العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى الشريعة والحياة


منتدى الشريعة والحياة طريقنا للدعوة على منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح


سلسلة مكارم الأخلاق

منتدى الشريعة والحياة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 31 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الحلم

عرفنا مجموعةً من الوصفات الطبية النبوية لمعالجة الاضطرابات النفسية، وإزالة الأمراض القلبية الفتَّاكة، التي قد تُفقِد صاحبها صوابه، وتُخرِجه عن جادَّته؛ كمرض العنف، والغضب، وشدة الغيظ والحَنَق.

وإذا كنَّا قد وقفنا في الجمعة الماضية عند صفة العفو، وأثرها الكبير على راحة النفس وضبط الأعصاب، فإننا نودُّ اليوم - إن شاء الله - الوقوف عند صفة أخرى تُعتَبَر أعلى مرتبةً من العفو، لا يدركها إلا مَن خَبَرَ أخلاق الإسلام، وتبيَّن له أن الخير كلَّه في الاتِّصاف بها، والعمل على تطويع النفس لها، إنها صفة (الحلم).

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363781

قال صاحب "القاموس المحيط": "الحلم: هو الأناة والعقل".

وهو في معناه الاصطلاحي: "ضبط النفس عند الغضب، وكفُّها عن مقابلة الإساءة بمثلها".

وقال الماوردي: "وحدُّ الحلم: ضبط النفس عند هيَجَان الغضب".

والحِلم أفضل من كظم الغيظ؛ لأن كظم الغيظ تحلُّم؛ أي: تكلُّف الحلم، فإذا صار عادة فهو الحلم، وهو دلالة كمال العقل، واستيلائه على سَوْرَةِ الغضب؛ ولذلك جاء في الحديث: ((إنما العلم بالتعلُّم، وإنما الحِلم بالتحلُّم، ومَن يَتَحَرَّ الخير يُعْطَه، ومَن يَتَّقِ الشر يُوقَه))؛ رواه الدارقطني، وهو في "صحيح الجامع".
وقال بعض العلماء: "الحِلم أرفع من العقل؛ لأن الله - تعالى - تسمَّى به".

فقد وصف الله - تعالى - به نفسه فقال: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [البقرة: 225]، وقال - تعالى -: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيم} [البقرة: 235]، وقال - تعالى - في حقِّ نبيِّه إبراهيم - عليه السلام -: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 114]، ورزقه الله من ذريته نبيًّا حليمًا هو إسماعيل؛ فقال - تعالى -: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ} [الصافات: 101].

وسمى - تعالى - نبيَّه يحيى - عليه السلام - سيدًا لحلمه.

قال عكرمة: "السيد: الذي لا يغلبه الغضب"، وقال ابن عباس: "{وَسَيِّدًا}: حليمًا تقيًّا".

ووصف ربنا - عز وجل - نبينا سيد الحُنَفاء والحُلَماء - صلى الله عليه وسلم - فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، فكان رحمةً للناس مهما آذَوْه، واعتدوا عليه.

لما كُسِرت رُباعيته - صلى الله عليه وسلم - وشُجَّ وجهه يوم أُحُد، شقَّ ذلك على أصحابه، وقالوا: يا رسول الله، ادعُ على المشركين، فأجاب أصحابه قائلاً لهم: ((إني لم أُبعث لعَّانًا وإنما بُعِثت رحمة))؛ رواه مسلم.
يَا مَنْ عَدَا ثُمَّ اعْتَدَى ثُمَّ اعْتَرَفْ *** ثُمَّ انْتَهَى ثُمَّ ارْعَوَى ثُمَّ اعْتَرَفْ
أَبْشِرْ بِقَوْلِ اللهِ فِي آيَاتِهِ: *** إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفْ

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يُقال له: ثُمامة بنُ أُثال، فربطوه بساريةٍ من سواري المسجد، فخرج إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((ما عندك يا ثمامة؟))، فقال: عندي خيرٌ يا محمد: إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنعِم تُنعِم على شاكر، وإن كنت تريد المال، فسَلْ منه ما شئت؟

فتُرِك حتى كان الغد، فأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤاله، وأعاد ثمامة مقالته، فلمَّا كان بعد الغد، أعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤاله، وأعاد ثمامة مقالته، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((أطلقوا ثمامة))، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل ثم دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يا محمد، والله ما كان على الأرض وجهٌ أبغضُ إليَّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبَّ الوجوه إليَّ، والله ما كان من دين أبغضَ إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبَّ دينٍ إليَّ، والله ما كان من بلد أبغضَ إليَّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبَّ البلاد إليَّ.

فلمَّا قدم مكة قال له قائل: صبوت، قال: لا، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم؛ متفق عليه.

وعن أنس - رضي الله عنه - أن امرأة يهودية أتتْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: ((ما كان الله ليسلِّطكِ عليَّ))، قالوا: ألا نقتلها؟ قال: ((لا))؛ متفق عليه.

انظر كيف ارتقى الأمر إلى تعمُّد القتل والإصرار عليه، والتحايل من أجله، ومع ذلك يتجاوز مَن علَّمَنا الحلمَ، وسطر عنوان العفو - صلى الله عليه وسلم.
وَأَحْسَنُ مِنْكَ لَمَ تَرَ قَطُّ عَيْنٌ *** وَخَيْرٌ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النِّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأً مِنْ كُلِّ عَيْبٍ *** كَأَنَّكَ قَدْ خُلِقْتَ كَمَا تَشَاءُ

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رجلاً قال: يا رسول الله، إن لي قرابة أَصِلُهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويُسِيئون إليَّ، وأحلُم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال: ((لئن كنت كما قلت، فكأنما تُسِفُّهم المَلَّ (كأنما تطعمهم الرماد الحار)، ولا يزال معك من الله ظهيرٌ عليهم (مُعِين ودافعٌ لأذاهم) ما دمت على ذلك))؛ رواه مسلم.

ومدح - صلى الله عليه وسلم - أشجَّ عبدالقيس بما اتَّصف به من الحِلم، فقال: ((إن فيك خصلتين يحبُّهما الله: الحِلم، والأناة))؛ رواه مسلم.

قال النووي: "الحِلم هو العقل، والأناة هي التثبت وترك العجلة".

نعم، التثبُّت والتُّؤَدة والتأنِّي، تلك الصفات الجليلة التي كادت تغيب عن مجتمعاتنا، ليحلَّ محلَّها البغضاء، والأحقاد، والاعتداءات.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: ((ما تعدُّون الصُّرَعة فيكم؟))، قالوا: الذي لا يصرعه الرجال، قال: ((ليس بذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب))؛ رواه مسلم.

نعم، القوي الحقيقي الذي يستطيع إذا سبَّه الناس ألا يجيبهم، وإذا أساؤوا إليه أحسن إليهم، وإذا اعتدوا على حقوقه عفا عنهم، وإذا جهلوا عليه حلُم عليهم.
أُحِبُّ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ جَهْدِي *** وَأَكْرَهُ أَنْ أَعِيبَ وَأَنْ أُعَابَا
وَأَصْفَحُ عَنْ سِبَابِ النَّاسِ حِلْمًا *** وَشَرُّ النَّاسِ مَنْ يَهْوَى السِّبَابَا
وَمَنْ هَابَ الرِّجَالَ تَهَيَّبُوهُ *** وَمَنْ حَقَرَ الرِّجَالَ فَلَنْ يُهَابَا

وشتم رجلٌ الشعبيَّ فقال: "إن كنتُ كما قلتَ فغفر الله لي، وإن لم أكن كما قلتَ فغفر الله لك".



الخطبة الثانية

كان ابن هبيرة قد أسمعه رجلٌ ما ساءه، فأعرض عنه، فقال الرجل له: إياك أعني، فقال ابن هبيرة: وعنك أُعرض.

وقال عبدالله بن عباس - رضي الله عنه - لرجل سبَّه: "يا عكرمة، هل للرجل حاجة فنقضيها؟"، فنكَّس الرجل رأسه، واستحيا مما رأى من حلمه عليه.
لاَ تَمْشِ فِي النَّاسِ إِلاَّ رَحْمَةً لَهُمُ *** وَلاَ تُعَامِلْهُمُ إِلاَّ بِإِنْصَافِ
ِوقال علي - رضي الله عنه -: "ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يكثر علمك، ويعظم حلمك".
وقال معاوية لعمرو بن الأهتم: أيُّ الرجال أشجع؟ قال: مَن ردَّ جهله بحلمه.

وكان الأحنف بن قيس سيدًا في قومه، إذا غضب غضب له مائة ألف، لا يسألونه فيما غضب، تَبِعَه رجلٌ فأخذ يسبُّه طُولَ الطريق، فلمَّا قرب الأحنف من المنزل وقف وقال: يا هذا، إن كان بقي معك شيء فقله هنا؛ فإني أخاف إن سمعك فتيان الحيِّ أن يؤذوك، وأنا لا أريد أن يؤذوك، فأطرَقَ الرجل حياءً وانصرف.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363781

وهو الذي قال: "ما عاداني أحدٌ قطُّ إلا أخذت في أمره ثلاث خصال:
إن كان أعلى منِّي، عرفتُ له قدره.
وإن كان دوني، رفعتُ قدري عنه.
وإن كان نظيري، تفضَّلت عليه".

وقال بعضهم: "شتمت فلانًا من أهل البصرة، فحلم عليَّ، فاستعبدني بها زمانًا".
وَأَحْلُمُ عَنْ خِلِّي وَأَعْلَمُ أَنَّهُ *** مَتَى أَجْزِهِ حِلْمًا عَنِ الجَهْلِ يَنْدَمِ

وقال الحسن بن بشار: "منذ ثلاثين سنة ما تكلمت بكلمة أحتاج أن أعتذر منها".
وقال أحد البلغاء: "أحسنُ المكارم: عفو المقتدر، وَجُودُ المفتقر".

بهذا ساد الأوائل وعزُّوا، وبهذا شرُفوا وانتصروا.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 32 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الصبر (1)


تطلع علينا الدراسات والأبحاث الحديثة بين الفيْنة والأخرى بحقائق تُبَيِّن مدى ما يعيشه الناس في العالَم مِن قلق واضطراب، يفضيان إلى التَّعاسة، واتِّخاذ القرارات السلبية، من ذلك ما أعلنتْه جِهةٌ رسميَّة أن ديون "العولمة" دفعتْ 200 ألف مزارع هندي للتخلُّص من حياتهم خلال الثلاث عشْرةَ سنة الماضية.

وبينتْ نتائج استطلاع للرأي أجرتْه إحدى الهيئات قبل أزيد من سنة، حول نسبة السعادة في البُلدان العربية، فتبَيَّن أن المغاربة يحتلُّون مرتبةً متأخِّرة، وأن الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة هم الأكثر تَعاسة، وأن أسباب ذلك تكمُن في: ارتفاع تكاليف المعيشة، والبطالة، والرواتب المتَدَنِّيَة، وسُوء الصِّحة، وعدم الرضا عن المظهر الشخصي، وعدم الشعور بالسعادة في الحياة الزوجية والأُسَرية، وعدم الاستقرار العام، والخوف من المستقبل.

غير أنه لا أحد من المستجوبين، ذكر السبب الحقيقي في تعاسة الإنسان بعامَّة، وكثير من المسلمين بخاصَّة، إنه افتقاد كثيرٍ من الناس لإحدى أهم خصال مكارم الأخلاق، التي ما زلنا مع سلسلتها؛ إنها خصلة "الصبر".

لقد ورد "الصبرُ" في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة بألفاظٍ مختلفة، منها خمس وعشرون مرة بصيغة الأمر، وهو مِن عزائم الأمور، ومِن أعظمهما شأنًا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [الشورى: 43]، إذ الصبرُ سبيلٌ إلى حلِّ مشاكل الحياة وعويصاتها، وسلاح لِمُواجهة الشدائد والأزمات.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363952

ومن معاني الصبر: الحبس، يُقال: صبرتُ نفسي على هذا الأمر: حبستها؛ قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ [الكهف: 28]، وقيل: أصله من الشدة والقوة، ولذلك سُمِّي الدواء الصَّبر؛ لشدة مرارته وكراهته، وأما الصبر الجميل في قوله تعالى: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 18]، فهو الذي لا جزع معه ولا شكوى.

واعتبر أهل العلم الصبر مرتبطًا بمقامات الدين كلها، قال الفيروزآبادي: "وربما خولف بين أسمائه بسبب اختلاف مواقعه، فإن كان في حبس النفس لمصيبة، سُمِّي صبرًا، وإن كان في محاربة، سُمِّي شجاعة، وإن كان في إمساك الكلام، سُمِّي كتمانًا، وإن كان عن فضول العيش، سمي زهدًا، وإن كان عن شهوة الفرج، سمي عفَّة، وإن كان عن شهوة طعام، سُمي شرفَ نفس، وإن كان عن إجابة داعي الغضب سمي حلمًا".

