العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى الشريعة والحياة


منتدى الشريعة والحياة طريقنا للدعوة على منهج أهل السنة والجماعة والسلف الصالح


سلسلة مكارم الأخلاق

منتدى الشريعة والحياة


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 51 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الإعلام والرياضة (6)

إذا كان للإعلام العالَمي ذلك التأثيرُ القوي على النَّاس، إلى درجة اسْتلاب بعضهم، وأَسْر قلوبِهم - كما سبق معنا - فإنَّ الأثر الأعْظم لهذا الإعلام يكْمُن في سرقة وقتِ كثيرٍ من شبابِنا، وإشباع نفوسِهم بـ"شخصيات"، و "أبطال" و "نجوم" صارتْ قدوتَهم الَّتي يَجب أن تُحْتَذى، وأُسوتَهم الَّتي ينبغي أن تُقْتدى.

وأكثر ما يتبَدَّى ذلك في لعبة "كرة القدَم"، التي جَعَلت حياة بعض إخوانِنا حياةَ لهوٍ ولَعِب، وحبٍّ للدَّعَة والرَّاحة، فكان الَّذين لَعِبوا منهم في حياتِهم 5 سنواتٍ فأقلّ: 44%، والَّذين لعبوا 6 سنوات إلى 10 سنوات: 26%، والَّذين قضَوْا مِن أعمارهم 11 سنة إلى 15 سنة لهوًا ولعبًا: 13%، أمَّا الذين سيحاسَبُون على أكثرَ مِن 16 سنة استفْرغوها في اللَّعِب، فهم: 17%.

هذا في الوقْتِ الَّذي ازداد فيه وقتُ فراغ أبنائِنا وبناتنا بسبب التقدُّم العلمي، وتوافُرِ أدوات اللَّهْو في المنْزل وغيره.

تقول إحدى الدِّراسات:
في سنة 1875م، كانت نسبةُ الفراغ في حياة الإنسان: 7.8%، ووقت العمل الإنتاجي: 26%، وفي سنة 1950م، صارت نسبة الفراغ عنده: 20.7%، ووقت العمل الإنتاجي: 15%، وفي سنة 2000م، انتقل وقت الفراغ عنده إلى 27%، ووقت العمل الإنتاجي: 8% فقط.

فانظر كيف سرَقَ الإعلامُ أوقاتَنا في اللَّهو، على حساب نقْص ساعاتِ العمل والإنتاج، إنَّها الخَسارة الحقيقيَّة، والغَبْن القاتل، حين تأْخذ منَّا متابعةُ المباريات السَّاعاتِ ذوات العدد، ونحن في غفْلة ساهون.

يقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((نعْمتان مغبون فيهما كثير من النَّاس: الصّحَّة والفراغ))؛ رواه البخاري، وقال - تعالى -: ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ ﴾ [التغابن: 9].
إِنَّ الأَهِلَّةَ فِي السَّمَاءِ مَنَاجِلٌ
بِدُنُوِّهَا تَتَحَصَّدُ الأَعْمَارُ

أَبَدًا يُهَنِّئُ بَعْضُنَا بَعْضًا بِهَا
وَظُهُورُهَا بِأُفُولِنَا إِنْذَارُ


التقى مُعاذُ بن جبل مع أبي موسى الأشْعري، فتذاكَرَا قيام اللَّيل - وليس برنامج المباريات، ومعرِفة أخبارِها وأسماء لاعبيها - فقال معاذ لأبي موسى: "كيف تقرأ القرآن؟" قال أبو موسى: "قائمًا، وقاعدًا، وعلى راحلتي، وأتَفَوَّقُه تفوُّقًا" - أُلازم قراءته في جميع الأحوال - قال معاذ: "أمَّا أنا فأنام وأقوم، فأحتسِب نَوْمتي، كما أحتسب قَوْمتي"؛ متفَق عليه.

قال ابن حجر: "معناه: أنَّه يَطلب الثَّواب في الراحة، كما يطلبه في التَّعب؛ لأنَّ الراحة إذا قُصِد بها العبادة، حصَّلت الثواب".

إنَّ الترفيهَ - ورياضةُ الكرة منْه - جائزٌ شرعًا، بل قد يكون مطلوبًا، إذا كان عونًا على الطَّاعة، وإراحةً للبدَنِ ليتقوَّى على العبادة.

