العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى الشريعة والحياة


منتدى الشريعة والحياة طريقنا للدعوة على منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح


سلسلة مكارم الأخلاق

منتدى الشريعة والحياة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 11 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

خطر المعاصي (2)

ترك المعاصي
في طريق إصلاح النفوس، وبناء الشخصية المسلمة المنشودة، تناولْنا الحديث عن المحبَّة، المبْنيَّة على محاسبة النفس، المؤسسة - بدَوْرها - على جسر الإقلاع عن الغفلة، المنوط بترْك المعاصي، التي عرفنا أنها أساس الداء، ومَجلَبة البلاء، مصدر الهلاك، وسر الخطر الفتاك، مَهلَكة الأمم، وسبب المِحن والنِّقم.

وتبيَّن لنا أن للمعاصي آثارًا على النفوس عظيمة، وعواقبَ على المجتمعات جسيمة، أَوْصَلها بعضُ أهل العلم إلى خمسين أثرًا، ذكرنا منها أنها سبب مباشر لتعجيل العقوبة من الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة، وأنها سبب في حرمان العلم، ونزيد اليوم - إن شاء الله تعالى - أثرًا آخر، وهو:

حرمان الرزق:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363726
لأن المعصية ممحقة للبركة، مجلبة للفقر، والمَقصُودُ بِالرِّزقِ مَا قَلَّ وَكَفَى، لا مَا كَثُرَ وَأَلهى؛ كما في حديث أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما طلعت شمس قط إلا بُعث بِجَنَبَتَيْها مَلَكان يناديان، يُسمِعان أهل الأرض؛ إلا الثقلين: يا أيها الناس، هلموا إلى ربكم، فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بُعث بِجَنَبَتَيْها مَلَكان يناديان، يُسمعان أهل الأرض؛ إلا الثقلين: اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط مُمسكًا تلفًا))؛ رواه أحمد بإسناد صحيح، وهو في "صحيح الترغيب".

وفي "صحيح الترمذي"، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد أفلح مَن أسلم، وكان رزقه كفافًا، وقَنَّعه الله)).

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363726

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس الغِنى عن كثْرة العَرَض - متاع الدنيا مع الحرْص على الزيادة - ولكن الغِنى غنى النفس))؛ متفق عليه.

فَكَم مِمَّن يَملِكُ الآلاف المُؤَلَّفة، وهي تشقيه ولا تسعده! فتراه في هَمٍّ لازم، وَتَعَب دَائِم، وَحَسرَة لا تنقضي، وبخاصة إذا صَحِبَ ذلك الشرهُ والتوقُ للمزيد، واستشراف النفس للتسابق على الدنيا؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لو كان لابن آدم واديان من مال، لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ويتوب الله على من تاب))؛ متفق عليه.

والغِنى الحقيقي أن يجمع الله لك الأمن، والعافية، والكفاف؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبيدالله بن محصن الخطمي - رضي الله عنه -: ((مَن أَصبَحَ مِنكُم آمِنًا فِي سِربِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِندَهُ قُوتُ يَومِهِ - فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها))؛ صحيح الترمذي.

وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: سألتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال: ((يا حكيم، إن هذا المال خَضِرَة حُلوة، فمَن أخذه بسخاوة نفس - بغير إلحاح في السؤال ولا طمع ولا حرص - بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس - بتطلُّع لما في أيدي غيره، وشدة حرصه على تحصيله - لم يبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى))، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا أَرْزَأُ - لا أنقص ماله بالطلب، والمعنى: لا آخذ - أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر - رضي الله عنه - يدعو حكيمًا إلى العطاء فيأبَى أن يقبله منه، ثم إن عمر - رضي الله عنه - دعاه ليعطيه، فأبَى أن يقبل منه شيئًا، فقال عمر: إني أشهدكم - يا معشر المسلمين - على حكيم، أني أَعرض عليه حقه من هذا الفَيء فيأبى أن يأخذه، فلم يَرْزَأْ حكيمٌ أحدًا من الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى توفي؛ متفق عليه.

وقديمًا قال الحُطَيْئَةُ:

وَلَستُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ *** وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
وَتَقْوَى اللهِ خَيْرُ الزَّادِ ذُخْرًا *** وَعِندَ اللهِ لِلأَتْقَى مَزِيدُ

فبقاء المال مع بقاء التقْوى والصلاح، وذهابه بذهابهما؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نِعمَ المالُ الصالح للرجل الصالح))؛ رواه أحمد، وهو مخرَّج في "مشكاة المصابيح".

والمعصية تُسلَّط على المال فتمحقه، كما تسلط النار على الهشيم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3].

وضرب الله تعالى المثل بمن سبق، كيف كانوا في بحبوحة من العيش، آمنين مطمئنين، حتى إذا أفسدوا في الأرض، نُزعت البركة من أموالهم، فكانت وبالاً عليهم؛ قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [النحل: 112]، وقال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160، 161].

فانظر كيف حرمتهم المعاصي من طيبات كانت لهم حلالاً، فصارت عليهم حرامًا؟!

إِذَا كُنْتَ فِي نِعْمَةٍ فَارْعَهَا *** فَإِنَّ الْمَعَاصِي تُزِيلُ النِّعَمْ
وَدَاوِمْ عَلَيْهَا بِشُكْرِ الإِلَهِ *** فَإِنَّ الإِلَهَ سَرِيعُ النِّقَمْ
وَسَافِرْ بِقَلْبِكَ بَيْنَ الوَرَى *** لِتُبْصِرَ آثَارَ مَنْ قَدْ ظَلَمْ
يقول عبدالله بن عباس - رضي الله عنه -: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلْب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الناس، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظُلمة في القلْب، ووهنًا في البَدَن، ونقصًا في الرِّزْق، وبغضًا في قُلُوب الناس".

فإذا كان العبدُ يُعطى من نِعم الله مع أنه مقيم على المعصية، فليعلم أنه استدراج منه – سبحانه - ليقيم عليه الحجة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إِذَا رَأَيتَ الله يُعطِي العَبدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ استِدرَاجٌ))، ثُمَّ قرأ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44]؛ يائسون من النجاة، شديدو الحسرة والحزن؛ أحمد، وهو في الصحيحة.


الدَّهْرُ يَفْتَرِسُ الرِّجَالَ فَلاَ تَكُنْ *** مِمَّنْ تُطِيشُهُمُ المَنَاصِبُ والرُّتَبْ
كَمْ نِعْمَةٍ زَالَتْ بِأَدْنَى لَذَّةٍ *** وَلِكُلِّ شَيْءٍ فِي تَقلُّبِهِ سَبَبْ

الخطبة الثانية


إذا كان للمعاصي هذه النتائج الخطيرة على أموال الناس وأرزاقهم، عرفنا السِّر في تخلُّف المسلمين، وشدة فقْر أبنائهم، مع وفْرة أموالهم، وتراكُم ثرواتهم، وعظيم ممتلكاتهم، إنها المعاصي هي التي منعتْ كثيرًا من أصحاب الأموال من إخْراج زكاتهم، هذه الزَّكاة التي تبلغ في المجتمعات العربية وحدها أزيد من 60 مليار دولار، والمعاصي هي التي جعلت مديونية العالَم العربي تفوق 375 مليار دولار، منها 60 مليارًا، هي مبلغ ما يسمى بالفوائد.

والمعاصي هي التي أحْوجت السوق العربية إلى استيراد 92 % من احتياجاتها، وجعلتِ الأمية تنتشر بيننا بنسبة تزيد عن 43 %، والبطالة تفوق 10 % قبل الأزمة المالية، التي ضاعفت النكبات لِتَضَاعُفِ المعاصي؛ فقد خسر العرب إلى الآن أزيد من 2500 مليار دولار بأسواق المال، أما خسائرهم العامة ففاقت 3.1 تريليون دولار، وتراجع الإنتاج المحلي بقرابة 4 % لسنة 2009.

إن المعاصي - وعلى رأسها الغِش، والتساهُل في أكل أموال الناس بالباطل - هي التي ستدفع عنك العجب، إذا علمت أن 3 ملايين من المغاربة (أي: 10 في المائة) - حسب "الشركة المغربية للألعاب والرياضات" - يتعاطون ألعاب الحظ والرهان (أي: القمار) سنة 2008، أغلبهم من متوسطي الدخل، وذوي الدخل الضعيف، مليون منهم يصنف على أنه لاعب منتظم، يلعب مرتين على الأقل في الشهر، وهؤلاء المقامرون أنفقوا على قمارهم نحو: 2.7 مليار درهم خلال سنة 2006، ونجد عندنا شركة واحدة لها أزيد من 2300 فرع، ومع كل ذلك نجد قانوننا الجنائي يظهر تساهلاً واضحًا، من خلال العقوبة التي حددها في الفقرة العاشرة من أحد فصوله، والتي تتراوح ما بين 10 و120 درهمًا، وهي عقوبة لم تتغير في هذا القانون منذ 1962م.

تَفْنَى اللَّذَاذَةُ مِمَّنْ نَالَ لَذَّتَهَا *** مِنَ الحَرَامِ وَيَبْقَى الإِثْمُ وَالعَارُ
تَبْقَى عَوِاقِبُ سُوءٍ مِنْ مَغَبَّتِهَا *** لاَ خَيْرَ فِي لَذَّةٍ مِنْ بَعْدِهَا النَّارُ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 12 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

خطر المعاصي
المعاصي والأمراض (3)




عرَفْنا خطورة المعاصي، وكيف تؤثِّر سلبًا على العصاة، إمَّا بتعجيل العقوبة في الدُّنيا قبل الآخرة، وإمَّا بحرمان العلم، وإمَّا بحرمان الرِّزْق.

وسنحاول اليوم - إن شاء الله - أن نربِط موضوع المعاصي بما تَعيشه كثيرٌ من دول العالم هذه الأيَّام من ذُعْر وفزع، بسبب انتِشار الأمراض الفتَّاكة، والأوبِئة القاتلة، ممَّا لم يَسمع الناس به من قبل، مثل مرض فقْدان المناعة، الَّذي يخلِّف كلَّ سنة ما يقرب من 4 ملايين وفاة، وسببه المعاصي، وعلى رأسِها: الزِّنا والشُّذوذ، حتَّى وجدْنا في البلْدان الغربيَّة المتقدِّمة أنَّ عدد الفتَيات المراهِقات، اللَّواتي تنجبن يوميًّا، يصِل إلى أرْبعين ألفًا، و 60% من المواليد الجدُد - في بلد أوربي واحد صغير - هم أبناء زنا، لا يرتَبِط آباؤُهم وأمَّهاتُهم بعلاقة زواج، و((مَن يستعفِفْ يعفَّه الله))؛ متَّفق عليه.

وانتشر موت الفَجأة، أو ما يُعْرف بالسَّكتة القلبية، التي يَموت بسببِها كلَّ عام ما يقرُب من 5 ملايين شخص، وفي حديث أنس - رضي الله عنه - يقول النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((من اقتِراب الساعة أن يُرى الهلال قَبَلاً - واضحًا فور طلوعه لِكِبَرِه - فيُقال: لليْلتين، وأن تتَّخذ المساجد طرقًا، وأن يظهر موت الفَجأة))؛ صحيح الجامع.

قال المناوي: "موت الفجأة: أن يسقُط الإنسان ميِّتا وهو قائم يكلِّم صاحبه، أو يتعاطى مصالحه".

قال- صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((موْت الفَجأة أَخْذَةُ أَسَفٍ))؛ صحيح أبي داود.

قال القاري: "الأسَف: الغضب؛ أي: موت الفجأة أثرٌ من آثار غضب الله، فلا يتركه يستعدُّ لمعاده بالتَّوبة، وإعداد زاد الآخِرة، ولم يُمرضه ليكون كفَّارة لذنوبه".

وفي كلِّ سنة يَموت أزْيدُ من 7 ملايين شخص بِسببِ ارْتِفاع ضغْط الدَّم، الَّذي سببُه القلَق، المترتِّب على وخْزِ الضَّمير بعد اقتراف المعاصي، والإحْساس بالذَّنب بعد اقتِحام الجرائم واجتراح الموبقات.

والتَّدخين يقتل ما بين ثُلُث ونصف المدخِّنين، ويكون مسؤولاً عن الوَفَيات النَّاجِمة عن الأزمات القلبيَّة، والسَّكتات الدِّماغية، والأمراض الرِّئويَّة المزمنة، التي سجَّلت 5.4 مليون حالة في 2004 حسب بيانات منظَّمة الصحَّة العالميَّة.

وظهر وباء "سارس" المسبّب لضيق التنفُّس، الذي انتشر عام 2003 م، وأوْدى بحياة أكثر من 800 شخص، وكلَّف الاقتصاد العالمي نحو 40 مليار دولار آنذاك.

والملاريا منتشرة في 107 من البلدان والمناطق التي يعيش فيها 3.2 مليار نسمة، وفي كلِّ عام يَحدث ما بين 350 و 500 مليون نوبة للملاريا، وأكثر من مليون وفاة.

وفي كلِّ سنة يموت أزْيَد من 4.4 مليون شخْص بسبب ارتِفاع الكولسترول في الدم، وسمِعْنا بعد ذلك بِمرض الحمَّى القُلاعيَّة، ومرَض جنون البقر وغيرها.

لقد حدثت أوبِئة عالميَّة، منها وباء الإنفلونزا ما بين 1918م/ 1919م، عندما أُصيب ما يزيد على 200 مليون من البشر، مات منهم ما بين 50 إلى 100 مليون، وفي عامي 1957م و 1958م سبَّبت الإنفلونزا الآسيويَّة وباءً انتشر على نطاق العالم، مؤدِّيًا إلى وفاة أكثر من مليون شخص.