قال ابن القيم - رحمه الله -: "وهذا يدلك على ارتباط مقامات الدين كلها بالصبر، من أولها إلى آخرها".
وجعله الإمام أحمد: نصف الإيمان، قال: "فإن الإيمان نصفان: نصف صبر، ونصف شُكر".

ولقد أثنى الله - عز وجل - على أهله؛ فقال تعالى: ﴿ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 177]، ومثله في القرآن كثير.
والصبر يجلب محبَّة الله ومعيته وعنايته؛ قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146]، وقال تعالى: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363952
والصبر يوجب الجزاء من الله تعالى بغير حساب، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾[الزمر: 10].
والصبر ضمان للنصر، واستدرار للمدد من الله تعالى: ﴿ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آَلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ﴾ [آل عمران: 125]، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفَرَج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا))؛ صححه الألباني "في ظلال الجنة".
والصبر سبيل لتحقيق سعادة الفوز والتقدُّم في منجزات الدنيا واختبار الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ ﴾ [السجدة: 24].
وهل تنال الجنة إلا بالصبر؟ قال تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24].
فعن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء، أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إنِّي أصرع، وإني أتكشف، فادع الله لي، قال: ((إن شئتِ صبرت ولكِ الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يعافيك))؛ فقالت: أصبر؛ متفق عليه.
ولقد تعجَّب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - مِن استمساك المُسلم بهذه الصفة الحميدة في شأنه كله، فقال: ((عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له))؛ مسلم.

والصبر المستوجب لهذا الثناء العميم والجزاء العظيم هو - كما قال ابن القَيِّم -: "حبس النفس عن الجزع والتسخُّط، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن التشويش".

وسئل الجنيد عن الصبر فقال: "تجرع المرارة من غير تعب".
وقال عمرو بن عثمان: "هو الثبات مع الله، وتلقي بلائه بالرحب والسعة".
ورأى بعضهم رجلاً يشكو إلى آخرَ فاقةً وضرورةً، فقال: "يا هذا، تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك"، ثم أنشد :
وَإِذَا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فَاصْبِرْ لَهَا
صَبْرَ الكَرِيمِ فَإِنَّهُ بِكَ أَعْلَمُ

وَإِذَا شَكَوْتَ إِلَى ابْنِ آدَمَ إِنَّمَا
تَشْكُو الرَّحِيمَ إِلَى الَّذِي لا يَرْحَمُ

فكيف لا تتَّصف بالصبر، والله - عزَّ وَجَل - أجلُّ من صَبَر؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا أحد أصبرُ على أذى يسمعه من الله - عزَّ وَجَل - إنه يُشرَكُ به، ويُجعَلُ له الولدُ، ثم هو يعافيهم ويرزقهم))؛ متفق عليه.

ومَن رُزق الصبْر فقد رُزق خيرًا كثيرًا، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم، حتى نَفِدَ ما عنده، فقال: ((ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفَّه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر))؛ متفق عليه، فلا صبر إلا بتحمل المكاره، واحتمال الأذى في سبيل الله.

قال ابن القيم - رحمه الله -: "ومن ها هنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة؛ لأنهم كلهم ادعوا محبة الله تعالى، فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة، ولم يثبت معه إلا الصابرون".
إِذَا اشْتَمَلَتْ عَلَى اليَأْسِ القُلُوبُ
وَضَاقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيبُ

وَأَوْطَنَتِ المَكَارِهُ وَاطْمَأَنَّتْ
وَأَرْسَتْ فِي أَمَاكِنِهَا الخُطُوبُ

أَتَاكَ عَلَى قُنُوطٍ مِنْكَ غَوْثٌ
يَمُنُّ بِهِ اللَّطِيفُ المُسْتَجِيبُ


﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ [البقرة: 250].









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 33 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الصبر (2)



مضىمعنا أنَّ الصبرَ نعمةٌ عظيمة، وخصلة جَليلة، مَن رُزِقَه وَوَطَّن نفسه عليه، فهو في سعادة غامرة، ومَن فقده فهو في تجارة خاسرة.


فقد وجدنا أناسًا لا يعرفون للصبر معانيَه، ولا لكظمِ الغيظ مراميَه، فيخلُدون إلى دواعي النفس والهوى، فيرتكبون ما يُفَوِّتُ عليهم سعادة الدارين.


فقد اهتزَّت مدينة مراكش - قبل مدة - لمقتل شخص بسبب شِجار حول سيجارة واحدة، ونظر شخص إلى آخر بطَرْف عينه، فاعتقد الآخر أنه يزدري به، فلم يصبر، فانتهى الأمر بالتشاجر والتقاتل، وخسر أحدهم مالاً كثيرًا في صفقة تجاريَّة، فلم يصبر، فانتهى به الأمر إلى الانتحار، فخسر الدنيا والآخرة، والله - تعالى - يقول: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ [الحج: 11].


نعم، كثير من الناس في زماننا يعيشون ضيقًا ومِحَنًا، لكن بشَّرَنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسعادة الحقيقيَّة المترتِّبة على الصبر، فقال - صلى الله عليه وسلم - من حديث أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه -: ((إن من ورائكم أيام الصبر، للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم))، قالوا: يا نبي الله، أو منهم؟ قال: ((بل منكم))؛ صحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة.


يقول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "الصبر مطية لا تكبو".
وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "وجدنا خيرَ عيشنا الصبر".
وقيل: "تَجَرَّعِ الصبرَ، فإن قتلكَ قتلكَ شهيدًا، وإن أحياك أحياك عزيزًا".


أنواع الصبر:
ولقد جعل ابن القَيِّم - رحمه الله - الصبر ثلاثة أنواع: "صبر بالله، وصبر لله، وصبر مع الله":
فالأول: الصبر بالله: وهو الاستعانة به، ورؤيتُه أنه هو المُصَبِّر، وأنَّ صَبْرَ العبد بربِّه لا بنفسه؛ كما قال - تعالى -: ﴿ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ [النحل: 127]؛ أي: إن لم يصبرك هو، لم تصبرْ.
والثاني: الصبر لله: وهو أن يكون الباعث له على الصبر محبةَ الله، وإرادةَ وجهه، والتقرُّبَ إليه.
والثالث: الصبر مع الله: وهو دوران العبد مع مراد الله الديني منه، ومع أحكامه الدينيَّة، صابرًا نفسه معها، سائرًا بسيرها، مُقِيمًا بإقامتها، يجعل نفسه وقفًا على أوامره ومَحَابِّه، وهو أشد أنواع الصبر وأصعبها، وهو صبر الصدِّيقِين.


قال الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الآخرة سهلٌ هَيِّنٌ على المؤمن، وهُجران الخلق في جنب الله شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد، والصبر مع الله أشد".


وقيل: "الصبر لله غناء، والصبر بالله بقاء، والصبر في الله بلاء، والصبر مع الله وفاء، والصبر عن الله جفاء، والصبر على الطلب عنوان الظَّفَر، والصبر في الْمِحَن عنوان الفَرَج".


قال ابن القَيِّم - رحمه الله -: "وما أقدمَ أحدٌ على تحمُّل مشقة عاجلةٍ، إلا لثمرة مؤجَّلة، وأجمع عُقلاء كل أمةٍ، على أن النعيم لا يدرك بالنعيم، وأن من رافق الراحة، فارق الراحة، وحصل على المشقة وقت الراحة في دار الراحة".


موضوعات الصبر: الصبر على فَقْدِ الأحبَّة:
ولقد حضرتُ بنفسي فتاةً مات أخوها الشاب، وهي متضجرة تقول: "لماذا يموت أخي وهو شاب، ويبقى غيره؟!".
وامرأةٌ مات زوجها، فانكبَّت عليه قائلةً: "لمن تتركني؟ من سينفق عليَّ بعدَك؟!".


فأين الصبر على المصائب؟! وأين الرضا بقضاء الله وقدره؟! قال - تعالى -: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 - 157].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363953


يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((يقول الله - تعالى -: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صَفيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة"))؛ البخاري.


وعن أسامة بن زيد - رضي الله عنه - قال: "أَرسَلَتْ ابنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي زينب - رضي الله عنها - إليه: أن ابنًا لي قُبضَ (مات) فائتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: ((إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٌّ عنده بأجل مُسمَّى، فلتصبر ولتحتسب))، فأرسلت إليه تُقسم عليه ليأتينَّها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل، وأُبَيُّ بن كعب، وزيد بن ثابت، ورجال، فَرُفع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبي ونفسُه تتقعقع (تضطرب) كأنها شَنٌّ (السقاء البالي)، ففاضت عيناه؛ أي: الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال سعد: "يا رسول الله، ما هذا؟ فقال: ((هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرُّحماء))؛ متفق عليه.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363953


فهذا أمر الله، يقتضي منا أن نصبر عليه، ونسلم له، لا أن نضجر، ونصطرخ، ونولْول، ونَلْطِم الخدود، ونشق الجيوب، فلله ما أخذ، ولله ما أعطى.
وَمَا الْمَالُ وَالأَهْلُونَ إِلاَّ وَدَائِعُ
وَلاَ بُدَّ يَوْمًا أَنْ تُرَدَّ الْوَدَائِعُ

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "مرَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بامرأة تبكي عند قبر، فقال: ((اتَّقي الله واصبري))، قالت:إليك عنِّي؛ فإنك لم تُصبْ بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي - صلى الله عليه وسلم -فأتت بابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: ((إنما الصبر عند الصدمة الأولى))؛ متفق عليه.


ويوضحه حديث أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يقول الله - سبحانه -: ابنَ آدم، إن صبرت واحتسبت عند الصدمة الأولى، لم أرضَ لك ثوابًا دون الجنة))؛ صحيح ابن ماجه.


وفي فَقْدِ الأبناء صغارًا أجرٌ عظيم، وفضل كبير؛ فعن أبي هريرة، قال: "أتت امرأةٌ النبي - صلى الله عليه وسلم - بصبيٍّ لها، فقالت: يا نبي الله، ادعُ الله له، فلقد دَفَنْتُ ثلاثةً، قال: ((دفنتِ ثلاثةً؟))، قالت: نعم، قال: ((لقد احتَظَرْتِ بِحِظَار شديد من النار))"؛ أي: امتنعت بمانع وثيق؛ مسلم.


وعن أبي حسان، قال:قلت لأبي هريرة: "إنه قد مات لي ابنان، فما أنت محدثي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحديث تُطَيِّبُ به أنفسنا عن موتانا؟ قال: "نعم، صغارهم دعاميص الجنة (جمع دُعموص؛ أي: صغار أهل الجنة)، يتلقَّى أحدهم أباه - أو قال: أبويه - فيأخذ بثوبه - أو قال: بيده - كما آخذ أنا بصنفة ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال: فلا ينتهي - حتى يُدخلَه اللهُ وأباه الجنة"؛ رواه مسلم.


وعن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولدَ عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرةَ فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدك واسترجع، فيقول الله: اِبنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد))؛ الترمذي.


الخطبة الثانية

اعلم أنك لست وحدك المبتلى من دون خلق الله، فقد سبقك الأنبياء - وهم أشرف المخلوقين - فقد سأل سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه - النبي - صلى الله عليه وسلم - قائلاً: "يا رسول الله، أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: ((الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى العبدُ على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبًا، اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقَّة، ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة))؛ صحيح سنن ابن ماجه.


ولقد فقد النبي - صلى الله عليه وسلم - عمَّه أبا طالب، وزوجته خديجة - رضي الله عنها - في عام واحد، وهو أشد ما يكون حاجة إليهما، حتى سَمَّى - صلى الله عليه وسلم - ذلك العام بعام الحزن، لكثرة المصائب التي انهالت عليه، فصبر لها، فكان الفرج والنصر؛ كما جاء في وصيته - صلى الله عليه وسلم - لابن عباس - رضي الله عنه -: ((واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفَرَجَ مع الكرْب، وأن مع العسر يسرًا))؛ أحمد، وإسناده صحيح.


عن جندب بن سفيان: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في بعض المشاهد، وقد دمِيت إصبعه، فقال: ((هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت))؛ متفق عليه.


وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كُسرت رَباعيته يوم أُحد، وشُجَّ في رأسه، فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه ويقول: ((كيف يفلح قوم شجوا نبيهم، وشجوا رَباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟!))، فأنزل الله - تعالى -: ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: 128]"؛ رواه مسلم.
وَذَكِّرُوهُمْ بِآيِ الذِّكْرِ وَاصْطَبِرُوْا
فَإِنَّ فِي الصَّبْرِ أَجْرَ الْمُصْلِحِ الْعَلَمِ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 34 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الصبر على المرض (3)


عرفنا - ضمن سلسلة مكارم الأخلاق - أن الصبر مَطيَّة لا تكبو، وسلاح قوي، يواجه به المسلم مصاعب الحياة، ويجعل مصائبها سعادةً، يغذيها تعلُّقه بالله - تعالى - وحسن ظنِّه به، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

وإذا عرفنا في الجمعة الماضية أهميَّة الصبر على فَقْد الأحبَّة، فإن موعدنا اليوم - إن شاء الله - مع فَضْل الصبر في مواجهة المرض.

نعم، المرض الذي لا يكاد يخطئ بيتًا من البيوت، ولا يكاد يسلم منه أحدٌ، يختبر الله به عباده، وينبِّههم أن الدنيا دار الأحزان والأكدار، وإنما السعادة التامة في الآخرة:
طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا
صَفْوًا مِنْ الأَقْذَاءِ وَالأَكْدَارِ

وَمُكَلِّفُ الأَيَّامِ فَوْقَ طِبَاعِهَا
مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

فطبيعة المسلم أنه مُبْتَلى في ماله، وفي أهله وأقاربه، وكذلك مُبْتَلى في بدنه وصحته، وعلى قدر الابتلاء يكون الجزاء، بل إن العالم كله مُبْتلى بالأمراض والمصائب، ويكفي أن تعلم أن مَرض فُقْدان المناعة يَفتك الآن بـ 60 مليون شخص في العالم، ومرض الاضطرابات النفسيَّة يصيب أكثر من نصف سكان العالم، ويعاني حوالي مليار شخص في العالم؛ أي: سُدس سُكَّانه تقريبًا، من اضطرابات عصبيَّة، أَزْيَد من 8 ملايين ونصف شخص يتوفون كلَّ عامٍ نتيجة إصابتهم باضطرابات عصبيَّة، وثُلث البشر مصابون بالقلق، وما يقرب من 340 مليون شخص يعانون حالات الاكتئاب، تؤدِّي إلى ما يَقرُب من 800 ألف حالة انتحار كل عام، والسكّري يُصيب ما يقرب من 200 مليون شخص، وهكذا لو استنطقنا منظمة الصحة العالميَّة، لوجدنا مِنْ مثل هذه الأرقام ما يجعلك تطمئن إلى ما ابتليت به من مرض، ويكفي أن أنقل لك حالتين مما يعانيه بعض الناس؛ لتُضاعِف شكرك لله على أن خفَّف عنك في البلوى.

1- فهذا رجل ثري فَقَدَ نعمة الكلام، بعد أن نزع الأطباء حنجرته وحباله الصوتيَّة، فأصبح لا يستطيع الكلام إلا من خلال جهاز صغير يضعه على رقبته كلما أراد أن يتكلَّم، وكلامه - مع ذلك - غير مفهوم، ويحاول أن يختصر الكلام حتى لا تنفذ البطاريَّة التي يغيِّرها مرةً كل ثلاثة أيام، وسعرها جد مرتفع.

فتخيَّل - إذًا - نعمة الكلام، حيث تَسترسل في النطق بما تريد بكل يُسْر، لا تحتاج إلى بطاريَّة، ولا شاحن يقيِّد كلامك بالدقائق والثواني.

2- ونقل ابن أبي الدنيا في كتاب "الاعتبار": أنه بعد أن ابْتُلي عروة بن الزبير بقطع رجله ووفاة ابنه، قَدِم على الوليد بن عبدالملك قومٌ من بني عبس فيهم رجل ضرير، فسأله عن عينيه، فقال له: "بِتُّ ليلةً في بطن وادٍ، ولا أعلم في الأرض عبسيًّا يزيد ماله على مالي، فَطَرَقَنَا سيلٌ، فذهب ما كان لي من أهل وولد ومال، غيرَ صبيٍّ صغير وبعير، وكان البعير صعبًا، فَنَدَّ، فوضعت الصبي واتبعت البعير، فلم أجاوزه حتى سمعت صيحةَ الصبي، فرجعت إليه ورأس الذئب في بطنه يأكله، واستدبرت البعير لأحبسه، فنفحني برجله، فأصاب وجهي فحطمه، وذهبت عيناي، فأصبحت لا أهل ولا مال ولا ولد"، فقال الوليد: "انطلقوا به إلى عروة، فيخبرَه خبرَه؛ ليعلم أن في الناس من هو أعظم منه بلاءً".
فِي كُلِّ بَيْتٍ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ
وَلَعَلَّ بَيْتَكَ إِنْ شَكَرتَ أَقَلَّهَا

يقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط))؛ صحيح سُنن الترمذي.
قال - تعالى -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31].

قال ابن كثير: "فتارة بالسراء، وتارة بالضراء".
وقال - تعالى -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾[البقرة: 155].

قال قتادة: "قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشد من ذلك"، قال البغوي: "وحُكِي عن الشافعي أنه قال: "الخوف: خوف الله - تعالى - والجوع: صيام رمضان، ونقص من الأموال: أداء الزكاة والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه".
وقال - تعالى-: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾} [الأنبياء: 35]، قال القرطبي: "أي: نختبركم بالشدة والرخاء، والحلال والحرام، فننظر كيف شُكرُكم وصَبرُكم".

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما زال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه، وولده، وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة))"؛ صحيح الترمذي.

وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما يصيب المؤمنَ من شوكة فما فوقها، إلا رفعه الله بها درجة أو حطَّ عنه خطيئة))"؛ مسلم.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((ما يصيب المؤمنَ من وَصَب (الوجع اللازم) ولا نَصَب (التعب) ولا سَقم، ولا حَزَن، حتى الهمُّ يَهُمُّهُ، إلا كَفَّر به من سيئاته))؛ مسلم.

فابتلاؤك بالمرض - إذًا - ليس دليلاً على أن الله - تعالى - يبغضك، أو يريد إهانتك؛ قال شيخ الإسلام: "فمن ابتلاه الله بالمرض، بالبأساء والضراء، فليس ذلك إهانة له، بل هو ابتلاء وامتحان، فإن أطاع الله في ذلك كان سعيدًا، وإن عصاه في ذلك، كان شقيًّا".

ولقد دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على شاب وهو في الموت، فقال له: ((كيف تجدك؟)) قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وآمنه مما يخاف))؛ صحيح سُنن ابن ماجه.

بل قد يكون المرض في الدنيا تعجيلاً لعقوبة تنتظرك في الآخرة وكفارة لها.

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس - رضي الله عنه -: ((إذا أراد الله بعبده الخير، عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشرَّ، أمسك عنه بذنبه حتى يوافَى به يوم القيامة))؛ صحيح الترمذي.

وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه عَادَ مريضًا - ومعه أبو هريرة - من وَعْكٍ كان به، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((أبشر؛ فإن الله يقول: هي ناري، أسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا؛ لتكون حظه من النار في الآخرة))؛ صحيح ابن ماجه.

ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حقِّ من فقد عينيه فصبر واحتسب: ((قال - تعالى -: إذا ابتليتُ عبدي بحبيبَتَيه (عينيه) فصبر، عوضته منهما الجنة))؛ البخاري.

الخطبة الثانية

روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((تنزل المعونة من السماء على قدر المؤونة، وينزل الصبر على قدر المصيبة)).

إنك بقدر تحمُّلك يعينك الله - تعالى - ولعلَّ من أسرار القرآن الكريم التي تبيِّن ذلك ورودَ كلمة الحياة فيه 145 مرة، وكلمة الموت 145، وكلمة الدنيا 115 مرة، وكلمة الآخرة 115 مرة، وكلمة المصيبة 75 مرة، وكلمة الشكر 75، وكلمة الشدة 114 مرة، وكلمة الصبر 114 مرة.

ولقد أوصانا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن نتذكَّر صبره وحاله عند موته، فقال: ((إذا أصيب أحدكم بمصيبة، فليذكر مصيبته بي، فإنها من أعظم المصائب))؛ الطبراني، وهو في صحيح الجامع.

وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يُوعَك (اشتد به ألم الحُمَّى)، فوضعت يدي عليه، فوجدت حَرَّه بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله، ما أشدها عليك، قال: ((إنا كذلك يُضَعَّفُ لنا البلاء، ويُضَعَّفُ لنا الأجر))، قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: ((الأنبياء))، قلت: يا رسول الله، ثم من؟ قال: ((ثم الصالحون، إن كان أحدهم ليُبتَلى بالفقر، حتى ما يجد أحدهم إلا العَباءة يَحبوها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرَّخاء))"؛ صحيح ابن ماجه.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363955

ولا يعني هذا أن المسلم يسأل الله - تعالى - أن يبتليه بالمرض، بل الكلام على ما يجب أن تفعله عندما يبتليك الله به، وإلا فإن رسول الله – صلى الله عليه وسلم - علَّمنا أن نسأل الله العافية في الدين والدنيا، فقال: ((اسألوا الله العفوَ والعافية؛ فإن أحدًا لم يُعط بعد اليقين خيرًا من العافية))؛ صحيح الترمذي.

وقال مطرف: "لأن أُعَافَى فأشكر، أحب إليَّ من أن أُبْتَلى فأصبر".
إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ لِلْرَزْءِ دَفْعًا
فَصَبْرًا لِلْرَزِيَّةِ وَاحْتِسَابَا

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363955









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 35 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (1)


عرَفنا ضِمن (سلسلة مَكارِم الأخلاق) مجموعةً من الصفات الجليلة والآداب النبيلة التي حثَّ عليها شرعُنا الحَنِيف، وجسَّدَتْها وصايا رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - كان آخرها ضرورة التحلِّي بالصبر في مُواجَهة مَشاكِل الحياة، وطَوارِق الابتِلاءات التي يختبِر بها الله - عزَّ وجلَّ - عبادَه المؤمنين.

ونحن اليومَ على موعدٍ مع صفة أخرى، عظيمة الأهميَّة، شديدة الأثر على حياة المسلمين، بالغة الوَقْعِ في ضَبْطِ علاقاتهم وتنظِيم شُؤون حياتهم، بل هي سبيل تقدُّمهم وازدِهار اقتِصادهم، وتحقيق رِفعتهم، إنها "الأمانة وحفظها"، الأمانة التي قال فيها القرطبي إنها: "تَعُمُّ جميع وَظائِف الدين"، وقال فيها: "فالأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لِمَن لا أمانة له".

وقال أبو البقاء الكفوي: "وكلُّ ما افتَرَض الله على العِباد فهو أمانة؛ كالصلاة والزكاة والصيام، وأداء الدَّيْن، وأوكدها الوَدائِع، وأوكد الودائع كتم الأسرار".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363956

إن المؤمن يَعتَبِر كلَّ ما بين يده أمانة أودَعَها الله - تعالى - عنده، فيَرعاها حقَّ رِعايتها؛ لأن الأصل فيه قول رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إن مَثَل المؤمن كمَثَل القِطعة من الذهب، نفخ فيها صاحبها فلم تَغَيَّر، ولم تَنْقُص، والذي نفسُ محمد بيده إن مَثَل المؤمن كمَثَل النحلة؛ أكلت طيِّبًا، ووضعت طيِّبًا، ووقعَتْ فلم تَكْسِر ولم تَفْسد))؛ رواه أحمد وهو في "الصحيحة".

ومَن كانت هذه صفته كان أجدر أن يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه؛ يقول النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((لا يَبلُغ العَبْدُ حقيقةَ الإيمانِ، حتى يُحِبَّ للناس ما يُحِبُّ لنفسه من الخَير))؛ رواه ابن حبان، وهو في "صحيح الترغيب".

وكان على هذه الصفة الرعيلُ الأوَّل من المسلمين؛ رجالِهم، ونسائِهم، وشبابِهم، وأطفالِهم:
أمَّا رجالهم، فعن حذيفة - رضِي الله عنه - قال: "جاء أهل نجران إلى رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا رجلاً أمينًا، فقال: ((لأبعثَنَّ إليكم رجلاً أمينًا حَقَّ أَمِين))، فاستَشرَف لها الناس، فبعث أبا عُبَيْدَة بن الجراح"؛ متفق عليه.

