العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى الشريعة والحياة


منتدى الشريعة والحياة طريقنا للدعوة على منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح


سلسلة مكارم الأخلاق

منتدى الشريعة والحياة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 21 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (5)
ضرورة مصاحبة الأخيار



تحدَّثنا عن السُّبُل المُعِينة على ترك المعاصي، والأسباب التي يتحصَّن بها المؤمن ضد الإصابة بمرض الذنوب، وعدوى المُوبِقات، ذكَرنا منها: "ضرورة استعظام أمر المعاصي"، و"ضرورة ترك المجاهرة بها"، و"ضرورة إشغال النفس بالطاعات"، و"ضرورة استغلال الأوقات فيما يرضي ربَّ السموات"، ونريد اليوم - إن شاء الله - أن نطرق السبب الخامس، الذي يعتبر من أعظم الأدوية الناجعة للقضاء على المعاصي أو التقليل منها؛ لأنه بمثابة المنبِّه المستمر، الذي يذكِّرك إذا نسيتَ، وينصح لك إذا استنصحت، ويُقيل عثْرتَك إذا ضَلَلت، هذا السبب هو: "ضرورة مصاحبة الأخيار".

قال - تعالى -: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا} [الفرقان: 27 - 29].

نقل القرطبي أن الظالم لنفسه في الآية هو عقبة بن أبي معيط، وقد دعا مجلسًا من أشراف قريش، فيهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام، فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأكل وقال: ((لا آكل، حتى تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله))، فقال: ما أنت بآكلٍ حتى أشهد؟ قال: ((نعم))، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صَبَوْتَ؟! لا أرضى حتى ترجع فتبصق في وجهه، وتطأ عنقه، وتقول كيت وكيت، ففعل عدوُّ الله ما أمره به خليلُه، فأنزل الله - تعالى -: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ...}.

فانظر كيف أسلم عقبةُ بن أبي معيط حين نطق بالشهادة، ثم ثَنَاه رفيقُ السوء - أمية بن خلف - عن إيمانه، ليكون رفيقه في النار يوم القيامة، فلا يملك حينئذٍ إلا الندمَ والكمد؛ قال – تعالى -: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف: 67]، كُلٌّ - يوم القيامة - يتبرأ من خليله، وكأنه لم يعرفْه، أما المتقون الصادقون، فيستمرون على أخوَّتهم، ويَثبُتون على خلَّتهم؛ لأنهم أصلحوا في الدنيا وأحسنوا، فجمَعَهم الرحمن يوم القيامة في رحمته؛ قال - تعالى -: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114]، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رغَّب في مصاحبة الأخيار وبيَّن فضلهم، فقال: ((إنما مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير: فحاملُ المسك: إما أن يُحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة))؛ متفق عليه.

قال النووي تعليقًا على الحديث: "فيه فضيلة مجالسة الصالحين، وأهل الخير والمروءة، ومكارم الأخلاق والورع، والعلم والأدب، والنهي عن مجالسة أهل الشر، وأهل البدع، ومن يغتاب الناس، أو يَكثُر فجره وبَطالته، ونحو ذلك من الأنواع المذمومة".

ولقد صنَّف المأمون الناسَ، فقال: "الناس ثلاثة: رجل منهم مثل الغذاء، لا بد منه، ورجل منهم كالدواء، يُحتاج إليه في حال المرض، ورجل منهم كالداء، مكروه على كل حال".

أيها المؤمنون والمؤمنات:
ما أهلك شبابَنا غيرُ صحبة السوء، وما أثَّر في حياتهم الخُلقية، والاجتماعية، والعلمية غيرُ رفقاء الأهواء والملذات، الذين يهدمون ما يبنيه الآباء داخل الأسرة، ويعالجه المعلمون داخل المدرسة، ويصدع به الخطباء والوعَّاظ في المساجد وغيرها، وفي المقابل، استرشد كثير من الناس، وتغيَّرت أحوالهم من الزيغ والضلال، إلى طريق الحق والفلاح؛ بسبب رفقة الصلاح، وجلساء الخير، وإن كانوا قلة.
وَمَا أَكْثَرَ الإِخْوَانَ حِينَ تَعُدُّهُمْ *** وَلَكِنَّهُمْ فِي النَّائِبَاتِ قَلِيلُ
ومن جميل كلام الفضيل بن عياض: "اتَّبِعْ طُرُقَ الهدى، ولا يضرك قلةُ السالكين، وإياك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين".

ولذلك أوصانا نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - بملازمة المؤمنين الصادقين الأتقياء، فقال: ((لا تصاحِبْ إلا مؤمنًا، ولا يأكل طعامَك إلا تقيٌّ))؛ "صحيح سنن أبي داود"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدُكم من يخالل))؛ "صحيح سنن الترمذي".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363745
إِذَا كُنْتَ فِي قَوْمٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ *** وَلاَ تَصْحَبِ الأَرْدَى فَتَرْدَى مَعَ الرَّدِي

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363745
عَنِ المَرْءِ لاَ تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ *** فَكُلُّ قَرِينٍ بِالمُقَارَنِ يَقْتَدِي
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "إذا رزقكم الله مودةَ امرئ مسلم، فتشبَّثوا بها".

وقال بلال بن سعد - رحمه الله -: "أخٌ لك كلما لقيك ذكَّرك بحظِّك من الله، خيرٌ لك من أخٍ كلما لقيك وضع في كفِّك دينارًا".

وقال محمد بن واسع - رحمه الله -: "لا خير في صحبة الأصحاب، ومحادثة الإخوان، إذا كانوا عبيدَ بطونهم؛ لأنهم إذا كانوا كذلك، ثبَّط بعضُهم بعضًا عن الآخرة".

وقال أبو جعفر محمد بن علي لأصحابه: "يُدخِل أحدُكم يدَه في كُمِّ صاحبه ويأخذ ما يريد؟ قالوا: لا، قال: فلستم بإخوان كما تزعمون"، فالصاحب الحقيقي من واساك في الشدة، وأعانك في المحنة، وأعطاك عند الحاجة، وإلا فليس بصاحبٍ.

فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ *** فَأَعْرِفَ مِنْكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي
وَإِلاَّ فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي *** عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي

الخطبة الثانية


تأمَّل في هذا الحديث البديع، الذي يحثُّ على الصُّحبة الصالحة، ويدعو إلى المخالطة النافعة؛ يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن لله ملائكةً يطوفون في الطُّرق، يلتمسون أهل الذِّكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادَوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألهم ربُّهم - وهو أعلم منهم -: ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبِّحونك ويكبِّرونك، ويحمدونك ويمجدونك، فيقول: هل رأَوْني؟ فيقولون: لا والله، ما رأوك، فيقول: وكيف لو رأوني؟ قالوا: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشد لك تمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا، قال: فما يسألونني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله يا رب، ما رأوها، قال: فكيف لو أنهم رأوها؟ قالوا: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذون؟ قالوا: من النار، قال: وهل رأوها؟ قالوا: لا والله يا رب، ما رأوها، قال: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة، قال: فأشهدُكم أني قد غفرتُ لهم، فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجة، قال: هم الجلساء لا يشقى جليسُهم))؛ متفق عليه.

فلنهتمَّ برفقاء أبنائنا، ولنعلَمْ أن وسائل الاتصال الحديثة من تلفاز، وإنترنت، وهواتف محمولة، تلتهم من أوقاتهم أكثرَ مما يقضونه في فصول الدراسة، وأن أشرطة الصور الخليعة منتشرة بينهم، وقد أُلقي القبض مؤخرًا على خمسة أشخاص بحوزتهم 4000 قرص مدمج بها أفلام إباحية شاذة، ينشرونها بين أبنائنا، وإلى الله المشتكى.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 22 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (6)
ضرورة الابتعاد عن دواعي المعاصي (1)
(غض البصر)



سبق أن عرَفنا أن اتقاء المعاصي، أو التقليل منها، مرجعه إلى عشرة أسباب مهمة، ذكرنا منها: "ضرورة استعظام أمر المعاصي"، و"ضرورة ترك المجاهرة بها"، و"ضرورة إشغال النفس بالطاعات"، و"ضرورة استغلال الأوقات فيما يرضي ربَّ الأرض والسماوات"، و"ضرورة مصاحبة الأخيار".

أما موضوعنا - اليوم - فيتعلق بالسبب السادس، وهو لا يقل أهميةً عن الأسباب السابقة، بل يتضمن الدواء الناجع المباشر، الذي يقي من مغبَّة المعصية، ويمنع من التلبس بها، وهو:"ضرورة الابتعاد عن دواعي المعصية"؛ انطلاقًا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوصي صحابته الكرام، من حديث أبي سعيد الخدري: ((إيّاكم والجلوسَ في الطرقات))، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدث فيها، فقال: ((فإذا أبيتم إلاّ المجلس، فأعطُوا الطريق حقَّه))، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))؛ متفق عليه.

قال النـووي - رحمه الله -: "هَذَا الْحَدِيث كَثِير الْفَوَائِد، وَهُوَ مِن الأَحَادِيث الجامِعَة، وَأَحْكَامُه ظَاهِرَة، وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَب الْجُلُوسُ فِي الطُّرُقَات لِهَذَا الْحَدِيث".

إن التخلص من المعاصي يقتضي الابتعادَ عن كلِّ مكان تُعرض فيه، ويسهل فيه اقترافها واستمراؤها والإقبال عليها، سواءٌ كان ذلك رفقة البطالين، الذين يقضون بياض يومهم في جدال عقيم، أو كلام سقيم، أو تناول للأعراض، وربما الطعن في السنة، ولَمْزِ المتدينين؛ لقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام: 68]، وقوله تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا} [النساء: 140] - أم كان ارتيادًا للأماكن التي تكثُر فيها الموبقاتُ، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ))؛ "صحيح سنن الترمذي".

وقد أشار الحديث الشريف إلى أربعة أسبابٍ، تُبعِدُ عن المعصية، وتقي منها؛ أما الأول فهو غض البصر، والبصر نعمة أنعم بها الله - عز وجل - علينا، وجعلها أمانة عندنا، وجب الحفاظُ عليها، واستعمالُها فيما خلقت له؛ قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36].

قال ابن كثير: "أي: هذه الصفاتُ من السمع والبصر والفؤاد، سَيُسأل العبد عنها يومَ القيامة وتُسأَل عنه"؛ عن أنس بن مالك قال: كنا عندَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فضحِك، فقال: ((هل تدرون مما أضحك؟))، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((من مخاطبةِ العبد ربَّه، يقول: يا ربِّ، ألم تُجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: فإني لا أجيزُ على نفسي إلا شاهدًا مني، فيقول: كفى بنفسِك اليومَ عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، فَيُختم على فيه، فَيُقال لأركانه: انطِقِي، فتنطق بأعماله، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بعدًا لَكُنَّ وسحقًا، فعنْكُنَّ كنتُ أناضلُ))؛ رواه مسلم.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363746

فالشجاع الحقيقي، من استطاع أن يكفَّ بصرَه عن الحرام:
لَيْسَ الشُّجَاعُ الَّذِي يَحْمِي مَطِيَّتَهُ *** يَوْمَ النِّزَالِ وَنَارُ الْحَرْبِ تَشْتَعِلُ
لَكِنْ فَتًى غَضَّ طَرْفًا أَوْ ثَنَى بَصَرًا عَنِ الْحَرَامِ فَذَاكَ الْفَارِسُ الْبَطَلُ
قال القرطبي: "البصر هو الباب الأكبرُ إلى القلبِ، وأَعْمَرُ طرق الحواس إليه، وبحسب ذلك كَثُرَ السقوط من جهته، ووجب التحذير منه، وغَضُّهُ واجبٌ عن جميع المحرمات، وكلِّ ما يُخشى الفتنةُ من أجله"، وهو كذلك؛ لأن غض البصر يورث العفةَ وسلامةَ القلب، وبخاصة في هذا الزمان الذي قلَّ فيه الورعُ، وصار كثير من النساء حربًا على الأخلاق والآداب، بسبب خروجهنَّ كاسياتٍ عارياتٍ.

قال أنس بن مالك - رضي الله عنه -: "إذا مرَّت بك امرأةٌ فَغَمِّضْ عينيك حتى تجاوزَك"، وقال سعيد بن أبي الحسن: "قلت للحسن: إن نساء الأعاجم يكشفْنَ رؤوسهنَّ وصدورهنَّ، قال: اصرفْ بصرَك عنهنَّ؛ يقول الله - تعالى -: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}"؛ رواه البخاري، و((زنا العينين النظرُ، وزنا اللسان النطق))؛ كما في الحديث المتفق عليه.