واكتسح العالمَ مرضُ الاكتِئاب، الَّذي يؤدِّي إلى انتِحار 800000 شخص كلَّ عام، معظمُهم من غير المسلمين.

فانظُر إلى العنَت الَّذي أُصيب به الناسُ بسبب عصيانِهم لله تعالى، وتمرُّدهم على القوانين الإلهيَّة، التي ما شُرِعَتْ إلاَّ لمصلحةِ البلاد والعباد، وانظُر كيف تنقلِب العزَّة ذلَّة ومهانة حين نتنكَّب طريق الحقِّ؛ قال تعالى: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 124]، وقال النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((وجُعل الذِّلَّة والصَّغار على مَن خَالَف أمْرِي))؛ البخاري.

وكان الحسن البصري يقول: "أبَى اللهُ إلاَّ أن يذلَّ أهل معصِيَته، وإن هَمْلَجَتْ بِهم البراذين، وطقْطَقَت بِهم البغال (مَشَت بِهم مشيًا سهلاً، دليلاً على تقلُّبهم في النعمة)، فإنَّ ذلَّ المعصية في رقابِهم".

قال عبدالله بن عمر: أقبل عليْنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقال: ((يا معشر المهاجرين، خَمس إذا ابتُليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تُدْرِكوهنَّ))، وذكر منها: ((لم تظْهَرِ الفاحشة في قومٍ قطُّ حتَّى يُعْلِنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطَّاعون والأوْجاع الَّتي لم تكُنْ مضَتْ في أسْلافِهِم الذين مضوْا))؛ صحيح ابن ماجه.

ومرضُ الإيدز اليوم يسمُّونه بالطَّاعون الأبيض.

وعن البراء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ما اختلج عِرق (اضطرب) ولا عين (طارت) إلاَّ بذنب، وما يدفع الله عنْه أكثر))؛ صحيح الجامع.


وَلا تَقْرَبِ الأَمْرَ الحَرَامَ فَإِنَّمَا *** حَلاوَتُهُ تَفْنَى وَيَبْقَى مَرِيرُهَا


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363728
قال - تعالى - متحدِّثًا عن قوم فِرْعون الَّذين أمعنوا في المعاصي: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُّجْرِمِينَ} [الأعراف: 133].

أخرج ابنُ أبي حاتمٍ عن ابن عبَّاس - رضي الله عنه - في قوله: "آيات مفصَّلات"، قال: كانت آياتٍ مفصَّلاتٍ، يتْبع بعضُها بعضًا ليكون للَّه الحجَّة عليْهِم، وقيل في الطُّوفان: إنَّه الطاعون.

وقال تعالى: {وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الزحرف: 48]، قال البغوي: "فكانت هذه دلالاتٍ لموسى، وعذابًا لهم، فكانت كلُّ واحدةٍ أكْبر من الَّتي قبلها".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363728

ونسمع هذه الأيَّام بمرض "إنفلوانزا الخنازير"، الَّذي أصاب الآلاف، وأوْدى بِحياة قرابة المائتين، وهو آخِذٌ في الانتشار، فقد حذَّر الرَّجُل الثَّاني في منظَّمة الصِّحَّة العالميَّة من أنَّه لا توجد أي منطقة في العالم بِمنأى عن خطر هذا الفيروس، وقال مسؤول كبير: "لا نَعْرِف بعدُ كيْف سيتطوَّر المرض، لكنَّنا نشعر بالقلَق؛ لأنَّ معظم الَّذين توفُّوا به هم من الشَّباب والبالغين الأصحَّاء".

ولذلك بادرت إحدى الدول العربية إلى إصدار قرار بإبادة كل قطعان الخنازير التي تملكها فورًا، مليارات الدُّولارات تُصْرَف، وجهود عظيمة تُبْذل، واستِنْفار دولي يرفع مؤشِّرات الضَّغط النَّفسي والشَّد العصبي إلى أعلى درجاتِه، قِيَم الأسهُم في كثيرٍ من الشَّركات الكبرى تنهار، وجيوش من الأطبَّاء يجنّدون في كلِّ مكان، وتخوُّفات من الإصابة بكسادٍ عالمي كبير، حيث وصلت تكلِفة مواجهة أوبِئة الإنفلونزا العام الماضي إلى ثلاثةِ تريليونات دولار، بالإضافة إلى تسبُّبِه في انخفاض يُقارب 5% من إجْمالي النَّاتج المحلي العالمي.

وفي المكسيك، أُغلقت المؤسَّسات التعليميَّة؛ تحسُّبًا لانتِشار الفيروس، ومَنَع "مجلس الأمن القومي الصِّحِّي" التجمُّعات، ومشاركة الجمهور في كافَّة مباريات كرة القَدم؛ بل مُنع النَّاس أن يخرجوا من بيوتِهِم خَمسة أيَّام، حتَّى لا يختلط بعضُهم ببعض، كلُّ ذلك من أجل مواجهة مرض كانوا في غنية عنْه، لو علموا حكمة شرْعِنا في تَحريم أكل لحم الخنزير.

قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].

إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - لا يحرِّم عليْنا شيئًا إلا لصلاح أحوالِنا، وسلامة أبدانِنا، لقد أثبت الطِّبُّ الحديث أنَّ الخنزير يحمل 450 مرضًا وبائيًّا، وهو شرس الطِّباع، تكتنِف حياتَه الجنسيَّةَ الفوضى، ولا يخصِّص لنفسه أنثى معيَّنة، وهو مع ذلِك يأْكُل القمامات والنَّجاسات والقاذورات بشراهةٍ ونَهم، ويأكل الجِيَف، بما فيها جِيف أقرانه، وإن لم يَجد شيئًا أكَل فضلاته، وفوق كلِّ هذا، فالخنزير ينقل صِفاتِه لكلِّ مَن يتناول لحمَه، ويسبِّب مع الوقت أمراضًا عقليَّة وبدنيَّة، وبالأخص الأمراض التَّناسليَّة المدمِّرة؛ لما يشتمل عليه جِسْمُه من ديدان وأمراض، فهل يجوز بعد هذا أكله؟

الخطبة الثانية

عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -: أنَّه سمع رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول عام الفتح وهو بمكَّة: ((إنَّ الله ورسولَه حرَّم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام))؛ مسلم.

وعن أبِي هُرَيْرة - رضي الله عنْه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله حرَّم الخمر وثَمنها، وحرَّم الميتة وثَمنها، وحرَّم الخنزير وثمنَه))؛ صحيح الترغيب.

ألا وإنَّ الهدى هدى الله، وإنَّ النجاة في كتاب الله: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، وإنَّ الفلاح في سنَّة رسوله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - القائل: ((تركتُ فِيكم شيئَين لن تضلُّوا بعدَهُما: كتابَ الله وسنَّتي، ولن يتفرَّقا حتَّى يرِدَا عليَّ الحوض))؛ صحيح الجامع.

فأهلُ الطَّاعة والتَّقوى في مأمنٍ من الهُموم والغُموم، وفي بُعْدٍ عن الضَّجر والقَلَق، ذلك بأنَّهم حقَّقوا طاعةَ الله، واجتنبوا معاصيَه، فربُّنا - جلَّ وعلا - يقول: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأنعام: 48] ويقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13].

اللَّهُمَّ إنَّا نسألك من الخيرِ كلِّه، ما علِمْنا منه وما لم نعلَمْ، ونعوذ بكَ من الشَّرِّ كلِّه ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللَّهُمَّ إنَّا نعوذ بك من الجُنُون، والجذام، والبرص وسيِّئ الأسقام، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهُمَّ إنَّا نسألك العفْو والعافية في الدين والدُّنيا، والأهْلِ والمال، اللَّهُمَّ استُر عوراتنا، وآمِن روْعاتنا، اللهُمَّ احفَظْنا من بين أيدينا، ومِن خلْفِنا، وعن أيْماننا، وعن شَمائِلنا، ومن فوقِنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تَحتنا.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 13 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

خطر المعاصي (4)
حرمان الطاعة




عرفنا أن المعاصي أساسُ الداء، وسبب البلاء، وأن لها عواقبَ خطيرةً على الأفراد والمجتمعات، منها تعجيل العقوبة، وحرمان العلم، وحرمان الرزق، وجلب الأمراض.

ونودُّ اليوم - إن شاء الله تعالى - أن نعرف عاقبة أخرى من عواقب المعاصي، عظيمةَ الخطر، شديدةَ الأثر؛ إنها حرمان الطاعة.

إن العبد الصالح لَيداومُ على الطاعة حتى تتمكن من قلبه، فلا يجد سبيلاً إلى مفارقتها؛ لما تيسَّر له من مباشرتها، والاستئناس بها، والفرح بالقيام بها، فلو قيل له: صَلِّ الفجرَ في البَيْتِ، أو: دَعْ عنك الصدقة، أو: كُفَّ عن صيام الاثنين والخميس، أو: اقطع صلة الرحم - ما استطاع ذلك؛ بل تضيق عليه نفسُه، ويغتم لذلك أشد الغم؛ لأنه حُرِم من طاعة كان يلتذُّ بها، ويتذوق طعم القرب من الله - تعالى - بها.

ولذلك يجازيه الله - تعالى - على ما كان يداوم عليه، ولو حال بينه وبين عبادته المعتادة حائلٌ، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا مَرِضَ الإنسان أو سافر، كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا))؛ البخاري، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل، يغلبه عليها نومٌ، إلا كُتب له أجرُ صلاته، وكان نومُه عليه صدقةً))؛ صحيح أبي داود.

ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشعر حلاوة الصلاة، ويراها راحة للنفس، ورياضة للبدن، ويقول لبلال بن رباح - رضي الله عنه -: ((يا بلال، أقم الصلاة، أرحنا بها))؛ سنن ابن ماجه، وهو في "صحيح الجامع".

وانظر إلى سَبْقِ بلالٍ إلى الجنة كيف حصل بعبادة خفيفة، كان يستلذ بها، ويداوم عليها، ولا يدع المعصية تحول بينه وبينها؛ فقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - عند صلاة الفجر: ((يا بلال، حدِّثني بأرجَى عمل عملتَه في الإسلام، فإني سمعت دفَّ نعليك بين يدي في الجنة))، قال: ((ما عملتُ عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار، إلا صليتُ بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي))؛ متفق عليه.

وكذلك المدمن على المعصية، لا يستطيع فراقها؛ بل تضيق نفسه، ويتحرج صدره، ولا يرتاح إلا إذا عاودها، واسأل المدمنين على شرب الخمر، وصل الأمرُ ببعضهم أن اعتقد أن الخمر صارتْ له دواء، بحيث لو فارقها لأصيبَ المسكين بنوبات وصرعات، تمكَّنتْ منه، فلم يستطع الفكاك منها؛ كما قال الشاعر:

وَكَانَتْ دَوَائِي وَهْيَ دَائِي بِعَيْنِهِ **** كَمَا يَتَدَاوَى شَارِبُ الخَمْرِ بِالخَمْرِ

وكما قال كبير المخمرين: الحَسَنُ بْنُ هَانِئٍ:

دَعْ عَنْكَ لَوْمِي فَإِنَّ اللَّوْمَ إِغْرَاءُ *** وَدَاوِنِي بِالَّتِي كَانَتْ هِيَ الدَّاءُ

وقوله:

وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذَّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا

ومثل شارب الخمر شاربُ الدخان، لا يفرغ من سيجارة إلا ليتناول الأخرى، وفي دراسة ميدانية حول التدخين في إفريقيا والشرق الأوسط، جزم نحو 74 % من المدخنين أنهم لا يعتقدون أن بإمكانهم التراجع عن هذه البلية إلا بمساعدة أحد المختصين، فاعجب لهذه المعصية، كيف تجعل صاحبَها يُهلك بدنَه، ويُفني مالَه، ويزعج جاره، ويؤذي الملائكة بجانبيه، ويمقته المصلُّون في المساجد، وهو يعلم كل ذلك، ولكن ما لجرح بميت إيلام!

سِيجَارَةٌ فِي فَمٍ وَالنَّارُ دَاخِلَهَا *** تَجُرُّ لِلقَلْبِ نِيرَانًا وَدُخانَا
فَكَمْ طَبِيبٍ نَهَى عَنْهَا السَّقِيمَ فَلَمْ *** يَزَلْ مُصِرًّا فَذَاقَ المَوْتَ أَلْوَانَا
وَيُوقِدُ النَّارَ وَالدُّخانَ فِي جَشَعٍ *** يَبْغِي السُّرُورَ فَعَادَ الأَمْرُ أَحْزَانَا
فَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ شُرْبٍ لَهَا وَأَفِقْ *** وَجَنِّبِ النَّفْسَ أَمْرَاضًا وَخُسْرَانَا

وهذا هو الران الذي تحدَّث عنه القرآن الكريم؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتةٌ سوداءُ في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صُقل قلبه، فإن زادَ زادَتْ، فذلك الران الذي ذكره الله في كتابه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [المطففين: 14]))؛ صحيح ابن ماجه.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "مثال تَولُّد الطاعة ونُموِّها وتزايدِها، كمثل نواة غرستَها، فصارتْ شجرة، ثم أثمرتْ، فأكلتَ ثمرَها، وغرستَ نواها، فكلما أثمر منها شيء، جنيتَ ثمره وغرست نواه، وكذلك تداعي المعاصي، فليتدبر اللبيبُ هذا المثالَ"، ولقد أُلف في هذا الموضوع كتاب كامل، عنوانه: "المخدرات: من القلق إلى الاستعباد".