نعم، أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح الذي قال فيه النبي - عليه الصلاة والسلام -: ((لكلِّ أمَّة أمين، وأمين هذه الأمَّة أبو عُبَيْدَة بن الجَرَّاح))؛ متفق عليه؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب - رضِي الله عنه - لجُلَسائِه يومًا: "تمنوا، فقال أحدهم: أتمنَّى أن يكون مِلْءُ هذا البيت دراهم، فأُنفِقها في سبيل الله، فقال: تمنوا، فقال آخَر: أتمنَّى أن يكون ملء هذا البيت ذهبًا، فأُنفِقه في سبيل الله، فقال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالاً من أمثال أبي عُبَيْدَة بن الجَرَّاح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستَعمِلهم في طاعة الله".

وأمَّا نساؤهم، فعن عبدالرحمن بن عوف - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إذا صلَّتْ المرأة خمسَها، وصامَتْ شهرَها، وحفِظَتْ فرْجَها، وأطاعَتْ زوْجَها، قِيل لها: ادخُلي الجنَّة من أيِّ أبواب الجنة شئت))؛ رواه أحمد، وهو في "صحيح الترغيب".

وأمَّا شبابهم فمثل زيد بن ثابت الأنصاري - رضِي الله عنه - وكان ممَّن يكتب الوحي، قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقُرَّاء في المَواطِن، فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن، قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يُراجِعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال: فقال أبو بكر لزيد: إنك رجل، شاب، عاقل، ولا نتَّهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - فتتبَّع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلَّفني نقلَ جبلٍ من الجبال ما كان أثقل عليَّ ممَّا أمَرَني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أُراجِعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر، فقمت فتتبَّعت القرآن أجمَعُه من الرِّقاع والأكتاف والعُسُب وصُدُور الرجال"؛ البخاري.

وأمَّا أطفالهم، فعن ثابت عن أنس - رضِي الله عنه - قال: "أتى عليَّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأنا ألعب مع الغلمان، فسلَّم علينا، فبعثَنِي إلى حاجة، فأبطأت على أمِّي، فلمَّا جئت قالت: ما حبسك؟ قلت: بعثني رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - لحاجة، قالت: ما حاجته؟ قلت: إنها سر، قالت: لا تحدثنَّ بسرِّ رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أحدًا"، قال أنس لثابت راوي الحديث عنه: "والله لو حدثت به أحدًا لحدثتك يا ثابت"؛ مسلم.

وعن عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه - قال: "كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط، فمرَّ بي رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - وأبو بكر، فقال: ((يا غلام، هل من لبن؟))، قلت: نعم، ولكني مُؤتَمن... وفي آخر الحديث قال له النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((يرحمك الله، فإنك غُلَيِّم مُعَلَّم))، فأخذت من فيه سبعين سورة ما يُنازِعني فيها أحد"؛ رواه الإمام أحمد وهو في "صحيح السيرة النبوية".

هذا مجتمعهم، فهل نحن مع الأمانة مثلهم؟ لقد حذَّر رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ممَّا سيَؤُول إليه أمر الأمَّة الإسلامية فقال: ((إن الله يُبغِض الفُحْشَ والتَّفَحُّش، والذي نفسي بيده، لا تقوم الساعة حتى يُخَوَّنَ الأمين، ويُؤتَمنَ الخائن، حتى يظهر الفُحْشُ، والتفَحُّشُ، وقَطِيعة الأرحام، وسوء الجوار))؛ رواه أحمد وهو في "الصحيحة".

نعم؛ لقد ضاعَت الأمانة بيننا، وصارَتْ غرِيبَة على كثيرٍ مِنَّا، فنرى الناس يَتهافَتُون ليتحمَّلوا أمانات غيرهم، ممَّن سيَسألُونهم يوم القيامة عن كلِّ صغيرة وكبيرة، فاستَمِع إلى تحذِيرات النبيِّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - ممَّن يَضعُفون عن تحمُّل المسؤوليات، فلا يُؤَدُّون الأمانة على الوجه المطلوب:
فعن أبي ذر - رضِي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني - أي: ألا تُعطِيني ولاية أو إمارة، قال: فضرب بيده - صلَّى الله عليْه وسلَّم - على مَنكِبي ثم قال: ((يا أبا ذَرٍّ، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا مَن أخذها بحقِّها، وأدَّى الذي عليه))؛ رواه مسلم.

وعن أبي موسى - رضِي الله عنه - قال: "دخلت على النبي - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنا ورجلان من بني عمِّي، فقال أحد الرجلين: يا رسول الله، أَمِّرْنا على بعض ما ولاَّك الله - عزَّ وجلَّ - وقال الآخر مثل ذلك، فقال: ((إنا والله لا نُوَلِّي على هذا العمل أحدًا سأَلَه، ولا أحدًا حَرَص عليه))"؛ متفق عليه.

وعن مَعقِل بن يسار - رضِي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يقول: ((ما من عبدٍ يستَرعِيه الله رعِيَّة، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيته، إلاَّ حرَّم الله عليه الجنة))؛ رواه مسلم.

الخطبة الثانية

ومن باب الأمانة أن يختار المسؤول أو المكلف مَن هو أحقُّ بتَحَمُّل الأمانة، بأن يكون صادِقًا، مُخلِصًا، مُحِبًّا لخدمة الناس وقضاء حوائجهم، لا لاعتبارات القَرابَة، أو الجاه، أو المكانة الاجتِماعية، ولا مُقابِل الرَّشاوى والإتاوات؛ يقول نبي الله يوسف - عليه السلام - لملك مصر: "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم".
أَرْعَى الْأَمَانَةَ لاَ أَخُونُ أَمَانَتِي
إِنَّ الْخَؤُونَ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَنْكَبِ



ويقول - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مَن استَعمَلناه منكم على عمل فكَتمَنا مِخيَطًا فما فوقه، كان غُلُولاً (أي: سرقة على وجه الخيانة) يأتي به يوم القيامة))؛ رواه مسلم.

وقال - تعالى -: ﴿ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ﴾ [القصص: 26].

وفي "صحيح البخاري" عن أبي هريرة قال: بينما النبيُّ - صلَّى الله عليْه وسلَّم - في مجلس يحدث القوم، جاءَه أعرابي فقال: متى الساعة؟ فمضى رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - يُحَدِّث، فقال بعض القوم: سمع ما قال فكره ما قال، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذ قضى حديثه قال: ((أين أراه السائل عن الساعة؟))، قال: ها أنا يا رسول الله، قال: ((فإذا ضُيِّعت الأمانة فانتَظِر الساعة))، قال: كيف إضاعتها؟ قال: ((إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتَظِر الساعة)).

لقد وجدنا كثيرًا من الناس لا يلتَفِتُون إلى هذا الوَعِيد الشديد في خيانة الأمانة، بل كلُّ همِّهم أن يجمعوا الأموال لا يدرون من الحلال هي أم من الحرام؟

ففي إحدى الدول العربية مثلت خيانة الأمانة نسبة 84% من الأموال المنهوبة، وسجل التبديد 10%، والتزوير 4%، والصرف دون وجه حق 1,8%.

وفي بلد عربي آخر يَزِيد سكانه عن الستين مليونًا، يقف ما يقارب 16 مليون مواطن أمام المحاكم، وزادَتْ جرائم النصب وخيانة الأمانة هناك بمعدل 100%.

وخلال سَنَة واحدة، نجد مَحاكِم مدينتين من مُدُنِنا تَفْصِل فيما يقرب من 500 ألف قضية، التجارية منها بلغت 86 ألفًا.

وفي إحصاءٍ لوزارة التربية الوطنية المغربية صدر في أواسط سنة 2008م، تبيَّن أن ظاهرة الغِياب في قِطاع التعليم وصلت إلى مليوني يوم غياب في صُفُوف رِجال التعليم؛ ممَّا كلَّف الدولة 50 مليار ستنيم، وهو ما يُعادِل ميزانية بناء 100 مؤسسة تعليمية.

وأكَّدَتْ إحصائيَّات خاصَّة بوزارة العدل، أُجرِيَتْ مُؤَخَّرًا على المستوى الوطني خلال سنة 2007م تسجيل ما يقرب من 2000 حالة خيَانة زوجية، هذه الأرقام وغيرها هي التي جعلَتْ منظمة الشفافية الدولية تُصَنِّف المغرب في المرتبة 80 عالميًّا على مُؤَشِّر الفساد لسنة 2008م.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363956
أَدِّ الْأَمَانَةَ وَالْخِيَانَةَ فَاجْتَنِبْ
وَاعْدِلْ وَلاَ تَظْلِمْ يَطِيبُ الْمَكْسَبُ










عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 36 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (2)


الأمَانَة التي أشفقت السَّموات على اتِّساعِها، والأرض على امتِدادها - أنْ يَحمِلْنَها، ولكن حمَلَها الإنسان؛ لِمَا فيه من ظلم وجهل؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: 72]، الأمانة التي قال فيها - تعالى -: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، الأمانة التي مَن لم يَتَّصِف بها فَقَدَ صفة الإيمان؛ ((لا إيمان لِمَن لا أمانةَ له، ولا دين لِمَن لا عَهْدَ له))؛ "صحيح الجامع"، الأمانة التي يُعَدُّ تضييعُها إحدى علامات الساعة؛ ((إذا ضُيِّعت الأمانة، فانتَظِر الساعة))؛ البخاري، ويقول فيها النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أوَّل ما تَفقِدون من دينكم الأمانة، وآخره الصلاة))؛ "الصحيحة".

الأمانة التي يَنتَظِر مُضَيِّعَها العذابُ الأليمُ يوم بُسِط الصراط لمعرفة الناجين، ومعرفة الخائبين؛ عن عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يُؤتَى بجهنَّمَ يومئذٍ لها سبعون ألفَ زِمام، مع كلِّ زمامٍ سبعون ألفَ مَلك يجُرُّونها))؛ مسلم.

وقال: ((لا يتكلَّم يومئذٍ أحدٌ إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سَلِّم سَلِّم))؛ متفق عليه.

وقال: ((وفي جهنَّم كلاليبُ مثل شَوْكِ السَّعْدَان، غير أنَّه لا يعلم قَدْرَ عِظَمِها إلا الله، تخطف الناس بأعمالهم))؛ متفق عليه، وهناك قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وتُرسَل الأمانة والرَّحِم، فتَقُومان جَنَبَتَيِ الصِّراط يمينًا وشِمالاً))؛ مسلم.

نعم، هناك تقف الأمانة على الصِّراط، تُكَبْكِبُ في نار جهنم خائنها، وتَقُوم الرَّحِم تُزِلُّ قَدَم مَن قطَعَها وظلَمَها.

تأمَّل في عِظَمِ الجزاء الذي يَنتَظِر خائِن الأمانة فيما ذكره عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه - قال: "القتل في سبيل الله يُكَفِّرُ الذنوبَ كلها إلا الأمانة؛ يُؤتَى بالعبد يوم القيامة وإن قُتِل في سبيل الله، فيُقال: أَدِّ أمانتَك، فيقول: أي رب، كيف وقد ذهبتِ الدنيا؟ فيُقال: انطَلِقوا به إلى الهاوِيَة، فيُنطَلَق به إلى الهاوِيَة، وتُمَثَّل له أمانته كهيئتها يوم دُفِعت إليه، فيَراها فيعرفها، فيَهوِي في أثرها حتى يُدرِكها، فيَحمِلها على مَنكِبَيْه، حتى إذا ظنَّ أنه خارج، زلَّت عن مَنكِبَيْه، فهو يَهوِي في أثرها أَبَدَ الآبِدين"، ثم قال: "الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة، وأشياء عدَّدها، وأشد ذلك الودائع".

وسأل زاذانُ البَراءَ بن عازِب عن قول ابن مسعود هذا، فقال: "صدق، أمَا سمعت الله يقول: ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [النساء: 58]، قال الإمام أحمد: "إسناده جيد"، وهو في "صحيح الترغيب".

نعم، الأمانة التي لم يَعُدْ يُحافِظ عليها في زماننا إلا مَن رحم الله؛ يقول - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((إنَّ أوَّل ما يُنتِن من الإنسان بطنه، فمَن استَطاع ألاَّ يأكل إلاَّ طيبًا فليفعل))؛ البخاري.

ويقول - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((ليَأتِيَنَّ على الناس زمانٌ لا يُبالِي المرء بما أَخَذَ المال، أمِنْ حلال أم من حرام))؛ البخاري.

بعد كلِّ الحرص الذي عُرِف عن سلفنا الصالح في شأن الأمانة، ممَّا سأذكر لك منه سبعة مواقف:
الموقف الأوَّل: ولَّى أبو بكر الصديق - رضِي الله عنْه - عمرَ القضاءَ، ثم جاءَه عمر بعد عام، وردَّ عليه ولاية القضاء، فسأله أبو بكر عن السبب، فذكر عمر أنه مضى عليه عام كامل لم يَتقاضَ إليه اثنان؛ ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [الأعراف: 96].