يقول أبو الدَّرداء: "إنّي لأستجِمُّ نفسي بالشَّيء مِن اللَّهْو غيرِ المحرَّم، فيكون أقوى لها على الحقّ".

وعن جابرِ بن عبدالله - رضِي الله عنْه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((كلُّ شيءٍ ليْس مِن ذِكْر الله لَهو ولعِب، إلاَّ أن يكون أربعة: ملاعبة الرَّجُلِ امرأتَه، وتأديب الرَّجُل فرَسَه، ومشْي الرَّجُل بين الغَرَضين - الرمْي بالسّهام - وتعليم الرَّجُل السباحة))؛ صحيح الجامع.

وليْس معناه أنَّ ما سوى هذه الأربعة باطل، ولكن التعلُّق فيها بالله - تعالى - أظْهَر.

يقول سِماك بن حرب: قلت لجابرِ بنِ سَمُرة: أكنتَ تُجالس رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -؟ قال: نعم، وكان طويلَ الصَّمْت، وكان أصحابُه يتناشدون الشِّعر عنده، ويَذْكرون أشياءَ مِن أمر الجاهلية ويَضحكون، ويبتسِم معهم إذا ضَحِكوا"؛ مسلم.

وعن بكر بن عبدالله قال: "كان أصحاب النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتبادحون - يتَرَامَوْن - بالبِطِّيخ، فإذا كانت الحقائقُ كانوا هم الرِّجالَ"؛ صحيح الأدب المفرد.

وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن قال: "لَم يكن أصحابُ رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - منحَرِفِين ولا مُتَماوِتين، وكانوا يَتناشدون الشِّعر في مَجالسِهم، ويَذكرون أمْرَ جاهليَّتهم، فإذا أُرِيدَ أحدٌ منهم على شيءٍ مِن أمر الله، دارتْ حَماليق عينيْه كأنَّه مَجنون"؛ صحيح الأدب المفرد.

وقال النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - لحنظلة الأُسَيِّدي، حينما شكَا إليه ضعْفَ إيمانِه إذا خرج مِن عندِه وخالط الحياة: ((والذي نفْسي بيده، إنْ لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذِّكْرِ، لصافحَتْكم الملائكة على فُرُشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلةُ، ساعةً وساعةً)) ثلاثَ مرات؛ رواه مسلم.

ولقد شُرع في الإسلام ما يَحفظ البدَن، ويصُون الصّحَّة لو أنَّنا اعتنيْنا بشرع الله حقَّ الاعتِناء، ومِن أعظم هذه الرِّياضات: الصَّلاة.

يقول ابن القيِّم في "زاد المعاد": "ولا ريب أنَّ الصَّلاة نفْسَها، فيها مِن حفْظِ صحَّة البدن، وإذابة أخلاطه وفضَلاته، ما هو مِن أنفَعِ شيءٍ له، وكذلك قيام اللَّيل، مِن أنفع أسباب حفْظ الصّحَّة، ومن أمنع الأمور لكثير من الأمراض المزْمِنة، ومِن أنشط شيءٍ للبدَن والرّوح والقَلْب".

ولذلك قال النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الَّذي يغالِبُ الشَّيطانَ فيقوم لصلاة الصُّبْح: ((فإنْ صلَّى، انحلَّتْ عُقَدُه كلُّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النَّفس، وإلاَّ أصبح خبيثَ النفْس كسلان))؛ متَّفَق عليه.

وشرَع رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - المشْيَ عبادةً، وشجَّع عليه عند الخروج للصَّلاة واتّباع الجنائز، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أعظم النَّاس أجْرًا في الصَّلاة، أبعدُهم فأبعدهم مَمْشًى))؛ متفق عليه.

بل شَرع رياضةَ الجرْي، كما عند عائشة - رضِي الله عنْها - قالت، وكانت مع النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - في سفر: "سابَقني رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فسَبَقْتُه، فلبِثتُ حتَّى إذا أرْهقَني اللَّحْم - أي: سَمِنت - سابَقني فسَبَقَنِي، فقال: ((هذه بتلْك))، يشير إلى المرَّة الأولى"؛ صحيح سنن أبي داود.

وشرع النَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رياضة سباق الخيل والإبل، فعَن أنس - رضِي الله عنْه - قال: "كان للنَّبيّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ناقةٌ تسمَّى العضْباء لا تُسبَق، فجاء أعرابيّ على قَعُود - الجمَل له سَنَتان إلى ستِّ سنوات - فسبَقَها، فشقَّ - صَعُب - ذلك على المسلمين حتَّى عرَفَه، فقال: ((حقٌّ على الله أن لا يَرتفِعَ شيءٌ مِن الدنيا إلاَّ وضَعه))؛ البخاري.

