةِ أُحُدٍ قد جرى مثلُهُ لأممٍ من قبلكمْ من أتباعِ الأنبياءِ وغيرِهم، فانظروا في السِّيَرِ والتواريخِ والوقائعِ واعتبروا، فعليكمْ بالإيمانِ والصبر، فإنَّ العاقبةَ لكم أهلَ الإيمانِ والحقّ، والدائرةَ على المكذِّبينَ بآياتِ اللهِ ورسلهِ أهلِ الكفرِ والضلال، إنما هي سنَّةُ اللهِ أن تُصيبوا وتُصابوا، وكان ما حدثَ ابتلاءً وتمحيصاً لتعتبروا.

{هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران:138].
138 – وفيما ذُكِرَ من أمورِ الكفّارِ والمتَّقينَ والتائبين، وفيما سلفَ من أحوالِ من قبلكم، إيضاحٌ لسوءِ عاقبةِ المكذِّبينَ ليتدبَّروا، وهدايةٌ وموعظةٌ للمؤمنينَ المتَّقين، الذين يعتبرونَ بها ويهتدون.

{وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139].
139 – ولا تَضْعُفوا ممّا أصابكم، ولا يدخلنَّ الوهنُ إلى قلوبكم، ولا تحزنوا على ما فاتكم، فأنتم الأعلونَ بدينِكم، وأنتمُ الغالبونَ دونهم، مادمتمْ مؤمنين، فإنَّ الإيمانَ يوجبُ الثقةَ بالله، فلكمُ النصرُ والغلبة، وشهداؤكمْ في الجنَّة، وأمرهمْ إلى الدمارِ كما كانَ حالُ أسلافهم، ومصيرُ قتلاهمْ إلى النّار.

{إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران:140].
140 – وإذا كنتمْ قد أُصبتُمْ بجراحٍ وقُتِلَ منكمْ جماعة، فقد أُصيبَ أعداؤكمْ وقُتِلَ منهم كذلك، فهي سنَّةُ اللهِ أن تُصيبوا وتُصابوا، فالأيامُ دُوَل، لهؤلاءِ يوماً، ولأولئكَ يوماً، وليتبيَّنَ بذلك المؤمنونَ الصادقونَ في إيمانهمْ وجهادهمْ من غيرهم. فإنَّ تعاقُبَ الشدَّةِ والرخاءِ يكشفُ معادنَ النفوسِ وطبائعَ القلوب، ودرجةَ الطاعة، والصبرَ على القتال، وليختارَ منكم شهداء، ممَّن يبذلونَ أرواحهمْ في سبيلِ دينهِ ومرضاته؛ ليُكرمهمْ ويخصَّهمْ بقُربه، ويُنعمَ عليهمْ من نعمه.
واللهُ لا يحبُّ المكذِّبينَ الضالِّين، بل سيعاقبهم.

{وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ} [آل عمران:141].
141 – وليصفِّيَ اللهُ ما في نفوسِكمْ ويُعدَّها لما هو أكبر، وليكفِّرَ عن ذنوبِكم بجهادكم، أو يرفعَ درجاتِكمْ في علِّيين، كلٌّ بحسبِ ما جاهد وأُصيب، وليستأصلَ اللهُ الكافرينَ ويدفعَ باطلَهم، فإنَّهم إذا انتصروا بَغَوا ودمَّروا.

{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:142].
142 – وهل ظننتُمْ أنكمْ ستدخلونَ الجنَّةَ دونَ أن تُكَلَّفوا بالقتالِ والصبرِ على الشدائد، ليتبيَّنَ منكمُ المؤمنُ المجاهدُ من غيره، وليعلمَ الصابرينَ منكم على الضرّاءِ ومجالدةِ الأعداء؟

{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [آل عمران:143].
143 – وكنتُمْ تحبُّونَ الموتَ في سبيلِ الله، وتتمنَّونَ لقاءَ العدوِّ وتودُّونَ مناجزتهم، فها هي المعركة، وها هم الأعداء، وها هو الموتُ الذي تشاهدونَهُ في مقارعةِ الرجالِ للرجال، وفي لمعانِ السيوفِ واشتباكِ الرماح، فدونكموه.

{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:144].
144 – وأُشيعَ أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قُتِلَ في غزوةِ أُحُد، حيث ادَّعَى أحدُ المشركينَ أنهُ قتله، وكان قد شُجَّ صلى الله عليه وسلم، فوصلتِ الشائعةُ إلى صفوفِ المسلمين، فحصلَ وهنٌ وضعفٌ وتأخُّرٌ عن القتال، فأنزلَ اللهُ ما معناه: وما محمَّدٌ (صلى الله عليه وسلم) إلا رسولٌ مثلَ غيرهِ من الأنبياءِ والرسلِ في جوازِ القتلِ عليه، فإذا ماتَ أو قُتِلَ رجعتُمْ إلى ما كنتمْ عليه من شركٍ وضلال؟! إنَّ مَنْ يفعلْ ذلك فلنْ يضرَّ اللهَ شيئاً، وإنَّما يضرُّ نفسه، فاللهُ غنيٌّ عنكم وعن إيمانكم، والدينُ سيبقى، والمجاهدونَ سينتصرون، وسوفَ يجزي اللهُ الذين قاموا بطاعته، وعرفوا قدرَ نعمته، وقاتلوا دفاعاً عن دينه، واتَّبعوا رسولَهُ حيّاً وميِّتاً، ويعطيهمْ من رحمتهِ وكرمهِ بحسبِ شكرهمْ وعملهم ، ويزيدُهمْ من فضله.

{وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} [آل عمران:145].
145 – ولا تموتُ نفسٌ إلا إذا قدَّرَ اللهُ لها ذلك، في أجَلٍ مرسوم، في الوقتِ نفسه، بدونِ تقديمٍ ولا تأخير، فتقدَّموا إلى الجهادِ ولا تجبنوا أيُّها المسلمون، فإنَّ عمرَ الإنسانِ لا يزيدُ ولا ينقص، سواءٌ كان في حربٍ أو في سلم.
ومن كان يعملُ للدنيا وحدَها أعطاهمُ اللهُ منها وحرمهمْ ثوابَ الآخرة، ومن كان يعملُ للآخرةِ أعطاهمُ اللهُ منها ولم يحرمهمْ نصيبَهمْ من الدنيا، بحسبِ عملهم وشكرهم.

{وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران:146].
146 – وهناكَ أنبياءُ كثرٌ قاتلَ معه جماعاتٌ من الصابرينَ الأبرارِ الأتقياء، فما ضعفتْ نفوسُهمْ من الكربِ والبلاء، وما وهنوا لما أصابهمْ من الشدَّةِ والجِراح، وما توقَّفوا عن متابعةِ الجهادِ في سبيلِ الله، وما استسلموا لأعداءِ اللهِ ولا ذلُّوا، بل قاتلوا على ما قاتلَ عليه أنبياؤهمْ حتى لحقوا بهم، واللهُ يحبُّ المدافعينَ عن دينه، المتَّبعينَ لأوامرِ أنبيائه، الصابرينَ في أوقاتِ الشدَّةِ والحرب.

{وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [آل عمران:147].
147 – وكانوا مع جهادهمْ وطلبهمْ رضاءَ اللهِ يقولونَ ويكرِّرون: ربَّنا اغفرْ لنا ما اقترفنا من ذنوب، وما تجاوزنا فيه الحدّ، وفرَّطنا من أمر، وأيِّدْنا بتأييدٍ من عندكَ في مواطنِ الحرب، وثبِّتنا على دينِكَ الحقّ، وانصرنا على أعدائكَ وأعداءِ دينِكَ من القومِ الكافرين.

{فَآَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [آل عمران:148].
148 – فكانَ جزاءَ هؤلاءِ المؤمنينَ الصابرينَ وجوابَ دعائهم، أنْ آتاهمُ ثوابَ الدنيا بالنصرِ والعزِّ والعاقبةِ الحسنة، وفي الآخرةِ النعيمَ المخلَّد، واللهُ يحبُّ من آمنَ وأحسن، وأتْبعَ إيمانَهُ بالعملِ الصالح.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ} [آل عمران:149].
149 – أيُّها المؤمنون، إنكمْ إنْ أطعتمُ المنافقينَ والكافرين، واستمعتمْ إلى وشاياتهم، وتأثَّرتمْ بما يُشيعونَهُ مما أصابكمْ من القتلِ والجرح، ليُثبطوا عزائمكم، ويخوِّفوكمْ من عواقبِ الحربِ مع المشركينَ مرَّةً أخرى، فإنَّكم بهذا تفتحونَ المجالَ أمامهمْ ليردُّوكمْ على ما كنتمْ عليه من الكفرِ والضلال، وتكونونَ بذلك من المغبونينَ الخاسرين، في الدنيا والآخرة.

{بَلِ اللهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران:150].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361305
150 – لكنَّ اللهَ وليُّكم، ومثبِّتُكمْ على دينكم، وهو خير ناصرٍ لكم، فاستعينوا به، وأحسنوا توكُّلَكمْ عليه.