ولا يظنَّنَّ ظانٌّ أن الله يخفى عليه من حِيَلِ ابن آدم شيءٌ، وهو القائل: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]، قال ابن عباس: "هو الرجل يكون جالسًا مع القوم، فتمرُّ المرأة فيسارقها النظر إليها"، وقال - أيضًا -: "هو الرجل ينظر إلى المرأة، فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره، فإذا رأى منهم غفلة تَدَسَّسَ بالنظر، فإذا نظر إليه أصحابه غضَّ بصره، وقد علم - عز وجل - منه أنه يود لو نظر إلى عورتها"، وقال سفيان: "هي النظرة بعد النظرة"، وذلك أن الإسلام أباح النظرة المفاجئة التي لا يملك الناظر دفعها، ولكن حرَّم أن يُتبعَها بنظراتٍ أخرى بمحض إرادته؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - : ((يا علي، لا تُتبع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأولى، وليست لك الآخرة))؛ "صحيح، سنن الترمذي".

وعن جرير بن عبدالله قال: "سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفُجاءة، فأمرني أن أصرفَ بصري"؛ "صحيح مسلم".

والنساء في ذلك كالرجال لقوله - تعالى -: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} [النور: 31].
كُلُّ الْحَوَادِثِ مَبْدَاهَا مِنَ النَّظَرِ **** وَمُعْظَمُ النَّارِ مِنْ مُسْتَصْغِرِ الشَّرَرِ
كَمْ نَظْرةٍ فَتَكَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا **** فَتْكَ السِّهَامِ بِلاَ قَوْسٍ وَلاَ وَتَرِ
وَالْمَرْءُ مَا دَامَ ذَا عَيْنٍ يُقَلِّبُهَا **** فِي أَعْيُنِ الغِيدِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْخَطَرِ
يَسُرُّ مُقْلَتَهُ مَا ضَرَّ مُهْجَتَهُ **** لاَ مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عَادَ بِالضَّرَرِ



الخطبة الثانية


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363746

إن إرسالَ النظر في المحرمات من أعظم أسباب بلادة الذهن، ومحق بركة العلم، ورسوب الطلاب، وضعف المستويات التعليمية، كان شاه بنُ شجاع الكرمانيُّ - رحمه الله - لا تخطئ له فراسة، وكان يقول: "من عَمَّرَ ظاهرَه باتباع السنةِ، وباطنَه بدوام المراقبة، وغضَّ بصرَه عن المحارم، وكفَّ نفسَه عن الشهوات، وأكلِ الحلال - لم تخطئ له فراسة"، و قال ابن الجلاد: "نظرت منظرًا لا يحلُّ لي، فقال لي أحد الصالحين: أتنظر إلى الحرام، والله لتجدن غِبَّهُ ولو بعد حين، قال: فنسيت القرآن بعد أربعين سنةً".

وقد قيل: "العين رائد، إذا أُرسل صاد، وإذا انقيد انقاد، وإذا أطلق وقع بالقلب في فساد".

ومن الأخطاء الشائنة التي يقع فيها بعض الناس: الاطلاعُ على ما بداخل البيوت بدون استئذان، وقد حذَّر النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك أشدَّ التحذير؛ فقال: ((من اطَّلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه))؛ رواه مسلم، وعن سهل بن سعد الأنصاري: أن رجلاً اطلع من جحر في باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِدْرًى - حديدة تشبه المشط - يُرَجِّلُ به رأسه، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لو أعلم أنك تنظر، طعنت به في عينك، إنما جَعل الله الإذن من أجل البصر))؛ متفق عليه.

فإذا طرقت الباب، فلا تقف متسمِّرًا أمامه؛ خشية أن تفتحه امرأة أو فتاة، فيقع بصرها عليك أو بصرك عليها، فيكون ذلك سببًا للفتنة والوقوع في الحرام، ولا تزِدْ في قرع الباب على ثلاث مرات؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع))؛ متفق عليه.

فإذا وجدتَ الباب مفتوحًا، فلا تدخل حتى تستأذن وتسلم؛ لكي لا يقع بصرك على ما لا يرتضي أهل البيت، فهذا صفوان بن أمية أسلم، فدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسلم ولم يستأذن، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ((ارجع، فقل: السلام عليكم، أأدخل؟))؛ "صحيح سنن أبي داود".
وَغُضَّ عَنِ الْمَحَارِمِ مِنْكَ طَرْفًا *** طَمُوحًا يَفْتِنُ الرَّجُلَ اللَّبِيْبَا ‏
فَخَائِنَةُ الْعُيُونِ كَأُسْدِ غَابٍ *** إِذَا مَا أُهْمِلَتْ وَثَبَتْ وُثُوبَا ‏
وَمَنْ يَغْضُضْ فُضُولَ الطَرْفِ عَنْهَا *** يَجِدْ فِي قَلْبِهِ رَوْحًا وَطِيبَا









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 23 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (7)
ضرورة الابتعاد عن دواعي المعاصي (2)
كف الأذى



عرفنا في الجمعة ما قبل الماضية - ونحن نتحَدَّث عن سُبُل اتِّقاء المعاصي، وتحت عنوان: "ضرورة الابتعاد عن دواعي المعاصي" - موضوع "غض البصر"، وسنتحدث اليوم - إن شاء الله - عن السبب الثاني، الذي يعتبر من أعظم السُّبُل الكفيلة بالإبعاد عن دواعي المعصية، والذي يُحَدد نقطة الارتكاز في ضبط العلاقات بين الناس، ونشر المحبة والأخوة بينهم، وجعل الحياة خالية من الاضطرابات والقلاقل التي يعاني منها كثيرٌ من المسلمين في زماننا، وهو العنصر الثاني الذي يشير إليه الحديث الشريف، الذي جعلناه منطلقًا لهذه الركائز الجليلة، وهو حديث أبي سعيد الخدري، الذي يقول فيه معلِّم البشريَّة - صلى الله عليه وسلم - ناصحا للأمة: ((إيَّاكم والجلوسَ في الطرقات))، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا مِن مَجَالسنا بُدٌّ، نتحدث فيها، فقال: ((فإذا أبيتم إلا المجلس، فأعطوا الطريق حقه))، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: ((غض البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر))؛ متفق عليه.

إذا كان دينُنا يجعلنا جسدًا واحدًا، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهَر والحمَّى، وإذا كان رسولُنا الكريم يجعل المسلمَ أخًا للمسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، ولا يسلمه، حتى قال: ((بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))؛ متفق عليه، فإنَّ أعضاء المجتمع اليوم - في غالبها - في تنافُر وتدابُر، في حِقْد وتحاسُد، في شَحْناء وتباغُض، ولذلك جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - من أعظم حقوق الطريق، بل جماعها التي تعود كلها إليه: ((كف الأذى))، قال الإمام النووي: "ويدخل في كفِّ الأذى اجتنابُ الغيبة، وظن السوء، وإحقار بعض المارين، وتضييق الطريق".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363748

وإنَّا لنَتَسَاءَل: ماذا يفعل اليوم أولئك القاعدون في أبواب الأزقة والدروب، وقارعة الطريق؟ وبماذا يقضي بياض يومهم أولئك القابعون في المقاهي بدون عذر؟ إلا أن يرسلوا أبصارهم فيما حرم الله من عورات المارة، أو يتحدثوا غيبة ونميمة، ونهشًا في أعراض الناس؟! هل رأينا منهم من يشغل هذا الوقت الثمين - الذي سنسأل عنه يوم القيامة - في مدارسة القرآن، أو مذاكرة حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - أو ذكر قصص السابقين من الصالحين والمصلحين - إلا من رحم الله؟

ورحم الله الإمام الشافعي الذي قال:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَلِيمًا مِنَ الأَذَى *** وَحَظُّكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ
فَلاَ يَنْطِقَنْ مِنْكَ اللِّسَانُ بِسَوْءَةٍ *** فَكُلُّكَ سَوْءَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ
وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا *** فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ
وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى *** وَدَافِعْ وَلَكِنْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

قال بعض السلَف: "رأيتُ أقوامًا من الناس لهم عيوب، فسكتوا عن عيوب الناس، فستر الله عيوبهم، وزالت عنهم تلك العيوب، ورأيتُ أقوامًا لَم تكن لهم عيوب، اشتغلوا بعيوب الناس، فصارت لهم عيوب"؛ قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58] ، قال البيضاوي: "قيل: إنها نزلتْ في منافقين كانوا يؤذون عليًّا - رضيَ الله عنه - وقيل: في أهل الإفْك، وقيل: في زُناة كانوا يتبعون النساء وهن كارهات"، قال قتادة: "فإيَّاكم وأذى المؤمن، فإنَّ الله يحوطه ويغضب له".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363748

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق، فأخره فشكر الله له فغفر له))؛ متفق عليه، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي الناس))؛ رواه مسلم، كل هذا حرصًا على مصلحة الناس، وعدم إلحاق الأذى بهم.

بل إنَّ رسولنا الكريم يعلِّمنا أن: ((الإيمان بضع وستون شعبة، أو بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان))؛ متفق عليه، فإذا كانت إماطة الأذى عن الطريق، كإزالة القاذورات المنتشرة هنا وهناك، وإزاحة قطع الزجاج والحجارة عن شوارع الناس وأزقتهم، وردم الحفر التي كثيرًا ما سقط أو تعثر فيها الناس، وعدم سد الطريق بالسيارة، أو عرقلة السير، وما شابه ذلك - من الإيمان.

فما بالك بالذي يتعسف على مصلحة الغير، ليحقق مصلحته هو؟! حتى بلغ عدد القتلى الذين يؤذون أنفسهم بالتدخين واحدًا كل 6 ثوان، وبلغ عدد المغاربة الذين يؤذون أنفسهم وغيرهم بالمخدرات أزيد من 3 %، ومحلات القمار ارتفعتْ إلى 1700 محلٍّ، ويؤدي التهوُّر في قيادة السيارات - عندنا - إلى قتل 25 شخصًا، وجرح 1400 في أسبوع واحد، وامتلأت السجون باللصوص وبائعي المخدرات، والمتورطين في الرشاوى والاختلاس والغش والاعتداءات وغيرهم، حتى صدر عفو ملكي بمناسبة عيد العرش الأخير عن قرابة 26 ألفًا، الأطفال يلحقهم الأذى، والنساء يلحقهن الأذى، والشيوخ يلحقهم الأذى، فهل يدعو ديننا إلى هذه التشنجات والخصومات، أو هو دين السماحة، واللطف، والأخذ بيد الضعيف والمُحتَاج؟!

يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((على كل مسلم صدقة))، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيديه، فينفع نفسه ويتصدق))، قالوا: فإن لَم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: ((فيعين ذا الحاجة الملهوف))، قالوا: فإن لَم يفعل؟ قال: ((فلْيأمُر بالخير، أو قال: بالمعروف))، قالوا: فإن لَم يفعل؟ قال: ((فليمسك عن الشرِّ، فإنه له صدقة))؛ متَّفق عليه.

ويقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أَمِنَهُ الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب))؛ الصحيحة.

لاَ تَمْشِ ذَا وَجْهَيْنِ مِنْ بَيْنِ الوَرَى *** شَرُّ البَرِيَّةِ مَنْ لَهُ وَجْهَانِ




الخطبة الثانية

عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: صعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المنبر، فنادى بصوت رفيع فقال: ((يا معشر من قد أسلم بلسانه، ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه مَن تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله))؛ رواه الترمذي، وهو في صحيح الترغيب.

إنَّ الغربيين الذين لا يملكون من محاسن شريعتنا شيئًا، استطاعوا تنظيم أنفسهم بتقليل الظلْم بينهم، وقال قائلهم: "أنت حر، ما لم تَضر"، ونحن لا نقول: افعل ما شئت، بل افعل أوامر الله ورسوله، تكن أسعد الناس، قال البخاري: "وقال عمار: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار"، ورحم الله مَن قال:
لَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ اسْتَرَاحَ القَاضِي *** وَبَاتَ كُلٌّ عَنْ أَخِيهِ رَاضِي

يقول يحيى بن معاذ: "ليكُنْ حظُّ المؤمن منك ثلاثة: إن لَم تنفعه فلا تضره، وإن لم تفرحه فلا تغمَّه، وإن لم تمدحه فلا تذمه"، وقال رجل لعمر بن عبدالعزيز: "اجعل كبير المسلمين عندك أبًا، وصغيرهم ابنًا، وأوسطهم أخًا، فأيُّ أولئك تحب أن تُسِيء إليه؟!".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 24 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (8)
ضرورة الابتعاد عن دواعي المعاصي (3)
(إفشاء السلام)




في إطار بيان "سُبل اتِّقاء المعاصي"، وتحت فرع "ضرورة الابتعاد عن دواعي المعصية"، تناولْنا الحديث عن "غضِّ البصر"، و"كفِّ الأذى"؛ انطلاقًا من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الذي قال فيه الرسول الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيَّاكم والجلوسَ في الطرقات))، فقالوا: يا رسولَ الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدَّث فيها، فقال: ((فإذا أبيتُم إلاَّ المجلس، فأعطوا الطريقَ حقَّه))، قالوا: وما حقُّ الطريق؟ قال: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، وردُّ السلام، والأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر))؛ متفق عليه.