كما شرع - صلَّى الله عليه وسلَّم - رياضة المصارعة، كما في قصَّة مصارعته - صلَّى الله عليه وسلَّم - ليزيدَ بنِ رُكَانة - وكان رجلاً قويًّا لا يُصرَع - فصرَعَه النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثلاثَ مرَّات، فلمَّا كان في الثَّالثة قال: "يا محمَّد، ما وَضَع ظهري إلى الأرض أحدٌ قَبْلك، وما كان أحدٌ أبغَضَ إليَّ مِنك، وأنا أَشهد أن لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّك رسولُ الله"؛ صحيح السيرة النَّبويَّة.

هذا سِوى السّباحة، والرِّماية التي قال فيها - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ألا إنَّ القوَّة الرَّمي)) في تفسير قوله - تعالى -: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ [الأنفال: 60]؛ كما هو في صحيح مسلم.

الخطبة الثانية

إنَّنا نُنْفِق المليارات على الرّياضة، وبدلَ أن تكون لنا عونًا على صَدِّ العدوِّ الصَّائل، وإرهابه بقوَّتنا حتَّى يَحْسب لنا ألْفَ حساب قبْلَ مواجهتِنا - نتصارع بيْننا نُصرةً لهذا الفريق أو ذاك، حتَّى إنَّ أحدَ أغنِياء العَرب اشترى كرةً بِمليونَي يورو؛ لأنها الكرةُ التي سَجَّل بها أحدُ اللاعبِين الأورُبيِّين الهدف رقم 5000 في تاريخ أحدِ الأندية الغربيَّة التي يتفانى في حبِّها والانتصار لها.
إِنِّي أَرَى أُمَّتِي قَدْ أَبْحَرَتْ سَفَهًا
بِلا سَفِينٍ وَمَوْجُ البَحْرِ يَلْتَطِمُ


أليس مثْلُ هذا التصرُّفِ كفيلاً بأن يُجَرِّئَ الصَّهايِنة على المسلمين، وعلى ذَوِي النيَّات الحسَنة في فكِّ الحصار على إخوانِنا في غزَّة؟ إنَّهم يتهيَّؤون ليلَ نهار للانقضاض عليْنا، والقضاء على دِيننا، ﴿ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post363989
فَالشَّرُّ مَنْطِقُهُمْ، وَالغَدْرُ شِيعَتُهُمْ

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363989
وَالخُبْثُ دَيْدَنُهُمْ، إِنَّ العُدَاةَ هُمُ


أمَّا نحن، فنتهيَّأ ليْل نهار لإشباع الشَّهوات، وقضاء النَّزوات، وتَمرير القنوات، ومتابعة المبارَيات تِلْوَ المباريات، في الوقت الَّذي نَجد فيه إخوانَنا في فلسطين يُقتَّلون صباح مساء، ويُشرَّدون، وتُهدم بيوتُهم، وتُنتَهك كرامتُهم، مع حصار برِّي، وجوِّي، وبَحري منذ ثلاثة أعوام، ومنْع وصول بعض المساعدات الإنسانيَّة؛ لِتَتَحقَّق لنا عداوةُ اليهودِ الدَّائمةُ مِن جهة، واستمرارُ فِئة صابرة من المسْلمين في التصدِّي لهم إلى يوم القيامة من جِهة أُخرى.
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ﴾ [الأعراف: 167].
سَلُوا فِلَسْطِينَ إِنْ رُمْتُمْ بِهَا خَبَرًا
قَدِ اسْتُبِيحَتْ بِهَا الأَعْرَاضُ وَالحُرُمُ

عَزَّ الذَّهَابُ إِلَى مَسْرَى النَّبِيِّ بِهَا
فَمَنْ أَرَادَ ذَهَابًا فَالطَّرِيقُ دَمُ


ألاَ نملك - أيُّها النَّاس - أن نعبِّر عن مواجهة الصَّهاينة بما يتيسَّر لنا جميعًا؟ ألا نستطيع أن ندْعُوَ لإخوانِنا المضطهدين - ولو مرَّةً في اليوم - بالنَّصْر والتَّمكين؟ ألا نغالب أنفُسَنا فنمْنعَها مِن اشتِهاء مشروباتِهم الغازيَّة، التي غزَتْ موائدَ المسلمين، ونَمنع شبابَنا من اقتناء مأْكولات الماكدونالدز المشبوهة؟ إنَّنا نستطيع أكثر مِن ذلك، فهل مِن مُجيب؟!