{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران:151].
151 – سنبثُّ الخوفَ والهلعَ في قلوبِ الكافرينَ ونُرعبهم، بسببِ كفرهمْ وإشراكهمْ باللهِ آلهةً لا قوَّةَ لها ولا سيطرةَ على أحد، لأنَّ اللهَ لم يمنحْها سلطاناً، بل هي لا تضرُّ ولا تنفع، ولا تسمعُ ولا تتكلَّم!! فما أجهلهمْ وما أشدَّ غفلتهم، وإنَّ مصيرَهمْ نتيجةَ عدمِ استعمالِ عقولِهمْ وتوظيفِها لاتِّباعِ الحقّ، هو النار، وبئسَ المهجعُ مهجعهم، الذي أعدَّهُ اللهُ لمن ظلمَ نفسَهُ وظلمَ الآخرينَ من الكافرين. فاستيقنوا من النصرِ أيُّها المؤمنون، فإن أعداءكمْ خائفونَ هالكون.

{وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ} [آل عمران:152].
152 – وقد صدقَ اللهُ وعدَهُ معكمْ بالنصرِ في غزوةِ أُحُد، كما كانَ في أوَّلِ النهار، عندما سلَّطكمُ اللهُ عليهم، فصرتُمْ تقتلونهم، وكدتُمْ أن تستأصلوا شأفتهم، حتى إذا جَبُنَ بعضُكم في القتال، نتيجةَ النزاعِ والخصامِ الذي دارَ بينكم، وعصى بعضُكمُ الآخرُ - وهم الرماةُ – قائدَهمْ محمَّداً صلى الله عليه وسلم، وكان قد أمرهمْ ألاّ يبرحوا مكانهم، فنزلوا ينهبونَ في العسكر، فبقيَ ظهرُ المسلمينَ مكشوفاً للعدوّ، أراكمُ اللهُ الفشلَ بعد النصر، حيث شابَ إخلاصَكم مطامع، فمنكمْ من رغبَ في الغنائمِ عندما رأى هزيمةَ العدوّ، ومنكمْ من أرادَ وجهَ اللهِ في جهادهِ فثبتَ في مكانهِ حتى يتلقَّى أوامرَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم، فكان نتيجةَ ذلك أن صرفَ قوَّتكمْ واجتماعَكم عن العدوّ، ففشلتم، ليختبرَ إيمانكم، ويمتحنَ قوَّةَ صمودِكمْ وعزيمتِكمْ وتمسُّكِكمْ بدينكم، ولتعتبروا ممّا أصابكم، ولا تكرِّروه، وغفرَ لكمْ ضعفَكمْ وتنازعَكمْ وعصيانَكم، وهذا من فضلِ اللهِ عليكمْ ورحمتهِ بكم.

{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران:153].
153 – وتذكَّروا شؤم َ عصيانِكم، عندما بدأتُمْ تصعدونَ إلى الجبلِ هروباً من عدوِّكم، ولا تنظرونَ وراءكمْ من الخوف، ولا تسمعونَ كلامَ أحد، لِما أصابكمْ من رعبٍ وهلع! والرسولُ يناديكمْ – وقد خلَّفتموهُ وراءكمْ – ليجمعكمْ ويطمئنكمْ بأنهُ ما زالَ حيّاً، لا كما أشاعَ العدوُّ بأنهُ قُتل! لتكرُّوا عليهم من جديد، فجازاكم غمّاً بغمّ، يملأ نفوسَكمْ غمُّ الهزيمة، وغمُّ سماعِكمْ مقتلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتى لا تحزنوا على ما فاتكمْ من الغنيمةِ والنصرِ على عدوِّكم، ولا ما أصابكمْ من القتلِ والجراح. واللهُ مطًّلعٌ على خفايا صدوركم، لا يخفَى عليه حقيقةُ أعمالكمْ ودوافعُ حركاتِكم.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361305

{ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران:154].
154 – ثمَّ منَّ اللهُ عليكمْ بعد هذا الغمِّ بنعاسٍ يغشَى جماعةً منكمْ وهم في لباسِ الحرب، ليكونَ سَكَناً لهم وأمناً. وطائفةٌ أخرى لا يغشاهمُ النعاسُ من القلقِ والخوفِ والجزع، كانتْ تهمُّهمْ أنفسُهم فقط، فذهبتْ بهم نفوسُهمْ إلى ظنونٍ سيِّئةٍ لا توافقُ الحقّ، بل هي من ظنونِ الجاهلية، وقالوا إنه قُصِمَ ظهرُ الإسلامِ بهذا، فلا قيامَ له من بعد، ولا نصرَ لأهلهِ بعد اليوم!
وكانوا يقولون: لقد دُفعنا إلى المعركةِ دفعاً دونَ إرادةٍ لنا فيها.
فقلْ لهم أيُّها النبيّ: إنَّ الأمرَ كلَّهُ لله، فهو الآمرُ الحاكم، والكلُّ يؤدِّي واجبَهُ تجاهَ دينهِ وربِّه، وهذا الذي قمتُمْ به هو أداءٌ للواجبِ المفروضِ عليكم نحوَ دينكم. إن نفوسَهمْ ملأى بالهواجسِ والوساوس، لم تكتملْ بحقيقةِ الإيمان، فهي ما زالتْ تشكو من اعتراضاتٍ واحتجاجات، فيقولون: لو كان الأمرُ بيدنا لمَا استجبنا نداءَ الرسول، ولمَا حضرنا المعركة، ولَما أصابنا القتلُ والجراحات.
فقلْ لهم: لو أنكمْ بقيتُمْ في بيوتكمْ ولم تخرجوا إلى القتال، وكان قَدَرُ المقتولِ منكم أن يكونَ مصرعهُ في مكانِ المعركة، لجاءَ إلى هناك وقُتِلَ فيه! فهو الأجَلُ الذي لا يتقدَّمُ في حربٍ، ولا يتأخَّرُ في سِلم.
إنهُ الجهادُ الذي يحتاجُ إلى عزيمةٍ وصبر، فيكشفُ ما في الصدور، ويُخرجُ ما في القلوب، وتتبيَّنُ حقيقةُ كلِّ شخصٍ على ما كان يُخفيه، ويميزُ الخبيثُ من الطيِّب، ويظهرُ المؤمنُ والمنافق، فهو الابتلاءُ والاختبار، واللهُ عليمٌ بالأسرارِ الخفيَّةِ التي تختلجُ في الصدور، ولا تنكشفُ في النور.

{إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [آل عمران:155].
155 – إنَّ هؤلاءِ الذين فرُّوا من الحربِ عندما تقابلَ الجيشان، إنَّما كان فرارُهمْ بسببِ ذنوبٍ سالفةٍ ارتكبوها، فضعفَ ارتباطُهمْ بالله، وفقدوا ثقتهمْ في قوَّتهم، واختلَّ توازنُهمْ وتماسُكهم، فوجدَ الشيطانُ مدخلاً إلى نفوسهم، ليهجسَ فيها ويوسوس، ويسوِّلَ لهم حُسنَ الهزيمة! ثم عفا اللهُ عمّا كان منهم من فرار، فهو يغفرُ الذنوب، ويعفو عن خلقه، ويتجاوزُ عنهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [آل عمران:156].
156 – يا عبادَ اللهِ المؤمنين، لا تتشبَّهوا بالكافرين في أقوالهمْ وأفعالهم، فلا تقولوا كما قالوا للذين ماتوا من أصحابهمْ عندما سافروا للتجارةِ أو غيرها، أو مضَوا إلى الغزو: لو أنَّهمْ بَقُوا عندنا لم يموتوا ولم يُقْتَلوا. وقد جعلَ اللهُ فيهم هذا الاعتقادَ ليزدادوا حزناً وكَمداً، فهم ليسوا مثل المؤمنينَ الذين يتلقَّونَ الابتلاءَ صابرين، راضينَ بقضاءِ اللهِ وقَدَره، فالأمرُ كلُّهُ بيدهِ سبحانه، فهو المُحيي والمُميت، إنْ قدَّرَ لهم الموتَ ماتوا، وإنْ لم يقدِّرْ لهم ذلك لم يموتوا، سواء كانوا في تجارةٍ، أو حرب، أو لا. واللهُ عالمٌ بخلقه، بصيرٌ بشؤونهم،لا يخفَى عليه شيءٌ من أمرهم.

{وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [آل عمران:157].
157 – على أنَّ الحياةَ الدنيا ليستُ خيراً لكم في كلِّ مرَّةٍ أيُّها المؤمنون، فإنكمْ إذا قُتلتمْ في سبيلِ اللهِ أو متُّمْ لكان مآلُكمْ أفضلَ وأحسن، حيثُ تنالونَ رحمةَ اللهِ وعفوَهُ ورضوانه، فهو أفضلُ مما تكدحونَ لأجلهِ وتجمعونَ من حطامِ الدنيا، وهي كلُّها لا تساوي شيئاً من نعيمِ الآخرة.

{وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ} [آل عمران:158].
158 – وفي كلِّ الأحوال، فإنكم إذا قُتلتمْ تحتَ ظلالِ السيوف، أو متُّمْ على فُرُشِكمْ في بيوتِكم، فإنَّكمْ ستُحشرونَ إلى ربِّكم، فيجزيكمْ على عملكم، إنْ مغفرةً ورحمة، أو غضباً وعذاباً. فالحكمةُ في الاطمئنانِ إلى ما قدَّرَ الله، والعبرةُ بما يكونُ المصيرُ إليهِ بعد الموت.