لم يكن الناس يحتاجون إلى جيشٍ من رجال الأمن؛ ليَفُكُّوا نِزاعاتِهم، ولا إلى عشراتِ المحاكم ليقضوا في خصوماتهم، فكلُّ فردٍ في المجتمع قاضٍ على نفسه:
لَوْ أَنْصَفَ النَّاسُ اسْتَرَاحَ الْقَاضِي
وَبَاتَ كُلٌّ عَنْ أَخِيهِ رَاضِي


الموقف الثاني: نقل الذهبي في "السِّيَر" عن عمر بن أسيد قال: "والله ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترَوْن، فما يبرح يرجع بماله كله، قد أغنى عمرُ الناس".

نعم، أغناهم؛ لانتشار الأُخُوَّة المبنيَّة على الثقة بين الناس، وتُنَزِّهُهم عن خيانة بعضهم البعض، ثِقَة في المُعطِي الذي يُقَدِّم مصلحة الجماعة، وثقة في الآخِذ الذي امتَلأ قلبه عَفافًا وسُمُوًّا عمَّا يَتسابَق الناس إليه من حُطام الدنيا:
إِنَّ أَخَاكَ الصِّدْقَ مَنْ كَانَ مَعَكْ
وَمَنْ يَضُرُّ نَفْسَهُ لِيَنْفَعَكْ

وَمَنْ إِذَا رَيْبُ الزَّمَانِ صَدَعَكْ
شَتَّتَ فِيكَ شَمْلَهُ لِيَجْمَعَكْ


الموقف الثالث: وعن نافعٍ قال: "خرج ابن عمر في بعض نواحِي المدينة، ومعه أصحابٌ له، ووضعوا سفرة له، فمرَّ بهم راعِي غنم فسَلَّم، فقال ابن عمر: هلُمَّ يا راعي، هلُمَّ فأَصِب من هذه السفرة، فقال له: إنِّي صائم، فقال ابن عمر: أتصوم في مثل هذا اليوم الحارِّ شديدة سُمُومه، وأنت في هذه الجِبال ترعى هذه الغنم؟ فقال له: إِي والله، أُبادِر أيامي الخالِيَة، فقال له ابن عمر - وهو يُرِيد أن يختبر ورعه -: فهل لك أن تبيعنا شاةً من غنمك هذه، فنُعطِيك ثمنها، ونُعطِيك من لحمها فتُفطِر عليه؟ قال: إنها ليست لي بغنم، إنها غنم سيِّدي، فقال له ابن عمر: فما عسى سيِّدك فاعلاً إذا فَقَدها، فقلتَ: أكلها الذِّئب؟ فوَلَّى الراعي عنه وهو رافع إصبَعَه إلى السماء وهو يقول: أين الله؟ فجعل ابن عمر يُرَدِّد قول الراعي، وهو يقول: قال الراعي: فأين الله؟ فلمَّا قَدِم المدينة، بعث إلى مولاه فاشتَرَى منه الغنم والراعي، فأعتق الراعي، ووهب له الغنم"؛ قال في "مختصر العلو": "إسناده جيِّد".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363957

الموقف الرابع: وذكر صاحب "الحلية" أنَّ عمر بعث إليه أميرُه في الشام زيتًا في قِرَبٍ؛ ليبيعه ويجعل المال في بيت مال المسلمين، فجعل عمر يفرغه للناس في آنِيَتِهم، وكان كلَّما فرغت قِرْبة من قِرَب الزيت قلبها ثم عصَرَها وألقاها بجانِبِه، وكان بجواره ابنٌ صغيرٌ له، فكان الصغير كلَّما ألقى أبوه قِربَة من القِرَب، أخَذَها ثم قلبها فوق رأسه حتى يقطر منها قطرة أو قطرتان، ففعل ذلك بأربع قِرَبٍ أو خمس، فالتَفَتَ إليه عمر فجأة، فإذا شعر الصغير حسنٌ، ووجهه حسن، فقال: "ادَّهنت؟ قال: نعم، قال: مِن أين؟ قال: ممَّا يبقى في هذه القِرَب، فقال عمر: إني أرى رأسك قد شَبِعَ من زيت المسلمين من غير عِوَض، لا والله لا يُحاسِبني الله على ذلك، ثم جرَّه بيده إلى الحلاَّق وحلق رأسه؛ خوفًا من قطرة وقطرتين.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363957

الموقف الخامس: روى أبو هريرة - رضِي الله عنْه - عن رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - قال: "اشتَرَى رجلٌ من رجلٍ عقارًا له، فوجد الرجلُ الذي اشتَرَى العقار في عقاره جرَّة فيها ذهب، فقال له الذي اشترى العقار: خُذْ ذهبك مِنِّي، إنما اشتريت منك الأرض، ولم أبتَعْ منك الذهب، فقال الذي شرى (باع) الأرض: إنما بِعتُك الأرض وما فيها، فتَحاكَما إلى رجل، فقال الذي تَحاكَما إليه: ألَكُما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام، وقال الآخر: لي جارية، قال: أَنكِحُوا الغلام الجارية، وأَنفِقوا على أنفسكما منه وتَصدَّقَا"؛ متفق عليه.

الموقف السادس: وعن أبي هريرة - رضِي الله عنْه - عن رسول الله - صلَّى الله عليْه وسلَّم - أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعضَ بني إسرائيل أن يُسلِفه ألف دينار، فقال: ائتِني بالشهداء أُشهِدهم، فقال: كفى بالله شهيدًا، قال: فأْتِني بالكَفِيل، قال: كفى بالله كفيلاً، قال: صدقت، فدفَعَها إليه إلى أجَلٍ مُسمًّى، فخرج في البحر، فقضى حاجته، ثم التَمَس مركبًا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أَجَّلَه، فلم يجدْ مركبًا، فأخذ خشبة فنَقَرَها، فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجَّج موضعها (سوَّى موضع النقر)، ثم أتَى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أنِّي كنت تسلَّفْتُ من فلانٍ ألفَ دينار، فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرَضِي بك، وسألني شهيدًا، فقلت: كفى بالله شهيدًا، فرَضِي بك، وأنِّي جَهَدت أن أجد مَرْكبًا أبعث إليه الذي له، فلم أقدر، وإنِّي أستودِعُكَهَا.
فرمى بها في البحر حتى ولَجَتْ فيه، ثم انصَرَفَ، وهو في ذلك يَلتَمِس مركبًا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي أسلَفَه ينظر لعلَّ مركبًا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخَذَها لأهله حطبًا، فلمَّا نشَرَها وجد المال والصَّحِيفة، ثم قَدِم الذي كان أسلَفَه، فأَتَى بالأَلْفِ دِينارٍ فقال: والله ما زِلْت جاهدًا في طلب مركب لآتِيك بمالك، فما وَجدت مركبًا قبل الذي أتيتُ فيه، قال: هل كنتَ بعثت إليَّ بشيء؟ قال: أُخبِرك؛ إني لم أجد مركبًا قبل الذي جئتُ فيه، قال: فإن الله قد أدَّى عنك الذي بعَثتَ في الخشبة، فانصَرِفْ بالألف دينارٍ راشدًا"؛ رواه البخاري.

هكذا كانوا يَرَوْن أن الدِّين ليس شِعارًا يحمِلُه المسلم في حافِظَة أوراقه، أو بِطاقة هُويَّته، بل هو سلوك يُتَرجِم آداب الإسلام إلى واقع يَتحرَّك بينهم، مِلؤُه الودُّ، والأمانة، والنَّصِيحة لله ولرسوله، ولأئمَّة المسلمين، وعامَّتهم.

الموقف السابع: قال ابن المبارك: "استعرت قلمًا بأرض الشام، فذهبت على أن أَرُدَّه، فلمَّا قَدِمت مَرْوَ، نظرت فإذا هو معي، فرجعت إلى الشام حتى رَدَدْته على صاحبه".
- قال تعالى: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [الأحزاب: 23].
وَإِذَا اؤْتُمِنْتَ عَلَى الْأَمَانَةِ فَارْعَهَا
إِنَّ الْكَرِيمَ عَلَى الْأَمَانَةِ رَاعِ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 37 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (3)

أمانة الجوارح (1)

تحدَّثْنا عن الأمانة، وضرورةِ الوفاءِ بها، والاعتِناء بحِفْظها، وكان حديثُنا يتضمَّن نوعًا من الإجمال الذي يَحتاج إلى تفصيل؛ ولذلك سنخصُّ اليومَ بالحديث عن "أمانَة الجوارح".

والجوارح هي أطرافُ الإنسان، شُبِّهت بالجوارح التي هي الطيور الجارحة؛ لأنَّها تجرح الإيمانَ والتقوى بفعْل الذنوب.

لقد تفضَّل الباري - سبحانه وتعالى - علينا؛ فصوَّرنا فأحْسَن صُورَنا، وخلَقَنا في أحسنِ تقويم، وجعَل لنا هذه الجوارِح من سمعٍ وبصرٍ، ولسانٍ وغيرها؛ لتستَقِيمَ أحوالنا، ويسهل التواصُل بيننا؛ قال - تعالى -: ﴿ وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، قال الإمام الطبريُّ: "والله - تعالى - أعلَمَكم ما لم تكونوا تعلمون مِن بعدِ ما أخرجكم من بطون أمَّهاتكم لا تعقِلون شيئًا ولا تعلَمون، فرَزَقكم عقولاً تفقَهُون بها، وتُمَيِّزون بها الخير من الشرِّ، وجعَل لكم السَّمع الذي تسمَعون به الأصوات، فيفقَه بعضُكم عن بعضٍ ما تَتحاوَرون به بينكم، والأبصار التي تُبصِرون بها الأشخاص، فتَتعارَفون بها، وتُميِّزون بها بعضًا من بعْض... فعلْنا ذلك بكم، فاشكُروا الله على ما أنْعمَ به عليكم".

ويمنُّ علينا - سبحانه - بأنَّ هذه الجوارحَ لا يملك عطاءَها طبيبٌ حاذِق، ولا صانعٌ ماهِر، إنما يملكُها مَن بيده مَلكُوتُ السماوات والأرض؛ قال - تعالى -: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ [الأنعام: 46].

فهل نحن شاكِرون لله - تعالى - هذه النِّعَم الجليلة؟ قال - تعالى -: ﴿ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [الملك: 23]، نعم؛ الإنسان - إلا مَن رَحِمَ الله - كفورٌ لنِعَم الله عليه؛ لأنَّه لا يعلم أنها أمانةٌ عندَه يجب عليه شكرُها؛ ليحفظَ دوامَها، ثم يجب عليه استعمالها فيما خلَقَها الله - تعالى - من أجْله.

قال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ﴾ [الإسراء: 36]، قال في "فتح القدير": "إشارةً إلى الأعضاء الثلاثة، وأُجريت مجرَى العُقَلاء لَمَّا كانت مسؤولةً عن أحوالها، شاهِدَةً على أصحابها".

نعم؛ هذه اليد تشهَد لك يوم القيامة بأنَّك كنتَ تُعطِي بها حلالاً، وتُمسِك بها حلالاً، تُصافِح بها؛ لتنشُر الودَّ والسَّلام، وتتصدَّق بها لتُعِين المحتاج، وتأكل بها الطيِّب لتتقوَّى على العِبادة...

أو تشهَد عليك بأنَّك كنتَ تقبض بها الحرام، وتسرِق بها أموال الناس، وتكتُب بها ما تستهزِئ به بالدِّين، وتطعن به على عقيدةِ المسلمين؛ قال - تعالى -: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النور: 24]، فيتعجَّب أصحابُها مِن نطقها تعجُّبهم من نُطْق جلودهم، فيقولون: ﴿ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [فصلت: 21].

عن عَديِّ بن حاتم - رضِي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما منكم مِن أحدٍ إلا سيُكلِّمه الله ليس بينه وبينه تَرْجُمان، فينظر أيمنَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر أشأمَ منه فلا يرى إلا ما قدَّم، وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تِلقَاءَ وجهه، فاتَّقوا النار ولو بشِقِّ تمرة))؛ متفق عليه.