هذا هو السر في أن أحدنا - في حال يقظة الضمير - يريد أن يقوم بطاعة لله – تعالى - فيجد نفسه مكبَّلاً، مُخْلِدًا إلى الأرض، ثقيلَ النفس كسلانَ.

قال الحسن البصري - رحمه الله -: "إن الرجل لَيذنبُ الذنب، فَيُحْرَمُ به قيامَ الليل".

وقال له رجل يومًا: "يا أبا سعيد، إني أبِيتُ معافًى، وأحب قيام الليل، وأعد طَهوري، فما بالي لا أقوم؟ فقال: ذنوبك قيدتْك".

وقال الثوري: "حُرمتُ قيامَ الليل خمسةَ أشهر بذنب أذنبته".

وقال بعض السلف: "كم من أكلة منعتْ قيامَ ليلة، وكم من نظرة منعتْ قراءةَ سورة".

وسبق أن عرفنا قصة ابن الجلاد حين نظر منظرًا لا يحل له، فقال له أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام؟ والله لتجدن غِبَّهُ ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنة.

وقال أبو سليمانَ الدارانيُّ: "لا تفوت أحدًا صلاةُ الجماعة إلا بذنب".

وقال يحيى بن معاذ: "من استغفر بلسانه وقلبُه على المعصية معقودٌ، وعزمُه أن يرجع إلى المعصية بعد الشهر ويعود - فصومُه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363730

ونقل ابن الجوزي في "صيد الخاطر" عن بعض أحبار بني إسرائيل قال: "يا رب، كم أعصيك ولا تعاقبني؟"، فقيل له: "كم أعاقبك وأنت لا تدري، أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي؟!"، ثم عقب ابن الجوزي قائلاً: "فمن تأمل هذا الجنس من المعاقبة، وجده بالمرصاد، حتى قال وهب بن الورد وقد سئل: أيجد لذةَ الطاعة مَن يعصي؟ فقال: وَلاَ مَنْ هَمَّ".


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363730
والنفاق من أعظم المعاصي التي تمنع صاحبَها العبادةَ والطاعة؛ كما قال – تعالى -: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} [النساء: 142]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتَوهما ولو حبوًا))؛ متفق عليه، وقال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "لقد رأيتُنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافقٌ"؛ مسلم.

هذا مبلغ صاحب المعصية: كسل، وتهاون، وتقاعس، ثم خسران في الدنيا، وندامة في الآخرة، ولله درُّ عطاء الله السكندري حين قال: "إذا أردتَ أن تعرف عند الله مقامك، فانظر أين أقامك"؛ أي: أَجَعَلَكَ ممن يحبه ويطيعه، أم ممن ينابذه ويُحادُّه؟



الخطبة الثانية


إن للطاعة حلاوةً، مَن عدمها فقد غبن غبنًا شديدًا، وحُرم خيرًا كثيرًا؛ قال – تعالى -: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97].

يقول ابن القيم - رحمه الله - في كلام نفيس، لا يصدر إلا عن صاحب خبرة بطب القلوب، يقول: "في القلب شَعَثٌ لا يَلُمُّهُ إلا الإقبالُ على الله، وفيه وحشةٌ لا يزيلها إلا الأنسُ به في خَلوته، وفيه حزنٌ لا يُذهبه إلا السرورُ بمعرفته، وصدقُ معاملته، وفيه قلقٌ لا يسكنه إلا الاجتماعُ عليه، والفرارُ منه إليه".

ومن الأقوال الشهيرة للمولى سليمان - ملك المغرب، رحمه الله -: "سوء الأدب مع الله، يفتح أبواب الشدائد، ويسد طرق الفوائد".

وإذا كان في العالم - حسب إحصائية في سنة 2004م - مليار و300 مليون مسلم، فإن في العالم أكثر من مليار مُلحد ينكر وجود الإله أصلاً، ومليار و200 مليون يقدِّسون البقر والحجر، وظهر قوم يسمون "عبدة الشيطان"، يرون أن الشيطان أفضل صديقٍ عرفتْه البشرية؛ لأنه - في زعمهم - أول بطل تجرأ بقول: "لا" في وجه الأوامر الإلهية، حين أمره الله - تعالى - أن يسجد لآدم، قاعدتهم الأساس هي: "التمتع بأقصى قدر من الملذات قبل الممات".

إن المعاصي هي التي جعلت العربَ ينفقون ما لا يقل عن10 مليارات دولار سنويًّا على أعمال السحر فقط، التي يلجأ إليها الفقراء والأثرياء ورجال الأعمال، و55 % من النساء المترددات على الدجالين متعلمات، مقابل 24 % ممن يُجِدن القراءة والكتابة، والنسبة الباقية من الأميات، وفي المغرب ما يقرب من عشرين ألف قارئة كف وفنجان، مقابل طبيب لكل 3137 نسمة، إنها المعاصي التي تحجب الحق عن هؤلاء، فلا يبصرون إلا الضلال، ومن يضلل الله فما له من هادٍ.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 14 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

خطر المعاصي (5)
منْع استجابة الدُّعاء


في إطار سلسلة مكارم الأخلاق، عرفْنا خطورة المعاصي، وما لها من العواقب الوخيمة على الأفْراد والمجتمعات، منها: تعجيل العقوبة، وحرمان العلْم، وحرمان الرِّزق، وجلْب الأمراض، وحرمان الطاعة.

وسنحاول اليوم - إن شاء الله - أن نقفَ على جريرة المعصية في حرمان الملاذ الذي يلجأ إليه المؤمن عند حدوث الملمات، والركن الذي يلوذ به عند وُقُوع الأَزَمات، إنه "حرمان استجابة الدُّعاء"، الدعاء الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الدعاء هو العبادة))، ثم قرأ: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60]؛ صحيح سنن الترمذي.

الدعاء الذي قال فيه الحبيب - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء))؛ "صحيح الأدب المفرد"، والذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يرد القضاءَ إلا الدعاءُ، ولا يزيد العمرَ إلا البر))؛ "صحيح سنن الترمذي".

قال الإمام الشَّوْكاني - تعليقًا على هذا الحديث -: "فيه دليل على أنه - سبحانه - يدفع بالدُّعاء ما قد قضاه على العبد"، نعم، الدعاء الذي رغب فيه المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل - بإزالته أو الصبر عليه - ومما لم ينزل - بصرفه ودفعه - وإنَّ البلاء لينزل فيتلقَّاه الدعاء، فيعتلجان - يتصارعان ويتدافعان - إلى يوم القيامة))؛ صحيح الجامع.

فانظر إلى هذا الفَضْل العظيم الذي ينطوي عليه الدعاء، كيف نخسره بالخطيئة نقترفها، وبالمعصية نجترحها؟! فضل عظيم نُفَوِّتُه على أنفسنا بجهْلنا، وضعف علاقتنا بربِّنا، فالعاقل منا من فطن إلى هذا الكَنْز العظيم، والسلاح القوي.

ولقد كان الدُّعاء - بالفعل - سلاحَ الأنبياء الذي لا يهزم، والسهمَ الذي لا يخطئ:
- أما نوح - عليه السلام - فقال فيه تعالى: {وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ} [الأنبياء: 76]، وذلك حين دعا: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ} [القمر: 10]، فقال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ} [الأنبياء: 76]؛ أي: من الغرق، فالدعاء منجاة المؤمنين من ظلم الظالمين.
تَنَامُ عَيْنُكَ وَالمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ *** يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لَمْ تَنَمِ
- وأما أيوب - عليه السلام - فقال فيه تعالى - بعد أن فتك به المرض، وضاقتْ عليه الدنيا، وهرب منه الأقرباء والأصحاب -: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ} [الأنبياء: 83، 84]، الدُّعاء ماحِق للأمراض، وكاشِف للأسقام.

- وأما ذو النون - عليه السلام - فقال فيه تعالى: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، الدعاء نجاة للمؤمنين من أهوال الدنيا وكروبها.

- وأما زكريا - عليه السلام - فقال فيه تعالى: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ} [الأنبياء: 89، 90]، الدُّعاء ينفع العقيم، فيتفضل عليه المولى - عز وجل - بالولد وإصلاح الأهْل.

- وإبراهيم - عليه السلام - دعا ربه في وقت الشدة والمحنة، وقد عزم قومه على رميه في النار، فجاءت الإجابة: {يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 69]، الدعاء يرفع البلاء، ويهزم الأعداء.

ولكن ما سبب استجابة الله لهم، لماذا لم يردَّهم الله خائبين؟
الجواب في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90]، فكلما تقرَّب العبدُ من الله تعالى، وأقلع عن المعاصي التي تُغضب الرَّبَّ سبحانه، كان قريبًا من الإجابة.

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن ربكم - تبارك وتعالى - حيي كريم، يستحيي من عبْده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرًا))؛ صحيح أبي داود، فسماه "عبدًا"؛ أي: متصفًا بالعُبُودية لله تعالى.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363733

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم))؛ مسلم.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من مسلم يدعو بدعْوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعْطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها))، قالوا: "إذًا نكثر"، قال: ((الله أكثر))؛ أي: ثوابًا وعطاءً. "صحيح الترغيب".

ولأن أسباب منْع استجابة الدُّعاء كثيرة، فسنقتصر منها على عنْصر واحد، شديد الأثر، قوي الخطر، إنه "أكل الحرام"، وأكْل أموال الناس بالباطل، إما برشوة، وإما بربا، وإما بسرقة، وإما بتطفيف في الميزان، وإما بالتجارة في المحرمات، ومداخل الحرام كثيرة:
- قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((أيها الناس، إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟!))؛ مسلم.

قال ابن رجب - رحمه الله -: "وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقبل العمل ولا يزكو إلا بأكل الحلال، وأَنَّ أكل الحرام يفسد العمل، ويمنع قبوله".

- وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: صِدق الحديث، وحفظ الأمانة، وحسن الخلق، و عفة مطعم))؛ صحيح الترغيب.

ولقد جسد سلفُنا الصالح هذا الأمر في عبارات مؤثِّرة دقيقة:
- وقال وهيب بن الورد: "لو قمتَ مقام هذه السارية، لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك: حلال أم حرام".

- ويقول ميمون بن مِهران: "لا يكون الرجل تقيًّا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه، ومطعمه، ومشربه".

- ويقول حُذيفة المَرْعَشي: "جماع الخير في حرفين: حِل الكِسرة، وإخلاص العمل لله".

- ويقول أبو حفص النيسابوري: "أحسن ما يتوسل به العبد إلى مولاه: الافتقار إليه، وملازمة السنة، وطلب القوت من حله".

- وقال يوسف بن أَسباط: "إذا تعبَّد الشابُّ يقول إبليس: انظروا من أين مطعمه؟ فإن كان مطعمه مطعمَ سوء قال: دعوه لا تشتغلوا به، دعوه يجتهد وينصب، فقد كفاكم نفسه".

- وقال سهل بن عبدالله: "مَن نظر في مطعمه، دخل عليه الزُّهد من غَيْر دعوى".

- وسأل رجلٌ سفيانَ الثوري عن فضل الصف الأول، فقال: "انظر كسرتك التي تأكلها من أين تأكلها، وقم في الصف الأخير"، وكأنه - رحمه الله - رأى من الرجل استهانة بهذا الأمر، فأحب أن ينبِّهه إليه؛ لأنه أهم مما سأل عنه.

- وقال إبراهيم بن أدهم: "ما أدرك مَن أدرك إلا مَن كان يعقل ما يَدخل جوفه".

- وقال يحيى بن معاذ: "الطاعة خزانة من خزائن الله، إلا أن مفتاحها الدعاء، وأسنانُهُ لُقَمُ الحلال".

- وقال ابن المبارك: "رَدُّ درهم من شبهة، أحب إلي من أن أتصدَّق بمائة ألف درهم، ومائة ألف، ومائة ألف، حتى بلغ ستمائة ألف"، فكيف بمن يحصل الملايين بالغِش، والاختلاس، والحيل؟!

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363733

- وكان يحيى بن مَعين يُنشد:
المَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُهُ *** يَوْمًا وَتَبْقَى فِي غَدٍ آثَامُهُ
لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لِإِلَهِهِ *** حَتَّى يَطِيبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ
وكان الفضيل بن عياض - رحمه الله - إذا أراد أن يُعَرِّفَ أهل السُّنَّة قال: "أهل السُّنَّة مَنْ عرف ما يدخل بطنه من حلال".

فاللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عمن سواك .


الخطبة الثانية


عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان لأبي بكر غلام يُخرج له الخراج - ما يُحَصِّلُهُ العبد ويدفعه إلى سيده - وكان أبو بكر يأكل من خراجه - وكان لا يأكل منه حتى يسأله - فجاء يومًا بشيء، فأكل منه أبو بكر دون أن يسأله، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنت تكهَّنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحسن الكِهانة، إلا أني خدعته فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يده، فقاء كل شيء في بطنه"؛ البخاري.

لأن أبا بكر كان يعرف مقدار قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((كل جسد نبت من سحت، فالنار أولى به))؛ صحيح الجامع.