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159].
159 – برحمةِ اللهِ لكَ ألنتَ لأصحابِكَ جانبك، وخفضتَ لهم جَناحك، وحسَّنتَ لهم خُلقك، فأحبُّوكَ وفدَوْكَ بأنفسهمْ وآبائهمْ وأموالهم، ولو كنتَ جافيَ المعاشرة، كريهَ الخُلق، قاسيَ القلب، لنفروا منك، وتفرَّقوا عنك. فاعفُ عنهم ما صدرَ منهم من تقصيرٍ في حقِّكَ كما عفا اللهُ عنهم، واستغفرْ لهم فيما يتعلَّقُ بتقصيرهمْ في حقِّ اللهِ إكمالاً للبرِّ بهم، واستشرهمْ في الأمور، لتُظهرَ به آراءهم، وتطيِّبَ قلوبهم، وتمهِّدَ لسنَّةِ المشاورةِ للأمَّة، فإنَّ في الاستشارةِ فوائدَ ومصالحَ كثيرة.
فإذا اطمأنَّتْ نفسُكَ عقيبَ المشاورةِ بأمر، فأمضهِ متوكِّلاً على الله، معتمداً عليه في تحصيلِ ما رجوتَ منه، فإنَّ اللهَ ينصرُ المتوكِّلينَ عليه ويرشدهمْ إلى ما فيه خيرُهمْ وصلاحُهم.

{إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ} [آل عمران:160].
160 – وإنْ يُرِدِ اللهُ نصرَكمْ ومنعَكمْ من عدوِّكمْ كما أرادَهُ يومَ بدر، فلا أحدَ يغلبكم، فلا قوَّةَ إلا به، ولا قدرةَ إلا قدرته، ولا مشيئةَ إلا مشيئته. ولا يعني هذا عدمَ النهوضِ بالتكاليفِ، أو عدمَ بذلِ الجهد، فإنَّ التوكلَ غيرُ التواكل. ولا بدَّ أن ينصرَ المؤمنونَ دينَ اللهِ حتى ينصرهم {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد: 7].
وإذا ترككمْ ولم ينصرْكُمْ كما كان يومَ أُحُد، فمن يقدرُ على نصركمْ بعد خذلانه؟ فتوكَّلوا على اللهِ أيُّها المؤمنونَ حقَّ التوكٌّل، ولا تطلبوا النصرَ من غيره.

{وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [آل عمران:161].
161 – وما كانَ لنبيٍّ من الأنبياءِ أن يخون، أو يحتجزَ شيئاً من أموالِ الغنائم، أو يقسمها لبعضِ الجندِ دونَ بعض، فليسَ هذا من شأنِ النبوَّةِ العظيمةِ ولا يكون. ومن يَخُنْ منكمْ في الجهادِ ويأخذْ شيئاً من الغنائمِ دونَ إذن، فإنهُ يأتي ذنباً ويقترفْ جُرماً، وسيأتي يومَ القيامةِ وهو حاملٌ ذلك الشيءَ الذي سرقَهُ فوقَ رقبته، والكلُّ يراهُ بجُرمه!
وسوفَ تأخذُ كلُّ نفسٍ حظَّها من الجزاء، إنْ خيراً أو شرّاً، ولا يُظْلَمُ أحدٌ في ذلك، لا زيادةً في عقاب، ولا نقصاً في ثواب.

{أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} [آل عمران:162].
162- وهل يتساوى مَنْ سعى في رضا اللهِ بطاعتهِ واتِّباعِ سيرةِ نبيِّهِ مع مَنْ رجعَ بغضبِ اللهِ بسببِ معصيتهِ وغلوله، فكان مصيرهُ جهنَّم؟ وبئسَ هذا المكانُ الذي ليس فيه سوى الحرقِ والعذاب.

{هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [آل عمران:163].
163- وكلا الطرفينِ متفاوتانِ في منازلهما يومَ القيامة؛ درجاتٌ في الجنة، ودركاتٌ في النّار. واللهُ بصيرٌ بأعمالهم ودرجاتها، وسوفَ يجازيهمْ بحسبها.

{لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} [آل عمران:164].
164- إنَّها منَّهٌ كبيرةٌ وفضلٌ عظيمٌ من اللهِ على عبادهِ المؤمنينَ عندما بعثَ إليهم نبيًّا من بينهم، ليفقهوا كلامَهُ بسهولة، ويتمكَّنوا من مخاطبتهِ ومجالستهِ والانتفاعِ به، يقرأ عليهمْ آياتٍ بيِّناتٍ من كتابِ اللهِ العزيز، ويربِّيهمْ تربيةً إسلاميَّة، فيطهِّرهمْ من أوضارِ الجاهلية، ودنسِ الطبائع، وسوءِ العقائدِ التي كانوا عليها، ويأمرهمْ بالخيرِ وينهاهمْ عن الشرِّ والفحشاء، ويعلِّمهمُ القرآنَ والسنَّة، وإن كانوا من قبلُ في ضلالٍ وجهلٍ بيِّن.

{أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران:165].
165- وإذا أصابكمْ ما جزعتُمْ منه في يومِ أُحُد، وقد أَصبتمُ المشركينَ ضعفَ ما أصابكمْ به يومَ بدر، قلتم: من أين أصابنا هذا وكيف جرى؟ فقل: هو بسببِ عصيانكمْ أوامرَ رسولِكم حين أمركمْ ألاّ تغادروا مكانكم، فأبيتُمْ ونزلتُمْ تجمعونَ الغنائم. واللهُ يحكمُ ما يريد، فإذا أطعتمْ انتصرتم، وإذا خالفتُمْ أُصبتم.

{وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ التَقَى الجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران:166].
166- وما أصابكمْ يومَ أُحُدٍ من فرارٍ وقتلٍ وجراحاتٍ هو بقضاءِ اللهِ وقدره، ولحكمة، ليظهرَ ويتميَّزَ من بينكمُ المؤمنونَ الذين صبروا وثبتوا ولم يتزعزعوا.

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [آل عمران:167].
167- وليظهرَ كذلكَ أهلُ النفاقِ المُرجفون، الذين قيلَ لهم: تعالَوا جاهدوا في سبيلِ الله وقاتِلوا المشركين، أو كثِّروا سوادَ المسلمينَ ورابِطوا: قالوا: لو نعلمُ أنكمْ ستخوضونَ حرباً لجئنا معكم، ولكنْ لا حرب. فرجَع كبيرُ المنافقينَ عبداللهِ بنُ أبي سلول بثلثِ الجيش! فهؤلاءِ صاروا أقربَ إلى الكفرِ منهم إلى الإيمان، حيث كانوا سابقاً يتظاهرونَ بالإيمان، فلمّا خذلوا عسكرَ المسلمين تباعدوا عن الإيمانِ واقتربوا من الكفر. إنَّهم يقولونَ بألسنتهم غيرَ ما يُضمرونَهُ في قلوبهم، فقد كانوا عازمينَ على الارتدادِ والانخذال. واللهُ أعلمُ بما يخفونَهُ من كفرٍ ونفاق، وما يغمرُ قلوبَهم من شرٍّ وفساد.

{الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ المَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168].
168- إنَّهم المنافقون، الذين قالوا لأقربائهم -وهم قد قعدوا عن القتال-: لو أطاعونا وسمعوا مشورتَنا فيما أمرناهم من الرجوعِ ووافقونا على ذلك، لما قُتلوا كما لم نُقتل.
فقلْ لهم أيُّها الرسول: إنْ كان القعودُ ينجي من القتلِ والموت، فادفعوا عن أنفسكمِ الموتَ الذي كُتِبَ عليكمْ إن كنتُمْ صادقينَ في قولكم! لكنَّهُ آت، ولابدَّ لكم منه، ولو كنتم في بروجٍ مشيَّدة، وفي أحسنِ صحة!
[آل عمران:133].









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 17 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة الخامسة عشرة

سورة آل عمران
(169-200)

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].
169- ولا تظننَّ أنَّ الذين فارقوا لحياةَ من الشهداءِ قد ماتوا حقًّا. وإنْ ظهرَ قتلُهم في هذه الحياةِ الدنيا، فإن أرواحَهُمْ حيَّةٌ تُرْزَقُ عند اللهِ في دارِ القرار.

{فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [آل عمران: 170].
170- وهم فرحونَ مغتبطونَ بفضلِ اللهِ عليهمْ ورضاه عنهم، ويستبشرونَ بإخوانهمُ الذين يُقْتَلونَ بعدهم في سبيلِ اللهِ ألاّ خوفٌ عليهم فبما يستقبلونه، فهم أمامَ نعمةٍ وفضلٍ يفيضُ عليهم، ولا هم يحزنونَ على ما فاتَهُمْ من الدنيا، فالآخرةُ لهم خيرٌ وأبقى.

{يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ المُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 171].
171- إنًّهم استبشروا وسُرُّوا لمّا رأوا ما وُعِدوا به من جزيلِ الثوابِ من فضلِ اللهِ ونعمته. وهذا شأنُ اللهِ مع المؤمنينَ الصادقين، فيُكرمهم، ويُجزلُ لهمُ الثواب.

{الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ القَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 172].
172- لقد استجابوا لنداءِ الله، وأطاعوا رسولَهُ عندما دعاهمْ لتتبُّعِ المشركينَ ليُرعبوهمْ ويُريهمْ أنَّ بهم قوَّةً وجَلَداً، ولو أنَّهم كانوا مُرهَقين مُثخنينَ بالجراح، ولم يندبْ أحداً لملاحقتِهم حتى "حمراءِ الأسد" إلا من ثبتَ معهُ يومَ أُحُد. وكان أبو سفيانَ قد عتبَ على المشركينَ لأنَّهم لم يغزوا المدينة.
وقد تحقَّق الغرضُ من تتبُّعهم، فرجَع أصحابُ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عندما لم يروا أحداً. فهؤلاءِ الذين استجابوا وثبتوا على مواقفهمْ واتَّقَوا ربَّهم، لهم ثوابٌ عظيمٌ من ربِّهم.

{الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ} [آل عمران: 173].
173- إنَّهمُ المجاهدونَ المؤمنون، الصابرونَ المتوكِّلون، الذين توعَّدهمُ الناسُ بالجموعِ الكبيرةِ وخوَّفوهمْ بكثرةِ الأعداء، فما اكترثوا لذلك وما جَبَنوا، بل زادهمْ ذلك إيماناً وثباتاً وعزيمة؛ لحُسنِ توكُّلهم على الله، ويقينهمْ بما وعدهمُ اللهُ به، فاستعانوا به وقالوا: حسبُنا اللهُ ونعمَ الوكيل، فهو حسبُنا وكافينا، ونرضى به وحدَهُ وكيلاً وحافظاً.

{فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 174].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361308
174- فرجعوا إلى بلدهمْ وقد ردَّ اللهُ عنهم بأسَ من أرادَ كيدَهمْ وأذيَّتهم، وكفاهمْ لمّا توكَّلوا عليه، فسلموا ونجوا، ونالوا رضوانَ اللهِ باستجابةِ نداءِ رسوله، وعادوا بالنجاةِ والرضى. وفضلُ اللهِ عظيمٌ على عبادهِ المؤمنين.

{إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175].
175- إنَّما هو الشيطانُ الذي يوهمكمْ أنه ذو بأسٍ وشدَّة، ويُلْبِسُ أنصارَهُ لباسَ القوَّةِ والقدرة، ويوقعُ في القلوبِ أنَّهم ذوو حَوْلٍ وطَوْل، وأنَّهم سينتصرون، فلا تخافوا المشركينَ أولياءَ الشياطين، الذين ينشرونَ الفسادَ والباطلَ والضلال، بل خافونِ والتجئوا إليّ، فأنا كافيكمْ وناصركمْ عليهم ما نصرتموني.

{وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 176].
176- كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُشفقُ على الناسِ ويحرصُ على إيمانهم، فإذا بادرَ بعضُ المشركينَ إلى المخالفةِ والعنادِ اغتمَّ وحزنَ لذلك، فقال اللهُ ما معناه: لا تحزنْ من عملِ الكفارِ عندما يسارعونَ إلى مخالفتِكَ ويقعونَ في الكفرِ سريعاً لحرصهمْ عليه وشدَّةِ رغبتهم فيه، فهؤلاءِ غيرُ قادرينَ على أن يُلحقوا باللهِ ضرراً ولا بأوليائه، إنما يريدُ اللهُ بانهماكهم في الكفرِ حرمانَهم من النعيمِ وتعذيبَهمْ بالنار. ولذلك تركهمْ بلا هدايةٍ حتى يهلكوا على الكفر، وعذابُهم جزاءَ طغيانهم مهولٌ كبير.

{إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 177].
177- وإنَّ الذين استبدلوا الكفرَ بالإيمان، رغبةً في الأوَّلِ وإعراضاً عن الآخر، لن يضرُّوا اللهَ شيئاً، إنَّما ضررهمْ على أنفسِهم، عندما يأتي على أبدانهم عذابٌ فظيعٌ مؤلمٌ حقاً، جزاءَ سرورِهمْ بالكفرِ في الدنيا.

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ} [آل عمران: 178].
178- ولا تظننَّ أيُّها الرسولُ أنَّ إمهالَنا الكافرينَ فيه خيرٌ ومنفعةٌ لهم، إنَّما نؤخِّرهمْ في الحياةِ الدنيا لتزدادَ آثامُهم وتُكثرَ ذنوبهم، فيزدادَ عذابُهم، وإنَّ عذابَهم في الآخرةِ سيكونُ مذلاًّ لهم؛ جزاءَ عنادهمْ وتجبُّرهم.

{مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآَمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179].
179- وما كان اللهُ ليَدعَ المؤمنينَ هكذا بدونِ تمحيصٍ وابتلاءٍ وقد التبسَ بهم المنافقون، فكان لا بدَّ من المحنةِ حتى يظهرَ الوليُّ من العدوّ، ويَبِيْنَ المؤمنُ الصابرُ من المنافقِ الفاجر، وذلك يَوم أُحُد، وكان كذلك، حيث تبيَّنَ المخلصونَ المجاهدونَ الذين ثبتوا مع رسولِ الله، وظهرتْ مخالفةُ المنافقينَ وخيانتُهمْ للهِ ورسوله.
وأنتمْ لا اطِّلاعَ لكم على الغيب، ولا ما تكنُّهُ قلوبُ المنافقينَ من كفرٍ ونفاق، ولولا هذه الأسبابُ التي أجراها اللهُ لكم، لما عرفتُمْ خبرَهمْ وشدَّةَ عداوتِهمْ لكم. ويختارُ اللهُ من رسلهِ من يشاء، كمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ليتبيَّنَ من يتبعهُ ومن لا يتبعه، ومن يعاديهِ ممَّن يصحبه، فيتميَّزُ الخبيثُ من الطيِّب، ويخبرهُ اللهُ بما بدَر من المنافقينَ من أقوالٍ وأفعال، فيفضحهم، ويخلِّصكمْ من شرِّهم وإيذائهم.
فأطيعوا اللهَ واتَّبعوا ما يأمركمْ به رسولُهُ ممّا شرعَ لكم، وإنْ تؤمنوا باللهِ حقَّ الإيمان، وتتَّقوهُ بمراعاةِ حقوقه، فلكمْ ثوابٌ عظيمٌ لا تعرفونَ قدره.

{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَللهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران: 180].
180- ولا يظننَّ الذين يبخلونَ بأموالهمْ فيكنزونها ولا ينفقونها في حقِّها أنَّ ذلك أفضلُ لهم وأحسن، بل هو شرٌّ لهم، وسوءُ عاقبةٍ ينتظرهم، فإن تلكَ الأموالَ ستتحوَّلُ إلى نيرانٍ فظيعةٍ تحيطُ بهم وتطوِّقهم؛ جزاءَ إمساكهمْ ما تفضَّلَ اللهُ به عليهم من مال، وسيعلمونَ عندئذٍ أنَّ حفظهمْ لتلك الأموالِ كانتْ حفظاً لنارٍ تنتظرهم.
وليس اللهُ بحاجةٍ إلى أموالهم، بل إنَّهم همْ وأموالَهم وما في السماواتِ والأرضِ ملكٌ لله، ويرثُ اللهُ السماواتِ والأرضَ بعد فناءِ أهلهما. فكلُّ شيءٍ مرجعهُ إليه، ومن أنفقَ فإنَّما يقدِّمُ لنفسهِ خيراً، والله خبيرٌ بنيّاتِكمْ في المنعِ والبخل، وسيجازيكمْ على ذلك.

{لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ} [آل عمران: 181].
181- لقد سمعَ اللهُ قولَ اليهودِ عندما قالوا إن اللهَ فقيرٌ ونحن أغنياء، وذلك عندما طلبَ سبحانَهُ من عبادهِ أن يُنفقوا من أموالهمْ ليدَّخرها لهم ويجزيَهمْ عليها خيرَ الجزاءِ يومَ القيامة، فقال عزَّ وجلَّ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245] ، قالتْ يهود: "يا محمَّد، افتقرَ ربُّك، يسألُ عبادَهُ القرض"! في تحدٍّ وسوءِ أدبٍ مع ربِّ الكون!
يقولُ سبحانَهُ مهدِّداً بما ينتظرهم: سنكتبُ قولَهم هذا ونحاسبُهم عليه، فلا هو منسيٌّ ولا مهمل، إلى جانب آثامٍ عظيمةٍ أخرى لهم، كقتلهمْ أنبياءَ الله. وهم يتباهونَ بهذه الجرائمِ المنكَرةِ التي تقشعرُّ منها الأبدان، وتنبذُها الفِطَرُ السليمة. وسنجزيهمْ على ذلك شرَّ الجزاء، عذاباً كبيراً مخيفاً لا يعرفُ قدْرَهُ وكيفيَّتَهُ إلا الله!

{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران: 182].
182- وهذا كلُّهُ بسببِ ما اقترفتْهُ أيديهمْ من أعمالٍ شنيعة، وهو جزاءٌ حقّ، لا ظلمَ فيه ولا قسوة، واللهُ لا يظلمُ عبيده، فلا يوقعُ بهم عذاباً لا يستحقُّونه، على الرغمِ من أنهم عصوا ربّاً، وهم عبيد.

{الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران: 183].
183- إنَّهم اليهود، الذين زعموا أنَّ اللهَ قد أخذَ منهم عهداً كما هو في كتبهم، ألاّ يؤمنوا بنبيٍّ حتى يكونَ من معجزاتهِ أنَّ أحداً من أتباعهِ لا يتصدَّقُ بصدقةٍ إلا نزلتْ نارٌ من السماءِ فأكلتها، في علامةٍ على قبولها.
فقلْ لهم: لقد سبقَ أن بعثَ اللهُ إليكمْ رسلاً من قَبلي مؤيَّدينَ بمعجزات، منها ما ذكرتمْ من قرابينَ تأكلها النار، ولكنَّكمْ لم تقبلوا منهم، فلمَ كذَّبتموهمْ وقتلتموهم، إنْ كنتمْ صادقينَ في دعواكمْ بأنكم تتَّبعون الحقَّ وتنقادونَ للرسل؟

{فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالكِتَابِ المُنِيرِ}
[آل عمران: 184].
184- فإذا كذَّبوكَ ولم يتَّبعوا ما أُرسلتَ به، فلكَ أسوةٌ بمن سبقكَ من الأنبياءِ الذين كذَّبتهمْ يهود، وكذَّبوا ما جاؤوا به من معجزاتٍ وخوارق، وتوجيهاتٍ إلهية، وكتبٍ منزَّلةٍ من السماء، بيِّنةٍ واضحةٍ جليَّة.

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ}
[آل عمران: 185].
185- فلا تحزنْ أيُّها الرسول، فإنَّ كلَّ نفسٍ ميِّتةٌ لا محالة، وبعدها دارٌ يتميَّزُ فيها المحسنُ عن المسيء، ويجازي اللهُ الخلائقَ بأعمالها، كثيرِها وقليلِها، كبيرِها وصغيرِها، فلا يُظْلَمُ أحدٌ مثقالَ ذرَّة.
فمن بَعُدَ عن النّار ونجا منها وأُدخلَ الجنةَ فقد فازَ وظفرَ ببغيته، وما لذَّاتُ الحياةِ الدنيا وزخارفُها إلا متاعٌ قليلٌ زائل.

{لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ}
[آل عمران: 186].
186- وكان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابُه يؤذَوْنَ من قبلِ المشركينَ واليهودِ حينَ قدومهم المدينة، فأُمِروا بالعفوِ والصبر: سوفَ تمتحنونَ أيُّها المسلمونَ في أموالِكم بالنقص، وفي أنفسِكم بالأمراضِ والجراحِ وما إليها -وقد أخذَ المشركونَ أموالَهم وعذَّبوهم في مكَّة- وستسمعونَ من اليهودِ والنصارى ومن مشركي العربِ كلاماً وهجاءً مؤذياً، من الطعنِ في الدين، والتحقيرِ والاستهزاء، والتحريضِ على القتل، فإذا صبرتمْ على أذاهمْ وعفوتُمْ عنهم واشتغلتمْ بطاعةِ اللهِ وطلبِ رضوانه، فإنَّ ذلك من خيرِ الأمورِ وأفضلها، حتى تتقوَّوا على ذلك وتُرهبوهم.

{وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}
[آل عمران: 187].
187- لقد أخذَ اللهُ العهدَ والميثاقَ على أهلِ الكتابِ أن يبيِّنوا للناسِ أمرَ الرسولِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم كما علَّمهم أنبياؤهم وكما هو مسطَّرٌ في كتبهم، وألاّ يكتموه، حتى إذا أرسلَهُ اللهُ عرفوهُ وتابعوه، لكنهم طرحوهُ وضيَّعوهُ وتركوا العملَ به، واستعاضوا بذلك الهدايا والمآكلَ والرشاوي، حظًّا دنيوياً حقيراً مقابلَ أمرٍ عظيم يترتَّبُ عليه تضليلُ أممٍ وأجيالٍ على مدى قرونٍ وأحقاب... فبئستِ البيعةُ بيعتُهم، وبئستِ التجارةُ تجارتهم.
قال قتادةُ رحمَهُ الله: هذا ميثاقٌ أخذَهُ اللهُ تعالى على أهلِ العلم. فمن علمَ شيئاً فليُعلِّمه، وإيّاكم وكتمانَ العلم.
وقال ابن كثير: في هذا تحذيرٌ للعلماءِ أنْ يسلكوا مسلكهم فيُصيبَهم ما أصابهم...

{لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}
[آل عمران: 188].
188- ولا تظننَّ أن الذين يفرحونَ بما اقترفوا من أفعالٍ سيِّئةٍ، ويحبّونَ أن يظهروا للناسِ أن ما فعلوهُ هو الحقّ، مثلما كان يفعلُ اليهودُ عندما يُسألونَ عن شيءٍ من العلمِ الذي بأيديهم، فيضلِّلونَ الناسَ ويجيبونهمْ بكلامٍ فيه كذبٌ وتحريف، ويطلبونَ شكرَ الناسِ لهم على إيمانهمْ وأمانتهمْ في العلم!! فلا تظنَّ أنهم بمنجاةٍ من عقابِ الله، ولسوفَ يعذِّبهم عذاباً مؤلماً موجعاً.

{وَللهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
[آل عمران: 189].
189- واعلموا أنَّ كلَّ شيءٍ ممّا في السماواتِ والأرضِ هو ملكٌ لله، فهو المتصرِّفُ فيهما كيفما يشاء، والقادرُ على ما يشاء، لا يُعجزُه شيءٌ مما يريدُ فيهما، فهابوهُ ولا تخالفوه، واحذروا نقمتَهُ وغضبه.

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ}
[آل عمران: 190].
190- إن في إنشاءِ السماواتِ والأرض، في ارتفاعها واتِّساعها، وما فيها من أحياءٍ ونباتاتٍ شتى، وشموسٍ وأقمار، وجبالٍ شاهقات، وبحارٍ عظيمة، ومعادنَ ومنافع، وفي تعاقبِ الليلِ والنّهار، وكونِ كلٍّ منهما يخلفُ الآخر، بحسبِ طلوعِ الشمسِ وغروبها، أو في تفاوتهما بازديادِ أحدِهما وانتقاصِ الآخر، كلُّ ذلك آياتٌ وأدلَّةٌ عظيمةٌ على ألوهيَّةِ اللهِ ووحدانيته، لمن عقلَ من الناسِ وأدركَ الأشياءَ على حقائقها، وتجرَّدَ من شوائبِ الوهمِ والتقليد، فتفكَّرَ، وصدَّق، واعتبر، وآمن، واستسلمَ للحق.

{الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
[آل عمران: 191].
191- إنَّهم المؤمنونَ إذاً، الذين لا يكلُّونَ ولا يمَلُّونَ من ذكرِ الله، ولا يغفلونَ عنه في عامَّةِ أوقاتهم، لمعرفتِهمْ بأنَّهُ الحقُّ الذي ينبغي ألاّ يُنسى، ولخشوعهم، واطمئنانِ قلوبِهمْ بذكره، فيذكرونَهُ قائمين، وقاعدين، ومضطجعين، ويتفكرونَ في عظمةِ خلقِ الله، الدالَّةِ على علمهِ وقدرتهِ وعظمتهِ وحكمته، ويتأمَّلونَ فيما خلقَ وبثَّ في السماواتِ والأرض من بديعِ صنعه، ويقولون: ربَّنا ما خلقتَ هذا الكونَ عبثاً وهزلاً، فأنتَ منزَّهٌ من النقائصِ والعيبِ والعبث، بل هو لحِكَمٍ عظيمةٍ وأمورٍ جليلة، ليعرفَ الناسُ ربَّهم العظيم، وليعرفوا بديعَ صنعه، وليعبدوه، وليجزيَ مَنْ آمنَ بالحقِّ بالحسنى، ومن كفرَ وأساءَ بالسوء.
اللهمَّ فإنا آمنّا بكَ إلهاً واحداً وخالقاً عظيماً لا شريكَ لك، فأجِرْنا من النار، بهدايتِنا وتوفيقِنا إلى الأعمالِ الصالحة، ونعوذُ بكَ أن نكونَ ممن يكفرونَ بكَ وبنعمتك.

{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ}
[آل عمران: 192].
192- اللهمَّ إنكَ مَنْ أدخلتَهُ النارَ فقد أبعدته، وأهنته، وأهلكته، ولا مجيرَ للظالمينَ –أمثالهم- منكَ ولا نصير، ولا محيدَ لهم عن النار.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361308

{رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ}
[آل عمران: 193].
193- ربَّنا إنَّنا سمعنا داعياً يدعو إلى الإيمان، وهو نبيُّكَ محمَّدٌ صلى الله عليه وسلم، أن آمِنوا بربِّكم، مالكِكم ومتولِّي أموركم، فامتثلنا لأمره، وأجبنا نداءَهُ واتَّبعناه، اللهمَّ فذاكَ إيماننا، وهذا دعاؤنا، فاغفرْ لنا ذنوبنا، كبيرَها وصغيرَها، وألحقنا بعبادِكَ الصالحينَ الأبرار، خصَّنا بصحبتِهم، واجعلنا في جوارِهم.

{رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ}
[آل عمران: 194].
194- اللهمَّ وأعطِنا ما وعدتَهُ من الثوابِ على ألسنةِ رسلك، ولا تُبعدنا عن رحمتِكَ يومَ القيامةِ فنهلك، إنكَ لا تخلفُ ما وعدتَ به من الفضلِ والرحمة.

{فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}
[آل عمران: 195].
195- فأجابَ اللهَ دعاءهمْ بأنِّي لا أضيعُ عملَ أحدٍ منكم مهما كان صغيراً، بل يوفَّى كلٌّ جزاءَ ما عمل، الذكرُ منكم والأنثى سواء، فأنتم من أصلٍ واحد، والجميعُ في الثوابِ سواء.
فالذين أُخرِجوا من ديارهِم وهاجروا نتيجةَ مضايقةِ المشركينَ لهم وإلحاقِ الأذى بهمْ والضررِ بأموالهم، لا لشيءٍ سوى لاعتناقهم دينَ الإسلام، ثم جاهدوا في سبيلِ الله، فمنهم من قاتلَ وأبلى بلاءً حسناً في قوَّةٍ وصبر، وعزمٍ وبطولة، ورأى النصر، ومنهم من قاتَل حتى لقيَ ربَّه، فهؤلاءِ سأغفرُ جميعَ ذنوبهم، وأُدخلهم جنّاتٍ تجري في خلالها الأنهارُ، جزاءً عظيماً من ربِّهم الكريم، وعند اللهِ الجزاءُ الحسنُ لكلِّ من آمنَ وعملَ صالحاً.

{لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلَادِ}
[آل عمران: 196].
196- لا تنظرْ إلى هؤلاءِ الكفّارِ والعصاةِ من أعداءِ الدِّينِ وما هم فيه من مظاهرِ النعمةِ والترفِ، والغبطةِ والمكانة، ولا تلتفتْ إلى تصرُّفهم في البلادِ بالتجارةِ وأنواعِ المكاسب.

{مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَادُ}
[آل عمران: 197].
197- فعمّا قليلٍ يذهبُ ما هم فيه من سرور، وينتهي ما كان في أيديهمْ من متاع، ويزولُ عنهمْ كلُّ شيءٍ كانوا عليه، ويبقونَ مرتهنينَ بأعمالهمُ السيِّئة، التي تأخذهمْ إلى جهنَّم، ليفترشوا لهم بُسطاً من نار، وبئسَ الفراشُ والمصير!

{لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللهِ وَمَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ}
[آل عمران: 198].
198- وفي مقابلهمُ المؤمنون، الذين سمعوا نداءَ الإيمان فآمنوا وثبتوا، وعزموا على الأعمالِ الصالحة والتزموا، فجزاهمُ اللهُ جنّاتٍ كثيرات، تجري في خِلالها الأنهارُ العديدة، ضيافةً من الربِّ الكريم، والذي عند اللهِ مما ذُكِرَ من النعيم، ومن خلودٍ دائمٍ ورضوانٍ من الله، هو خيرٌ لأوليائهِ المتَّقين، ممّا يتقلَّبُ فيه الفجّارُ من المتاعِ القليلِ الزائل.

{وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ للهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الحِسَابِ}
[آل عمران: 199].
199- وهناك طائفةٌ من أهلِ الكتابِ يؤمنونَ باللهِ حقَّ الإيمان، ويؤمنونَ بما أُنزلَ على النبيِّ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بالإضافةِ إلى إيمانهم بالكتبِ المتقدِّمة، مثلَ المسلمين، مع خشوعٍ وخشيةٍ من الله، وطاعةٍ له وتذلُّل، ولا يكتمونَ صفةَ رسولِ اللهِ ومبعثَهُ ممّا يقرؤونَهُ في تلك الكتب، وليسوا مثلَ غيرِهمْ من أهلِ الكتابِ الذين يحرِّفونها مقابلَ هدايا ورشَى، أو يكتمونَ ما بها من بشاراتٍ بالرسولِ الكريم؛ حسداً وبغياً وعناداً، فمن آمنَ منهم يكونُ من خيرةِ أهلِ الكتابِ وصفوتهم، ولهم أجرهمْ عند ربِّهم مثلَ بقيَّةِ المؤمنين، لا فرقَ بينهم، واللهُ سريعُ الحساب، على كثرةِ عباده، وكثرةِ أعمالهم.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}
[آل عمران: 200].
200- يا عبادَ اللهِ المؤمنين، اصبروا على دينِكمُ الذي ارتضاهُ اللهُ لكم، في الشدَّةِ والرَّخاء، حتى تموتوا عليه، فهو زادُكمُ الذي تتمسَّكونَ به حتى يبلغكمُ المَقيل.
وصابروا أعداءكمُ الذين يحاولونَ دائماً أن يزعزعوا إيمانَكم ويقضوا عليكم، فكونوا أصبرَ منهم وأقوى حتى تغلبوهم.

ورابطوا في مواقعِ الجهادِ وفي الثغورِ المعرَّضةِ لهجومِ الأعداء، لا تغفلوا عن هذا ولا تستسلموا للرقاد.


وذُكِرَ مِنْ معنى المرابطةِ أنَّها المداومةُ على العبادةِ والثباتُ على طاعةِ الله.


واتَّقوا اللهَ في جميعِ أمورِكمْ وأحوالِكم، ولا تغفلوا عمّا أُمرتمْ به.


حتى تكونوا بهذا كلِّهِ من الفائزين، معزَّزين في الدنيا، ومكرَّمينَ في الآخرة










عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 18 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية نادية25


البيانات
التسجيل: Dec 2009
العضوية: 6634
المشاركات: 8,089 [+]
بمعدل : 2.76 يوميا
اخر زياره : 04-21-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 2065

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
نادية25 غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

بارك الله فيك اخي و جعلها في ميزان حسناتك
واصل









عرض البوم صور نادية25   رد مع اقتباس
قديم 09-10-2010   المشاركة رقم: 19 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

الواضح في التفسير
الحلقة السادسة عشرة

سورة النساء
(1-23)

بسم الله الرحمن الرحيم

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

1- أيُّها الناس، أطيعوا اللهَ واعبدوهُ حقَّ عبادته، واحذروا مخالفةَ أوامره، واتَّقوا عذابه، فهو القديرُ الذي خلقكمْ من نفسٍ واحدةٍ وهي آدم، وخلق َمنه زوجَهُ حوّاء، خلقها من ضلعٍ له، ونشرَ منهما ذكوراً وإناثاً كثيرين.
واتَّقوا اللهَ بطاعتكمْ إيّاه، وهو الذي تتساءلونَ به وتقولون: أسألُكَ بالله.
واحذروا من أن تقطعوا أرحامَكم، فإنَّ قطيعتَها ممّا يجبُ أن يُخشى ويُتَّقى. واللهُ رقيبٌ عليكم، حافظٌ مطَّلعٌ على نيّاتكمْ وما يصدرُ عنكم من أقوالٍ وأفعال، فيجازيكمْ بها.

{وَآَتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2].

2- وأعطُوا اليتامى أموالهم، ولا تظلموهمْ فتبدِّلوا الدنيءَ الحقيرَ من أموالِكمْ بالطيِّبِ الغالي من أموالهم، وتقولوا هذا بذاكَ ما دامَ من جنسٍ واحد! ولا تخلطوا أموالَهمْ بأموالكمْ وتأكلوها جميعاً، فهو إثمٌ كبيرٌ، فاجتنبوه.

{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} [النساء: 3].

3- وإذا أردتُمُ الزواجَ بيتيماتٍ وخشيتُمْ أن تضرُّوا بحقوقهنّ، كأنْ لا تعطوهنَّ صَداقهنَّ كاملاً مثل صَداقِ غيرِهنّ، فلا سبيلَ لكمْ إلى ذلك إلا أنْ تعدلوا في ذلك مثلَ غيرِهنّ، فإنْ لم تقدروا على العدلِ فالنساءُ كثيرات، فتزوَّجوا سواهنّ، إن شئتمُ الثنتينِ والثلاثَ والأربع، حلالاً طيِّباً، ولا زيادةَ على هذا العدد، فإذا خشيتُمْ ألا تعدلوا بينهنَّ فانكحوا واحدةً وذروا الجميع، أو انكحوا ما ملكتْ أيمانُكمْ من الجواري السَّراري، بدونِ عدّ، بطريقِ المُلكِ لا بطريقِ النكاح، فلا يلزمُ فيهنَّ من الحقوقِ ما يلزمُ في الزوجاتِ الحرائر0 واختيارُ الواحدة، أوالتسرِّي، هو أقربُ إلى ألاّ تَظلموا.

{وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].

4- وأعطوا النساءَ صَداقهنَّ حتماً واجباً، فإذا تنازلنَ لكم عن قسمٍ منه عن طيبِ نفسٍ منهنَّ، فكلوهُ حلالاً طيباً وشفاءً مباركاً.

{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5].