ومن عجيب الأحاديث ما وقفتُ عليه في "صحيح مسلم" من حديث أبي هريرة - رضِي الله عنه -: أنَّ الله - تعالى - يوم القيامة يَلقَى الأولَ فيسأله، فيخيب في جوابه، ثم يلقَى الثاني فيخيب في جوابه، ثم يلقى الثالث فيسأله: "أي فُل (فلان)، ألَمْ أُكرمْك، وأسوِّدْك (أجعلك سيِّدًا)، وأزوِّجْك، وأسخِّر لك الخيلَ والإبل، وأَذَرْكَ تَرْأَسُ وتَرْبَعُ (تعيش مستريحًا لا تحتاج إلى مشقَّة وتعب)؟"، فيقول: "يا ربِّ، آمنتُ بك، وبكتابك، وبرُسلك، وصلَّيتُ، وصمتُ، وتصدَّقت"، ويُثنِي بخير ما استطاع، فيقول: "ها هنا إذًا (أي: قفْ ها هنا)"، ثم يُقال له: "الآن نبعث شاهدنا عليك"، ويتفكَّر في نفسه: مَن ذا الذي يشهد عليَّ؟ فيُختَم على فِيهِ، ويُقال لفَخِذه ولحْمه وعِظامه: انطقي، فتنطق فخذُه ولحمُه وعظامُه بعَمَله، وذلك ليُعْذِرَ من نفسه، وذلك المنافِق، وذلك الذي يَسْخَطُ الله عليه".

وعن أنس بن مالك - رضِي الله عنه - قال: "كُنَّا عند رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فضَحِك فقال: ((هل تدرون ممَّا أضحك؟))، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: ((مِن مُخاطَبة العبدِ ربَّه يقول: يا رب، ألَمْ تُجِرْني من الظلم؟ قال: بلى، فيقول: فإنِّي لا أُجِيز على نفسي إلا شاهدًا مِنِّي، فيقول: كفَى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكِرام الكاتبين شهودًا، فيُختَم على فيه، فيُقال لأرْكانه (جوارحه): انطقي، فتنطِق بأعماله، ثم يُخَلَّى بينه وبين الكلام، فيقول: بُعدًا لكنَّ وسُحْقًا؛ فعنكنَّ كنت أُناضِل (أدافع وأُجادِل)))"؛ مسلم.

وهذا متضمّنٌ في قوله - تعالى -: ﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [الإسراء: 14]، نفسك تحاسبك وتشهد عليك، قال قتادة: "عَدَلَ واللهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسك"، وقال: "سيقرأ يومئذٍ مَن لم يكن قارئًا في الدنيا".

فمَنِ انساق وراء شهوات جوارحه، خابَ ظنُّه يومَ القيامة؛ فقد سُئِل النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ما أكثرُ ما يُدخِل الجنة؟ قال: ((التقوى وحُسْن الخُلْق))، وسُئِل: ما أكثرُ ما يُدخِل النار؟ قال: ((الأجوفان: الفم والفرْج))؛ "صحيح سنن ابن ماجه"، وقال: ((وهل يَكبُّ الناسَ على وجوههم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم))؛ "صحيح سنن ابن ماجه".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363958
يَكُبُّ الْفَتَى فِي النَّارِ حَصْدُ لِسَانِهِ
وَإِرْسَالُ طَرْفِ الْمَرْءِ أَنْكَى فَقِيدِ


وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في النساء - وقد خرج في عيد أضْحى أو فِطْر إلى المصلى فمرَّ عليهنَّ -: ((يا مَعْشَر النساء، تصدَّقن؛ فإنِّي أُريتكنَّ أكثرَ أهل النار))، فقلنَ: وبِمَ يا رسولَ الله؟ قال: ((تُكثِرن اللعْن، وتَكفُرن العشير...))؛ متفق عليه.

الخطبة الثانية

روى البخاريُّ في "صحيحه" عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ الله - تعالى - قال: وما يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصِر به، ويدَه التي يبطِش بها، ورِجلَه التي يمشِي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذني لأعيذنَّه))، لمَّا حفظ المؤمنُ جوارحَه، حفِظَه الله فارتَقَى إلى هذه المكانة، فيسدِّد الله - تبارك وتعالى - سمعه وبصره، ويده ورجله، فلا يفعل بها إلا خيرًا، ولا يكسب بها إلا أجرًا.

قال أحد الصالحين: "إذا استَمرَأ اللِّسانُ المعاصِي، أصبح مثلَ الطيور الجارحة، يعيش على اللَّحْم والدم، ولا يرتاح إلا باقتِناص الفريسة".
ويقول ابن المبارك: "المؤمِن يطلب المعاذير، والمنافِق يطلب العثرات".
وقال أبو الدرداء: "أنصِفْ أُذنيك مِن فِيك، فإنَّما جُعِلت لك أذنان، وفمٌ واحد؛ لتسمعَ أكثر ممَّا تتكلم".
وقال الأوزاعي: "إنَّ المؤمن يقول قليلاً ويعمل كثيرًا، وإنَّ المنافق يتكلَّم كثيرًا ويعمل قليلاً".
وقيل: "لا تبسطْ يدَك إلا إلى خيْر، ولا تقلْ بلسانك إلا معروفًا".
وقال ابن رجب في "لطائف المعارف": "كَفُّ الجوارحِ عن المحرَّمات أفضلُ من التطوُّع بالحج وغيره".
وكان يحيى بن معاذ يقول: "مَن أرْضى الجوارح في اللذات، فقد غرَس لنفسه شجرَ الندامات".
وقال ابن الجوزي - رحمه الله - في "صيْد الخاطر": "ولقد تفكَّرتُ في خَطايا لو عُوقِبتُ ببعضها لهلكْتُ، ولو كُشِف للناس بعضُها لاستحييتُ".

ونقل ابن الجوزي عن أبي الوفاء بن عَقِيل نِِياحتَه على نفسه، في كلام لا يصدر إلا عمَّن خبَر الدنيا، فعِلم أنَّ أغلى ما فيها أن يحفظ المرءُ جوارحه التي ستُبارِزه يوم القيامة، وممَّا جاء فيها قوله لنفسه: "يا رَعْناء، تُقَوِّمِينَ الألفاظ ليُقال: مُناظِر، إنْ نُوظِرتِ شَمُخت، وإن نُوصِحتِ تعجرفت! أفٍّ واللهِ منِّي، اليوم على وجه الأرض، وغدًا تحتَها، والله إنَّ نتَنَ جسدي بعد ثلاث تحتَ التراب، أقلُّ مِن نتَن خلائقي وأنا بيْن الأصحاب... وا خيبةَ مَن أحسن الظنَّ بي إذا شهدتِ الجوارح عليَّ، واخذلاني عندَ إقامة الحُجَّة، سَخِر واللهِ منِّي الشيطان وأنا الفَطِن، اللهمَّ توبةً خالصةً من هذه الأقذار، ونهضةً صادقةً لتصفية ما بقِي مِن الأكدار".
يَا غَادِيًا فِي غَفْلَةٍ وَرَائِحَا
إِلَى مَتَى تَسْتَحْسِنُ الْقَبَائِحَا

وَكَمْ إِلَى كَمْ لاَ تَخَافُ مَوْقِفًا

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363958
يَسْتَنْطِقُ اللهُ بِهِ الْجَوَارِحَا

يَا عَجَبًا مِنْكَ وَأَنْتَ مُبْصِرٌ
كَيْفَ تَجَنَّبْتَ الطَّرِيقَ الْوَاضِحَا

كَيْفَ تَكُونُ حِينَ تَقْرَا فِي غَدٍ
صَحِيفَةً قَدْ حَوَتِ الْفَضَائِحَا

وَكَيْفَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ خَاسِرًا









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 38 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (3)

أمانة الجوارح (2)

أمانة اللسان (1)

تحدَّثنا عن أمانة الجوارح، وأشرْنا إلى واحدٍ من أخطرها على الإنسان، ألاَ وهو اللِّسان، الذي عَلِمنا أنه يشهد على صاحبه يوم القيامة بالخير والشرِّ، بل إنَّه من أعظم ما يُدخِل النار، حتى قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أكثر خطايا ابنِ آدمَ في لسانه))؛ "صحيح الجامع".

ولقد ورد التحذيرُ من مغبَّته في نصوص عديدة من القرآن والسنَّة؛ إيذانًا بخطورته، وضرورة تقييده، وإلا فهو الهلَكَة بعينها.

إنَّ المُطلِق للسانه العِنانَ مظنَّة للزَّلَق بما يُؤذِي الناس، بذاءةً وسوءًا وفُحشًا؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - من حديث عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه -: ((إنَّ مِن شرِّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، مَن ودَعه الناس، أو ترَكه الناس اتِّقاءَ فحشِه))؛ متفق عليه.

ويجعل النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَن سَلِمَ الناسُ من لسانه خيرَهم وأفضلهم؛ فعن أبي موسى - رضِي الله عنه - قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ المسلمين أفضل؟ قال: ((مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويدِه))؛ متفق عليه.

ولعِظَم خطَر اللسان كثُرَتْ أسئلة الصحابة عنه؛ ففي حديث معاذ بن جبل - رضِي الله عنه - قال: كنتُ مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفر، فأصبحتُ يومًا قريبًا منه ونحن نَسِير، فقلت: يا رسولَ الله، أخبرني بعملٍ يُدخِلني الجنَّة، ويُباعِدني من النار، قال: ((لقد سألتَ عظيمًا، وإنَّه لَيسيرٌ على مَن يسَّره الله عليه: تعبُدُ الله لا تُشرِك به شيئًا، وتُقِيم الصلاة، وتُؤتِي الزَّكاة، وتَصُوم رمضان، وتحج البيت))، ثم قال: ((ألا أدلُّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة، والصَّدقة تُطفِئ الخطيئةَ كما يُطفِئ النار الماء، وصلاة الرجل في جوْف الليل))، ثم قرأ: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ... ﴾ [السجدة: 16] حتى بلغ: ﴿ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، ثم قال: ((ألاَ أخبرك برأس الأمْر، وعموده، وذِروة سَنَامه؟))، قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: ((رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصلاة، وذِروة سَنَامه الجهاد))، ثم قال: ((ألاَ أخبرك بمِلاك ذلك كلِّه؟))، قلت: بلى يا رسولَ الله، قال: ((كُفَّ عليك هذا))، وأشار إلى لسانه، قلتُ: يا نبيَّ الله، وإنا لَمُؤاخَذون بما نتكلَّمَ به؟ قال: ثكِلتْك أمُّك يا معاذ، وهل يَكبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مَناخِرهم - إلا حَصائد ألسنتهم))؛ "صحيح ابن ماجه".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363959

فعلى المؤمِن الذي يخشى الله ألاَّ ينطق إلا بما يسرُّه أن يَلقَاه يوم القيامة، وأن يُعَوِّد لسانه قول الخير.

قال - تعالى -: ﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [الإسراء: 53]، وقال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 70].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363959

وقال - عليه الصلاة والسلام -: ((مَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخِر فلا يُؤذِ جارَه، ومَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخِر فليُكرِم ضيفَه، ومَن كان يُؤمِن بالله واليوم الآخر فليقلْ خيرًا أو ليصمُت))؛ متفق عليه.

فعلامَ الكلام الكثير الذي ليس تحتَه نفع، بل قد يجلب المضرَّة للمتكلِّم وللمتكلَّم فيه؟ ثم أنت مسؤول عن كل ذلك يوم القيامة.
وَلَوْ أَنَّا إِذَا مِتْنَا تُرِكْنَا
لَكَانَ الْمَوْتُ رَاحَةَ كُلِّ حَيِّ

وَلَكِنَّا إِذَا مِتْنَا بُعِثْنَا
وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ


كان ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - يقول للسانه: "ويحَك، قُلْ خيرًا تَغْنَم، أو اسكُتْ عن سوءٍ تسلَمْ، وإلا فاعلمْ أنك ستندَم".

ودخل عمر بن الخطاب يومًا على أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله عنهما - وهو يَجبِذ لسانه، فقال عمر: "مهْ، غفر الله لك"، فقال له أبو بكر: "إنَّ هذا أورَدني شرَّ الموارد"، نعمْ، أبو بكر، الذي منذ أسلمَ لم يُعلَم عنه - رضي الله عنه - إلا كلُّ خير، وما نُقِلَ عنه أنَّه قال كلمة واحدة يَندَم عليها، أو يَعتذر منها، فكيف بنا نحن الذين نُرسِل ألسنتنا من عِقالها، لا ندري أقُلْنا خيرًا أم شرًّا.

قال علقمة بن وقَّاص لرجلٍ له شَرَفٌ ومكانة، لا يُلقِي بالاً للكلام: "سمعتُ بلال بن الحارث المُزَني صاحبَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ أحدَكم ليتكلَّم بالكلمة من رضوان الله، ما يظنُّ أن تبلغَ ما بلغت، فَيَكتُبُ اللهُ - عزَّ وجلَّ - له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإنَّ أحدكم ليتكلَّم بالكلمة من سَخَط الله، ما يظنُّ أن تبلغَ ما بلغت، فيَكتب الله - عزَّ وجلَّ - عليه بها سخطه إلى يوم يلْقاه))، قال علقمة: فانظر ويحَك ماذا تقول، وماذا تكلَّم به، فرُبَّ كلامٍ قد منعني أن أتكلَّم به ما سمعتُ من بلال بن الحارث"؛ صحيح ابن ماجه.