وعن عمرو بن شعيب: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان نائمًا، فوَجَدَ تمرة تحت جنبه، فأخذها فأكلها، ثم جعل يتضور - يتلوى - من آخر الليل، وفزع لذلك بعض أزواجه فقال: ((إني وجدت تمرة تحت جنبي فأكلتها، فخشيت أن تكون من تمر الصدقة))؛ قال شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.
وذكروا عن سهل التستري أو غيره: أنه ذهب إلى صلاة الجمعة، فانقطعت حذاؤه، فقال: أتدرون لم انقطعت؟ قالوا: بقضاء وقدر، قال: لكني أظنها بسببٍ، وهو أني تركت غسل الجمعة، ثم عاد واغتسل.

ولما أخبروا ابن الجوزي بهذه القصة قال:"قلَّت ذنوبهم، فعرفوا من أين أتوا، وكثرت ذنوبنا، فلا ندري من أين أُتينا؟!".

أما نحن، فيصدق في كثير منا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يأتي على الناس زمان، ما يبالي الرجل من أين أصاب المال؟ من حلال أو حرام))؛ صحيح سنن النسائي.

كثير من الناس لا يهمه إلا جمْع المال، ولو عن طريق الحرام؛ ولذلك لا نعجب إن علمنا أن حجم مبادلاتنا الداخلية يَحكُمُ رأسَمالها 6 % من أموال الرشاوى، يخسر المغرب بسببها مليار دولار ونصف سنويًّا، وأن 800 عملية تحوُّل جنسي أجريتْ عندنا، حتى صرنا ننافس الغربيين في ذلك؛ بل تفوَّقنا على كثير منهم، وأن نقاط بيع الخمور عندنا تتوزع بمعدل 4 نقاط لكل 1000 نسمة بالوسط الحضري.
سُبْحَانَ مَنْ يَعْفُو وَنَهْفُو دَائِمًا *** وَلَمْ يَزَلْ مَهْمَا هَفَا العَبْدُ عَفَا
يُعْطِي الَّذِي يُخْطِي وَلاَ يَمْنَعُهُ *** جَلاَلُهُ عَنِ العَطَا لِذِي الخَطَا









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 15 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سوء الخاتمة

عَرفنا أنَّ المعاصي بابٌ عظيم من أبواب الفشل في الدُّنيا، وجلْب النِّقمة في الآخرة؛ فهي تُعجِّل العقوبة، وتَحرِم العلم، وتَحرِم الرزق، وتجلب الأمراض، وتَحرم الطاعة، وتقف حاجزًا دون استجابة الدُّعاء، وسنعرض اليوم - إن شاء الله تعالى - آفةً أخرى من آفاتِ المعاصي، لا يتنبه إليها كثيرٌ من الناس، ولا يعرفون قيمتَها إلاَّ في لحظة واحدة، وهي لحظةُ فراق هذه الدنيا، والإقبال على الله - عزَّ وجلَّ - نعم، إنَّ المعاصي سببٌ عظيمٌ من أسباب سوء الخاتمة.

إنَّه موضوع ثقيل على النفس، تحتاج معالجته إلى شيءٍ غير يسير من الصبر والتحمُّل؛ لأنَّه تذكير بالآخرة، وتخويف من سوء الخاتمة، ولا ضَيرَ أن يذكِّر بعضُنا بعضًا بما ينفعنا في آخرتنا، بدل أن نشغل بياض أوقاتنا في اللَّهو والغفلة، ولقد مضى معنا أنَّ الحسن البصري سأله رجل قال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسةِ أقوام يُخوِّفوننا حتى تكادَ قلوبنا تطير؟ فقال الحسن: "والله لأنْ تصحبَ أقوامًا يخوِّفونك حتى تُدرك أمنًا، خيرٌ من أن تصحب أقوامًا يُؤمِّنونك حتى تلحقَك المخاوف".

وكان معاذ بن جبل- رضي الله عنه - يقول لأحد إخوانه: "اجلسْ بنا نؤمن ساعة"، فتعالَوْا بنا نتذكرْ في هذه اللَّحظات الإيمانيَّة، وفي هذا اليوم المبارك، عسى اللهُ أن يشرحَ صدورنا لسلامةِ الدِّين؛ حتى نلقاه - عزَّ وجلَّ - وهو علينا راض، فكيف يجب أن تكون خاتمة المؤمن؟

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، قال القرطبي: "فلا تفارقوا هذا الدِّين وهو الإسلام أيَّامَ حياتكم، وذلك أنَّ أحدًا لا يدري متى تأتيه منيِّتُه"، وقال ابن كثير: "أي: أحسنوا في حال الحياة، والْزموا هذا؛ ليرزقكم الله الوفاةَ عليه، فإنَّ المرء يموت غالبًا على ما كان عليه، ويُبعث على ما مات عليه"، فعلى أيِّ حالٍ ستموت - أيُّها المسلم؟ والرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن مات على شيءٍ بعثه الله عليه))؛ صحيح الجامع.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363734

وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: أَسندتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى صدري، فقال: ((مَن قال: لا إله إلاَّ الله، خُتم له بها، دخلَ الجنَّة، ومَن صام يومًا ابتغاءَ وجه الله خُتم له به، دخل الجنة، ومَن تَصدَّق بصدقة ابتغاءَ وجه الله خُتم له بها، دخل الجنَّة))؛ صحيح الترغيب.

أَمَا تدري - أيُّها المسلم - أنَّ مَن مات على الخمر بُعث عليه، ومن مات على الغِيبة أو النَّميمة بُعث عليها، ومَن مات على الحِقد والكراهية وإيذاء الناس بُعث على ذلك؟! فلو أنَّ كلَّ واحد منَّا تذكَّر لحظة الخاتمة، ما أقدم على معصيةٍ قطُّ؛ بل تراه يسعى ليلَ نهارَ في العمل الصالح؛ حتى يموت عليه.

عن أنس - رضي الله عنه -: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا استعمله))، قيل: كيف يستعمله؟ قال: ((يُوفِّقه لعمل صالح قبلَ الموت))؛ صحيح الترغيب والترهيب.

قال ابن القيم في كتاب "طريق الهجريتين": "فمَن كان مشغولاً بالله، وبذِكره، ومحبَّته في حال حياته، وجد ذلك أحوج ما هو إليه عندَ خروج رُوحه إلى الله، ومَن كان مشغولاً بغيره في حال حياته وصحته، فيعسُر عليه اشتغالُه بالله، وحضورُه معه عند الموت، ما لم تدركْه عناية ربِّه، ولأجل هذا كان جديرًا بالعاقل أن يُلزمَ قلبَه ولسانَه ذِكرَ الله حيثما كان؛ لأجل تلك اللَّحظة التي إن فاتت شَقِي شقاوةَ الأبد".

ولذلك ينبغي أن يكون الخوفُ من سوء الخاتمة ماثلاً أمامَ عين العبد في كل لحظة؛ لأنَّ الخوف باعثٌ على العمل؛ وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن خاف أدلج (سار من أوَّل الليل؛ أي: شمَّر في الطاعة)، ومَن أدلج بلغ المنزل، ألاَ إنَّ سِلعة الله غالية، ألاَ إنَّ سِلعة الله الجنة))؛ صحيح سنن الترمذي.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363734

وكذلك كان السَّلف الصالح، قال سهل التُّستري: "خوف الصِّدِّيقين من سوء الخاتمة عندَ كلِّ خَطْرَة، وعند كلِّ حركة، وهُم الذين وصفهم الله - تعالى - إذ قال: {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60]".

وكان عثمان بن عفَّانَ إذا وقف على قبرٍ يبكي، حتى يبلَّ لحيته، فقيل له: تذكر الجنَّة والنار ولا تبكي، وتبكي مِن هذا؟! قال: إنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ القبر أوَّل منازل الآخرة، فإنْ نجا منه فمَا بعده أيسرُ منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشدُّ منه))، قال: وقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلاَّ والقبرُ أفظع منه))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

فمَن كانت تلك الساعة نُصبَ عينيه، كان كالأسير لها؛ كما روي عن حبيبٍ العجمي: أنَّه كان إذا أصبح، قال لامرأته: "إذا متُّ اليوم ففلانٌ يُغسِّلني، وفلان يحملني"؛ لأنَّه فقه قول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "أكْثِروا مِن ذِكْر هاذم اللذَّات))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

وقال معروفٌ الكرخي لرجلٍ: "صلِّ بنا الظهر، فقال: إن صليتُ بكم الظهر، لم أصلِّ بكم العصر، فقال معروف: وكأنَّك تؤمِّل أن تعيش إلى العصر، نعوذ بالله من طُول الأمل".
اغْتَنِمْ فِي الْفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ *** فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَهْ
كَمْ صَحِيحٍ قَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ *** ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَهْ
وبكى أبو هريرة - رضي الله عنه - عندَ موته، وقال: "والله ما أبكى حُزنًا على الدنيا، ولا جزعًا مِن فراقكم؛ ولكن أنتظر إحدى البُشريين من ربِّي: بجنَّة أم بنار".

وقال أبو مسلم: "جئتُ أبا الدَّرداء وهو يجود بنفسه، فقال: ألا َرجلٌ يعمل لمثل مصرعي هذا؟! ألاَ رجلٌ يعمل لمثل يومي هذا؟! ألاَ رجلٌ يعمل لمثل ساعتي هذه؟! ثم قُبض".

ولَمَّا احتُضِر أبو بكر بن حبيب، وكان يُدرِّس ويعظ، وكان نِعمَ المؤدِّب، قال له أصحابه: أَوْصِنا، فقال: أوصيكم بثلاث: بتقوى الله - عزَّ وجلَّ - ومراقبته في الخلوة، واحذروا مَصرعي هذا، فقد عشتُ إحدى وستِّين سنة، وكأني ما رأيتُ الدنيا، ثم قال لبعض إخوانه: انظر هل ترى جبيني يَعرق؟ فقال: نعم، فقال: الحمد لله، هذه علامةُ المؤمن - يريد بذلك قولَ رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المؤمنُ يَموتُ بعَرَقِ الجَبين))؛ صحيح ابن ماجه - ثم بسطَ يدَه عند الموت، وقال:
هَا قَدْ مَدَدْتُ يَدِي إلَيْكَ فَرُدَّهَا *** بِالْفَضْلِ لاَ بِشَمَاتةِ الأَعْدَاءِ
ولَمَّا حضرت الفضيلَ بن عِياض الوفاةُ، غُشِيَ عليه، ثم أفاق، وقال: "يا بُعدَ سفري، وقِلَّة زادي".

وقال الحافظ ابن كثير - رحمه الله -:"إنَّ الذنوب والمعاصي والشهوات تخذل صاحبَها عند الموت، مع خذلان الشيطان له، فيجتمعُ عليه الخذلان مع ضعْف الإيمان، فيقع في سوء الخاتمة؛ قال - تعالى -: {وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 29]".

وقد قيل: "لا تَكُفَّ دمعك، حتى ترى في المَعاد رَبْعَك (دارك)"، وقيل:"لا تُكَحِّل عينَك بنوم، حتى ترى حالَك بعد اليوم"، فكيف تكون المعصية سببًا في سوء الخاتمة؟

ذكر ابن القيم - رحمه الله - في كتابه: "الجواب الكافي": أنَّ أحدَ الناس قيل له وهو في سياق الموت: قل: لا إلهَ إلاَّ الله، فقال: وما يُغني عنِّي، وما أعرف أنِّي صليتُ لله صلاة؟! ولم يَقلْها"، فكونه لا يُصلِّي كان مانعًا له من حسن الخاتمة.

وذكر الحافظ الذهبي - رحمه الله -: أنَّ رجلاً كان يجالس شرابَ الخمر، فلمَّا حضرتْه الوفاة، جاءَه إنسانٌ يُلقِّنه الشهادة، فقال: اشربْ واسقني، ثم مات.

وذكر ابن القَيِّم - رحمه الله - عن رجل عُرف بحبِّه للأغاني وترديدها، فلمَّا حضرته الوفاة قيل له: قل: لا إلهَ إلاَّ الله، فجعل يَهذي بالغناء، ويُردِّد إحدى الأغاني حتى قضى، ولم ينطق بالتوحيد.

وقال أيضًا: "أخبرني بعضُ التجار عن قَرابةٍ له أنَّه احتُضر وهو عندَه، وجعلوا يُلقِّنونه لا إله إلاَّ الله، وهو يقول: هذه القِطعة رخيصة، وهذا مشترٍ جيِّد، هذه كذا، حتى قضى ولم يَنطق بالتوحيد".

سُمِعَ بعضُ المحتضَرين عند احتضاره يلطم على وجهه، ويقول: {يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]، وقال آخرُ عند احتضاره: "سَخِرَت بي الدنيا، حتى ذهبت أيَّامي"، وقال آخر عند موته: "لا تَغُرَّنَّكمُ الحياة الدنيا كما غرتني".

وقد تناقلتِ الأخبار عندنا قبل شهر - تقريبًا - بوفاة حارس متزوِّج وهو متلبِّس بالزِّنا، ووفاة "بائع الخضار" الذي تناول مُهيِّج "الفياغرا"؛ ليمارسَ الزِّنا مع ثلاث مومسات، فمات بين يدي إحداهن.