وسنحاول اليوم - إن شاء الله تعالى - الوقوف على السبب الثالث الذي يُشير إليه الحديث الشريف، وهو "إفشاء السلام".

السلام شِعارُ أهل الإسلام، قال ابن حجر - رحمه الله -: ((إفشاء السلام، المراد: نَشْرُه سرًّا أو جهرًا، وهو: نشْر السلام بين الناس ليُحيُوا سُنَّته - صلَّى الله عليه وسلَّم".

ولقد ذُكر لفظ سَلِمَ ومشتقاتُه في القرآن الكريم 141 مرة، جاء منها لفظ "السلام" 42 مرة، وجاءتْ بمعانٍ كثيرة؛ منها:
أنَّه اسمٌ من أسماء الله - عزَّ وجلَّ - ومنه قوله – تعالى -:{الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ} [الحشر: 23].
واسمٌ من أسماء الجَنَّة، ومنه قوله – تعالى -: {لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [الأنعام: 127].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363749
وهو السَّلامة من كلِّ شرٍّ، ومنه قوله - تعالى - في سورة الواقعة: {فَسَلاَمٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [الواقعة: 91].
والسلام: الأمن والأمان، ومنه قوله – تعالى -: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جاؤوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363749

وبما أنَّ السلام أمنٌ وأمان، وجَبَ نشرُه وإشاعتُه بين الناس، حتى يسودَ الاطمئنان، وينتشرَ الأمن؛ عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ المؤمن إذا لقي المؤمنَ فسلَّم عليه، وأخذ بيده فصافحه، تناثرتْ خطاياهما كما يَتناثر وَرَقُ الشَّجر))، قال عبدة بن أبي لبابة: قلت لمجاهد: "إنَّ هذا ليسير"، فقال مجاهد: لا تَقُلْ هذا، فإنَّ الله - تعالى - قال في كتابه: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63]؛ صحيح الترغيب.

ولذلك جاء في حديث البراء بن عازب، قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أفْشُوا السلام تَسْلَموا))؛ صحيح الأدب المفرد.

بل هو سببٌ للعلوِّ والنُّصرة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حديث أبي الدرداء: ((أفشوا السلام كي تَعْلُوا))؛ صحيح الجامع.

كيف كان الأنصارُ يومَ كانوا قبيلتَين: أوسًا وخزرجًا؟ كم كان بينهما من الحروب الطاحنة لأتْفَهِ الأسباب؟ فلمَّا أسلموا، أشاعوا بينهم السلام، ففشَا بينهم السِّلْم والاطمئنان، حتى قال فيهم - تعالى -: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر: 9].

قال عبدالله بن مسعود: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((السلامُ اسمٌ من أسماء الله – تعالى - وضَعَه في الأرض، فأفشُوه بينكم، فإنَّ الرجل المسلم إذا مَرَّ بقوم، فسلَّم عليهم فردُّوا عليه، كان له عليهم فَضلُ درجة بتذكيره إيَّاهم السلام، فإنْ لم يردُّوا عليه، ردَّ عليه مَن هو خيرٌ منهم - أي: الملائكة))؛ صحيح الترغيب.

وكان إفشاء السلام مِن أوَّل ما أمر به الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد الهجرة، قال عبدالله بن سلاَم: "لَمَّا قَدِم رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المدينة، انْجفَلَ الناس إليه (ذهبوا مسرعين)، وقيل: قَدِم رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فجئت في الناس لأنظرَ إليه، فلمَّا استَبَنْتُ وجهَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عرفتُ أنَّ وجهَه ليس بوجه كذَّاب، فكان أولُ شيءٍ تكلم به أن قال: ((يا أيُّها الناس، أفْشُوا السلام، وأطْعِموا الطعام، وصَلُّوا باللَّيْل والناس نِيام، تَدْخُلوا الجَنَّة بسلام))؛ صحيح ابن ماجه.

وقد بوَّب عليه البخاريُّ في الصحيح فقال: "باب إفشاء السلام من الإسلام"، وقال عمار:"ثلاثٌ مَن جمعهنَّ فقد جمع الإيمان: الإنصافُ من نفسك، وبَذْل السلام للعالَم، والإنفاق من الإقتار".

وإنَّك لتعجبُ من غفلة بعض المسلمين عن هذه الفضائل العظيمة، إذ يَبدؤون فيما بينهم بغيرِ السلام، كمساء الخير، وصباح الخير، ونحو ذلك، فيُضيِّعون - بذلك - أمرَ رسول الله بإفشاء السلام، وإن كانت لا بأسَ بها إذا جاءتْ بعد السلام، فإنَّ ذلك من تعظيم شعائر الله: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].

ومِن إفشاء السلام: أن تَحرِص عليه في بداية المجلس ونهايته؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا انتهى أحدُكم إلى المجلس فليُسلِّمْ، فإذا أراد أن يقوم فليُسلِّم، فليستِ الأولى بأحقَّ مِن الآخرة))؛ صحيح سنن أبي داود.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا لقي أحدُكم أخاه فليُسلِّم عليه، فإنْ حالت بينهما شجرةٌ أو جدارٌ أو حجر، ثم لَقِيَه، فليُسلِّمْ عليه))؛ صحيح سنن أبي داود.

بل جَعَل التسابقَ إلى ذلك من السُّنَّة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أولى الناس بالله مَن بدأَهم بالسلام))؛ صحيح سنن أبي داود.

فكيف ترى بعضَ المسلمين - بعدَ كلِّ ذلك - متدابِرين، متخاصمِين، لا يُسلِّم هذا على هذا، ولا هذا على هذا؛ يقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -قال: ((لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث، يَلْتقيانِ، فيصدُّ هذا ويصدُّ هذا، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام))؛ متفق عليه.

فنشْرُ السلام، وردُّ السلام، والبدءُ بالسلام، كلُّها عناوين المحبَّة التي يجب أن تجمعَ المسلمين؛ قال عمر - رضي الله عنه -: "ثلاث يُصفِّين لك وُدَّ أخيك: أن تُسلِّم عليه إذا لقيتَه، وتُوسِّع له في المجلس، وتدعوه بأحبِّ أسمائِه إليه".

قَدْ يَمْكُثُ النَّاسُ دَهْرًا لَيْسَ بَيْنَهُمُ *** وُدٌّ فَيَزْرَعُهُ التَّسْلِيمُ وَاللَّطَفُ


كيف لا، وهذا السلام سبيلٌ إلى مغفرة الذُّنوب بين المسلمين؟! يقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِن مُسلمَين يلتقيانِ فيتصافحان، إلاَّ غُفِر لهما قبل أن يَفْتَرِقا))؛ صحيح أبي داود.

وعدمُ ردِّ السلام معناه إعلانُ القطيعة والمدابرة، سُئِل الإمام أحمد- رحمه الله - عن رجل مرَّ بجماعة فسلَّم عليهم فلم يَردُّوا عليه السلام، فقال: "يُسْرِع في خطاه، لا تلحقه اللَّعنةُ مع القوم".

وقد سَبَق معنا أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أخبرنا أنَّ الله - تعالى - يطَّلِع على خلقِه ليلةَ النِّصف من شعبان، فيغفر لجميع خَلْقِه إلاَّ لمشرك أو مشاحن، فسارِعْ - أخي المؤمن، أُختي المؤمنة - إلى التسليم على كلِّ مَن بينك وبينه قطيعة، فإن أبى فإنَّ الملائكة تردُّ عليك السلام، وأنت مأجورٌ في الحالين.


الخطبة الثانية

من آداب السلام:
تحسين لفظِ السلام؛ طلبًا للزيادة في الأجر؛ عن عمران بن حصين: "أنَّ رجلاً جاء إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: السلام عليكم، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عشر))، ثم جاء آخرُ فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((عشرون))، ثم جاء آخرُ فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاثون))؛ الترمذي وحسَّنه، وهو في "صحيح الترغيب".
ومن الآداب قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُسلِّم الراكبُ على الماشي، والماشي على القاعدِ، والقليلُ على الكثير))؛ متفق عليه، وفي حديث آخر: ((يُسلِّم الصغيرُ على الكبير))؛ متفق عليه، وفي حديث آخر: ((والماشيانِ أيُّهما بَدأَ فهو أفضلُ))؛ صحيح الترغيب.
ومن الآداب ألاَّ يُخصِّص بالسلام شخصًا دون شخص، ولا قومًا دون قوم - في حدود المتعارَف عليه.

عن عبدالله بن عمرو: أنَّ رجلاً سأل رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أيُّ الإسلام خير؟ قال: ((تُطعِم الطعام، وتقرأُ السلام على مَن عرفتَ ومَن لم تعرف))؛ متفق عليه، ولعلَّ المقصود نشْرُ السلام وإشاعته، لا أن يُسلِّم على كلِّ مَن رآه.

قال مجاهد: "كان عبدالله بن عمر- رضي الله عنهما - يأخذ بيديَّ فيخرج إلى السُّوق يقول: إني لأخرج وما لي حاجةٌ إلاَّ لأسلِّمَ ويُسلَّم عليَّ، فأُعطِي واحدةً واحدة، وآخذُ عشرًا، يا مجاهد،إنَّ السلام من أسماء الله – تعالى - فمَن أكثرَ السلام، أكثرَ ذِكْر الله - تعالى".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 25 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (8)
ضرورة الابتعاد عن دواعي المعاصي (4)
(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)




عرفنا أنَّ دواعي المعصية كثيرة، وأنَّ التخلص منها منجاة في الدُّنيا، ومجاوزة إلى الجنَّة في الآخرة، وذكرنا مما يبعد عن المعصية: غضَّ البصر، وكف الأذى، وإفشاء السلام؛ انطلاقًا من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - الذي قال فيه النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إيَّاكم والجلوس في الطرقات))، فقالوا: يا رسول الله، ما لنا من مجالسنا بُدٌّ، نتحدث فيها، فقال: ((فإذا أبيتم إلاَّ المجلس، فأعطوا الطريق حقَّه))، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: ((غضُّ البصر، وكفُّ الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر))؛ متفق عليه.

وسيكون موضوعنا اليوم - إن شاء الله - العنصر الرَّابع المذكور في هذا الحديث الشَّريف، وهو: ((الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)).

وهذا مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، وجدار سميك ضِدَّ تفكك جسد الأمة، الذي يجب أن يكون متلاحمًا متعاضدًا، وبخاصة في زماننا الذي تكالبت فيه الأعداءُ على المسلمين، وفرَّقوا بينهم؛ ليسهلَ الانقضاض عليهم، ولا أدل على ذلك من ذكر لفظ المعروف والمنكر في القرآن الكريم 56 مرَّة، ووَرَد اللفظان مُقترنين 9 مرات، من ذلك بيان أنَّ تَرْكَ هذا المبدأ سبب مباشر في حدوث النَّقص في الأمة، وربَّما كان سببًا في غضب الله عليها، فيوكل أمرُها إلى نفسها، كما حصل لبني إسرائيل؛ قال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة: 78-79].

وفي حديث المخزوميَّة التي سرقت حُلِيًّا يوم فتح مكة، توسطوا بأسامة بن زيد عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليكون شفيعًا عنده، لعله يتجاوز عن هذه المرأة التي سرقت؛ لأنَّها كانت من عِلْية القوم، لكن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - غضب لهذه الوَساطة غضبًا شديدًا، وقال له: ((أتشفع في حد من حدود الله؟!))، بل قام فاختطب - بالغ في الخطبة - ثم قال: ((إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد، وايمُ الله، لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها))؛ متفق عليه، قالت عائشة - رضي الله عنها -: "فَحَسُنَت توبتها بعدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك، فأرفع حاجتها إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم"؛ مسلم.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363753

وهذه عاقبة الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، تطهير للمجتمع من المفسدين، بتنزيل العُقوبة عليهم، أو بتوبتهم إلى الله - تعالى - وتَركُه تعريض لهذا المجتمع لكل أنواع الخراب والدَّمار، وسبب لإغلاق باب استجابة الدُّعاء؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حديث حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه -: ((والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليُوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم))؛ صحيح سنن الترمذي.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي، ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون، إلا يوشك أنْ يعمهم الله بعقاب))؛ صحيح سنن أبي داود.