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 52 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الإعلام وكرة القدم (7)


في إطار حديثنا عن أثَر الإعلام في المجتمعات الإسلامية، تناولْنا في الجمعة الماضية علاقةَ الإعلام بالرِّياضة، وكيف صار الاهتمام بها هوَسًا كبيرًا عند كثير من شبابنا، حتى صارت حياتهم لعبًا في لعب، وحتى كان منهم 17% يسلخون من أعمارهم أزْيدَ من 16 سنةً في اللَّهو والترفيه، على حساب نُقصان ساعات الإنتاج.

وتبيَّنا - أيضًا - موقف الإسلام المعتدل من الرياضة، وأنها مباحة إذا ما قيِّدت بقيودها الشرعية، كما أشرنا إلى بعض أنواعِ ما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يمارسه منها هو وصحابتُه الكرام.

غير أن هذه الكرة المستديرة السِّحرية، التي ستتدحرج بعد ساعة - تقريبًا - بجنوب إفريقيا، مُعلِنةً البطولة التاسعةَ عشرة، المسمَّاةَ كأس العالم، قد ذَهَبت بالألباب، وطاشت بالعقول، واتَّجهت بالرياضة البريئة، التي يُقصد بها التقَوِّي على عبادة الله، والتدرُّبَ على الصبر والتحمُّل، مع إمتاع البدَن بالمباح في أوقات الفراغ - إلى نقيض هذه المقاصد الجليلة.

فارتقَتْ بالملايين مِن المهتمِّين إلى اعتبارها أمْرًا مصيريًّا، يشكِّل العقول والوجدان، وتُبْنَى عليه الأحلام والآمال؛ بل صارت في أحايين كثيرة سببًا للصِّراع وربما للقتال.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post363991

قال أحد الرياضيِّين المشهورين: "كرة القدم هي حرب"، وقال الآخر: "يَعتقد البعض أنَّ كرة القدم تعَدُّ مسألة حياة أو موت".

كيف لا؟ وفي مناسبة تنظيم كأس العالم لسنة 2002 تمَّ تَخصيص 41 ألف ساعة بثٍّ؛ قرابة 5 سنوات، ووصل إجمالي العدد التراكميِّ للمشاهدين إلى ما يَقرب من 29 مليار مشاهد، فاضْطُروا إلى أن يَضَعوا قانونًا خاصًّا لهذه اللعبة، يسمى قانون "شَغَب كرة القدم"، بسبب خروجها عن إطارها الترفيهي، والمشاهدة البريئة، إلى تعصُّب مَقِيت، نجَمَ عنه اعتداءات وفِتَن، ارتقتْ إلى درجة إزهاق الأرواح.