وهذه قصَّة أربعة من الشباب، كلَّما سمعوا ببلد يُفعل فيها الفُجور، طاروا إليها، فبينما هم في ليلةٍ من الليالي في أحد المراقص، وفي ساعة متأخِّرة من الليل، يجاهرون الله - عزَّ وجلَّ - بالمعصية والفجور، إذا بأحد الأربعة، يسقط مغشيًّا عليه، فهرع إليه أصحابه الثلاثة، وقال له أحدهم: يا أخي، قل: لا إلهَ إلاَّ الله، فيرد الشاب - عياذًا بالله - إليك عنِّي، زدني كأس الخمر، وتعالي يا فلانة، ثم مات، فأخذ الثلاثة الآخرون يبكون مِن هَوْل ما رأوا، وخرجوا من المرْقص تائبين، وجهَّزوا صاحبهم، وعادوا به إلى بلاده، ولَمَّا وصلوا المطار، فتحوا التابوتَ ليتأكَّدوا من جُثته، فلمَّا نظروا إلى وجهه، فإذا عليه كُدرة وسواد، ونعوذ بالله من الحَوْر بعدَ الكَوْر.

قال يحيي بن معاذ: "الدنيا خمرُ الشيطان؛ مَن سكر منها، فلا يُفيق إلاَّ في عسكر الموتى".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 16 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

تعدية أثر المعاصي إلى الغير
سَبَق الحديث عن آفات المعاصي، وآثارها الوخيمة على حياة الناس في الدُّنيا والآخرة، فهي تُعجِّل لصاحبها العقوبة، وتَحرِمه العِلم، والرِّزق، والطاعة، وتجلب له الأمراض، وتحرِمه من استجابة الدعاء، وتكون سببًا في سوء الخاتمة.

ونحاول اليومَ - إن شاء الله - أن نلامس جانبًا آخرَ من جوانب أخطار المعاصي، وهو أنَّ المعصية لا يقتصر أثرُها على صاحبها فقط؛ بل تتعدَّاه إلى غيره، وهذا أمر خطيرٌ جدًّا؛ لأنَّه يجعل المعصية شؤمًا على صاحبها وعلى غيره، حتى قالت زينب بنت جحش - رضي الله عنها - لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "أنهلِك وفينا الصالحون؟" قال: ((نعم، إذا كَثُر الخَبث))؛ متفق عليه، وفي حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((نعم، إذا ظَهر الخَبث))؛ صحيح سنن الترمذي.

وقال عمر بن عبدالعزيز: "كان يُقال: إنَّ الله - تبارك وتعالى - لا يُعذِّب العامَّة بذنب الخاصَّة، ولكن إذا عُمل المنكر جِهارًا، استحقُّوا العقوبة كلَّهم"؛ رواه مالك في "الموطأ".

بل إنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - جعل المعاصي من أسباب قِيام الساعة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله يبغض الفاحش والمتفحِّش، ولا تقوم الساعة، حتى يظهر الفُحش، والتفاحُش، وقطيعة الرَّحم، وسوء المجاورة، وحتى يؤتمنَ الخائن، ويُخَوَّنَ الأمين))؛ رواه أحمد، وهو صحيح لغيره.

وتأمَّلْ في هذا الحديث الجامع، كيف ربط مجموعةً من العقوبات بارتكابِ خمسة معاصٍ خطيرة، بحيث يؤدِّي اجتراحُها إلى تضرُّر العامَّة، ولم يقتصر الضرر على مرتكبيها؛ عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: أقبل علينا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: ((يا معشرَ المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُليتم بهنَّ - وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ -: لم تظهر الفاحشةُ في قوم قطُّ حتَّى يُعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكنْ مضتْ في أسلافهم الذين مَضَوْا، ولم ينقصوا المِكيالَ والميزان إلاَّ أُخذوا بالسِّنين (المجاعة)، وشدَّة المؤونة، وجَور السُّلطان عليهم، ولم يَمنعوا زكاةَ أموالهم إلاَّ مُنعوا القطرَ من السماء، ولولا البهائمُ لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهدَ الله وعهد رسوله، إلاَّ سَلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم، فأخذوا بعضَ ما في أيديهم، وما لم تَحكمْ أئمَّتُهم بكتاب الله، ويتخيَّروا ممَّا أنزل الله، إلاَّ جعل الله بأسَهم بينهم))؛ صحيح سنن ابن ماجه، فكلُّ عقوبة من هذه العقوبات المذكورة، مرتبطة بذنب يُرتكب.

ويُوضِّحه قولُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما ظهر في قومٍ الزِّنا والرِّبا، إلاَّ أحلُّوا بأنفسهم عذابَ الله))؛ "صحيح الترغيب والترهيب"، فيتأذَّى القوم كلُّهم بسبب مجموعة من العُصاة.

إنَّ العاصي يضرُّ بمعصيته نفسَه أوَّلاً، ثم غيرَه ثانيًا، هل سمعت بمَن يسرق نفسه؟! يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أسرقُ الناس الذي يَسرق صلاتَه؛ لا يُتمُّ ركوعَها، ولا سجودها))؛ صحيح الجامع.

وقد رَوى يعقوب بن عبدالرحمن، عن أبي حازم قال: "السيِّئ الخُلُق، أشقى الناس به نفسُه التي بين جنبيه، هي منه في بلاء، ثم زوجتُه، ثم ولدُه، حتى إنَّه ليدخل بيته، وإنَّهم لفي سرور، فيسمعون صوتَه فينفرون عنه؛ فَرَقًا منه، وحتى إنَّ دابَّته تحيدُ ممَّا يرميها بالحجارة، وإنَّ كلبه ليراه فينزوي على الجِدار، حتى إنَّ قطَّه ليفرُّ منه".

إنَّه يصير ذليلاً حقيرًا لا عزَّ له؛ كما قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغارُ على مَن خَالَفَ أَمرِي))؛ البخاري.

والعاقلُ مِن النَّاس مَن عَرَفَ مَواطنَ العزَّة فَتَحرَّاها، ومواطنَ الذُلِّ فتَوقَّاها، قال ابنُ القَيِّم - رحمه الله -:
وَهُوَ المُعِزُّ لِأَهلِ طَاعَتِهِ وَذَا *** عِزٌّ حَقِيقِيٌّ بِلاَ بُطلاَنِ
وَهُوَ المُذِلُّ لِمَنْ يَشَاءُ بِذِلَّةِ ال ** دَّارَينِ ذُلَّ شَقًا وَذُلَّ هَوَانِ
وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((إذا تبايعتُم بالعينة (نوع من المعاملات الرِّبويَّة، ذات التحايل على الشرع)، وأخذتم أذنابَ البقر (إشارةً إلى الاهتمام بأمور الدُّنيا والركون إليها)، ورضيتم بالزَّرع (وهذا محمولٌ على مَن شغله الحرثُ والزَّرع عن القيام بالواجبات)، وتركتم الجهاد - سلَّط الله عليكم ذُلاًّ، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دِينكم))؛ صحيح سنن أبي داود.

فلا يَرفع البلاءَ والذلَّ إلاَّ تركُ المعاصي، والرجوعُ إلى الله – تعالى - كما في الحديث الآخر، الذي قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنَّها ستكون فتنةٌ))، قالوا: فكيف لنا يا رسول الله؟ أو كيف نصنع؟ قال: ((ترجعون إلى أمركم الأوَّل))؛ السلسلة الصحيحة.

ورحم الله الإمام مالكًا الذي قال: "لن يَصلح آخرُ هذه الأمَّة إلاَّ بما صَلَح به أوَّلُها".

ولا يكتفي العاصي بإيذاء نفسه، بل المحيط الذي يحاذيه يتألَّم من جرَّاء معصيته، ويتأثر بها، حتى الجمادات، من مياه، وزروع، وهواء، وشجر؛ قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، وقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لَمَّا مرُّوا عليه بجنازة: ((مستريحٌ ومستَراحٌ منه))، قالوا: يا رسول الله، ما المستريح، والمستراح منه؟ قال: ((العبد المؤمن يستريحُ من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله، والعبدُ الفاجر يستريح منه العِباد، والبلاد، والشَّجر، والدوابُّ))؛ متفق عليه.

نعم، يعاقبه الله بمعصيته، فيجد أثرَها فيمن حوله، يقول ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى": "فمتى رأيتَ - وفقك الله - تكديرًا في حال، فتذكَّر ذنبًا قد وقع، فقد قال الفضيلُ بن عياض: إنِّي لأعصي الله، فأعرفُ ذلك في خُلق دابَّتي وجاريتي، وقال أبو سليمان الدَّاراني: مَن صَفَّى صُفِّي له، ومَن كَدَّر كُدِّر عليه، ومَن أحسن في ليله كوفئ في نهارِه، ومَن أحسن في نَهاره كوفئ في ليله".

نعم، يجد أثرَ ذلك في الحيوانات البريئة التابعة له؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّه سمع رجلاً يقول: "إنَّ الظالم لا يضرُّ إلاَّ نفسَه"، فقال أبو هريرة: "بلى والله، حتى الحُبارَى (طائر) لَتموتُ في وكْرِها هزالاً مِن ظُلم الظالم"؛ ذكره الذهبي في "الكبائر".

وقال مجاهد: "إنَّ البهائم تَلعن عُصاةَ بني آدم إذا اشتدتِ السَّنة، وأمسك المطر، وتقول: هذا بشؤم معصية ابن آدم".

وقال عكرمة: "دوابُّ الأرض وهوامُّها، حتى الخنافس والعقارب يقولون: "مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم"، يدخل بيته، فَتُغضبه زوجتُه، وترفع صوتَها في وجهه، وتتمرَّد عليه بنتُه، ويعصيه ولده، وتغضب منه أمُّه، ويشقى به أبوه، يُريد أن يُدير سيارته، فيجدها معطَّلة، قد جعل الله سببًا لتعطيلها عقوبةً له، وقد مرَّ معنا أنَّ سهلاً التُّستري َّ - أو غيره - ذهب إلى صلاة الجُمُعة، فانقطعت حذاؤه، فقال: أتدرون لم انقطعت؟ قالوا: بقضاء وقدر، قال: لكنِّي أظنُّها بسبب؛ وهو أني تركتُ غُسل الجُمُعة، ثم عاد، واغتسل"، قال عبدالله بن المبارك - رحمه الله -:
أَيَضْمَنُ لِي فَتًى تَرْكَ الْمَعَاصِي *** وَأَرْهَنُهُ الْكَفَالَةَ بِالْخَلاَصِ
أَطَاعَ اللهََ قَوْمٌ فَاسْتَرَاحُوا *** وَلَمْ يَتَجَرَّعُوا غُصَصَ الْمَعَاصِي


الخطبة الثانية


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363736

يُعتبر يوم 31 مايو المقبل، اليومَ العالَميَّ لمحاربة التدخين، هذه المعصية الخطيرة، التي أرَّقت العالَم بسبب عِناد أصحابها، وسعيهم في قتْل أنفسهم، والإلْقاء بها إلى التهلكة؛ فهو يتسبب في وفاة قرابة نِصف المدخنين، حيث سيجد 650 مليون مدخِّن نفسه في مواجهة الموت في السَّنوات القلية القادمة؛ لأنَّ نسبة المدخنين في بعض البلاد العربيَّة تصل إلى 55%، غير أنَّ المؤسف أنَّ جريرة التدخين لا تقتصر على أصحابها فقط، بل تأثَّر بهم الصِّغار أيضًا؛ حيث وجدنا نسبة الأطفال العرب المدخنين، الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة، تبلغ نحو 22 % من أعداد المدخنين، وتصل في بعض البُلدان العربيَّة إلى 30 %، والأكثر مِن هذا، أنَّ غير المدخن (ما يعرف بالتدخين السَّلبي) يستنشق - مِن جرَّاء تدخين آخرين حولَه - نحو 4000 مادة كيماويَّة، منها 50 مادة مسبِّبة للسرطان، الذي يتسبَّب في وفاة شخص من بين كل مُدَخِّنَيْنِ، ويتسبَّب في وفاة شخص كلِّ 10 ثوان في العالَم، والآلاف كلَّ سَنة في المغرب، وفي الوقت الذي نجد فيه الغربيِّين يحتاطون، وينبِّهون على خطورة الدُّخان، حتى وجدْنا رقعةَ الأماكن الخالية من التدخين في كندا - مثلاً - 80 %، فإنَّ المدخن عندنا يمكن أن يُلوِّث كلَّ الأماكن تقريبًا، حتى بعض المعلِّمين في أقسامهم، باستثناء بيوت الله، ممَّا يؤثِّر سلبًا على الآخرين، زد على كلِّ ذلك أنَّ سيجارة واحدة - والأعمار بيد الله - تنزع ما بين 8 إلى 11 دقيقة مِن حياة المدخِّن:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363736
يَا مُدْمِنُونَ أَلاَ يَكْفِيكُمُ مَرَضٌ *** ارْمُوا سَجَائِرَكُمْ قَدْ سَاءَ إِدْمَانُ
أَمْرَاضُكُمْ تَحْتَ أَضْلاَعِ الصُّدُورِ سَرَتْ *** غَدًا بُكَاءٌ إِذَا مَا مَاتَ شِرْيَانُ
فَصِحَّةُ الْمَرْءِ إِنْ زَادَتْ سَجَائِرُهْ *** سَاءَتْ كَثِيرًا وَحَلَّ العُمْرَ نُقْصَانُ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 17 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (1)



عرَفنا في الجُمَع الماضية أن المعصية تجني على مرتكبيها ألوانًا من العقوبات، تمنعُهم لذَّةَ الدنيا، وقد تُفَوِّتُ عليهم فرصةَ الفوز بالآخرة، منها أنها قد تعجِّل لصاحبها العقوبةَ في الدنيا، وتَحرِمُه العلمَ، وتحرمه الرزقَ، وتحرمه الطاعةَ، وتجلب له الأمراضَ، وتحرمه من استجابة الدعاء، وتكون سببًا في سوء الخاتمة، وتكون شؤمًا على صاحبها وعلى غيره.