قال الزمخشري: "فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبئهم به، كأنه ليس من ملَّة الإسلام في شيء، مع ما يَتْلُون من كلام الله، وما فيه من المبالغات في هذا الباب".
تَفَانَى الخَيْرُ وَالصُّلَحَاءُ ذَلُّوا *** وَعَزَّ بِذُلِّهِمْ أَهْلُ السِّفَاهِ
وَقَلَّ الآمِرُونَ بِكُلِّ عُرْفٍ فَمَا عَنْ مُنْكَرٍ فِي النَّاسِ نَاهِ
مع أنَّ أمة الإسلام لم تكتسب الخيرية دون سائر الأمم إلاَّ بهذا الرُّكن العظيم؛ قال تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110]؛ قال قتادة: "ذُكر لنا أنَّ عمر بن الخطاب قال في حجة حجها، ورأى من الناس رِعَةً سيئة (سوء خلق)، فقرأ هذه الآية: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110] الآية، ثم قال: يا أيها الناس، مَنْ سَرَّه أن يكون من تلك الأمة، فلْيُؤدِّ شرط الله منها".

وصدق والله، فالمسلم إذا لم يؤدِّ هذا الشرط، صار أهونَ من كل هيِّن؛ قال الإمام أحمد - رحمه الله -: "يأتي على الناس زمان، يكون المؤمن فيه بينهم مثل الجيفة، ويكون المنافق يشار إليه بالأصابع، قال الراوي: يا أبا عبدالله، وكيف يشار إلى المنافق بالأصابع؟ قال: المؤمن إذا رأى أمرًا بالمعروف أو نهيًا عن المنكر، لم يصبر حتَّى يأمر أو ينهى، فيقولون: هذا فضول، والمنافق كل شيء يراه، قال بيده على فمه - أي: يسكت - فقالوا: نِعْم الرجل، ليس بينه وبين الفضول عمل، فيصفونه بالكياسة؛ لأنَّه يصمت عن المنكر وأهله"، وذلك أن الله - تعالى - يقول: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67].

فالمناكير المنتشرة إذا لم تغيَّر، قد ينسحب أثرها على الجميع، الصالح والطالح؛ قالت أم المؤمنين زينب - رضي الله عنها - لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم، إذا كثر الخبث))؛ متفق عليه، قال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "كان يقال: إنَّ الله - تبارك وتعالى - لا يعذِّب العامَّة بذنب الخاصة، ولكن إذا عُمل المنكر جهارًا، استحقوا العقوبة كلهم".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363753

وقد سُئِل حذيفة - رضي الله عنه - عن ميِّت الأحياء، قال: "من لا ينكر المنكر بيده، ولا بلسانه، ولا بقلبه"، وقيل لابن مسعود - رضي الله عنه -: مَن ميت الأحياء؟ فقال: "الذي لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا"، ولربَّما رأى القذى في عين أخيه، فلم يُمطه عنه عبر نصيحة أخوية وُدِّية، بل يكيل له المدائح، ويستر عيوبه عنه؛ قال ابن المبارك - رحمه الله -:

ذَهَبَ الرِّجَالُ المُقْتَدَى بِفِعَالِهِمْ *** وَالمُنْكِرُونَ لِكُلِّ أَمْرٍ مُنْكَرِ
وَبَقِيتُ فِي خَلَفٍ يُزَكِّي بَعْضُهُمْ *** بَعْضًا لِيَدْفَعَ مُعْوِرٌ عَنْ مُعْوِرِ


الخطبة الثانية

جاء في كتاب "العائدون إلى الله" أنَّ أحد الصالحين رأى الفسادَ الكبير النَّاجم عن مَرقص فيه خمر ومجون، فاستأجره من صاحبه مرَّة، ثم دعا الحاضرين إلى التَّوبة، بعد أنْ بيَّن لهم موقف الإسلام من عملهم الشائن، فشرح الله صَدْرَهم، وخرجوا جميعًا تائبين بمن فيهم صاحب المرقص، الذي ندم على ما كان منه.

وذَكر لنا من نثق به أنَّ أحد الشباب المصريين كان يدرس بإحدى الجامعات الغربيَّة، وأعجبت به إحدى الفتيات الغربيَّات، كانت تدرس معه، وكان أبوها سيِّدَ قرية نائية، فَراوَدتِ الشابَّ عن نفسه، فلم يزد على أنْ قال لها: "اتَّقِ الله"، فتعجبت الفتاة من هذا التصرُّف الغريب؛ ليكون ذلك سببًا في اعتناقها الإسلام، ولتقنع أباها بالإسلام، وأسلم معه جمٌّ غفير من أتباعه في القرية.

نستطيعُ - إذًا - أن نُفسِّر سبب كثرة الموبقات في المجتمعات الإسلاميَّة، لماذا تنتشر الجرائم؟ لماذا يتمادى بعضُ النَّاس في شرب الخمور والمخدِّرات، وصدى حادثة السير بسيدي يوسف بن علي لا يزال يملأ آذاننا؛ حيث قَتل سائق شاحنة مخمور شخصًا، وأصاب اثنين؟! لماذا يُجاهر بعضهم بانتهاك حرمة رمضان، فيأكلون ويشربون نهارًا جهارًا، ويسهرون على الرَّقص والمعاكسات والتماجن ليلاً؟! لماذا ينتشر الظلم والاعتداء، حتى وجدنا 65% من شبابنا مستعدين للهجرة إلى الخارج، وأزيد من 60% يرون أنَّ الحصول على وثيقة إدارية لا يتم إلا برشوة؟!

إنَّه غياب التناصُح بين الناس، وضعف الأخذ على يد المرتشين الظَّالمين، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((الدين النصيحة))؛ مسلم، ولا خَيْرَ في قوم لا يتناصحون.

قال ابن الجوزي - رحمه الله - وهو مِنْ كبار النَّاصحين لهذه الأمة: "كتبت بأُصبعيَّ هاتين ألفَيْ مجلدة، وتاب على يديَّ مائة ألف، وأسلم على يديَّ ألف يهودي ونصراني".

غَيْرَ أنَّ الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لا بد لهما من شروط وآداب، نعرفها - إن شاء الله تعالى - في جمعة قادمة.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 26 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبل اتقاء المعاصي (7)
الاستغفار




في إطارِ سلسلة مكارمِ الأخلاق، تحدَّثنا عن سُبل اتِّقاء المعاصي، وذكَرْنا من هذه السبل: ضرورة استعظام أمْر المعصية، وضرورة تَرْك المجاهرة بها، وضرورة إشغال النفس بالعبادة، وضرورة استغلال الأوقات في مرضاة ربِّ الأرض والسموات، وضرورة صُحْبة الأخيار، وضرورة الابتعاد عن دواعي المعصية، بما في ذلك: غض البصر، وكف الأذى، وإفشاء السلام، والأمْر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ونتحدَّث اليوم - إن شاء الله تعالى - عن السبب السابع من الأسباب الواقية من المعاصي، عَلَّمَناهُ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحثَّ عليه، وجعله حياةَ قلوب اليقظين، ومبيدَ غفلة الغافلين؛ إنَّه لزوم الاستغفار.
والاستغفار هو: سؤال اللهِ المغفرةَ، وهي السِّتْر، والصَّفْح، وعدم الإصرار.

ولقد ذكر ابن القيم - رحمه الله - أنَّ للذِّكْر - ومنه الاستغفار – "أكثر من مائة فائدة"؛ ومنها أنَّه "أيْسرُ العبادات وأقلُّها مشقَّة، ومع ذلك فهو يعدل عتقَ الرِّقاب، ويُرتَّب عليه من الجزاء ما لا يُرتَّب على غيره".

والاستغفار سُنَّة عظيمة من سُنن الأنبياء، ابتداءً من أوَّل أُولِي العزْم من الرسل: نوح - عليه السلام - الذي قال: {رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [نوح: 28]، وانتهاءً بنبيِّنا - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي كان لا يَفتُر عن الاستغفار، وهو المبرِّأُ من كلِّ ما يُغضب ربَّه؛ فعن الأغرِّ المزنيِّ - رضي الله عنه -: أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّه لَيُغانُّ على قلبي (ما يَغشاه من السَّهْو الذي لا يخلو منه البَشر)، وإنِّي لأستغفر الله في اليوم مائةَ مرَّة))؛ مسلم.

وعن ابن عمرَ - رضي الله عنهما - قال: "إنْ كنَّا لنعدُّ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في المجلس يقول: ((ربِّ اغفرْ لي وتُبْ عليَّ إنَّك أنت التوَّاب الرحيم)) مائةَ مرة"؛ صحيح سنن أبي داود.

بل جعل الاستغفارَ واحدًا من أربعة، هي جِماع الدنيا والآخرة؛ فعن أبي مالكٍ الأشجعيِّ، عن أبيه - رضي الله عنهما -: أنَّه سمع النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - وأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله، كيف أقول حين أسأل ربِّي؟ قال: ((قل: اللهمَّ اغفرْ لي، وارحمْني، وعافِني، وارزقْني)) - ويجمع أصابَعه إلاَّ الإبهام - ((فإنَّ هؤلاء تجمع لك دنياك وآخِرتَك))؛ أخرجه مسلم.

وكان يُعلِّم صحابته سيِّدَ الاستغفار، فيقول: "سيِّد الاستغفار أن تقول: اللهمَّ أنت ربي، لا إلهَ إلاَّ أنت، خلقتني، وأنا عبدُك، وأنا على عَهْدِك ووعْدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أبوء (أعترف) لك بنِعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي، فاغفرْ لي، فإنَّه لا يَغفرُ الذنوبَ إلاَّ أنت))، قال: ((ومَن قالها من النَّهار مُوقِنًا بها، فمات من يومه قبلَ أن يُمسي، فهو من أهْل الجَنَّة، ومَن قالها من اللَّيْل وهو موقن بها، فمات قبلَ أن يُصبح، فهو من أهل الجَنَّة))؛ البخاري.

فيا أيها المسلم:
إن شئتَ أن يغفرَ الله لك ما قد تتجاوز فيه في مجلسِك، فعليك بالاستغفار، يُكفَّر لك ذلك، فإنَّ رسولنا الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((كفَّارةُ المجلس أن يقول العبد: سبحانَك اللهمَّ وبحمدك، أشهدُ أن لا إلهَ إلاَّ أنت، أستغفرُك وأتوب إليك))؛ صحيح الجامع.
وإذا كَثرُت ذنوبُك، وكساك الهمُّ والغمُّ لأجْلِها، فاستغفرِ الله؛ عن أنس بن مالك قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((قال الله - تبارك وتعالى -: يا ابنَ آدم، إنَّك ما دعوتَني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أُبالي، يا ابنَ آدم، لو بلغتْ ذنوبُك عَنانَ السماء ثم استغفرتني، غفرتُ لك ولا أُبالي، يا ابنَ آدم، إنَّك لو أتيتني بقُراب الأرض (بمِلئها) خطايا، ثم لقِيتني لا تُشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بقُرابها مغفرة))؛ صحيح سنن الترمذي.
وقال الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما مِن رجل يُذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتطهَّر، ثم يُصلِّي، ثم يستغفر الله، إلاَّ غَفَر له، ثم قرأ هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135]))؛ سنن الترمذي، وهو حديث حسن.
قال أحدُ الصالحين: "مُعَوَّلُ المذنبِين: البكاءُ والاستغفار، فمَن أهمَّتْه ذنوبه، أكثَرَ لها من الاستغفار".
وإن أردتَ صِحَّة الجسم، والسلامةَ من العاهات والآفات، والأسقام والأوصاب، عليك بالاستغفار؛ قال - تعالى -: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود: 52].
وإذا رَغِبتَ في السَّلامة من الحوادث، والأمْنِ من الفِتن والمِحن، عليكَ بالاستغفار؛ قال - تعالى -: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].
وإذا خشيتَ من وحَشْة القبر، فأحببتَ لك أنيسًا، فعليك بالاستغفار؛ قال بعضُهم: "ما جاور عبدٌ في قبرِه مِن جارٍ أحبَّ إليه مِن كثْرة الاستغفار".
وإذا أصابَك القَحْط، وأحاطَك الجَدْب، وأردتَ الذريَّة الطيِّبة، والولدَ الصالح، والرِّزقَ الواسع، فعليك بالاستغفار؛ قال - تعالى -: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10 - 12].