فمنذ 1961م، وإلى يومنا هذا، سُجِّل 50 حدثًا تُصَنَّف أسْوأَ أحداث تاريخ كرة القدم، وكلُّها تدل على العنف والعدوانية، والغش والتحايل، منها:
في سنة: 1964م، قُتل 300 مشجع، وجُرح 500 آخرين في عاصمة البيرو، بعد إلغاء الحكَم هدفًا لمنتخب هذه البلاد، ونتَجَ عن ذلك شغَبٌ كبير، وهَرْج ومَرْج في المدرَّجات.
وفي سنة: 1968م، سُجِّل مقْتل 70 شخصًا من مشجِّعي أحد النَّوادي، على يد مشجِّعي نادٍ آخر، ضِمْن منافَسات الدوري الأرجنتيني.
وفي سنة: 1969م، نَشِبَت حرب عسكرية بين السلفادور وهندوراس؛ بسبب نزاع على نتيجة مباراة دوليَّة بينهما، استمرت 7 أيام، وذهب ضحيَّتَها أكثرُ من 2000 قتيل.
وفي سنة: 1982م، قُتل 340 شخصًا في احتفالهم بتسجيل فريقهم في موسكو هدفًا في الوقت الضَّائع من المباراة ضمن البطولة الأوربية.
وفي سنة: 1994م، قُتل لاعبُ منتخب كولومبيا رمْيًا بالرَّصاص، بعد تسجيله هدفًا في مرمى منتخب بلاده خطأً.
وخلال هذه المدَّة التي نتحدث عنها، سُجِّل خمسة انهيارات للمَلاعب؛ بسبب الازدحام، وحماسةِ التشجيع المفْرِطة، مات في مجموعها أزيدُ من 227 مشجِّعًا.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363991
وفي سنة: 1996م، قتل 83 شخصًا، وأصيب 150 آخرون من مشجِّعي منتخب جواتيمالا؛ بسبب ازدحام المدرَّجات، ممَّا أدَّى إلى تدافُعِ المشجِّعين، وسقوط البعض من الطابق العلوي.
وفي هذه السنة، سُجِّلت المأساة بين فريقين مسلِمَيْن جارَيْن، ارتفعت فيها صيحاتُ العصبية المقيتة، وأُشهرت عبارات الشَّتْم واللَّمْز والتعْيِير، حتى أوشكَتْ العلاقة بين بلدي الفريقين أن تنقطع.
وفي يوم الاثنين الماضي، سُجلت إصاباتٌ بَليغة في أحد الملاعب في جنوب إفريقيا؛ بسبب الازدحام والتدافع.
وفي جنوب إفريقيا، نَشرت السُّلطاتُ هذه الأيامَ آلافَ الرجال المسلَّحين، والمروحيات، وخبراء المتفجِّرات، وكاميرات المراقبة؛ خوفًا من أي مكروه قد تجلبه اللعبة السحرية، وأَنْفقَت أزيد من ثلاثة مليارات أورو لتأمين المظاهرة، وحَدَّدَتْ 420 مليون دولار، قيمة مكافآت اللاعبين.

هذا كله، سوى الأحداث والأمراض التي تقع بسبب الإفراط في التشجيع، إلى درجة الهَذَيان، وتجاوُزِ الاتِّزان إلى التَّهَوُّر والهِسْتيريا، حتى اضْطر المنظِّمون قَبل بدء مباريات كأس 2006، إلى إعطاء نصائِحَ طبِّيةٍ للمشجِّعين؛ للتحكُّم في انفعالاتهم خلال متابعة المباريات، بقياس ضغط الدم، وعدم الإفراط في شرب الكحول.

ومع ذلك، في إحدى الدُّول الآسيوية تُوفِّي رجل في مَقْهى، في أثناء مشاهدته مباراة بلده، ثم بعد أربعة أيام، توفِّيت امرأة في أعقاب مشاهدة إحدى المباريات؛ بسبب ارتفاع ضغط الدم، وفي اليوم نفسه توفِّي شاب عمره 27 سنةً في أثناء نومه، بعد أن بات ساهرًا عدَّةَ ليالٍ، من أجل مشاهدة عدة مباريات متوالية، وقال الأطباء: "إنه مات إثْرَ أزمة قلبيَّة مِن فَرْط الانفعال".

لقد أكَّدت إحدى وكالات الأنباء، أنه قد تحْصُل جلطة دماغيَّة مفاجِئَة، بسبب الارتفاع الكبير في ضغط الدم؛ مما قد يسبِّب شللاً نصفيًّا، أو سكتةً دماغية.

وأثبتت الدراسات أنَّ حالات الوفاة قبل خمسة أيام من إقامة المباراة وبعد خمسة أيام من إقامتها؛ بسبب التعرُّض لنوبات قلبية، أو جلطات دماغية - ارتفعتْ بنسبة 50%، مقارَنةً بالأيام الأخرى، وترتفع الأزمات القلبية في اليومين التالِيَين للهزيمة بنسبة 25%.

ولذلك طالَب خبراء منظمة الصحة العالمية بوضع لافتات في الملاعب، وعلى شاشات التِّلفاز، طوال لحظات بثِّ المباريات، تحمل عبارة: "التعصُّب الكروي ضار جدًّا بالصِّحة" - كما هو الحال مع التدخين.

الخطبة الثانية

جاء في كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون": "ولكي تَبْقى الجماهيرُ في ضلالٍ، لا تَدري ما وراءَها وما أمامَها، ولا ما يُراد لها؛ فإنَّنا سنعملُ على صرْفِ أذهانها بإنشاءِ وسائلِ المباهج والمُسلِّيات، وضروب أشكالِ الرِّياضة واللَّهْو، ثم نجعل الصُّحف تدْعو إلى شُهودِ المبارياتِ التي تُقامُ في مختلِفِ الفُنونِ والرِّياضات".