إنَّها مجرَّد كلمة يُلقِي بها صاحبها ليُضحَك زملاءَه، في نُزهة أو في سفر أو في مؤسَّسة، لكنَّها تَهوِي به في النار.

قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ويلٌ للذي يُحدِّث فيكذب؛ ليُضحَك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له))؛ "صحيح أبي داود".

فضعْ للسانك وَثاقًا قبل أن يملكك، فتصير أسيرًا له، ورحِم الله الأصمعيَّ إذ قال: "الكلمة أسيرةٌ في وثاق الرَّجل، فإذا تكلَّم بها كان أسيرًا في وثاقها".

نعم، وخيْر الكلام ما لم يُحوجْ صاحبه إلى ذُلِّ الاعتِذار؛ كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - موصيًا أحدَ الصحابة: ((إذا قمتَ في صلاتك فَصلِّ صلاة مُوَدِّع، ولا تكلَّمْ بكلامٍ تعتذر منه غدًا، وأجمِع الإياس ممَّا في أيدي الناس))؛ "صحيح ابن ماجه".

وهكذا كان سلفنا الصالح:
قال عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنه -: "والذي لا إلهَ غيره، ما على ظهْر الأرض شيءٌ أحوج إلى طول سِجْنٍ مِن لسان".
وقال الفلاَّس: "ما سمعتُ وكيعًا ذاكرًا أحدًا بسوءٍ أبدًا".
وقال أحدُ الحكماء: "لسانك كالسَّبُع، إن عقلتَه حرسَك، وإن أرسلتَه افترسك".
وقال أديبٌ: "اخزن لسانَك كما تخزن مالَك، وزنه كما تزِن نفقتك، وأنفق منه بقدَر، وكن منه على حذَر، فإنَّ إنفاق ألْف درهم في غير وجهها أفضلُ من إطلاق كلمةٍ في غير حقِّها"، وصدَق؛ فالله - تعالى - يقول: ﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ [ق: 18]، قال الإمام الشافعي - رحمه الله -:
إِذَا شِئْتَ أَنْ تَحْيَا سَلِيمًا مِنَ الْأَذَى
وَحَظُّكَ مَوْفُورٌ وَعِرْضُكَ صَيِّنُ

فَلاَ يَنْطِقَنْ مِنْكَ اللِّسَانُ بِسَوْءَةٍ
فَكُلُّكَ سَوءَاتٌ وَلِلنَّاسِ أَلْسُنُ

وَعَيْنُكَ إِنْ أَبْدَتْ إِلَيْكَ مَعَايِبًا
فَصُنْهَا وَقُلْ يَا عَيْنُ لِلنَّاسِ أَعْيُنُ

وَعَاشِرْ بِمَعْرُوفٍ وَسَامِحْ مَنِ اعْتَدَى
وَدَافِعْ وَلَكِنْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 39 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (3)

أمانة الجوارح (2)

أمانة اللسان (2)

(تجنب السب والشتم)

لا زلنا مع "سلسلة مكارم الأخلاق" في عددها التاسع والثلاثين، بعد أن طرَقْنَا موضوع "حفظ الأمانة" في قسمه الثالث، وتحته موضوع "أمانة الجوارح" في جزئه الثاني، وبعد أن فَرَّعْنا عنه موضوع "أمانة اللسان" في القسم الأول.

ونَوَدُّ اليوم أن نتعرَّف - إن شاء الله تعالى - على القسم الثاني تحت عنوان: "ضرورة تجنُّب السبِّ والشتم"، وهما صفتان قبيحتان في أسمائهما، ذميمتان في الاتِّصاف بهما، منبوذتان عند اللَّهَج بهما؛ لما لهما من خطورة عظيمة في تفريق جمع المسلِمين، وبعث الضغينة بينهم، وربما كان ذلك سببًا في الخصومات والحروب؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208].

والسبُّ: الشتم والقطع والطعن، وقيل: منسوب إلى السُّبَّة، وهي حلقة الدبر؛ لأنَّ السَّابَّ ينسُب المسبوب إلى كلِّ قبيح مُستَهجَن.

ولقد استحقَّ أبو ذر - رضي الله عنه - التعنيف من الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي بُعِث رحمةً، ولم يُبعَث سَبَّابًا لعَّانًا، بسبب سبِّه رجلاً، فعيَّره بأمِّه قائلاً: "يا ابن السوداء"، فقال له النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا أبا ذر، أعيَّرتَه بأمِّه؟ إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّة))؛ رواه البخاري.

فكان لِزامًا أن يَحسِم النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - في أمر هذه الآفة الذميمة، حتى يَسُودَ الوُدُّ والإخاء بين المسلمين، لا الحقد والكراهية، اللذان قد يرتقيان إلى درجة التصفية الجسديَّة، كما حصل في عهد النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين "جاء رجلٌ يقود آخَر بِنِسْعَةٍ (حبل من جلود مضفورة)، فقال: يا رسول الله، هذا قتَل أخي، فقال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أقتلتَه؟))، قال: "نعم، قتلتُه"، قال: ((كيف قتلته؟))، قال: كنت أنا وهو نحتَطِب من شجرة، فسبَّني فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه فقتلته"؛ رواه مسلم.

نعم، قتَلَه بسبب كلمة طائشة، أو لفظة جارحة، أو عبارة غير مدروسة، ولقد صدق مَن قال:
وَجُرْحُ السَّيْفِ تُدْمِلُهُ فَيَبْرَا
وَيَبْقَى الدَّهْرَ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ


ولذلك كان من وصايا الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - للبَراء بن عازب - رضي الله عنه -: ((أعتِق النسمة، وفكَّ الرقبة، فإن لم تُطِق ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأمُر بالمعروف، وانهَ عن المنكر، فإن لم تُطِق ذلك فكفَّ لسانك إلا عن خير))؛ رواه أحمد وغيره، وهو في "صحيح الترغيب".

وعن سفيانَ بنِ عبدالله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله، ما أخوَفُ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: ((هذا))؛ "صحيح الترمذي".

عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تُكَفِّرُ اللسان (تَذلُّ وتخضع له) فتَقول: اتقِ الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوججتَ اعوججنا))؛ "صحيح الترمذي".

وطبيعة المؤمن تمنَعه من السبِّ والطعن، كما قال - عليه الصلاة والسلام -: ((ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللعَّان، ولا الفاحش ولا البذيء))؛ "صحيح الترمذي".

ومن أنواع السبِّ:
1 - سبُّ الله ورسوله: وهو كفرٌ بإجماع أهل العلم، ولقد طلَع علينا شبابٌ يفعلون ذلك بكلِّ وَقاحة وصَفاقة، لا يخافون أن تُزلزَل الأرض من تحت أقدامهم، يسبُّون الخالق والمخلوق.

تمامًا كما كان يفعل أهل الجاهلية؛ فقد روى البخاري ومسلم أن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - "كان إذا صلَّى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا سمعه المشرِكون سبُّوا القرآن، ومَن أنزله، ومَن جاء به"، وإلى الله المُشتَكَى.

2 - سبُّ الصحابة: وهو - أيضا - جريمةٌ كبرى؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تسبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفَق مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه))؛ متفق عليه.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لعَن الله مَن سبَّ أصحابي))؛ رواه الطبراني، وهو في صحيح الجامع.

3 - سبُّ الدِّين ومِلَّة الإسلام: وهي صفة المُنافِقين الذين قال فيهم - تعالى -: ﴿ إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ ﴾ [الأنفال: 49]، والذين في قلوبهم مرض هم الشاكُّون المتهوِّكون.
ومثله الاستِهزاء بدين الله، واعتِقاد أن غيره أليَقُ في زماننا منه، كما يزعُم بعضُ مَن لا إيمان لهم؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [التوبة: 65].

جاء في "تفسير ابن كثير" عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قُرَّاءَنا هؤلاء إلا أرغبَنا بطونًا، وأكذبنا ألسِنةً، وأجْبَنَنا عند اللقاء، فَرُفِعَ ذلك إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فجاء (الرجل) إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وقد ارتَحَل ورَكِبَ ناقته، فقال: يا رسول الله، إنما كُنَّا نخوض ونلعب، فقال: ﴿ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: 65 - 66].

وقال - تعالى -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاَءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴾ [المطففين: 29 - 33].

ومِثل ذلك الاستِهزاءُ بعِباد الله؛ برمْيِهم بالألقاب المُتنقِّصة منهم؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: 11].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363960
أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَهُ
وَلاَ أُلَقِّبُهُ وَالسَّوْءَةُ اللَّقَبُ


وقال الآخَر:
وَقَلَّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَبٍ
إِلاَّ وَمَعْنَاهُ إِنْ فَكَّرْتَ فِي لَقَبِهْ


ومن ذلك رميُ المؤمنين الذين يجتهدون في تطبيق سنَّة رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بألفاظ السخرية والاستهجان؛ كالرجعيِّين، والظَّلاميِّين، والمتخلِّفين.

4 - سبُّ الوالدَيْن: اللَّذَين أوصَى ربنا - عزَّ وجلَّ - بالإحسان إليهما؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لعَن الله مَن لعَن والدَيْه، ولعَن الله مَن ذبَح لغير الله، ولعَن الله مَن آوَى مُحْدِثًا (مَن نصَر مبتدِعًا أو جانيًا)، ولعَن الله مَن غيَّر مَنار الأرض (حدود الأرض)))؛ مسلم.

وفي حديث عبدالله بن عمرو، يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إن من أكبر الكبائر أن يلعن (يشتم) الرجل والدَيْه))، قيل: يا رسول الله، وكيف يلعَن الرجل والدَيْه؟ قال: ((يسبُّ الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمَّه فيسب أمَّه))؛ متفق عليه، ولم نعد نرى في زماننا مَن يسبُّ والدَيْه وحسب، بل مَن يضربهما، وأيضًا مَن يقتلهما ويتخلَّص منهما، كما هي الوقائع الكثيرة التي نسمَعها كلَّ يوم.

5 - سبُّ عموم المسلمين: فالمسلم يَصُون لسانه أن ينطِق بفُحْشٍ أو أذًى، يزن ألفاظه، ويحسب كلماته، ويختار منها ما يُناسِب كلَّ مقام.

يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((سِباب المسلم فُسوقٌ، وقِتاله كفرٌ))؛ متفق عليه.

ويقول - عليه الصلاة والسلام - : ((لا يرمي رجلٌ رجلاً بالفسوق، ولا يَرمِيه بالكفر، إلا ارتدَّتْ عليه إن لم يكن صاحبُه كذلك))؛ متفق عليه، يُقال هذا للتكفيريِّين، الذين يُسارِعون في تكفير خلق الله، ورميِهم بالفُسُوق لأدنى شبهة، دونما تريُّث أو تثبُّت.

ويقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك - إلا حار (رجع) عليه))؛ رواه مسلم.

وهل هناك أعظم بيانًا للأمر من قول الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((المستبَّان شيطانان؛ يَتهاتَران ويَتكاذَبان))؛ رواه ابن حبَّان في صحيحه، وهو في "صحيح الترغيب".
يَمُوتُ الْفَتَى مِنْ عَثْرَةٍ بِلِسَانِهِ
وَلَيْسَ يَمُوتُ الْمَرْءُ مِنْ عَثْرَةِ الرِّجْلِ

فَعَثْرَتُهُ مِنْ فِيهِ تَرْمِي بِرَأْسِهِ
وَعَثْرَتُهُ بِالرِّجْلِ تَبْرَا عَلَى مَهْلِ


الخطبة الثانية

ومن أنواع السب كذلك:
6 - سبُّ الدهر: أي: الزمان، وتَوالِي الأيام؛ يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تسبُّوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر))؛ رواه مسلم.

ويَقول - عليه الصلاة والسلام - : ((قال الله - تعالى -: يُؤذِيني ابن آدم؛ يسبُّ الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّب الليل والنهار))؛ متفق عليه.

قال ابن الجوزي - رحمه الله -: "ما رأَتْ عيني مصيبةً نزلت بالخلق أعظم من سبِّهم للزمان، وعيبهم للدهر"، وقال الكريزي:
مَا الدَّهْرُ إِلاَّ لَيْلَةٌ وَيَوْمُ
وَالْعَيْشُ إِلاَّ يَقْظَةٌ وَنَوْمُ

يَعِيشُ قَوْمٌ وَيَمُوتُ قَوْمٌ
وَالدَّهْرُ مَاضٍ مَا عَلَيْهِ لَوْمُ

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363960


7 - سبُّ الرِّيح: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الرِّيح من رَوْحِ الله؛ تأتي بالرحمة، وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتُموها فلا تسبُّوها، واسألوا اللهَ خيرَها، واستَعِيذوا بالله من شرِّها))؛ "صحيح الجامع".