وقد كان بعضُ المعاصرين عقيمًا لا يُولَد له، وعَجَز الأطباءُ عن علاجه، ولم ينتفعْ بكلِّ الأدوية التي وُصِفتْ له، فسأل أحدَ العلماء، فدلَّه على كثْرة الاستغفار صباحَ مساءَ؛ لأنَّ الله - تعالى - قال عن المستغفرين: {وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} [نوح: 12] فأكْثَر هذا الرجلُ من الاستغفار وداومَ عليه، فرَزَقه الله الذُّريَّةَ الصالِحة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363755



الخطبة الثانية

ممَّا ذَكَره أحدُ العلماء المعاصرين، عنِ امرأة حدثتْه: أنَّ زوجها مات وهي في الثلاثين من عمرها، ولها مِنه خمسةُ أطفال بنين وبنات، فاشتدَّ فقرُها، وأظلمتِ الدنيا في عينيها، وبكتْ حتى خافت على بصرها، وبينما هي في غُرفتِها، فتحت المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وإذا بشيخ يُذَكِّر بحديث الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أكْثَر من الاستغفار، جَعَل الله له من كلِّ همٍّ فَرَجًا، ومن كلِّ ضِيق مخرجًا، ورَزَقه من حيث لا يحتسب))[1]، فأكثرتْ بعدَها الاستغفار، وأمرتْ أبناءها بذلك، وما مرَّ بها ستَّةُ أشهر، حتى يسَّر الله أمْرَها، وجاءها تعويضٌ بالملايين من حيث لم تحتسب، فعاشتْ بعدها هنيَّةً مطمئنة، وتيسَّر لابنها الأكبرِ حِفْظُ كتابِ الله، وصار محلَّ عناية الناس، وامتلأ بيتُها خيرًا، حتى صارت أسعدَ امرأة.

إنُه الاستغفار يا عباد الله، إنَّه اللَّجَأ إلى الله عندَ حدوث الملمَّات.

غير أنَّ الاستغفار المطلوب، هو ما انعقد عليه اللِّسانُ والقلْب معًا، وتُدُبِّر معناه، وأحْدَث الخشوع، وفكَّ عُقدَ الإصرار على المعصية، أمَّا مجرَّد التلفُّظ باللِّسان، مع غفلة القلْب، فلا يأتي بالثمرة المطلوبة، فقد قال أحدهم للحسن البصري: أشكو إليك قسوةَ قلبي، فقال له: "أدِّبْه بالذِّكْر".

وقال بعضُ السلف: "مَن لم يكن ثمرةُ استغفارِه تصحيحَ توبته فهو كاذب".

وكان بعضهم يقول: "استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفارٍ كثير".

ومن أسباب قلَّةِ استفادة بعضنا من أثر الاستغفار: الغفلةُ عن الأوراد الشرعيَّة، والأذكار النبويَّة، واستبدالُ الصور الخليعة التي تُقسِّي القلْب، وتقليب القنوات الفضائيَّة التافهة، وتتبُّع الأفلام والمسلسلات الرخيصة، التي ثَبَت ضررُها، حتى عند المروِّجين لها - بذلك؛ فقد أعلنتِ السلطات الصِّينية عن إغلاق 1250 موقعَ إنترنيت غيرَ مشروع، وأقرَّ البرلمان الألمانيُّ قانونًا يحظُر مواقعَ الإنترنت، التي تَعرِض موادَّ إباحيَّة عن الأطفال، ودافعتْ جمعياتٌ في بعض الدول الغربية عن استبدال موادَّ تدعو إلى العِفَّة وصيانة الأخلاق ببعض الموادِّ الدراسيَّة المقرَّرة.

وحتى المستغفِرون، لا يفسحون الوقتَ الكافي؛ ليجعلوا لأنفسهم وِردًا قارًّا كلَّ يوم، وتحريك اللِّسان بالذِّكْر في كل وقت.

قال لقمان لابنه: "يا بُنيَّ، عَوِّد لسانَك الاستغفار، فإنَّ لله ساعاتٍ لا يَردُّ فيها سائلاً"، وقال الحسن: "أكْثِروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي أسواقكم ومجالسكم، وأينما كنتم، فإنَّكم لا تَدْرُون متى تنزل المغفرة".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363755

و((طُوبَى لِمَن وَجَد في صحيفته استغفارًا كثيرًا))؛ كما قال مُعلِّم البشرية - صلَّى الله عليه وسلَّم - صحيح سنن ابن ماجه.
طَرَقْتُ بَابَ الرَّجَا وَالنَّاسُ قَدْ رَقَدُوا *** وَبِتُّ أَشْكُو إِلَى مَوْلاَي مَا أَجِدُ
وَقُلْتُ يَا أَمَلِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ *** يَا مَنْ عَلَيْهِ لِكَشْفِ الضُّرِّ أَعْتَمِدُ
أَشْكُو إِلَيْكَ أُمُورًا أَنْتَ تَعْرِفُهَا *** مَا لِي عَلَى حَمْلِهَا صَبْرٌ وَلاَ جَلَدُ
وَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي بِالذُّلِّ مُفْتَقِرًا *** إِلَيْكَ يَا خَيْرَ مَنْ مُدَّتْ إلَيْهِ يَدُ





ــــــــــــــــ
[1] والحديث ضعيف.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 27 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الرضا



تتمَّة لسلسلة مكارم الأخلاق، وربطًا بموْضوع الجمعة الماضية حوْل نبذ العنف، وتجنُّب الخصومات؛ سنشرع - إن شاء الله تعالى - في معرِفة بعض الصفات التي أُمِرْنا بالتحلِّي بها، والعمل على ترْبية النفوس عليْها؛ لما لها من فوائدَ عُظْمى في ضبْط العلاقات بين النَّاس، ونشْر رُوح الودِّ والصَّفح والتجاوُز بيْنهم.

وموعِدنا - اليوم - مع أولى هذه الصِّفات، وهي: صفة "الرِّضا".

والرِّضا منزلة عظيمة، ومكانة سامِقة عزيزة، مَن تحلَّى بها فقد أُوتي خيرَيِ الدُّنيا والآخرة.

قال عبدالواحد بن زيد: "الرِّضا بابُ الله الأعظم، وجنَّة الدُّنيا، وسراج العابدين".

وقال أبو عبدالله البَرَاثي: "مَن وُهِب له الرِّضا، فقد بلغ أقْصى الدَّرجات".

وقال الراغب: "رضا العبدِ عن الله: ألاَّ يَكْره ما يَجري به قضاؤه، ورضا اللهِ عن العبد هو: أن يَراه مؤتَمِرًا لأمرِه، ومنتهيًا عن نَهيِه؛ قال الله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [المائدة: 119].

وقيل هو: "استِقْبال الأحكام بالفرح".
وقيل: "الرِّضا: "سرور القلْب بمُرِّ القضاء".

وقال ابن القيم في "مدارج السَّالكين": "الرِّضا بالقضاء الديني الشَّرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان، فيجِب على العبْد أن يكون راضيًا به، بلا حَرج ولا منازعة، ولا مُعارضة ولا اعتراض؛ قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاًّ مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [النساء: 65].

وقال النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ذاقَ طعْمَ الإيمان مَن رضِي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّد رسولاً))؛ رواه مسلم.

والرِّضا الحقيقي هو أن تَقْبَل - مسرورًا - ما ارْتضاه الله لك، قبِلَتْه نفسُك أم لم تقبلْه.

فقال الحسين بن علي - رضِي الله عنْه -: "من اتَّكل على حُسْن اختِيار الله تعالى، لم يتمنَّ غير ما اختار الله له".

وقال أبو عثمان الحيري: "منذُ أربعين سنة، ما أقامَني الله في حالٍ فكرِهْتُه، وما نقلني إلى غيره فسخطتُه".

وقال أبو الدرداء: "إنَّ الله - عزَّ وجلَّ - إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به".

وقال علقمة في قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11]، قال: هِي المصيبة تُصيب الرَّجُل، فيعلم أنَّها من عند الله - عزَّ وجلَّ - فيسلم لها ويرضى".

وقال عمر - رضي الله عنه -: "ما أُبالي على أيّ حالٍ أصبحتُ وأمسيتُ من شدَّة أو رخاء".

وقال عامر بن قيس: "أحببتُ الله حبًّا هوَّن عليَّ كلَّ مصيبة، ورضَّاني بكل بليَّة، فلا أُبالي مع حبِّي إيَّاه علامَ أصبحتُ؟ وعلام أمسيتُ؟".

ومِن وصايا لقْمان - عليْه السَّلام - لولدِه: "أُوصيك بِخصالٍ تقرِّبك من الله وتُباعدك من سخطه: أن تعبُدَ الله لا تشرك به شيئًا، وأن تَرْضى بقدَر الله فيما أحببتَ وكرِهْت".

وإنَّما عظمت الخصومات بين النَّاس، لبعْدِهم عن الرِّضا بما قسم الله لهم، والاعتِراض عن جريان القدَر بتفْضيل الله تعالى بعْضَ عبادِه على بعض؛ لِما يعلمه من صلاحِهم في ذلك، قال الإسفراييني: "فمِن عباده مَن لا يصلحه إلاَّ الفقر، ولو أغناه لفسد عليه دينه، ومنهم مَن لا يُصْلِحه إلاَّ الغنى، ولو أفْقره لفسد عليه دينه، فمهْما قسمه لك من ذلك، فكُنْ به راضيًا مطمئنًّا، لا ساخطًا ولا متلوِّنًا، فإنَّه - جلَّ شأنُه - أشفقُ من الوالدة على ولدِها".

ألم تعلم أنَّ ما بك من نعمةٍ فمن الله، وما بك من بلاءٍ فهو - أيضًا - من الله؟! فعلامَ الجزع والتسخُّط؟! قال النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - من حديث أنس - رضي الله عنه -: ((عِظم الجزاء مع عِظم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضِي فله الرضا، ومَن سخِط فله السَّخَط))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

إنَّ الأرزاق مكفولة، ولن تَموت نفس حتَّى تستوْفِي رزقَها وأجَلَها، فكيف تبغي الزِّيادة بالطُّرُق الحرام، أو بالاعتِداء على الأبْرِياء بسرقة أموالهم، أو مُحاربتِهم، أو إشهار السلاح في وجوههم، أو قَطْع طريقهم، ممَّا أصبحنا نسمع به في الصَّباح والمساء؟! يقول النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ولا يحملنَّ أحدَكم استبطاءُ الرزق أن يطلُبه بمعصية الله، فإنَّ الله - تعالى - لا يُنال ما عنده إلاَّ بطاعته))؛ صحيح التَّرغيب.

وقال ابن عون: "لن يُصيب العبدُ حقيقة الرِّضا حتَّى يكون رضاه عند الفقْر كرِضاه عند الغِنَى".

وفي الحديث: ((قد أفلح مَن أسلم ورُزِق كفافًا، وقَنَّعَهُ الله بما آتاه))؛ مسلم.
اقْنَعْ بِرِزْقٍ يَسِيرٍ أَنْتَ نَائِلُهُ **** وَاحْذَرْ وَلا تَتَعَرَّضْ لِلإرَادَاتِ
فَمَا صَفَا البَحْرُ إِلاَّ وَهْوَ مُنْتَقِصٌ **** وَلا تَكَدَّرَ إِلاَّ بِالزِّيَادَاتِ
كيف ذهلتَ عن نعم الله الكثيرة عليك، حتَّى جَزِعت من قلَّة المال، وتسخطتَ لأنَّك بلا عمل، أو بِلا زوجة، أو بِلا سيَّارة، أو بلا بيْت؟! أما علِمْتَ أنَّ أزيد من ملْيار شخص في العالَم - منهم 500 مليون مسلم - يَعيشون تحت خطِّ الفقْر، ومليار آخرون يعيشون دون الحدِّ الكافي من الطَّعام والحاجات الأساسيَّة، ويموت حوالي 30000 طفل يوميًّا بِسبب الفقْر، وأنَّ ربع الإنسانيَّة يعيشون بلا كهرباء، ومليار شخصٍ في البلدان النَّامية لا يَحصلون على كميَّة كافية من المياه؟

قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: 32] فإن سخطتَ شيئًا من أقْدارِه أهلكتَ نفسك، وقطَّعْتها حسراتٍ على الدُّنيا، ولَم تنلْ منها إلاَّ ما قسمه لك - جلَّ شأْنه.


يقول النَّبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((انظُروا إلى مَن أسفل منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم، فهو أجْدر ألاَّ تزْدَرُوا نعمة الله))؛ مسلم.