ولقد وصلوا إلى مبتغاهم.

ذكر الطبري عن مَعْمر بن راشد، أنَّ غِلْمانًا جاؤوا إلى يحيى بن زكريا، فقالوا: "اذهب بنا نلعب"، فقال: "ما لِلَّعب خُلِقتُ" قال: وذلك قولُه - تعالى -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ﴾ [مريم: 12].

وإنَّ مِن مفاسدِ هذا الاهتمامِ الكروي الزائد عن حدِّه - غَير ما ذُكر - أمورًا، منها:
أنَّه مَشْغلة عن طاعة الله؛ قال البخاري - رحمه الله -: "كلُّ لَهْو باطل، إذا شغَله عن طاعة الله".

قال ابن حجر: "كمَن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذِكْر، أو تفَكَّر في معاني القرآن مثلاً حتى خرج وقْتُ الصلاة المفروضة عمْدًا، فإنَّه يدخل تحت هذا الضَّابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغَّب فيها، المطلوبِ فِعْلُها، فكيف حال ما دونها؟!".

وقد صدق؛ فبعض الناس قد ينشغلون باتِّباع دقائق المباراة عن الصلاة، فلا يَسْتفيقون إلا وقد خرج وقْتُها، وبخاصَّة صلاةَ الجمعة، يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن ترَكَ ثلاث جُمَعٍ تهاوُنًا بها، طَبَع الله على قلبه))؛ "صحيح أبي داود"، وقال: ((مَن ترك ثلاث جُمُعَات مِن غير عُذر، كُتب من المنافقين))؛ "صحيح الجامع".

وقد يؤدِّي السَّهر على المشاهدة إلى التَّفريط في صلاة الصُّبح، ومما ورَدَ في "الموطَّأ": "أنَّ عمر بن الخطاب فقَدَ سليمان بن أبي حَثْمَةَ في صلاة الصبح، فمَرَّ على الشِّفاءِ - أمِّ سليمان - فقال لها: "لم أرَ سليمان في الصبح"، فقالت: "إنه بات يصلِّي، فغلبَتْه عيناه"، فقال عمر: "لأَنْ أشهد صلاة الصبح في الجماعة، أحبُّ إليَّ مِن أن أقوم ليلة"؛ وصححه في "المشكاة".

قال - تعالى -: ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ [الأعراف: 51].
سَيَعْلَمُ يَوْمَ الْعَرْضِ أَيَّ بِضَاعَةٍ
أَضَاعَ وَعِنْدَ الْوَزْنِ مَا خَفَّ أَوْ رَبا



ومِن هذه المفاسد ما تثيره اللعبة من العصَبيَّة الذَّميمة، التي تجعل الإخوانَ أعداءً، وتُحِيل الوَحْدة تفرُّقًا، وقد قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - لمَّا سمع أنصاريًّا يقول: "يا للأنصار"، ومهاجريًّا يقول: "يا للمهاجرين"، قال: ((ما بال دعوى جَاهلية؟! دَعُوها فإنَّها مُنْتِنة))؛ متفق عليه.

ومنها ما داخَلَ اللعبةَ من القِمَار والمُرَاهنة، حتى أُنفق في الكأس ما قبل الماضية نصْفُ بليون دولار في القمار، وفي الحديث: ((مَن قال لصاحبه: تعالَ أُقامِرْك، فليتصدق بشيء))؛ متَّفَق عليه.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 53 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

أبناؤنا وأبناء السلف (1)

تبيَّن لنا من خلال ما مضى أنَّ للإعلام أثرًا كبيرًا في تشكيل عقول كثيرٍ من أبنائنا، وبِناء أخلاقهم، وتوجيه أفكارهم؛ بسبب المواقع الإباحيَّة الفاضِحَة، والفضائيَّات الرَّخِيصة، التي وقفنا بالأرقام على النِّسبة المتعاظمة لإقبالهم عليها.

ولقد آنَ الأَوانُ لنتعرَّف على الطريقِ الأمثَل، الذي رسَمَه شرعُنا الحنيف لتربية أبنائنا التربيةَ التي تَعصِمهم من الوُقُوع فريسةً في أحضان مَن يخطِّطون لعقوقهم، ويُهندِسون طريقةَ البُعْدِ عن دينهم.