8 - سبُّ الحمَّى: لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لأمِّ السائب: ((لا تَسُبِّي الحمى؛ فإنها تُذهِب خطايا بني آدم كما يُذهِب الكيرُ خبثَ الحديد))؛ مسلم.

9 - سبُّ الطَّيْر: لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تسبُّوا الدِّيك؛ فإنه يُوقِظ للصلاة))؛ "صحيح ابن ماجه"، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا سمعتم صِياح الدِّيَكة، فاسألوا الله من فضله؛ فإنها رأَتْ مَلَكًا))؛ متفق عليه.

10 - سبُّ الأموات: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تسبُّوا الأموات؛ فإنهم قد أفضَوْا إلى ما قدَّموا))؛ رواه البخاري.

وقال - عليه الصلاة والسلام - : ((لا تسبُّوا الأموات فتؤذوا الأحياء))؛ "صحيح الترمذي".









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 40 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

حفظ الأمانة (3)

أمانة الجوارح(2)

أمانة اللسان (3)

(الكذب)

تقتَضِي أمانةُ اللسان ألاَّ يَنطِق إلاَّ بالحقِّ، وأن يتجنَّب ما يُوقِعه في مَهاوِي الرَّدَى، وقد وقفنا في الجمعة الماضية على آفَة السبِّ والشَّتْم، وعرفنا خطورتهما على الفرد في الدنيا والآخرة، ونُرِيد اليوم - إن شاء الله تعالى - أن نقف على آفَةٍ أُخرَى تُعتَبَر جِماع الآفات، ومِلاك المَخاطِر التي تتهدَّد المجتمعات، وتُطِيح بالحضارات، إنها آفة "الكذب".

قال الماوردي - رحمه الله -: "الكذِبُ جِماعُ كلِّ شرٍّ، وأصل كلِّ ذمٍّ؛ لسوء عواقبه، وخبث نتائجه"، وقال علي - رضي الله عنه -: "أعظم الخطايا عند الله اللسان الكَذُوب".

فالكذب خلَّة ذميمة، وصفة وضيعة، لا يلجأ إليها إلا مَن ضَعُفَ دينه، واضمحلَّ عقله، وقلَّت بنفسه ثقتُه، يتأوَّل في الكذب المصلَحة، ويُوهِم نفسَه بنَيْلِ قريبِ منفعةٍ، وما يَدرِي أنَّه بذلك يحشر نفسه في الدنيا مع السفلة، ويُلقِي بنفسه يوم القيامة إلى التهلكة.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-4.html#post363962

ومن أعظم الكذبِ الكذبُ على الله، بأن ينسب إليه ما لم يَقُلْه ولا يُرِيده؛ قال - تعالى -: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: 18].

ومن أمثلته: تحريم ما أحلَّ الله، أو تحليل ما حرَّم الله؛ قال - تعالى -: ﴿ وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ﴾ [النحل: 116]، وما أكثر المفتين الذين يُسِيئُون إلى دين الله من حيث يعتَقِدون أنهم يُحسِنون، فيُحِلُّون ويُحرِّمون بالهوى والتشهِّي، لا بالعلم وحسن التأتِّي.

ومنه الكذب على رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بإشاعة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ونسبة الحديث إليه دون تَمحِيصٍ ولا تثبُّت، وقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا تَكذِبوا عليَّ؛ فإنَّه مَن كذَب عليَّ فليَلِج النار))؛ متفق عليه.

ومنه الكذبُ على النفس، وإيهامُها بصَواب الأمر، مع العِلم بخِلاف ذلك؛ كمَن يقدِّس الحجر والشجر والأموات، ويعتَقِد أنهم يملكون الضرَّ والنفع، فأين حجَّتهم يوم القيامة؟ قال - تعالى -: ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ * انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ [الأنعام: 22 - 24].

ومنه الكذبُ على الناس، وهو ما انتَشَر بيننا انتِشار النار في الهَشِيم، حتى تبيَّن في دراسة غربيَّة حديثة حول علاقة الرجال بالنساء أنَّ الرجال يكذبون 6 مرَّات في اليوم تقريبًا؛ أي: ما يُعادِل 42 كذبة كلَّ أسبوع، وأن 25% من المتزوِّجين اعتَرَفُوا بأنهم تشاجَرُوا بسبب الكذب، كما اعتَرَف 7% منهم بأنَّ الكذب قادَ إلى الانفِصال، ثم الطلاق.


يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن قال في مؤمنٍ ما ليس فيه، أسكَنَه الله رَدْغَة الخَبَال (عُصارة أهل النار)، حتى يخرج ممَّا قال وليس بخارج))؛ "صحيح أبي داود".


الأبناء يَكذِبون على آبائهم، والآباء يَكذِبون على أبنائهم، والتلاميذ يَكذِبون على مُعلِّمِيهم، وكثيرٌ من المعلِّمين يَكذِبون على تَلامِيذهم، والأزواج يَكذِبون على زَوجاتهم، والزوجات يَكذِبن على أزواجِهنَّ، والبائعون يَكذِبون على المشترين، ويُزيِّنون لهم الفاسد من السلعة، والمستخدَمون يَكذِبون على مُؤجريهم... إلاَّ مَن رحم اللهُ.


قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أُوصِيكم بأصحابي، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يَفشُو الكذب، حتى يحلف الرجل ولا يُستحلَف، ويَشهَد الشاهد ولا يُستَشهَد))؛ "صحيح الترمذي".
وَمَا شَيْءٌ إِذَا فَكَّرْتَ فِيهِ
بِأَذْهَبَ لِلْمُرُوْءَةِ وَالْجَمَالِ

مِنَ الْكَذِبِ الَّذِي لاَ خَيْرَ فِيهِ
وَأَبْعَدَ بِالْبَهَاءِ مِنَ الرِّجَالِ


• الكذب جِماع النِّفاق: قال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كذب، وإذا وعَد أخلَف، وإذا اؤتُمِن خان))، زاد مسلم: ((وإن صام وصلَّى وزعم أنه مسلم))؛ متفق عليه.
وتصديق ذلك من كتاب الله: ﴿ إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [المنافقون: 1].


ومثله ما يجرِي بيننا بأن تقول لصاحبك: انتظرني دقيقة، فتصير الدقيقة ساعة.


• الكذب تزوير وتغيير للحقائق: عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله، إن لي جارة - تعني: ضرَّة - هل عليَّ جُناحٌ إن تشبَّعت لها بما لم يعطِ زوجي؟ قال: ((المتشبِّع بما لم يُعْطَ كلابِس ثوبَيْ زُورٍ))؛ متفق عليه.
وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ من أفرى الفِرَى، أن يُرِيَ عينَه ما لم تَرَ))؛ رواه البخاري.


• الكذب مَمْحَقَة للبركة: قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اليَمِين الكاذبة مَنْفَقةٌ للسلعة، مَمْحَقَةٌ للكسب (وفي لفظ: للبركة)))؛ رواه أحمد، وهو في "الصحيحة".
وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((البيِّعان بالخِيار ما لم يتفرَّقَا، فإن صدَقَا وبَيَّنَا بُورِك لهما في بيعهما، وإن كذَبَا وكتَمَا مُحِقَتْ بركة بيعهما))؛ متفق عليه.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363962

وفي حديث أبي ذر - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: "ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يوم القيامة: المنَّان الذي لا يُعطِي شيئًا إلا منَّة، والمُنَفِّق سلعتَه بالحلف الفاجر، والمسبِل إزارَه))؛ رواه مسلم.


وبعض التجار يحلِفون بالله لقد أعطوا في سلعتهم كذا وكذا، ولم يعطوا، فليعلموا أنَّ ثلاثةً لا يُكلِّمهم الله يوم القيامة ولا يُزكِّيهم ولهم عذاب أليم؛ منهم: ((رجل بايَع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أُعطِي بها كذا وكذا، فصدَّقه فأخذها، ولم يُعطَ بها))؛ متفق عليه.
وَمَنْ يَجْعَلِ الْإِفْكَ الْعَظِيمَ شِعَارَهُ
تَجَرَّعَ كَأْسَ الْعَارِ طُولَ حَيَاتِهِ

وَنَادَى لِسَانُ الْحَقِّ ذَاكَ مُكَذَّبٌ
جَزَاهُ عَلَى دَعْوَاهُ قَطْعَ لَهَاتِهِ


الخطبة الثانية

مصير الكذَّاب يوم القيامة وخيمٌ:
يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّه أتاني الليلةَ آتِيان، وإنهما ابتَعثاني، وإنهما قالاَ لي: انطلق... فانطَلقنا، فأتينا على رجلٍ مُستَلقٍ لقَفاه، وإذا آخَرُ قائِمٌ عليه بِكَلُّوبٍ من حديد، وإذا هو يأتي أحدَ شقي وجهه، فَيُشَرْشِرُ (يشقُّ) شِدقَه إلى قَفاه، ومَنْخِرَه إلى قَفاه، وعينه إلى قَفاه، ثم يتحوَّل إلى الجانب الآخَر، فيفعل به مثلما فعل بالجانب الأوَّل، فما يفرغ من ذلك الجانب حتى يَصِحَّ ذلك الجانب كما كان، ثم يَعُود عليه، فيفعلُ مثلَما فَعَلَ المرَّة الأولى، قلت: سبحان الله، ما هذان؟... قالا: الذي رأيتَه يُشَقُّ شدقُه، فكذَّاب يكذب بالكِذبة تُحمَل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة))؛ رواه البخاري.


فالمؤمن لا يرتَضِي الكذب، وإنْ رأى الناس أنَّه ينفَعُهم، قال الشعبي - رحمه الله -: "عليك بالصدق حيث ترى أنَّه يضرُّك؛ فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك؛ فإنَّه يضرُّك".


قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اكفلوا لي بستٍّ أكفل لكم بالجنة: إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتُمِن فلا يخن، وإذا وعَد فلا يخلف، وغُضُّوا أبصارَكم، وكُفُّوا أيديكم، واحفَظُوا فروجكم))؛ رواه الطبراني، وهو في "صحيح الجامع".


والمؤمن لا يرتَضِي أن يُضحِك الناس بالكَذِب؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ويلٌ للذي يُحدِّث فيَكذِب ليضحك به القوم، ويلٌ له، ويلٌ له))؛ "صحيح أبي داود".


وعن أبي هريرة - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يؤمِن العبد الإيمان كله حتى يترُك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادِقًا))؛ رواه أحمد والطبراني، وهو في "صحيح الترغيب".


قال عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله -: "ما كذبت كذبة منذ شددت عليَّ إزاري".
وقال سعد بن أبي وقَّاص - رضي الله عنه -: "المؤمن يُطبَع على الخِلال كلِّها غير الخيانة والكذب".
وقال مالك بن دينار: "الصدق والكذب يَعتَرِكان في القلب، حتى يُخرِج أحدهما صاحبه".


واعلم أن الكذب لا يجوز إلاَّ في ثلاثة مَواطِن؛ روى مسلمٌ في "صحيحه" عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((ليس الكذَّاب الذي يُصلِح بين الناس، ويَقول خيرًا، ويَنمِي (يبلغ) خيرًا)).


قال ابن شهاب: "ولم أسمع يُرَخَّصُ في شيءٍ ممَّا يقول الناسُ كذبٌ إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها".
رَؤُوفٌ عَلَى الْأَدْنَى غَلِيظٌ عَلَى الْعِدَا
أَخِي ثِقَةٍ فِي النَّائِبَاتِ مُجِيبُ

مَتَى مَا يَقُلْ لاَ يَكْذِبُ الْقَوْلَ فِعْلُهُ
سَرِيعٌ إِلَى الْخَيْرَاتِ غَيْرُ قَطُوبِ









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأخلاق لقمان عبد الرحمن منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 21 05-16-2011 03:22 PM
فتش عن الأخلاق رحيل82 المنتدى الاسلامي العام 5 11-25-2010 05:21 PM
الأخلاق أساس الانطلاق ... نونو الجزائرى المنتدى العام 5 10-10-2010 06:58 PM
جواهر الأخلاق و الالتزام نادية25 المنتدى الاسلامي العام 2 01-08-2010 06:19 PM
التربية علي مكارم الاخلاق هانــــي أرشيف رمضان جزائرنا- 1431 3 09-02-2009 02:49 AM


الساعة الآن 11:21 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302