وقال بكر بن عبدالله: "إذا رأيتَ مَن هو أكبر منك، فقل: هذا سبَقني بالإيمان والعمل الصَّالح، فهو خيرٌ مني، وإذا رأيتَ مَن هو أصغر منك، فقل: سبقتُه إلى الذُّنوب والمعاصي، فهو خير منِّي".

وأُثِر عن عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنه - أنَّه قال: "ما ابتُليتُ ببليَّة إلاَّ كان لله عليَّ فيها أربعُ نِعم: إذْ لم تكن في ديني، وإذ لم أُحرَم الرِّضا، وإذ لَم تكن أعظمَ منها، وإذ رجوتُ الثَّواب عليْها".

يا مَن يَجزع لحوادث الدُّنيا، ويقتل نفسَه كمدًا على ضياع مال، أو فقْد حبيب، استمِعْ إلى قصَّة عروة بن الزُّبير، لترَى كيف يرضى الرَّاضون، وكيف يصبر الصَّابرون؟

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363761

كان عروة في سفر، حتَّى إذا كان بوادي القُرى وجد في رجْلِه شيئًا فظهرتْ به قرحة، فجيء بالطَّبيب، فأمر بقطْع رجله من نصْفِ ساقِه، وإلاَّ سرى المرض الخبيث في سائِرها، فرضِي بذلك، وقال له الطَّبيب: اشرب المُرْقِد (سائل مخدّر منوّم) قال: لا أشرب مرقدًا أبدًا، ولكن إذا دخلتُ في الصَّلاة فافعل ما شئت، فأخذ الطَّبيب المنشار، فقطَعَها، فلم يتكلَّم عرْوة، فقال الطَّبيب: ما رأيتُ شيخًا قطّ أصبر من هذا، وبيْنما هو كذلك، إذْ مات له ابنٌ في ذلك السَّفر، وكان من أحبِّ أبنائه، فلمَّا رجع قال: "اللَّهُمَّ كان لي بنونَ سبعة، فأخذتَ منهم واحدًا وأبقيتَ منهم ستَّة، وكانت لي أطْراف أربعة، فأخذت منّي طرفًا وأبقيت لي ثلاثة، ولئِن ابتليْتَ، فلقد عافيتَ، ولئِن أخذتَ، فلقد أبقيْتَ"؛ قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].

وقيل ليحْيى بن مُعاذ - رحِمه الله -: متى يبلغ العبد إلى مقام الرِّضا؟ فقال: "إذا أقام نفسَه على أربعةِ فُصول فيما يعامل به ربَّه، فيقول: إن أعطيْتَني قبِلْت، وإن منعتَني رضِيت، وإن تركْتَني عبدت، وإن دعوْتَني أجبْتُ".

ولا شكَّ أنَّ الدُّنيا مجبولة على الأكْدار والابتلاءات، وابتِغاءُ صفْوِها ضربٌ من المستحيلات.
جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا *** صَفْوًا مِنَ الآلامِ وَالأَكْدَارِ
وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا *** مُتَطَلِّبٌ فِي المَاءِ جَذْوَةَ نَارِ
ولقد علَّمنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - كيف نواجِه أحزانَها وتقلُّباتها، وأن لا سبيل إلى ذلك إلاَّ باكتساب خصلة الرِّضا، نكتسب الرضا فقال: ((اتَّق المحارم تكن أعبدَ النَّاس، وارْض بما قسم الله لك تكُن أغنى النَّاس، وأحسِنْ إلى جارك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للنَّاس ما تحب لنفسِك تكن مسلمًا، ولا تُكْثِر الضَّحِك؛ فإنَّ كثرةَ الضَّحِك تُميت القلْب))؛ رواه الترمذي، وهو في صحيح الجامع.



الخطبة الثانية

قال تعالى: {فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} [النساء: 19]، قد ترى حالَك سيئًا، وعيشَك ضَنْكًا، وحياتك بئيسة، ولربَّما كان ذلك عينَ سعادتِك، وسبيل فوزك؛ {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} [القصص: 68].

تأمَّل فيما رواه لنا رسولُ الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في قصَّة أحد السَّبعة الَّذين تكلَّموا في المهد؛ قال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((بيْنا صبيٌّ يرْضع من أمِّه، مرَّ راكبٌ على دابَّة فارهة، وشارة حسنة، فقالت أمُّه: اللهُمَّ اجعل ابني مثل هذا، فترَكَ الثَّدي وأقبل إليْه، فنظر إليْه فقال: "اللهُمَّ لا تجعلني مثلَه"، ثم أقبل على ثديِه فجعل يرضَع، ثمَّ قال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: وَمَرُّوا بجاريةٍ وهم يضربونَها ويقولون: زنيْتِ سرقتِ، وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل"، فقالت أمُّه: اللهُمَّ لا تجعل ابني مثلَها، فترك الرضاع ونظر إليْها فقال: "اللَّهُمَّ اجعلْني مثلها"، فهنالك تراجعا الحديث، قال: إنَّ ذلك الرجُل جبَّار، فقلتُ: اللهُمَّ لا تجعلْني مثلَه، وإنَّ هذه يقولون: زنيتِ ولم تَزْنِ، وسرقْتِ ولم تَسرِق، فقلتُ: اللهُمَّ اجعلْني مثلها))؛ متَّفق عليه.

فانظر كيف كان صلاحُه في التشبُّه بهذه المسكينة المنبوذة، وخسارته في التشبُّه بهذا الجبَّار المتكبر. فهل تَملك بعد هذا إلاَّ أن ترضى بما قضاه لك من خلقِك، ودبَّره لك مَن يعلم ما يصلحك.
وَلَرُبَّ أَمْرٍ مُسْخَطٍ *** لَكَ فِي عَوَاقِبِهِ رِضَا
اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَا *** ءُ فَلا تَكُنْ مُتَعَرِّضَا

ومن استعصى عليْه الرضا، فليستمسِك بالصَّبر؛ فإنه خير معين عليه، كتب عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنْه - إلى أبي موسى - رضي الله عنْه -: "أمَّا بعد، فإنَّ الخير كلَّه في الرِّضا، فإنِ استطعت أن ترْضى وإلاَّ فاصبر".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363761

وقال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "أمَّا الرضا فمنزلة عزيزة أو منيعة، ولكن قد جعل الله في الصبر مُعَوَّلاً حسنًا".

اللهُمَّ إنَّا نسألك كلِمَةَ الحقِّ في الغضَب والرِّضا، ونسألُك الرِّضا بعد القضاء، وبرْدَ العيْش بعد الموت، ونسألُك لذَّة النَّظَر إلى وجهك، والشَّوق إلى لقائِك، في غير ضرَّاء مضرَّة، ولا فتنة مضلَّة، اللَّهُمَّ زيِّنا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين.

اللهُمَّ بلِّغْنا ممَّا يُرضيك آمالَنا، واختِمْ بالباقيات الصَّالحات أعمالَنا.

اللهُمَّ وأبْرِمْ لهذه الأمَّة أمر رشدٍ، يعز فيه أهلُ طاعتك، ويذلُّ فيه أهل معصيتك، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 28 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

كظم الغيظ وتجنب الغضب (1)


عرفنا أن معظم ما يقع من اضطراب في العلاقة بين الناس، وما ينشأ عنه من اعتداءات وتشنُّجات، إنما هو بسبب البعد عن جملة من الصفات الحميدة التي أُمِرنا بالتحلي بها، والتمكين لها في نفوسنا، وتبيَّنَّا في الجمعة الماضية أولى هذه الصفات، وهي: صفة (الرضا)، ونتعرف اليوم - إن شاء الله تعالى – على صفتين أخريين، شديدتي الأهمية، بل هما سلوك لا يهتدي إليه إلا موفَّق، ولا يصبر عليه إلا فَطِنٌ خَبرَ حقيقةَ نفسه، فردعها عن اتِّباع هواها، وحجزها عن طاعة شيطانها، إنهما صفتا: (كظم الغيظ، وتجنب الغضب).

نعم، الغيظ والغضب، اللَّذان يعتبران المسؤولينِ الرئيسين عن القلاقل الواقعة بين الناس، والتوتُّرات في علاقاتهم، بل هما أساس كثيرٍ من الأمراض المستعصية، كالسُّكَّر، وارتفاع الضغط، والقولون العصبي... حتى خرجت علينا الإحصائيات تقول: إن أَزْيَد من مليار من البشر يعانون من الاضطرابات العصبية، وقد أكَّد أحد الباحثين أنَّ هذا النوع من المرض - وبخاصة منه النِّسيان - سيكون سيِّدَ الأمراض في الأربعين سنة القادمة.

قال - تعالى -: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 133- 134]، قال ابن كثير - رحمه الله -: "{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}؛ أي: لا يُعمِلون غضبهم في الناس، بل يكفُّون عنهم شرَّهم، ويحتسبون ذلك عند الله - عز وجل"، وقال البغوي: "{وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}؛ أي: الجارعين الغيظ عند امتلاء نفوسهم منه"، ومن ثمَّ قال أهل اللغة: "كظم غيظه: ردَّه وحبسه، وكظم الباب: أغلقه، وقوم كُظَّم: ساكتون"، وقال القرطبي: "كظم الغيظ: ردَّه في الجوف... ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بعدوه"، وقال المناوي في "التعاريف": "الغيظ أشدُّ الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه".

فالغيظ غضبٌ شديد باعث على الانتقام، والإيقاع بالخصم، ممَّا يعود - غالبًا - على صاحبه بالأسى والندامة.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "إذا اقْتُدِحَتْ نار الانتقام من نار الغضب، ابتدأت بإحراق القادِح، أَوْثِقْ غضبك بسلسلة الحِلم، فإنه - أي: الغضب - كلبٌ إن أفلت أَتلف".

عن وائل قال: "إني لقاعد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاء رجل يقود آخر بِنِسْعَة - حبل مضفور من جلد - فقال: يا رسول الله، هذا قَتَل أخي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أقتلتَه؟))، قال: نعم، قتلته، قال: ((كيف قتلتَه؟))، قال: كنتُ أنا وهو نحتطب من شجرة، فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قَرْنِه فقتلته"؛ رواه مسلم.

فانظر إلى جريرة الغضب - عند عدم التمكن من ضبط النفس الأمارة بالسوء، والرجوع إلى الله في الوقت المناسب - كيف تؤدِّي إلى سوء العواقب، ووُخوم النتائج.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363766

قال عطاء بن أبي رباح: "ما أبكى العلماءَ بكاء آخِرَ العمر من غضبة غَضِبها أحدهم، فتهدم عملَ خمسين سنة، أو ستين سنة، أو سبعين سنة".

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "قدم عُيَيْنة بنُ حصن بنِ حذيفةَ، فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان الحُرُّ من النَّفر الذين يُدنيهم عمرُ، وكان القُرَّاء أصحابَ مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شبابًا... فاستأذن الحُرُّ لعيينةَ عند عمر، فلمَّا دخل عليه قال: هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجَزْل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى هَمَّ به، فقال له الحُرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله - تعالى - قال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين} [الأعراف: 199]، وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافًا عند كتاب الله"؛ رواه البخاري، لقد أوشك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يعاقب عيينة، لولا تدخُّل الرفقة الصالحة من القراء حاملي كتاب الله.

وقال أبو مسعود البدري: "كنتُ أضرب غلامًا لي بالسوط، فسمعتُ صوتًا من خلفي: ((اعلم أبا مسعود))، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني، إذا هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو يقول: ((اعلم أبا مسعود، اعلم أبا مسعود))، قال: فألقيتُ السَّوط من يدي، فقال: ((اعلم أبا مسعود أن الله أقدرُ عليك منكَ على هذا الغلام))، قال: فقلت: لا أضرب مملوكًا بعده أبدًا"؛ رواه مسلم.

وقال ابن كثير في "التفسير": "ورُوِي عن ميمونَ بنِ مهرانَ أن جاريته جاءت ذات يوم بصَحفة فيها مَرَقَة حارَّة، وعنده أضياف، فعثرت، فصبَّت المرقة عليه، فأراد ميمونُ أن يضربها، فقالت الجارية: يا مولاي، استعمل قول الله - تعالى -: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ}، قال لها: قد فعلت، فقالت: اعمل بما بعده: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ}، فقال: قد عفوتُ عنك، فقالت الجارية: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، قال ميمون: قد أحسنت إليك، فأنت حرَّة لوجه الله - تعالى".