فلنعلَم أنَّ مشروع الاستِثمار الحقيقي، ليس التَّفاني في شِراء العقارات، والتطاوُل في بناء العِمارات، والتنافُس في أنواع المشتَرَيات؛ بل هو تربية ابنٍ صالح، يخلُف أبوَيْه باستمرار النسل الطيِّب في الدنيا، والدُّعاء لهما بالرَّحمة والغفران والنجاة من عذاب الله في الآخِرة؛ قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: 6].

يقول عبدالله بن مسعود - رضِي الله عنْه -: "إذا سمعتَ الله يقول: يا أيها الذين آمنوا، فَأَرْعِهَا سمعَك؛ فإنَّه إمَّا خيرٌ تُؤمَر به، أو شرٌّ تُنهَى عنه".

وقال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((والرجل راعٍ على أهل بيته، وهو مسؤولٌ عن رعيَّته، والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولةٌ عنهم))؛ متفق عليه.

قال الأحنف بن قيس مبيِّنًا قيمةَ الاعتِناء بالأبناء: "هم ثِمار قلوبنا، وعِماد ظهورنا، ونحن لهم أرضٌ ذليلة، وسماء ظليلة، فإنْ طلبوا فأَعطِهم، وإن غَضِبوا فأَرضِهم؛ فإنهم يمنَحونك وُدَّهم، ويحبُّونك جهدهم، ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك، ويتمنوا وفاتك".

فحفظك لأبنائك أن تعلِّمهم ما ينفَعُهم، وألاَّ تتركهم لوسائل الإعلام تُربِّيهم، قال ابن جرير - رحمه الله -: "إنَّ وقاية الأبناء تكون بتَعلِيمهم الدِّينَ والخيرَ، وما لا يُستَغنَى عنه من الأدب"، فالدين هو العصمة من الزلل، والوقاية من الخَطَل.
وَكُلُّ كَسْرٍ فَإِنَّ الدِّينَ يَجْبُرُهُ
وَمَا لِكَسْرِ قَنَاةِ الدِّينِ جُبْرَانُ


قال عتبة بن أبي سفيان لمؤدِّب ولدِه: "ليكن أوَّل إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك؛ فإنَّ عيونهم معقودةٌ بك؛ فالحسَن عندهم ما صَنعتَ، والقبيح عندهم ما تركتَ، وعَلِّمهم كتابَ الله، ولا تكرههم عليه فيملُّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم رَوِّهم من الشعر أعَفَّه، ومن الحديث أشرَفَه، ولا تُخرجهم من علمٍ إلى غيره حتى يُحكِموه؛ فإن َّازدِحام الكَلام في السَّمع مَضَلَّة للفهم".

وما دخَل الفَسادُ الأبناءَ إلا من جهَة آبائهم، وضعْف مراقبتهم لهم، يقول ابن القيِّم - رحمه الله -: "أكثر الأولاد إنما جاء فسادُهم من قِبَل الآباء، وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائضَ الدين وسنَنَه، فأَضاعُوهم صِغارًا، فلم ينتَفِعوا بأنفسهم ولم ينفعوهم كِبارًا".

جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب - رضِي الله عنْه - يشكو عقوق ابنه، فجاء عمر بالابن وقَرَّعَه، وذكَّره بحقِّ أبيه، ووجوب برِّه، فأصغى الفتى حتى انتهى عمر - رضِي الله عنْه - فقال له: "يا أمير المؤمنين، أليس للابن حقٌّ على أبيه؟"، فقال عمر: "بلى، عليه أن ينتَقِي أمَّه، وأن يُحسِن اسمَه، وأن يعلِّمه القرآن"، قال: "فإنَّ أبي لم يفعل من ذلك شيئًا؛ فإنَّ أمِّي زنجيَّة ابنة مجوسي، وقد سمَّاني جُعْلاً - أي: خنفساء - ولم يعلِّمني من القرآن حرفًا"، فالتفت عمر - رضِي الله عنه - إلى الأب وقال: "يا هذا، قد عقَقت ابنك قبل أن يَعقَّك، وأسأت إليه قبل أن يُسِيء إليك".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post363993

ولقد اشتكى أبٌ آخَر عقوقَ ولده، فقال الولد لأبيه: "يا أبت، إنَّك عققتَني صغيرًا، فعققتُك كبيرًا، وأضعتني وليدًا، فأضعتك شيخًا".
مَشَى الطَّاوُسُ يَوْمًا بِاعْوِجَاجٍ
فَقَلَّدَ شَكْلَ مِشْيَتِهِ بَنُوهُ