5- ولا تُعطوا غيرَ الراشدينَ أموالكم، ممَّن لا يُحسنونَ تصريفَها وتدبيرَها وتثميرَها، فالأموالُ لا تُهدَرُ ولا تُرمى، ففيها معايشكمْ ومصالحكمْ، من تجاراتٍ وغيرها، وأعطوا غيرَ الراشدينَ ممَّن تتولَّونَ أمورَهمْ حقوقَهم، من كسوةٍ ومؤنةٍ وطعام، وأحسنوا تعاملكمْ معهم، فبرُّوهم، وقولوا لهم كلاماً طيِّباً .

{وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا} [النساء: 6].

6- وإذا أردتُمْ أنْ تمكِّنوا اليتامى من أموالهمْ فجرِّبوهمْ واختبروهمْ أوَّلاً، فإذا رأيتُمْ أنَّهم بلغوا سنَّ الزواج، وعلمتُمْ منهم صلاحاً في الدِّين وقدرةً على التدبيرِ والتصريف، فأعطوهم أموالهم، ولا تأكلوها من غير حاجةٍ ضروريَّةٍ قبل بلوغهم، ومَنْ كان في غنىً عن مالهم فلا يأكلْ منه شيئاً، ومَنْ كانَ محتاجاً فليأكلْ بالمعروف، يعني بالتي هي أحسن، كما قالَ سبحانه: {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]، فإذا أعطيتموهمْ أموالهمْ فيجبُ أنْ يكونَ هناكَ شهودٌ في محضرِ التسليم. وكفى باللهِ محاسباً وشهيداً ورقيباً على أولياءِ اليتامى وقيامِهمْ على أمرهِمْ وما يفعلونَهُ بأموالهم.

{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء: 7].

7- الجميعُ سواءٌ في أصلِ الوراثة، فللرجالٌ نصيبُهمْ ممّا تركَهُ الوالدانِ وأقرباؤهم، وللنساءِ كذلك نصيبهنَّ ممّا تركَ الوالدانِ وأقرباؤهنّ، سواءٌ كانت التركةُ قليلةً أو كثيرة، حقًّا واجباً مفروضاً.

{وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبَى وَاليَتَامَى وَالمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8].

8- وإذا حضرَ قسمةَ التركةِ أقرباؤكمْ من اليتامى والمساكينِ ممَّن لا يرثون، فأعطوهم منها، وقولوا لهم كلاماً حسناً تطيِّبونَ به نفوسهم.

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9].

9- وليخَفِ اللهَ هؤلاءِ الذين يحضرهمُ الموتُ وقد تركوا ذرِّيةً صغاراً خافوا عليهمُ الفقرَ والضياع، لضعفهمْ ولعدمِ قدرتهمْ على التكسُّب، فليتَّقوا اللهَ ولا يوصوا بالكثيرِ من أموالهمْ للآخَرين ويَدَعوا أولادَهمْ عالةً يتكفَّفون الناس، بل بالمعروف. وقد بيَّنتِ السنَّةُ من بعدُ أنه لا تجوزُ الوصيَّةُ بأكثرَ من الثلث.

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

10- إنَّ الذين يأكلونَ أموالَ الأيتامِ حراماً بغيرِ حقّ، إنَّما يأكلونَ بذلك ناراً ملءَ بطونهمْ يومَ القيامة.
وسوفَ يكونُ جزاؤهم أن تُسَعَّرَ بهم النارُ في جهنَّم، فيُحرقونَ من الخارجِ أيضاً، فهي محيطةٌ بهم ظاهراً وباطناً، جزاءَ ظلمهمْ لليتامى الضعفاء.

{يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 11].

11- يأمركمُ اللهُ بالعدلِ في أولادكمْ عند تقسيمِ الميراث، فللرجلِ ضعفُ ما هو للأنثى، حسبما يأتي، فلا تُحرَمُ نصيبَها كما كان يُفْعَلُ بها في الجاهلية، أما الضعفُ للرجلِ فلأنهُ هو المسؤولُ عن النفقةِ لا المرأة، وهو الذي يعملُ ويتكسَّبُ ويتاجرُ ويتحمَّلُ المشقَّةَ لأجلِ ذلك، وليسَ مطلوبٌ ذلك من المرأة، بل هي مصونةٌ مأمورٌ أنْ يُنفقَ عليها، سواءٌ كانتْ عند أهلها أو عند زوجها، أو أنَّها تُنفقُ على نفسِها وحدَها.
فإذا ماتَ الأبُ ولا وارثَ له سوى ذرِّيتهِ من الذكورِ والإناث، اقتسموا تركتَهُ كلَّها، للذكورِ منهم ضعفُ ما هو للإناث.
فإذا لم يكنْ عندَهُ ذكور، لكنْ له ابنتانِ فأكثر، فلهنَّ ثلثا التركة.
وإذا كانتْ له ابنةٌ واحدةٌ فلها نصفُ التركة.
ثم يوزَّعُ باقي الميراثِ على أقربِ عاصبٍ للميِّت:
فيكونُ لأبويه: لكلِّ واحدٍ منهما السدسُ من الميراث، إذا كان له ولد.
فإذا لم يكنْ له ولدٌ وورثَهُ أبواهُ فقط، فلأمِّهِ الثلث، وسائرهُ لأبيه.
فإذا لم يكنْ له ولد، وكان له إخوة، ومعهم الأبُ والأم، فلها معهم السدس، وسائرهُ للأب.
إن لم يكنْ هناك زوجٌ أو زوجة...
وهذا كلُّهُ بعد أن يُعطَى من التركةِ الدَّينُ الذي على الميِّت، وكذلك فرزُ الوصيَّةِ منها، إذا كان قد أوصى منها.
وفي المسائلِ السابقةِ تفاصيلُ فرعيَّةٌ تُنْظَرُ في كتبِ الفرائض.
وقد ساوينا بين الكلِّ في أصلِ الميراث، ولا تدرونَ المتوقَّعَ في الخيرِ والنفعِ الدنيوي والأخروي لكمْ من أيٍّ يكون، في الآباءِ أو في الأبناء، فلهذا فرضنا لهذا ولذاك، وساوينا بين القسمينِ في أصلِ الميراث.
وهذا التفصيلُ في تقسيمِ الميراثِ فرضٌ من اللهِ عليكم، وبه قضى، وهو عليمٌ حكيمٌ، يُعطي كلاًّ ما يستحقُّ بحسبه، وليسَ للبشرِ أن يشرِّعوا لأنفسهم، وأن يحكِّموا هواهمْ في ذلك، فاللهُ هو الذي أعطى الأرزاقَ والأموال، وهو الذي يفرضُ ويقسم، وهو أعلمُ بمصلحتهمْ منهم بها.

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}[النساء: 12].

12- ولكم أيُّها الأزواجُ نصفُ ما تركتِ الزوجاتُ إذا لم يكنْ لهنَّ أولاد.
فإذا كان لهنَّ أولادٌ فلكمُ الربُع من تركتهنّ.
وهذا بعد إيفاءِ الدَّينِ والوصيَّةِ من ميراثهنّ، إنْ كان عليهنَّ دَيْن، أو أوصتْ بوصيَّة.
وللزوجاتِ الربعُ من ميراثكمْ أيُّها الأزواج إذا لم يكنْ لكم ولد، فإذا ورثكمْ الأولادُ معهنَّ فللزوجاتِ الثمنُ من الميراث.
وهذا أيضاً بعد إيفاءِ الدَّينِ والوصيَّةِ من ميراثكم، إذا كان عليكمْ دَيْنٌ أو أوصيتُمْ بوصيَّة...
وإذا ماتَ الرجلُ ولا أصلَ يرثهُ ولا فرع، يعني لا ولدَ له ولا والد، وإنَّما هم حواشيه، وكذا المرأةُ، وله أخٌ أو أختٌ من أمّ، فلكلِّ واحدٍ منهما السدس. فإذا كانوا أكثرَ من ذلك فهم شركاءُ في الثلث مهما بلغَ عددهم. وهذا أيضاً بعد رفعِ مقدارِ الدَّينِ من التركة، وكذا الوصيَّةُ الموصى بها، على أن تكونَ عادلةً لا ضررَ فيها على الورثةِ ولا جور، يعني لا يكونُ القصدُ منها حرمانَ بعضِ الورثةِ من الميراث، أو إنقاصَه، أو الزيادةَ عليه.
ويلاحظُ أنْ لا وصيَّةَ لوارث، ولا تزيدُ على الثلثِ لغيرِ الوارث.
وهذه الفرائضُ وصيَّةٌ من الله، فهي واجبةُ الطاعة.
واللهُ عليمٌ بالمُضارِّ وغيره، حليمٌ بهم، فلا يؤاخذهمْ بمجرَّدِ صدورِ خطأ منهم، بل يُمهلهمْ ويبيِّنُ لهم حتى يفهموا ويعتبروا.

{تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ} [النساء: 13].

13- وتلك الفرائضُ والتشريعات، من بيانِ تقديرِ مستحقَّات كلِّ وارث، بحسبِ قربهمْ وبعدهمْ عن الميِّت، وبقدرِ احتياجهمْ وفقدهمْ له بعد وفاته، وما إلى ذلك، هي حدودٌ حدَّها اللهُ بعلمهِ وحكمتهِ لتكونَ الفيصلَ في التوزيعِ والتقسيم، فلا تتجاوزوها، ولا تعملوا بغيرها. ومن يطعِ اللهَ ورسولَهُ ملتزماً بفريضتهِ وقسمته، من غيرِ حيلةٍ ولا خيانة، فسيلقَى جزاءً طيِّباً من ربِّه، سيدخلهُ جناتٍ تجري في خلالها الأنهار، مع خلودٍ دائم، وهو فوزٌ عظيم، لمن عرفَ خطورةَ ذلك اليومِ وهولَهُ وشدَّته.

{وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ} [النساء: 14].


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t47927-2.html#post361348
14- أمّا من عصى وتحايل، أو عملَ بغير ِقسمةِ الله، مؤثراً إيّاهُ عليه، ويكونُ بذلك غيَّرَ ما حكَم اللهُ به وضادَّهُ في حكمه، وغيرَ راضٍ من قسمته، فإنَّ اللهَ سيدخلهُ ناراً محرقةً مع خلودٍ فيها، ويُعذَّبُ فيها عذاباً شديداً، مع ذُلٍّ وهوان.

{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ المَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} [النساء: 15].

15- والنساءُ اللواتي يأتينَ الفاحشةَ، فيزنين، فلا بدَّ لإثباتِ ذلك من أربعةِ شهداء، فإذا شهدوا بذلك، فإنهنَّ يُحْبَسْنَ في بيتٍ ولا يسمحُ لهنَّ بالخروجِ منه حتى يمتن، أو ينتظرنَ حتى يجعلَ اللهُ لهنَّ مخرجاً.
والسبيلُ في مخرجهنَّ هو الحكمُ الناسخُ لسابقه، فهذا الحكمُ كان في أوَّلِ الإسلام، ثم صار إلى الرجمِ للمتزوِّجِ أو المتزوِّجة، والجلدِ لغيرهما.

{وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا} [النساء: 16].

16- والرجلانِ اللذانِ يعملانِ الفاحشةَ ببعضهما البعضِ فآذوهما، بالشتمِ والتعيير، والضربِ بالنعال.
فإذا أقلعا عن جرمهما ولم يعودا إليه، وحسنَ سلوكُهما وصلحتْ أعمالهما، فاتركوهما ولا تعنِّفوهما، فالتائبُ تُقبلُ توبته. واللهُ كثيرُ قبولِ التوبة، كثيرُ الرحمةِ بعباده.
ثم بيَّنتِ السنَّةُ مآلَ حكمِهما في قولهِ صلى الله عليه وسلم: "مَنْ وجدتموهُ يعملُ عملَ قومِ لوطٍ فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" كما في الحديثِ الصحيحِ الذي رواهُ الأربعةُ وغيرُهم.

{إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [النساء: 17].

17- إنَّما يتقبَّلُ اللهُ التوبةَ من الذين يعملونَ المعاصيَ بجهالة. وسُمِّي مقترفُ الذنبِ جاهلاً لأنه يُقدِمُ عليه وهو يعلمُ مغبَّته! فهؤلاءِ إن تابوا قبل سكراتِ الموتِ قَبِلَ اللهُ توبتهم، واللهُ عليمٌ بخلقه، حكيمٌ فيما يصنعُ بهم.

{وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 18].

18- ولا تُقبَلُ التوبةُ من الذين يرتكبونَ الذنوبَ حتى إذا عاينوا الموت، وغرغرَ الحلق، وجاءتْ سكرةُ الحقّ، قال أحدُهمْ إني تبتُ الآن، وكذا الكفارُ الذين يموتونَ على كفرهم، لا ينفعهمْ ندمهمْ ولا توبتهم، فهؤلاءِ هيّأنا لهم عذاباً موجعاً شديداً ومؤلماً مقيماً.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} [النساء: 19].

19- يا عبادَ اللهِ المؤمنين، لا يحلُّ لكم أنْ تَرِثوا النساءَ كما ترثونَ الأموال، وهنَّ كارهاتٌ لذلك أو مكرَهاتٌ عليه، ولا يحلُّ لكم أن تُسيئوا عشرتهنَّ وتضيِّقوا عليهنَّ وتمنعونهنَّ من الزواجِ حتى يدفعنَ إليكم ما أعطيتموهنَّ من صَداقٍ أو بعضه، إلا إذا اقترفنَ فاحشةً، فحينئذ يجوزُ لكم التضييقُ عليهنَّ ليفتدينَ أنفسهنَّ منكم بمال، والفاحشةُ هي الزنا، أو ما دونه، كالنشوز، وسوءِ العشرة، وإيذاء، وبذاءة، وسلاطة...
وأجملوا معهنَّ في القول، وطيِّبوا خاطرهنّ، وأحسنوا معهنَّ في المبيتِ والنفقةِ وما إليها.
فإذا سئمتُمْ صحبتَهنَّ من غيرِ إساءةٍ من طرفهنَّ، فاصبروا على معاشرتهنّ، فلعلَّ لكم فيما تكرهونَهُ خيراً كثيراً يبدو في المستقبل، كولدٍ صالحٍ في الدنيا، وأجرٍ كبيرٍ لكم في الآخرةِ جزاءَ صبركم.
وفي الحديثِ الصحيح: "لا يَفْرَكْ –أي لا يَكرهْ- مؤمنٌ مؤمنة، إنْ سَخِطَ منها خُلقاً رضيَ منها آخر".

{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 20].


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=361348
20- وإذا أردتُمْ مفارقةَ امرأةٍ والزواجَ بأخرى، وكنتم قد دفعتُمْ إلى الأولى صَداقاً كثيراً، فلا تأخذوا منه ولو شيئاً قليلاً، أتأخذونَهُ ظلماً وزوراً بيِّناً؟!

{وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [النساء: 21].

21- وكيف تأخذونَ الصَّداقَ منهنَّ وقد حدثَ بينكمْ وبينهنَّ الخَلوةُ والجِماع، وأخذنَ منكم عهداً وثيقاً، وهو حقُّ الصحبةِ والمعاشرةِ الطيبة، كما قال اللهُ تعالى في شأنهنّ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] أو أن المقصودَ بالميثاقِ الغليظِ عقدُ الزواج.

{وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا} [النساء: 22].

22- ولا يحلُّ لكم أن تنكحوا ما نكحَهُ آباؤكمْ كما كان يُفْعَلُ في الجاهلية؛ تكرمةً لهم، وإعظاماً واحتراماً أن توطأ زوجاتهُم من قِبَلِ أبنائهم، إلا ما كان سلفَ منه في الجاهلية، فهو معفوٌّ عنه. فإنَّ هذا العملَ ممقوتٌ مبغوضٌ وسبيلٌ سيِّء.وقد كان ممقوتاً مُستحقراً حتى في الجاهليَّة.

{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 23].

23- حُرِّمَ عليكم الزواجُ من أمَّهاتِكم، وبناتِكم، وأخواتِكم، وعمّاتِكم، وخالاتِكم، وبناتِ الأخ، وبناتِ الأخت.
كما تحرمُ عليكم أمهاتُكم اللواتي أرضعنكم، وأخواتُكم من الرضاعة.
ويحرمُ عليكمُ الزواجُ من أمَّهاتِ زوجاتِكم (بمجرَّدِ العقدِ على بناتهنّ)، وبناتِ زوجاتِكم، فيحرمُ عليكمُ الزواجُ ببناتهنَّ بعد الدخولِ بأمهاتهنّ، فإذا لم تكونوا دخلتُمْ بأمهاتهنَّ فلا حرجَ من الزواجِ ببناتهنّ، وسواءٌ كانت تلك البناتُ في بيوتكمْ أم لا.
ولا يحلُّ لكمُ الزواجُ من زوجاتِ أبنائكمُ الذين وَلَدْتُموهمْ من أصلابكم. ويُحْترَزُ بذلك عن الأبناءِ والأدعياء.
ويحرمُ عليكمْ في الزواجِ الجمعُ بين الأختين، إلا ما كان من أمرِ الجاهلية، فإنَّ اللهَ قد عفا عنكم، وغفرَ لكم؛ رحمةً بكم.
الكاتب محمد خير رمضان يوسف











عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-12-2010   المشاركة رقم: 20 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: مشرف :: أقسام الشريعة اسلامية
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية AZOU.FLEXY


البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 10829
المشاركات: 4,915 [+]
بمعدل : 1.80 يوميا
اخر زياره : 07-30-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 91

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
AZOU.FLEXY غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى القرآن الكريم وعلومه
افتراضي

بارك الله فيك و عسى الله أن يجعل هذا العلم في ميزان حسناتك
موضوع قمة بوركت









عرض البوم صور AZOU.FLEXY   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
النحو الواضح في قواعد اللغة العربية بنت الصحراء قسم السنة الثالثة متوسط 10 02-25-2011 10:00 PM
مذكرة:جريمة الإهمال الواضح. maissa مكتبة رسائل قانونية 2 01-13-2011 09:28 PM
التفسير الميسر للقرآن الكريم نادية25 منتدى القرآن الكريم وعلومه 34 09-04-2010 08:55 PM
كتاب النحو الواضح في قواعد اللغة العربية Dzayerna قسم السنة الرابعة متوسط 2 03-27-2010 06:53 PM
من دروس العلامة بن باز في التفسير بنت الصحراء منتدى القرآن الكريم وعلومه 2 12-29-2009 11:47 AM


الساعة الآن 08:08 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302