فهل أنت من الذين وفقهم الله - تعالى - إلى تحقيق هذه الصفة العظيمة - صفة كظم الغيظ - وتمتع بآثارها الجليلة عليه وعلى غيره؟

عن معاذ بن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((مَن كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَه، دعاه الله - سبحانه - على رؤوس الخلائق حتى يخيره من الحور العين ما شاء))؛ رواه والترمذي وحسَّنه، وهو في "صحيح الجامع".

فأيُّ فضلٍ أعظم من هذا، وأيَّة مكرمة يستحقُّها مَن كفَّ غضبه، وكظم غيظه؟!

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما تجرَّع عبدٌ جرعة أفضل عند الله - عزَّ وجلَّ - من جرعة غيظ يكظمها ابتغاء وجه الله - تعالى))؛ رواه أحمد، وحسَّنه السيوطي.

قال الطيبي: "وإنما حُمِد الكظم؛ لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء".
وَإِذَا غَضِبْتَ فَكُنْ وَقُورًا كَاظِمًا **** لِلْغَيْظِ تُبْصِرُ مَا تَقُولُ وَتَسْمَعُ
فَكَفَى بِهِ شَرَفًا تَصَبَّرْ سَاعَةً *** يَرْضَى بِهَا عَنْكَ الإِلَهُ وَتُرْفَعُ



الخطبة الثانية


كيف تتمكَّن من كظم غيظك في الوقت المناسب إذا استبدَّ بك الغضب؟

هناك خطواتٌ عملية يكفيك الله بها شرَّ سَوْرَة الغضب، منها:
1- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم: في الصحيحين من حديث سلمانَ بنِ صُرَد قال: كنت جالسًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ورجلان يستبَّان، فأحدهما احمرَّ وجهه، وانتفخت أوداجه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إني لأعلم كلمة لو قالها ذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان، ذهب عنه ما يجد))؛ متفق عليه.

2- تغيير الهيئة من القيام إلى الجلوس، ومن الجلوس إلى الاضطجاع:
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع))؛ "صحيح سنن أبي داود".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363766

3- السكوت وتجنُّب ردود الأفعال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا غضب أحدكم فليسكت))؛ "صحيح الجامع"، وقال مُوَرِّقٌ العِجْلي: "ما امتلأتُ غضبًا قطُّ، ولا تكلمتُ في غضب قطُّ بما أندم عليه إذا رضيت".

4- أن يذكر أن الجزاء من جنس العمل، وأن في الكظم والصبر والعفو مغفرةَ الله - عز وجل -: كان مِسطَحُ بنُ أُثاثَةَ من الذين خاضوا في اتِّهام عائشة - رضي الله عنها - في حادثة الإفك، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عليه، ويحسن إليه، فلمَّا أنزل الله براءة عائشة - رضي الله عنها - قال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطحٍ شيئًا أبدًا بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله - تعالى -: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22]، فقال أبو بكر: بلى والله، إني لأحب أن يَغفر الله لي، وعاد إلى ما كان عليه من الإحسان إلى مسطح، وكفَّر عن يمينه؛ متفق عليه.

5- أن يتذكَّر قبح صورته عند هيجانه وثورته، مما لا يحب أن يراه عليه أحد في حالته العادية: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((مَن كفَّ غضبه، ستر الله عورته))؛ رواه الطبراني، وهو في "صحيح الجامع".

6- أن يتذكَّر دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يستعان به في مثل هذه المواقف: ومنه: ((وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب... وأسألك الرضا بعد القضاء))، وفي آخره: ((اللهم زينا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين))؛ "صحيح سنن النسائي".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 29 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

كظم الغيظ وتجنب الغضب (2)


عَرَفْنا في الجمعة الماضية أنَّ الغيظ والغضب مسؤولان عن تولُّد العنف الذي يَفتِك بالأبدان، ويحصد الأرواح، ويُفقِد التوازن، ويُسقط الهَيْبة، ويَذهب بالمروءة، وسَبَق التركيز على ضرورة كَظْم الغيظ، ونحاول اليوم - إن شاء الله - تعميقَ بيان مخاطر الغضب.

والغَضَبُ لغةً: مِن أصلٍ صحيح يدلُّ على شدَّة وقوة، والغَضْبة: الصخرة، ومنه اشْتُقَّ الغَضَب؛ لأنَّه اشتداد السُّخط.

وعرَّف الجرجاني الغضب بأنه: "تغيُّر يحصل عند غليان دمِ القلْب؛ ليحصلَ عنه التشفِّي للصدر".

وَمَن رزقه الله - تعالى - قوَّةَ تجرُّعِ الغضب وتحمله، فقد رزقه خيرًا كثيرًا، فلا غرابة - إذًا - أن يجعل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ترْكَ الغضب جماعَ الصلاح والفلاح.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363768

عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنَّ رجلاً قال للنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: أوصِني، قال: ((لا تَغضبْ))، فردَّد مِرارًا قال: ((لا تغضب))؛ رواه البخاري، وبوَّب عليه: "بابُ الحذرِ من الغضب".
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أنَّه سأل رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ما يُباعدني من غضب الله - عز وجل؟ قال: ((لا تغضب))؛ رواه أحمد، وهو في صحيح الترغيب.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رجلٌ لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: دُلَّني على عمل يُدخلني الجنة، قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تغضب، ولك الجنة))؛ رواه الطبراني، وهو في صحيح الترغيب.
وقال رجل: يا رسول الله، أوْصِني، قال: ((لا تغضبْ))، قال: "ففكَّرْتُ حين قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما قال، فإذا الغضبُ يجمع الشرَّ كلَّه"؛ رواه أحمد، وهو في صحيح الترغيب.

وقيل لعبدالله بن المبارك: اجمعْ لنا حُسنَ الخلق في كلمة، قال: "تَرْك الغضب".
وَلَمْ أَرَ فِي الْأَعْدَاءِ حِينَ اخْتَبَرْتُهُمْ *** عَدُوًّا لِعَقْلِ الْمَرْءِ أَعْدَى مِنَ الْغَضَبْ

نعم، لو وَعَى الناس خطورةَ الغضب لحاربوه بكلِّ الوسائل، فليس عَبَثًا أن تجري حِكمة الحكماء ببيان خطورته، لتسيرَ على الألسنة أمثالاً ذائعة، فقد قالوا: "الغضبُ شَرٌّ، إن أطَعتَه دَمَّر"، وقالوا:"الغضبُ عَدوٌّ، فلا تُملِّكْه نفسَك"، وقالوا:"الغضبُ يُردِي صاحبَه، ويُبدي مَعايِبَه"، وقالوا:"الغضبُ يُسَفِّه الحليم، ويُطيِّش العالِم، ويُفقَد معه العقل، ويَظهرُ معه الجهل"، وقالوا: "الغضبُ يُفسِد الألباب، ويُبعِد مِن الصَّواب"، وقالوا: "الغضب رِيحٌ تَهُبُّ على سراج العقل فتطفِئه"، وقالوا: "مَن تَرَك الغضب، ‏حَفِظَ على نفسِه ‏عِزَّتَها وكرامتَها، ونأَى بها عن ذلِّ الاعتذار، ومغبَّة الندم".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363768

وقال الحسن: "أربعٌ مَن كُنَّ فيه عَصَمه الله من الشيطان، وحَرَّمه على النار: مَن مَلَك نفسَه عند الرغبة، والرهبة، والشهوة، والغضب".

وما أروعَ الأمثلةَ التي ضربها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قولاً وفِعْلاً، وهو الذي قال فيه ربُّ العِزَّة والجلال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159].

يقول الرسولُ الكريم - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تُفتح أبوابُ الجنة يومَ الاثنين والخميس، فَيُغفَر لكلِّ عبدٍ لا يشرك بالله شيئًا، إلاَّ رجلاً كانتْ بينه وبين أخيه شَحْناء (عداوة وبغضاء)، فيقول: أَنظِروا (أخِّروا) هذَيْن حتى يصطلحَا، أنظِروا هذين حتى يصطلحَا))؛ رواه مسلم، فالشحناء مَظِنَّة الغضب، فلذلك مَنَعتْ صاحبَها من مغفرة الله - تعالى.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سِباب المسلِمِ فُسوق، وقتاله كُفْر))؛ متفق عليه، وهذا تعظيم وتهويل لأمر المقاتلة والسِّباب؛ لأنَّهما المرتع الخصب للغضب وشدَّة الغيظ.

وحدَّثَنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن القلب المؤمن المطمئن حين سأله رجل: أي الناس أفضل؟ قال: ((كلُّ مخموم القلْب، صدوق اللسان))، قالوا: صدوق اللِّسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: ((هو التقيُّ النقيُّ، لا إثمَ فيه، ولا بغي، ولا غلَّ، ولا حسد))؛ صحيح سنن ابن ماجه.

ولقد استفزُّوا رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أكثرَ من مرَّة؛ ليُغضبوه، فما زاده سفهُهم إلاَّ حلمًا.
يُخَاطِبُنِي السَّفِيهُ بِكُلِّ قُبْحٍ *** وَآسَفُ أَنْ أَكُونَ لَهُ مُجِيبًا
يَزِيدُ سَفَاهَةً وَأَزِيدُ حِلْمًا *** كَعُودٍ زَادَهُ الْإِحْرَاقُ طِيبًا

عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قَسَمَ النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قَسْمًا (غنائم حنين)، فقال رجل: إنَّ هذه القسمة ما أُريد بها وجهُ الله، قال: فأتيتُ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - فأخبرتُه، فغَضِب حتى رأيتُ الغضب في وجهه، ثم قال: ((يَرْحمُ الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فصبر))؛ متفق عليه.

وفي حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أيضًا قال: "كأنِّي أنظر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يَحكي نبيًّا من الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ضَرَبه قومُه، فأدْمَوه وهو يمسح الدَّمَ عن وجهه، ويقول: اللهمَّ اغفر لقومي فإنَّهم لا يعلمون"؛ متفق عليه.

ولَمَّا لقي النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - مِن قومه في العقبة ما لَقِي من الصدِّ والتكذيب، وخرج هائمًا على وجهه مهمومًا، بَعَث الله إليه مَلَكَ الجبال فناداه، فقال: "يا محمد، إنَّ الله قد سمع قولَ قومك، وأنا مَلَكُ الجبال، وقد بعثني ربِّي إليك لتأمُرَني بما شئتَ، فما شئت؟ إن شئتَ أَطبقتُ عليهم الأخشبَين (الجبلين)، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بل أرجو أن يُخرِج الله مِن أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئًا))؛ متفق عليه، فماذا كان سيحدث لو أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - استجاب لداعي الردِّ بالمثل وهو مُحِقٌّ في ذلك؟ ولكنَّه العفو عند المقدرة.

وكلَّم رجلٌ يومًا عمرَ بنَ عبدالعزيز، فأساء إليه حتى أغضبَه، وهو أمير المؤمنين، فهمَّ به عمر، ثم أمسك نفسه وقال للرجل: "أردتَ أن يستفزَّني الشيطان بعِزَّة السلطان، فأنالَ منك اليوم ما تناله مني غدًا، (أي: في الآخرة)، قم عافاك الله، لا حاجةَ لنا في مقاولتك"؛ {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37].

وَلَمَّا انتشر حبُّ الانتقام في زماننا، وغابتْ هذه المعاني السامية من العفو والصَّفْح، لم يكن غريبًا أن نسمع بوجود ما يقرب من 400 ألف جريمة تُرتكب في العالَم يوميًّا، وأنَّ في دولة واحدة تُلقَّب بـ"العظمى" سبعةَ ملايين سجين!!
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ *** أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ




الخطبة الثانية


إنَّ للغضب أسبابًا وَجَب تجنُّبُها:
منها: العُجب: العُجب بالرأي، والاعتزاز بالمكانة الاجتماعيَّة، أو بالنسب، أو بالمال، فإنَّ ذلك سبب للعداوات، ونشْر الأحقاد والضغائن؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ثلاث مهلكات: هوى مُتَّبع، وشحٌّ مُطاع، وإعجاب المرْء بنفسه))؛ صحيح الجامع.

ومنها: المراء وكثرةُ الجدل في الباطل، والمماحَكة في النِّقاش، ممَّا يقصد به الانتصار لرأي، والتعصُّب لمذهب، ممَّا قد ينتج عنه البغضاءُ والمدابرة؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أنا زعيمٌ ببيت في رَبَضِ الجنة (حوالَيِ الجنة وفي أطرافها) لِمَن ترك المراء وإن كان مُحقًّا))؛ رواه أبو داود، وهو في صحيح الترغيب.
وعن أبي أمامة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما ضلَّ قومٌ بعد هُدًى كانوا عليه إلاَّ أوتوا الجدل، ثم تلاَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هذه الآية: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58]))؛ صحيح سنن الترمذي.