ونريد اليوم - إن شاء الله تعالى - أن نعرف بعض سُبُل اتِّقاء المعاصي، وشيئًا من الهدي النبوي في مجابهتها ومواجهتها، ولا سيما في هذا الزمان، الذي يمكن أن نتحدَّثَ فيه على شيءٍ اسمُه "إنفلونزا المعاصي"، على غرار "إنفلونزا الطيور والخنازير"، غيرَ أن هاته أرعبتِ العالمَ، فوقف لمحاربتها وقفةَ رجلٍ واحد، والأخرى لم يكد يلتفتُ إليها أحدٌ، حتى صارتِ المعاصي أهونَ على صاحبها من تِبْنَةٍ عَلَى لَبِنَةٍ - كما في المثل.

غير أنني لا أطلب من نفسي ولا منكم أن نكون معصومين من الخطأ والزَّلَل، فكلُّ ابن آدم خطَّاء، و"كفى المرءَ نبلاً أن تُعَدَّ معايبُه"، وقد جاء في حديث أبي سعيدٍ الخدري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((قال إبليس: أيْ ربِّ، لا أبرح أغوي بني آدم ما دامتْ أرواحُهم في أجسادهم))، قال: ((فقال الربُّ - عز وجل -: لا أزال أغفر لهم ما استغفروني))؛ "صحيح الترغيب"؛ بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل ما ركز في بني آدم من ارتكابِ الذنوب دليلاً على نقصهم، ودليلاً على اتِّصاف الله - تعالى - بالكمال، قال - صلى الله عليه وسلم -: ((والذي نفسي بيده، لو لم تُذنِبوا لذَهَبَ الله بكم، ولَجَاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم))؛ مسلم.
مَنْ ذَا الَّذِي مَا سَاءَ قَطّ *** وَمَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ
بل أدعوك لتتأمَّل في هذا الحديث الشريف، كم هو جميل مُستعذَب، شفاءٌ لصدور المذنبين، وبَلْسَمٌ لجراحات العاصين النادمين، عن ابن عباس - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من عبدٍ مؤمن إلا وله ذنبٌ يعتاده الفَيْنَةَ بعدَ الفَيْنَة، أو ذنبٌ هو مقيمٌ عليه لا يفارقه حتى يفارق الدنيا، إن المؤمن خُلِق مُفَتَّنًا (ممتحنًا) توَّابًا نَسِيًّا، إذا ذُكِّرَ ذَكَرَ))؛ "صحيح الجامع".

فيا أيها المُذنب، لا تيأسْ من عفو الله، ولا تقنطْ من رحمة الله؛ فربُّك لطيف بعباده، رحيم بِعُصاته، إذا رجعوا وتابوا، هل سمعتَ بالآية التي أبكتِ الشيطانَ؟ نقل ابن كثير في تفسيره عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "بلغني أن إبليس حين نزلت هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]، بكى".

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -: ((قال الله - تبارك وتعالى -: يا ابن آدم، إنكَ ما دعوتَني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغتْ ذنوبُك عَنَانَ السماء، ثم استغفرتَني، غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم، إنك لو أتيتني بقُراب (ما يقرب من مِلْء الأرض) الأرضِ خطايا، ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بِقُرابها مغفرةً))؛ "صحيح سنن الترمذي".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363737

فتكون الذنوب - من هذا الباب - سببًا في معرفة الله - تعالى - بأسمائه وصفاته، وتحقيقِ العبودية له؛ لأنها تورث ذلاًّ وخضوعًا؛ لكن، إذا استحالتْ إلى غَواية شيطانية، وإيذاءٍ لعباد رب البرية، كانت هلاكًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا.

ولقد وجدتُ أن جِماعَ الأسباب الواقية من المعاصي، يكمن في عشرة أمور، نقتصر اليوم على واحد منها، وهو:
1- ضرورة استعظام أمر المعصية:فالمعصيةُ - مهما صغُر شأنُها - لا بد أن تخلِّف أثرًا سيئًا في نفس صاحبِها، وقد تجرُّ - بالدوام عليها، والإصرار على فعلها - إلى الوقوع في الكبائر؛ فعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب، كقومٍ نَزلُوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خُبزتَهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يُؤخذْ بها صاحبُها تُهْلِكْهُ))؛ رواه أحمد، وهو في "الصحيحة".

ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا عائشة، إياكِ ومحقَّراتِ الأعمال؛ فإن لها من الله طالبًا))؛ "صحيح سنن ابن ماجه".

ويقول عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "إن المؤمن يرى ذنوبَه كأنه قاعدٌ تحت جبل، يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرَّ على أنفه، فقال به هكذا"؛ البخاري.

ويقول بلال بن سعد: "لا تنظُرْ إلى صِغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة مَن عصيتَ".

وقال الفضيل بن عياض: "بقَدْر ما يصغُر الذنبُ عندك، يعظُم عند الله، وبقدر ما يعظم عندك، يصغر عند الله".

فلا تعتقدَنَّ أنك وحدك، قد تَخَفَّيْتَ عن عيون المخلوقين، ولو صغر الذنب؛ فاللهُ عليك رقيب، والمَلَكان يحصيان عليك أنفاسَك.

دخل على الإمامِ أحمدَ أديبٌ في يوم من الأيام، فقال له الإمام أحمد: ما عندك؟ - أي: من شعر - فقال الرجل:
إِذَا مَا خَلَوْتَ الدَّهْرَ يَوْمًا فَلاَ تَقُلْ *** خَلَوْتُ وَلَكِنْ قُلْ عَلَيَّ رَقِيبُ
وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ سَاعَةً *** وَلاَ أَنَّ مَا تُخْفِي عَلَيْهِ َغِيبُ
فلما سمع الإمام أحمدُ الشعرَ، قام من الدرس، ودخل الغرفة، وأخذ يبكي وهو يردِّد هذين البيتين.

وقد تُبطل المعاصي - ولو صغرت - أعمالَك الحسنة، التي تريدها وقايةً لك من عذاب الله يوم القيامة؛ فعن ثوبان - رضي الله عنه - عن النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لأعلمَنَّ أقوامًا من أمَّتي، يأتون يومَ القيامة بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تِهامةَ بِيضًا، فيجعلُها الله - عز وجل - هباءً منثورًا))، قال ثوبان: يا رسول الله، صِفْهم لنا، جَلِّهم لنا؛ ألاَّ نكونَ منهم ونحن لا نعلم، قال: ((أمَا إنهم إخوانُكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوامٌ إذا خلَوْا بمحارم الله انتهكوها))؛ "صحيح سنن ابن ماجه".

الخطبة الثانية


يحلُّ يومُ الخامس من شهر يونيو، فيتذكَّر الناس اليوم العالمي للبيئة، الذي تمَّ الإعلان عنه منذ 1972م، ولئن كانت الدول الغربية أولَ من فكَّر في تأريخه، فإن في الإسلام المبادئَ الكبرى التي تضبط حسنَ التعامل مع البيئة؛ قال – تعالى -: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20].

قال القرطبي: "ذكر نِعمه على بني آدم، وأنه سخَّر لهم {مَا فِي السَّمَوَاتِ} من شمسٍ وقمر، ونجوم وملائكة، تحوطهم وتَجُرُّ إليهم منافعهم، {وَمَا فِي الْأَرْضِ} عام في الجبال، والأشجار، والثمار، وما لا يحصى".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363737

وهؤلاء الذين شرعوا اليوم العالمي للبيئة، هم أول مَن يُفسد الأرض، والبحار، والأجواء، يملكون من الأسلحة ما يمكن أن يبيد العالمَ عدة مرات، يبيحون تصدير المواد السامة إلينا، والأغذية الملوثة، والمبيدات الحشرية الممنوعة، حتى السجائر المصدرة إلينا تحتوي على ثلاثة أضعاف المواد السامة التي تحتوي عليها سجائرُهم، وهل خرَّب البيئةَ إلا الحروبُ التي اختلقوها، حتى أبيد ثمانون مليون شخص في الحربين العالميتين؟!

يقول – تعالى -: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا} [الأعراف: 56].

ويقول – تعالى -: {وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اتَّقوا الملاعِنَ الثلاثَ (ما يُلعن عليه مرتكبُه): البَرازَ في المواردِ (التغوط في مجاري المياه)، وقارعةِ الطريق (وسطه)، والظلِّ (المكان المستظل، الذي يتَّخذه الناس للمقيل))؛ "صحيح سنن أبي داود".

ويقول نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن قَطَعَ سِدرةً (أي: بلا وجه حق) صَوَّبَ اللهُ رأسَه في النار))؛ "صحيح الجامع".

والاعتداء على الأشجار والنباتات التي تزين المحيط، ظلمٌ للبيئة، وهي أمانة لا يحلُّ التطاولُ عليها؛ بل نعلِّم أبناءنا حسنَ التعاملِ معها، وكيفيةَ الاستفادة منها.

وليتَّقِ اللهَ بعضُ الشباب - ذكورًا وإناثًا - الذين يستغلون المتنزهات العامة، لإقامة العلاقات المشبوهة، والتصرفات الشائنة أمام المارة بلا خجلٍ أو حرج، مما يبعث على التذمُّر والتأفُّف من هذه المناظر التي تشوِّه وجهَ البيئة الجميل، فالله - تعالى - حيي كريم، وجميل يحب الجمالَ.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 18 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (2)
ضرورة ترك المجاهرة بالمعصية



تحدَّثْنا في الجمعة الماضية عن سُبُل اتِّقاء المعاصي، وقلنا: إن جِماع هذه السُّبل يكمن في عشرة أسبابٍ، ذكرْنا منها السببَ الأول، وهو: "ضرورة استعظام أمر المعاصي"، ونحاول اليوم - إن شاء الله تعالى - الوقوفَ على السبب الثاني، وهو:

"ضرورة ترك المجاهرة بالمعصية":
مِن الناس مَن تهون عليه معصيتُه، حتى إنه لَيحدِّثُ بها في المجامع، ويتباهى بسردِ تفاصيلها أمام الأصدقاء والأقرباء ولا يبالي، ونَسِيَ المسكينُ أنه بفعلتِه هذه، يستخفُّ بمعصيتِه، ويستخفُّ بعذاب الله الذي ينتظره، ويتحدَّى تعجيلَ العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، ثم مع كلِّ ذلك يفضحُ نفسَه في العاجلة والآجلة.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((كلُّ أمَّتي معافًى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة (وفي رواية: المَجانة، وهي الاستهتار بالأمور، وعدمُ المبالاة بالقول أو الفعل) أن يعملَ الرجلُ بالليل عملاً، ثم يصبح وقد سَتَرَهُ اللهُ، فيقول: يا فلانُ، عملتُ البارحةَ كذا وكذا، وقد بات يستُرُه ربُّه، ويصبح يكشف سترَ اللهِ عنه))؛ متفق عليه.

قال ابن حجر: "الذي يجاهر بالمعصية، يكون من جملة المجان، والمَجَانَة مذمومةٌ شرعًا وعرفًا، فيكون الذي يُظهِر المعصيةَ قد ارتكب محذورين: إظهار المعصية، وتلبُّسه بفعل المجان".

إن المجاهرة بالمعصية إعلانٌ للحرب على الله وعلى رسوله؛ لأن الله تعالى - كما في حديث يعلى بن أمية -: ((حَيِيٌّ ستير، يحب الحياء والستر))؛ "صحيح الجامع"، فلماذا نفضح أنفسنا وقد ستَرَنا الله؟!

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363739

ولعل السترَ في الدنيا غفرانٌ للذنب يوم القيامة؛ عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رجلاً سأله: كيف سمعتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول في النَّجوى؟ قال: ((يدنو أحدكم من ربِّه، حتى يضع كَنَفَه (جانبه) عليه، فيقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، ويقول: عملتَ كذا وكذا؟ فيقول: نعم، فَيُقَرِّرُه، ثم يقول: إني سترتُ عليك في الدنيا، فأنا أغفرها لك اليوم))؛ البخاري.

فإذا ابتُليتَ بالمعاصي، فاستترْ من أن يراك الناس، ثم ارجُ التوبةَ من الله - تعالى - في أقرب الآجال، فكم من شاربِ خمرٍ لا يعلم به أقربُ الأقربين! وكم من شارب دخان ما رآه أبناؤه يدخن قط! قال النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد جيء برجلٍ اعترف على نفسه بالزنا: ((اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله - تعالى - عنها، فمَن أَلَمَّ بشيء منها، فلْيستَتِرْ بستر الله، ولْيتُبْ إلى الله؛ فإنه من يُبْدِ لنا صفْحَتَه، نُقِمْ عليه كتابَ الله))؛ "صحيح الجامع".

والجهر بالمعصية سببٌ في نشرها، وتشجيعِ الآخرين عليها، وهو أمرٌ خطير؛ قال - تعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19]، قال البخاري: "أي: تظهر وتفشو ويذيع خبرُها، والفاحشةُ الزنا"؛ لأن الآية في قصة الإفك، حيث اتُّهمتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ - رضي الله عنها - بالفاحشة، والله - تعالى - يقول: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148]، قال مجاهد: "هو الرجل ينزل بالرجل، فلا يُحسِن ضيافتَه، فيخرج فيقول: أساء ضيافتي ولم يُحسن"، فاعتُبِرَ هذا الأمرُ الذي يبدو يسيرًا حقيرًا من عظائم الجرائر؛ بل هو جهر بالسُّوء لا يليق بالمؤمن؛ لما فيه من زرعِ الإحَن والأحقاد، فكيف بما هو أكبر منه؟! وفي الحديث المتفق عليه: ((ومَن سَتَرَ مسلمًا، ستَرَهُ الله في الدنيا والآخرة)).