ومنها: المبالَغة في المزاح، وما يترتَّب عليها من تَهكُّم بالأشخاص، وإثارة حفيظتهم، والنبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((لا يأخذنَّ أحدُكم متاعَ صاحبه جادًّا ولا لاعبًا))؛ رواه أحمد، وقال ش عيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.
ومن المزاح الباطل ترويعُ المسلِم؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَحِلُّ لمسلم أن يُروِّع مسلمًا))؛ صحيح سنن أبي داود.

ومنها: بَذاءةُ اللسان وفُحْشه، بشَتْم أو سبٍّ أو تعيير، ممَّا يُوغِر الصدور، ويُثير الغضب؛ يقول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ليس المسلِم بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء))؛ صحيح سنن الترمذي.

ومن هذه الأسباب: الفُضول وتتبع ما لا طائلَ من ورائه من شؤون الناس، ومن الأحاديث الجامعة في ذلك قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مِن حُسن إسلام المرْء تَرْكُه ما لا يَعنيه))؛ صحيح سنن الترمذي.
وقال رجل لِوَهْبِ بن منبه: إنَّ فلانًا شتمك، فقال له وَهْبٌ: ما وجَدَ الشيطانُ بريدًا غيرك؟!

ومِن هذه الأسباب: الغفلة عن مِثْل هذه النُّصوص الشرعيَّة الموجِّهة الناصحة.
كُنْ حَلِيمًا إِذَا بُلِيتَ بِغَيْظٍ *** كُنْ صَبُورًا إِذَا أَتَتْكَ مُصِيبَهْ
فَاللَّيْالِي مِنَ الزَّمَانِ حُبَالَى *** مُثْقَلاَتٌ يَلِدْنَ كُلَّ عَجِيبَهْ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 30 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

العفو

مضى معنا أن القلق أصبح سمةً غالبة على كثير من الناس؛ بفعل الاضطرابات النفسية التي يسببها ضعف الإيمان، وقلة الثقة في الله - تعالى - وما يستتبع ذلك من مشاكل الدنيا التي لا يُعْصَم منها أحد.

وبينَّا أن نصيبًا كبيرًا من وسائل الشفاء من هذا المرض المؤرق يكمُن في التحلِّي بمجموعةٍ من الخصال التي حثَّ شرعنا على الاعتناء بها، عرفنا منها: كظم الغيظ، وتجنب الغضب.

ونحن اليوم على موعد - إن شاء الله تعالى - مع وصفة جديدة من وصفات تطهير النفس، والقضاء المبرم على اضطراباتها وتقلُّباتها، إنها خصلة (العفو).
وأصل العفو: المحو والطمس؛ أي: محو الذنب، والتغاضي عنه.

قال الكفوي: "العفو: كفُّ الضرر مع القدرة عليه".

وقد دارت كلمة "العفو" مع مشتقَّاتها في القرآن الكريم أكثر من ثلاثين مرة.

وهي صفة لله - تعالى - يحب أن يرى حُلاَها على عبده؛ قال - تعالى -: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا} [النساء: 43]، وقال - تعالى -: {عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ} [المائدة: 95]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أحدٌ أصبر على أذًى سمعه من الله؛ يدعون له الولد، ثم يعافيهم ويرزقهم))؛ رواه البخاري.
سُبْحَانَ مَنْ نَهْفُو وَيَعْفُو دَائِمَا *** وَلَم يَزَلْ مَهْمَا هَفَا العَبْدُ عَفَا
يُعْطِي الَّذِي يُخْطِي وَلاَ يَمْنَعُهُ *** جَلاَلُهُ مِنَ العَطَا لِذِي الخَطَا
وأوصَى عباده بالعفو فقال: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: 237]، وقال - عز وجل -: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [البقرة: 109]، وقال - سبحانه -: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22].

كما أوصى رسولَه - صلى الله عليه وسلم - بالعفو فقال: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 13]، وقال - تعالى -: {فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} [الحجر: 85]، وهو الذي لا عتاب معه.

وكذلك كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - ذكر عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن من صفات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة أنه: "ليس بفظٍّ، ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح"؛ البخاري.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يُوصِي أمته بنشر خصلة العفو بينهم ويقول: ((تَعافوا فيما بينكم قبل أن تأتوني، فما بلغني من حَدٍّ فقد وجب))؛ "صحيح سنن أبي داود".

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ارحموا تُرحَموا، واغفروا يُغفَر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمُصِرِّين الذين يصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون))؛ رواه أحمد، وهو في "صحيح الجامع".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-3.html#post363774

وعن أبي الأحوص عن أبيه قال: قلتُ: يا رسول الله، الرجلُ أمُرُّ به فلا يقْرِيني ولا يُضيفني، فيمُرُّ بي، أفأَجزيه؟ قال: ((لا، أَقْرِه))؛ "صحيح سنن الترمذي".
ويتجاوز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العفو إلى الحِلم والصفح، ومقابلة السيئة بالحسنة؛ فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يتقاضاه (يطلب منه قضاء الدين)، فأغلظ، فَهَمَّ به أصحابه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً))، ثم قال: ((أعطوه سنًّا مثل سنه))، قالوا: يا رسول الله، لا نجد إلا أمثل من سنه، فقال: ((أعطوه، فإن من خيركم أحسنَكم قضاء))؛ متفق عليه.

قال - تعالى -: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37].
لاَ يَبْلُغُ المَجْدَ أَقْوَامٌ وَإِنْ كَرُمُوا *** حَتَّى يَذِلُّوا وَإِنَّ عَزُّوا لأَقْوَامِ
وَيُشْتَمُوا فَتَرَى الأَلْوَانَ مُسْفِرَةً *** لا َصَفْحَ ذُلٍّ وَلَكِنْ صَفْحُ أَحْلاَمِ
ولقي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - من قومه ما لقي من الأذى: التكذيب والتسفيه، التعذيب والتنكيل، والتشريد والطرد، والإبعاد عن الأهل والأقارب - ما يقرب من ثمان سنوات، أخرَجوه من مكة مسقط رأسه، حتى قال - صلى الله عليه وسلم - بشيء من الحزن: ((علمت أنكِ خيرُ أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلكِ أخرجوني منكِ ما خرجتُ))؛ رواه أحمد، وهو صحيح.

ولما أظفره الله عليهم، وتمكن من رقابهم في فتح مكة، لم يقابِل الشدة بمثلها، ولا العنف بعنف مضاد، بل قال قولته الشهيرة: ((مَن دخل دار أبي سفيان فهو آمِن، ومَن دخل المسجد فهو آمِن، ومَن أغلق بابه فهو آمِن))؛ رواه مسلم بلفظ: ((ومَن ألقى السلاح فهو آمِن)).

قال إبراهيم النخعي: "كانوا يكرَهون أن يُستَذَلُّوا، فإذا قدروا عفَوا".

وقريب منه ما حصل لنبي الله يوسف - عليه السلام - الذي غدر به إخوتُه بعد أن حسدوه، وألقوه في الجبِّ، ثم هو يقول لهم بعد أن مكَّنه الله منهم: {قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].

عن أبي هريرة: أن رجلاً شتم أبا بكر، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جالس، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعجب ويتبسم، فلمَّا أكثر ردَّ عليه أبو بكر بعضَ قوله، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام، فلحقه أبو بكر فقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلمَّا رددتُ عليه بعض قوله غضبتَ وقمتَ، قال: ((إنه كان معك مَلَكٌ يردُّ عنك، فلمَّا رددتَ عليه بعض قوله، وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان))، ثم قال: ((يا أبا بكر، ثلاثٌ كلهن حق: ما من عبدٍ ظُلم بمظلمة فَيُغضي عنها لله - عز وجل - إلا أعزَّ الله بها نصرَه، وما فتح رجل باب عَطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة، إلا زاده الله - عز وجل - بها قِلَّة))؛ رواه أحمد، قال الأرنؤوط: حسن لغيره.

ولقد سُئِل أبو الدرداء عن أعزِّ الناس فقال: "الذي يعفو إذا قدر، فاعفوا يعزَّكم الله".

وقال الحسن: "أفضل أخلاق المؤمن العفو".
وكان عمر بن الخطاب يبدأ بنفسه ويقول: "كل الناس منِّي في حلٍّ".
وقال إبراهيم التيمي: "إن الرجل لَيظلمني فأرحمه"، قال الغزالي: "وهذا إحسان وراء العفو".

ودخل رجلٌ على عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - فجعل يشكو إليه رجلاً ظلمه ويقع فيه، فقال له عمر: "إنك إن تلقى اللهَ ومظلمتُك كما هي خيرٌ لك من أن تلقاه وقد اقتصصتَها".

وقال النووي في "الأذكار": "جاء أن رجلاً ذكَر لِعمر بن عبدالعزيز - رضي اللّه عنه - رجلاً بشيء، فقال عمر: إن شئتَ نظرنَا في أمرك، فإن كنتَ كاذبًا فأنتَ من أهل هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6]، وإن كنتَ صادقًا فأنتَ من أهل هذه الآية: {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} [القلم: 11]، وإن شئتَ عفونا عنك، قال: العفو يا أميرَ المؤمنين، لا أعودُ إليه أبدًا".

ورُوِي أن راهبًا دخل على هشام بن عبدالملك، فقال للراهب: "أرأيتَ ذا القرنين، أكان نبيًّا؟ فقال: لا، ولكنه إنما أُعْطِي ما أُعْطِي بأربع خصال كُنَّ فيه: كان إذا قدر عفَا، وإذا وعد وفَى، وإذا حدَّث صدق، ولا يجمع شغل اليوم لغد".
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى أَحَدٍ **** أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ العَدَاوَاتِ


الخطبة الثانية


وليس العفو أن تتجاوز عن الكبراء وأصحاب المكانة الاجتماعية، بل يشمل أيضًا مَن كان تحت يدك من خدم وغيرهم؛ عن عبدالله بن عمر - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، كم أعفو عن الخادم؟ قال: ((كلَّ يوم سبعين مرة))؛ رواه أبو داود والترمذي، وهو في "صحيح الترغيب".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363774

وروى أبو يعلى بإسناد جيد عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رجلاً أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن خادمي يُسِيء ويظلم، أفأضربه؟ قال: ((تعفو عنه كل يوم سبعين مرة))؛ "صحيح الترغيب".
مَا كَانَ ضَرَّكَ لَوْ مَنَنْتَ وَرُبَّمَا *** مَنَّ الفَتَى وَهْوَ المَغِيظُ المُحْنَقُ
وعند البخاري عن المعرور قال: لقيتُ أبا ذر بالرَّبَذَة، وعليه حُلَّة، وعلى غلامه حُلَّةٌ، فسألته عن ذلك فقال: إني ساببتُ رجلاً، فعيرتُه بأمه، فقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يا أبا ذر، أعيَّرتَه بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية، إخوانُكم خَوَلُكُم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمَن كان أخوه تحت يده، فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم)).

وقال أبو ذر - رضي الله عنه - لغلامه: "لِمَ أرسلتَ الشاةَ على علف الفرس؟ قال: أردت أن أغيظك، قال: لأجمعن مع الغيظ أجرًا، أنت حرٌّ لوجه الله - تعالى"، فإن أخطأ الخدم فلا نسارع إلى عقوبتهم، ولنعفُ عنهم ونصفح، حتى ولو تعدَّد منهم الخطأ.

وأسمعَ رجلٌ أبا الدرداء - رضي الله عنه - كلامًا فقال: "يا هذا، لا تغرقن في سبِّنا، وَدَعْ للصلح موضعًا، فإنَّا لا نكافئ مَن عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه".

قال جعفرُ الصادِق - رحمه الله -: "لأَن أندمَ على العفوِ عشرين مرَّةً أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرة واحدة".

قال - تعالى -: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [الشورى: 43].
لَيْسَتِ الأَحْلاَمُ فِي حَالِ الرِّضَا *** إِنَّمَا الأَحْلاَمُ فِي حَالِ الغَضَبْ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأخلاق لقمان عبد الرحمن منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 21 05-16-2011 03:22 PM
فتش عن الأخلاق رحيل82 المنتدى الاسلامي العام 5 11-25-2010 05:21 PM
الأخلاق أساس الانطلاق ... نونو الجزائرى المنتدى العام 5 10-10-2010 06:58 PM
جواهر الأخلاق و الالتزام نادية25 المنتدى الاسلامي العام 2 01-08-2010 06:19 PM
التربية علي مكارم الاخلاق هانــــي أرشيف رمضان جزائرنا- 1431 3 09-02-2009 02:49 AM


الساعة الآن 03:19 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302