بل إن المجاهرة بالمعصية سببٌ في محْقِ البَرَكة عن الجميع، وانتقال أثر الوباء للجميع، وفي الحديث الشريف: ((لم تَظهرِ الفاحشةُ في قومٍ قطُّ حتى يُعلِنوا بها، إلا فشا فيهمُ الطاعونُ والأوجاع التي لم تكن مضتْ في أسلافهم الذين مضَوْا))؛ "صحيح سنن ابن ماجه"، وقال عمر بن عبدالعزيز: "كان يقال: إن الله - تبارك وتعالى - لا يُعذِّب العامةَ بذنْبِ الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكرُ جهارًا، استحقُّوا العقوبةَ كلهم"؛ رواه مالك في "الموطأ".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363739

يقول ابن بطال: "في الجهر بالمعصية استخفافٌ بحقِّ الله ورسوله، وبصالحي المؤمنين، وفيه ضرب من العناد لهم، وفي الستر بها السلامةُ من الاستخفاف؛ لأن المعاصيَ تُذِلُّ أهلَها... فلذلك إذا ستره في الدنيا، لم يفضحه في الآخرة، والذي يجاهر، يَفُوتُهُ جميعُ ذلك"، قال ابن المعتز:
أَتَفْرَحُ بِالذُّنُوبِ وَبِالمَعَاصِي *** وَتَنْسَى يَوْمَ يُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي
وَتَأْتِي الذَّنْبَ عَمْدًا لاَ تُبَالِي *** / وَرَبُّ العَالَمِينَ عَلَيْكَ حَاصِي
وها أنت ترى كم في الأمَّةِ من المعاصي الباطنةِ والظاهرة، لا يستخفي أصحابُها من الله ولا من الناس، فالرِّشوةُ بملايين المرات في كل سنة، والسرقة نهارًا جهارًا، كم وجدنا من امرأةٍ تصرخ وتبكي؛ لأن نشالاً هدَّدها بالسلاح الأبيض، فسرَقَ حقيبتَها، أو حُليَّها، أو هاتفَها! حتى وجدنا 100 إلى 140 منخرطًا في مصلحة الهاتف يقصدون وكالاتهم يوميًّا بإحدى المدن المغربية؛ لاستخراج بطاقات جديدة، غالبيتهم من ضحايا سرقة الهواتف المحمولة، والنسبة ترتفع يوم عيد المسلمين: يوم الجمعة، دون تقديرٍ لمشاعر المسلمين، ومشاعر المصلِّين، الذين يفقد عددٌ منهم حذاءَه داخل بيت الله! عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لَيأتينَّ على الناس زمانٌ، لا يبالي المرءُ بما أخذ المال، أمِن حلال أم مِن حرام))؛ البخاري.

حتى إن بعض تلامذتنا في الباكالوريا، لم يتورَّعوا عن طلب الغش جهارًا وكأنه حق من الحقوق، حتى سُجِّلتْ هذه السنة أكثر من 1000 حالة غش، وما خَفِيَ كان أعظم، ولا عجب في ذلك ما دام بعضُ المغاربة ينفقون على التدخين أكثرَ مما ينفقون على التعليم.

فلماذا التمادي في المجاهرة بالمعصية، والاغترار بستر الله؟! أمَا تخشى - أيها المجاهرُ - أن يقبضك الله إليه وأنت متسربلٌ بالذنوب؟! أما تخاف أن يفضحك الله على رؤوس الخلائق؟!

عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من عبدٍ يقوم في الدنيا مقامَ سُمعة ورياء، إلا سَمَّعَ اللهُ به على رؤوس الخلائق يوم القيامة))؛ "صحيح الترغيب".

وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((وأما الكفار والمنافقون، فينادَى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبُوا على الله))؛ مسلم، إنها اللحظة التي أرَّقتِ السلفَ الصالح: الخوف من الفضيحة يوم القيامة، كان أبو الدرداء يقول: "إنما أخشى من ربِّي يومَ القيامة أن يدْعوَني على رؤوس الخلائق، فيقول لي: يا عويمر، فأقول: لبيك ربي، فيقول لي: ما عَمِلْتَ فيما عَلِمْتَ؟"؛ "صحيح الترغيب".
الخطبة الثانية

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((إن من أشرِّ الناس عند الله منزلةً يومَ القيامة: الرجلَ يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه، ثم ينشُرُ سِرَّها))؛ مسلم.

هذه العلاقة الحلال بين زوجين، لا يجوز إفشاؤها بحال، فكيف إذا كانت المجاهرة بالعلاقة الحرام، التي أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنها كائنة في الأمة الإسلامية لا محالة؟!

عن عبدالله بن عمرو قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليأتينَّ على أمَّتي ما أتى على بني إسرائيل، حَذْوَ النَّعل بالنعل، حتى إن كان منهم مَن أتى أمَّه علانيةً، لكان في أمَّتي مَن يصنع ذلك))؛ الترمذي، وهو في "الصحيحة".

وقد جعل النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - هذا النوعَ من المجاهرة من علامات الساعة؛ فعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((لا تقوم الساعةُ حتى يتسافدوا في الطريق تَسَافُدَ الحمير))؛ (أي: يجامع الرجالُ النساءَ بحضرة الناس كما يفعل الحمير، ولا يكترثون لذلك) قلتُ: إنَّ ذلك لَكائن؟! قال: ((نعم، ليكونَنَّ))؛ "الصحيحة"، ونحن نقول: صدق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - هو واللهِ كائنٌ، وقد سمعْنا مؤخرًا بالرجل الذي كان يقيم علاقة حرامًا مع ابنته طيلة عشرين سنة، وأنجب منها ستة أطفال.

أما شرب الخمور في قارعة الطريق، فحدِّث ولا حرج، وحسْبُك أن تعلم أن في إحدى مُدُننا يوجد 105 علبة ليلية، و166 حانة.
دَعْ عَنْكَ عَذْلِيَ يَا مَنْ كُنْتَ تَعْذِلُنِي *** لَوْ كَنْتَ تَعْلَمُ مَا بِي كُنْتَ تَعْذِرُنِي
أَنَا الَّذِي أُغْلِقُ الأَبْوَابَ مُجْتَهِدًا *** عَلَى المَعَاصِي وَعَيْنُ اللَّهِ تَنْظُرُنِي
تَمُرُّ سَاعَاتُ أَيَّامِي بِلاَ نَدَمٍ *** وَلاَ بُكَاءٍ وَلاَ خَوْفٍ وَلاَ حَزَنِ
مَا أَحْلَمَ اللَّهَ عَنِّي حِينَ أَمْهَلَنِي *** وَقَدْ تَمَادَيْتُ فِي ذَنْبِي وَيَسْتُرُنِي









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 19 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سُبُل اتِّقاء المعاصي (3)
ضرورة إشغال النفس بالعبادة




ما زلنا مع سلسلة مكارم الأخلاق، نغرف منها ما نود أن يصلحَ أحوالنا في الدُّنيا، ويمنحنا جواز المرور إلى الجنة في الآخرة، وقد وصلنا إلى بيان خُطُورة المعاصي، وضرورة ركوب الأسباب العشرة التي تقي منها، ذكرنا منها: "ضرورة تعظيم أمر المعصية"، و"ضرورة ترْك الجهْر بالمعصية".

ونود اليوم - إن شاء الله - أن نعرفَ أحد الأسباب الناجعة في التغلُّب على المعاصي، والسلامة من آثارها الخطيرة، سبب لا يهتم به إلا موفق، ولا يفطن إليه إلا أصحاب الهِمَم العالية، ممن عَرفوا حق ربهم عليهم، فقاموا به بلا كسل أو فتور، إنه: "ضرورة إشغال النفس بالعبادة"؛ لأنَّ النفسَ إن لم تشغلها بالطاعة، شغلتك بالمعصية.

وموضوعُنا أنسب
لاقتراب الإجازة الصيفية؛ حيث يعتبرها كثيرٌ من الناس مناسبة للفراغ واللهو وضياع الأوقات، وها أنا ذا أسوق لك اليوم عشرين من أقوال وأفعال أهل العلم والحكمة، أدعوك ونفسي لنلتقط واحدًا منها - على الأقل - فنعمل به، فنفوز فوزًا عظيمًا.

قال تعالى: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ} [الشرح: 7، 8]، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "إذا فرغتَ من الصلاة، فانصب في الدعاء، واسأل الله وارغب إليه"، وقال مجاهد: "إذا فرغت من أمْر دنياك، فانصَبْ فَصَلِّ"، وقال علي بن أبي طلحة: "إذا صحَّ بدنك، فاجعل صحتك نَصَبًا (تعبًا) في العبادة"، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "إذا فرغتَ من الفرائض فانصب في قيام الليل".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363741

وقال صاحب الكشاف: "وقعودُ الرجل فارغًا من غير شغل، أو اشتغالُه بما لا يعنيه في دينه أو دنياه، من سَفَه الرأي، وسخافة العقل، واستيلاء الغفلة... قال: وقُرئ: فَرَغِّبْ؛ أي: رَغِّبِ الناس إلى طَلَب ما عنده".

فيا أصحاب النفوس الفاترة، والقلوب الخاملة:
الحذرَ الحذرَ، فالأيام تمضي، والشيب ينذر، وضياع الأوقات فيما لا يجدي محصدة للذنوب، ومجلبة للكروب، ولله در القائل:
الشَّيْبُ عُنْوَانُ المَنِيْ *** يَةِ وَهْوُ تَارِيخُ الكِبَرْ
وَبَيَاضُ شَعْرِكَ مَوْتُ شَعْ *** رِكَ ثُمَّ أَنْتَ عَلَى الأَثَرْ
فَإِذَا رَأَيْتَ الشَّيْبَ عَمْ مَ الرَّأْسَ فَالحَذَرَ الحَذَرْ
فَأَكرِهْ نفسك على العبادة، فإنها بذلك تستقيم، قال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "أفضل الأعمال ما أُكرهت عليه النُّفوس".

وكان أبو إسحاق السَّبِيعي - رحمه الله - يقول: "يا معشر الشباب، جِدُّوا واجتهدوا، وبادروا قُوَّتَكم، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا، فإنه قل ما مرَّت عليَّ ليلةٌ، إلا قرأتُ فيها بألف آية".

وقال محمد بن يوسف: "كان سفيان الثوري - رحمه الله - يقيمنا في الليل، ويقول: قوموا يا شباب، صلوا ما دمتم شبابًا، إذا لم تصلوا اليوم، فمتى؟!

كانوا يتسابقون إلى العبادة، ويتنافسون
في التقرُّب إلى الله، فكان ذلك يطهِّر قلوبهم، ويرتقي بهم في درجات المقربين المرضيين، فقد كان أبو مسلم الخولاني - رحمه الله - يصلِّي منَ الليل، فإذا أصابه فتور أو كسل قال لنفسه: "أيظن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يسبقونا عليه، والله لأزاحمنّهم عليه، حتى يعلموا أنهم خلفوا بعدهم رجالاً"، ثم يصلي إلى الفجر.

وإذا كان بعضُ شبابنا يتناظَرون في أسماء لاعبي كرة القدم، ويختصمون في الأفضل منهم، وربما غضب بعضُهم إذا انهزم فريقهم، بل - أحيانًا - يتقاتَلون، أو يزدحمون على أبواب الملاعب حتى تُزهق أرواح بعضهم، فكيف كان تَنَافُسُ من أشغلتهم العبادة، وكان هَمُّهم الآخرة؟!

تَنَاظَرَ يومًا أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - في قيام الليل، فقال أبو موسى: "أنا أقوم أول الليل وأنام آخره"، فقال معاذ: "وأنا أنام أول الليل وأقوم آخره، فأحتسبُ نومتي كما أحتسب قومتي".

وذكر ابن حجر في "الفتح": أن طلحة بن عبيدالله قال للزبير بن العوام - وكان لكل منهما عشرة أبناء -: "أسماء بَنِيَّ أسماء الأنبياء، وأسماء بَنِيكَ أسماء الشهداء"، فقال الزبير: "أنا أرجو أن يكون بَنِيَّ شهداء، وأنت لا ترجو أن يكون بنوك أنبياء".

علموا أنهم خُلقوا للعبادة، فانشغلوا بها، وقصدوا مرضاة الله، حتى قال محمد بن واسع: "طوبَى لمَن وجد عَشاء ولم يجد غَدَاء، ووجد غَدَاء ولم يجد عَشاء، والله عنه راضٍ"؛ قال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن أحب دُنياه أضر بآخرته، ومَن أحب آخرته أضر بدنياه، فآثِروا ما يبقى على ما يفنى"؛ "صحيح الترغيب"، وقال: صحيح لغَيْره.

واستمع - يا أيها اللاهي - إلى الحَسَن
البصْري - رحمه الله - كيف يوقظك ويقول لك: "يا بن آدم، إنك بين مطيَّتَيْن يُوضعانك (يسرعان بك): الليل إلى النهار، والنهار إلى الليل، حتى يُسلِماكَ إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابن آدم خطرًا؟!"

قال أبو العتاهية - رحمه الله -:
لاَ دَارَ لِلْمَرْءِ بَعْدَ المَوْتِ يَسْكُنُهَا *** إِلاَّ الَّتِي كَانَ قَبْلَ المَوْتِ يَبْنِيهَا
فَإِنْ بَنَاهَا بِخَيْرٍ طَابَ مَسْكَنُهُ *** وَإِنْ بَنَاهَا بِشَرٍّ خَابَ بَانِيهَا
النَّفْسُ تَرْغَبُ فِي الدُّنْيَا وَقَدْ عَلِمَتْ *** أَنَّ الزَّهَادَةَ فِيهَا تَرْكُ مَا فِيهَا
فَاغْرِسْ أُصُولَ التُّقَى مَا دُمْتَ مُجْتَهِدًا *** وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَ المَوْتِ لاَقِيهَا

الخطبة الثانية


يا مَن أثقلته ذنوبه، وأراد الفكاك منها:
عليك بالطاعة، اشغل نفسك بالعبادة، فلو لم يكن فيها نفع ما اهتم بها سلفُنا، حتى قسموا حياتهم عليها، قال موسى بن إسماعيل: "لو قلت لكم: إني ما رأيت حماد بن سلمة ضاحكًا قط صدّقتكم، كان مشغولاً بنفسه: إما أن يُحدِّث، وإما أن يقرأ، وإما أن يُسَبِّح، وإما أن يصلي، كان قد قَسم النهار على هذه الأعمال"، ولذا مات حماد بن سلمة في المسجد وهو يصلي، فهنيئًا له.

وقال عبدالرحمن بن مهدي: "لو قيل لحماد بن سلمة: إنك تموتُ غدًا، ما قَدَر أن يزيدَ في العمل شيئًا"، ولذلك قال أبو حازم - رحمه الله -: "لقد أدركنا أقوامًا كانوا في العبادة على حدٍّ لا يقبل الزِّيادة".

وقال ابن المنكدر: "كابدت نفسي أربعين سنة حتى استقامتْ"، ونحن منا من كابد نفسه أربعين سنة على المعصية، يحارِب الله ورسوله بلسانه، وبقَلَمه، وبأعماله، وهُوَ لاهٍ لا يبالي.

وكان الحسن بن صالح وأخوه علي وأمه، قد جزَّؤوا الليل ثلاثة أجزاء، فكل واحد يقوم ثلثًا حتى ماتت أمهما، فاقتسما الليل، ثم مات علي، فقام الحسنُ الليلَ كلَّه.
تَزَوَّدْ مِنْ حَيَاتِكَ لِلْمَعَادِ *** وَقُمْ للهِ وَاجْمَعْ خَيْرَ زَادِ
وَلاَ تَرْكَنْ إِلَى الدُّنْيَا كَثِيرًا *** فَإِنَّ المَالَ يُجْمَعُ لِلنَّفَادِ

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363741
أَتَرْضَى أَنْ تَكُونَ رَفِيقَ قَوْمٍ *** لَهُمْ زَادٌ وَأَنْتَ بِغَيْرِ زَادِ؟









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 20 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (4)
ضرورة استغلال الأوقات في مرضاة ربِّ الأرض والسماوات



في إطار السعي لإصلاح النفوس، ونسج العلاقة السليمة التي يجب أن تربط بين المسلمين، باعتبارهم إخوةً في الله، طرقنا موضوعَ "خطورة المعاصي على هذه الأُخوَّة وأثرِها السيئ على هذه العلاقة"، وبحَثْنا في سبُل اتقائها، وقلنا: إن جِماعَها عشرةُ أسباب، ذكرنا منها: ضرورة استعظام أمر المعاصي، وضرورة ترك المجاهرة بها، وضرورة إشغال النفس بالطاعات. وسنحاول تعميق الموضوع الأخير - لأهميته - بالسبب الرابع وهو: ضرورة استغلال الأوقات في مرضاة ربِّ الأرض والسماوات.

فما يندم ممتحَنٌ يومَ القيامة ندمَه على ما ضيَّعه من أوقات الدنيا فيما لا نفع فيه، حتى إن أهل النار يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 3]؛ وهو النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أو القرآنُ، أو الشيبُ، أو الحُمَّى - لأن الحمى رسول الموت - أو موتُ الأهل والأقارب، أو البلوغ.

قال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا} [المنافقون: 11]، قال ابن الجوزي: "فكم ممن قد قُطعت عليه الطريق، فبقِي مُفلسًا! فاللهَ اللهَ في مواسم العمُر، والبِدارَ قبل الفوات.
مَنْ فَاتَهُ الزَّرْعُ فِي وَقْتِ الْبِدَارِ فَمَا تَرَاهُ يَحْصُدُ إِلاَّ الْهَمَّ وَالنَّدَمَا
فاملأ وقتك - أيها المؤمن - بزرعِ ما تحصده غدًا، فالمسلم يعتبر الوقت أمانة عنده؛ لأنه محاسب عليه يوم القيامة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((نِعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّةُ والفراغُ))؛ رواه البخاري.

قال في "تحفة الأحوذي": "لا يَعرِف قدرَ هاتين النعمتين كثيرٌ من الناس، حيثُ لا يكسبون فيهما من الأعمال كفايةَ ما يحتاجون إليه في مَعادهم، فيندمون على تضييع أعمارهم عند زوالها، ولا ينفعهم الندم؛ قال تعالى: {ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ}".

وفي حديثِ عبدالله بن عباس يقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اغتنم خمسًا قبلَ خمسٍ: شبابك قبل هَرَمِك، وصحَّتك قبل سَقمك، وغِناك قبل فقْرِك، وفراغك قبل شُغْلِك، وحياتَك قبل موْتِك))؛ رواه الحاكم، وهو في "صحيح الترغيب".

فالعجب العجب ممن يستفرغ جهده في لعِب الورق، والنردشير، وترصُّد المباريات والألعاب ذوات الساعات الطوال كلَّ يوم، وقد يسمعُ أذانَ الصلاة تلوَ الأذان، ولا يتحركُ فيه ساكن، أليس هذا هو الغبنَ الحقيقيَّ؟!

وقبل أربعَ عشرةَ ساعةً توفِّي أحد المغنين المشهورين جدًّا عن خمسين سنة، وقد أعدَّ لهذا الصيف مسلسلاتٍ من الغناء والرقص، وما يتبعهما من فجور ومعاصٍ استهوت الملايين من الشباب وألهتهم عن الآخرة، فبأيِّ زادٍ ذهب، وبأيِّ الأعمال سيلقى الربَّ؟!

يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامة حتى يُسألَ عن أربع: عن عُمُرِه فيم أفناه؟ وعن شبابِه فيم أبْلاه؟ وعن مالِه من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن علْمه ماذا عمِل به؟))؛ رواه الترمذي وهو في "صحيح الجامع".

فكيف لا تُهتبل الأوقاتُ فيما يرضي الله - تعالى - مِن كسْبِ المال الطيب الحلال، وإنفاقه في وجوهِ الخير، وطلبِ العلمِ النافع، وتصريفه في حاجات العباد؟! لماذا التسويف والتباطؤُ والكسل؟!
إِذَاْ كَانَ يُؤْذِيكَ حَرُّ الْمَصِيفِ *** وَيُبْسُ الْخَرِيفِ وَبَرْدُ الشِّتَا
وَيُلْهِيكَ حُسْنُ زَمَانِ الرَّبِيعِ فَأَخْذُكَ لِلْعِلْمِ، قُلْ لِيْ: مَتَى؟
يقول الحسن البصري: "ما من يومٍ ينشقُّ فجْره إلا وينادِي: يا ابنَ آدم، أنا يوم جديدٌ، وعلى عملِك شهيد، فاغتنمني وتزوَّد منِّي، فأنا لا أعود إلى يوم القيامة"، وقد قالوا: "الفوت - ضياع الوقت - أشدُّ من الموتِ".

وقال يحيى بن معاذ: "إضاعةُ الوقت أشدُّ منَ الموت؛ لأنَّ إضاعةَ الوقت انقطاعٌ عن الحقّ، والموتُ انقطاعٌ عن الخلق".

وقد سَأل الفُضيلُ بن عِياض رجلاً: كم عمرُك؟ فقال الرجل: ستُّون سنةً، فقال الفضيل: فأنت منذُ ستين سنةً تسير إلى ربكَ، تُوشك أن تصل، فقال الرجل: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ما الحيلةُ؟ فقال الفضيل: يسيرة، تُحسنُ فيما بقِي، يُغفَر لك ما مضى، فإنَّكَ إن أسأتَ فيما بقِي، أُخِذتَ بما مضى وما بقي".

وإذا كان صاحبُ الحكمةِ يقولُ:
إِذَا مَرَّ بِي يَوْمٌ وَلَمْ أَقْتَبِسْ هُدًى *** وَلَمْ أَسْتَفِدْ عِلْمًا فَمَا هُوَ مِنْ عُمْرِي
فكيف بمن تضيعُ عليه الشهورُ، بل السنوات وهو غافل ساهٍ؟
تشير بعض الإحصائياتِ إلى أنَّ الإنسان عندما يبلغ العشرين من العمُر، يكون قد تعرَّض لما لا يقِلُّ عن عشرين ألفَ ساعةِ بثٍّ تلفزيوني - 28 شهرًا تقريبًا - علمًا بأنَّ عدد الساعات التي يَحتاجُها الدَّارس لنيل درجة الباكالوريا، لا تزيد عن خمسة آلافِ ساعة.

لقد خُلقتَ - يا عبدَ الله - لطاعةِ الله، فكم من الوقت وفَّرت لذلك؟ أتعلم أن من عاش ستين سنة، يكون قد قضى ثلثَ عمرِه في النوم، وعشر سنوات أمام التلفاز، وأربع سنوات في تناول الطعام، وستة أشهر في الحمام، وثمانية أيام في لُبس الأحذية، ولم تأخذ منه الصلاة المفروضة إلا سنتين ونصفًا؟! أليس هذا دعوةً للحرص على الوقت، وأنه أثمن من أن يُهْدرَ في اللهوِ والفراغِ؟!
الوَقْتُ أَنْفَسُ مَا عُنِيتَ بِحِفْظِهِ *** وَأُرَاهُ أَسْهَلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ
كان الحسنُ البصريُّ يقول: "لقد أدركتُ أقوامًا، كانوا أشدَّ حِرصًا على أوقاتهم مِن حِرصِكم على دراهمِكم ودنانيركم".

وقال ابن مسعود - رضِي اللهُ عنه -: "ما ندِمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غرَبَت فيه شمسُهُ، نقَص فيه أجلي ولم يزدَدْ فيه عملي".

وانظر كيف يكون استغلالُ الوقتِ في الخير سبيلاً إلى إعلان الحرب على المعصية، قال حمَّادُ بن سلمة: "ما جِئنا إلى سليمانَ التَّيْمِي في ساعةٍ يُطاعُ اللهُ فيها إلاَّ وجدناهُ مُطيعًا، إنْ كان في ساعةِ صلاةٍ وجدناهُ مُصلِّيًا، وإن لم تكنْ ساعةَ صلاةٍ وجدناهُ إمَّا متوضِّئا، أو عائدًا مريضًا، أو مشيِّعًا لجنازة، أو قاعدًا في المسجد، قال: فكُنَّا نرى أنَّهُ لا يُحسنُ أن يعصيَ الله - عزَّ وجل.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-2.html#post363744

الخطبة الثانية


حين حرَص المسلمون على الوقت، وأداروه بطريقةٍ محكمةٍ، ونظَّموا حياتَهم حتى حَسَبوا أنفاسَهم، أنجزوا ما لم تستطع أية أمَّة أخرى إنجازَه؛ ففي خمسين عامًا، نشروا الإسلام شرقًا وغربًا، ودانت لهم الإمبراطوريات التي كانت لا تُقهر، عرَفوا كيف يُديرون أوقاتهم في مرضاةِ الله - تعالى - فتغلبوا بذلك على أنفسهم، وقلَّت معاصيهم، فنصرهم ربُّهم.

قال عمر بن الخطاب - رضِي اللهُ عنه - لمعاوية: "لئن نِمتُ النَّهار، لأضيعنَّ حقَّ الرَّعية، ولئن نمت الليل، لأضيعنَّ حق الله، فكيف بالنَّوم بين هذين الحقَّين يا معاوية؟!".

كان الإمام المَجْدُ بنُ تَيميةَ يَطلبُ مِن خادمه أنْ يقرأَ عليه كتابًا وهو في داخل الخلاء، حِرصًا على وقته.

والإمام السَّرخسيُّ يُسْجَن، فَيُؤلِّف في السجن كتاب "المبسوط"، وهو في أكثرَ من ثلاثين مجلَّدًا.

وألف ابن القَيِّم كتابيه؛ "بدائع الفوائد"، و"زاد المعاد" وهو في السَّفر؛ لأنه خَبَرَ قيمةَ الوقت، ووجوبَ استثماره، ولذلك كان يقول: "مِن علامةِ المَقت إضاعةُ الوقت"، وكان يقول أيضاً: "إذا رأيتَ المرءَ يُضيِّعُ من أوقاتِه، فاعلم أنه يعجل بوفاته".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأخلاق لقمان عبد الرحمن منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 21 05-16-2011 03:22 PM
فتش عن الأخلاق رحيل82 المنتدى الاسلامي العام 5 11-25-2010 05:21 PM
الأخلاق أساس الانطلاق ... نونو الجزائرى المنتدى العام 5 10-10-2010 06:58 PM
جواهر الأخلاق و الالتزام نادية25 المنتدى الاسلامي العام 2 01-08-2010 06:19 PM
التربية علي مكارم الاخلاق هانــــي أرشيف رمضان جزائرنا- 1431 3 09-02-2009 02:49 AM


الساعة الآن 10:29 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302