فَقَالَ: عَلاَمَ تَخْتَالُونَ؟ قَالُوا
بَدَأْتَ بِهِ وَنَحْنُ مُقَلِّدُوهُ

فَخَالِفْ سَيْرَكَ الْمُعْوَجَّ وَاعْدِلْ
فَإِنَّا إِنْ عَدَلْتَ مُعَدِّلُوهُ

أَمَا تَدْرِي أَبَانَا كُلُّ فَرْعٍ
يُجَارِي بِالْخُطَى مَنْ أَدَّبُوهُ؟

وَيَنْشَأُ نَاشِئُ الْفِتْيَانِ مِنَّا
عَلَى مَا كَانَ عَوَّدَهُ أَبُوهُ


ولنذكر بعض ما دأَب عليه السلف الصالح في تعليم أبنائهم:
لقد كان شعارُهم قولَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن سلَك طريقًا يلتَمِس فيه علمًا، سهَّل الله به طريقًا إلى الجنَّة))؛ متفق عليه.
وَاعْلَمْ بِأَنَّ العِلْمَ لَيْسَ يَنَالُهُ
مَنْ هَمُّهُ فِي مَطْعَمٍ أَوْ مَلْبَسِ

إِلاَّ أَخُو الْعِلْمِ الَّذِي يَزْهُو بِهِ
فِي حَالَتَيْهِ عَارِيًا أَوْ مُكْتَسِي

فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مِنْهُ حَظًّا وَافِرًا
وَاهْجُرْ لَهُ طِيبَ الرُّقادِ وَعَبِّسِ

فَلَعلَّ يَوْمًا إِنْ حَضَرْتَ بِمَجْلِسٍ
كُنْتَ الرَّئِيسَ وَفَخْرَ ذَاكَ الْمَجْلِسِ


لقد كان أبناء السَّلَف يَتزاحَمون على أبواب العلم النافع، وربما جمَع المجلس منهم عِدَّةَ آلاف، فالضحَّاك بن مزاحم كان له مسجد يُعلِّم فيه الصبيان ويؤدِّبهم، فضاقَ بهم حتى اضطرَّ إلى أن يَطُوف على حمار، ليتفقَّد تعلُّمهم؛ لأنهم بلغوا ثلاثة آلاف صبي.

وإذا كُنَّا نحن نُحاوِل ممارَسَة نوعٍ من السُّلطة على أبنائنا، فنمنَعهم من حُضُور مجالس الكِبار، ونعتَذِر بأنهم صِغار لا عقلَ لهم، فإنَّ السَّلَف كانوا على خِلاف ذلك، كانوا يُشَجِّعونهم على مجالسة مَن هم أكبر منهم، ويُعلِّمونهم الجرأة على طرْح أفكارهم، فقد مرَّ عمرو بن العاص - رضِي الله عنْه - على حلقةٍ من قريش فقال: "ما لكم قد طرحتم هذه الأغيلمة؟! لا تفعلوا، أوسِعُوا لهم في المجلس، وأَسمِعُوهم الحديث، وأفهِموهم إيَّاه؛ فإنهم صِغارُ قَومٍ أوشك أن يكونوا كبارَ قومٍ، وقد كنتم صِغارَ قوم، فأنتم اليوم كِبارُ قوم".

وكان ابن شهاب الزهري - رحمه الله - يشجع الصغار ويقول: "لا تحتقروا أنفسكم لِحَداثَة أسنانكم؛ فإنَّ عمر بن الخطاب كان إذا نزَل به الأمر المعضل، دعا الفِتيان فاستَشارَهم، يتبع حِدَّةَ عقولهم".

لقد كانوا يُشغِلون أوقات أبنائهم فيما يَنفَعهم، ويُقدِّمون لهم الجوائز تحفيزًا لهم، ويَعتَبِرون ذلك من الوسائل التربويَّة الراقِيَة، كان إبراهيم بن أدهم يقول: "قال لي أبي: يا بني، اطلُب الحديث، فكلَّما سمعتَ حديثًا وحفظتَه، فلك درهم، فطلبت الحديث على هذا".

وقال الحسن - رضِي الله عنْه -: "كان الغلام إذا حذق قبل اليوم نَحَرُوا جزورًا، وصنَعُوا طعامًا للناس".

وإذا آنَس الأب أو المعلِّم من الطفل أنَّ له موهبةً في جانبٍ من جوانب العلم، شجَّعَه عليه، فقد كان ابن الجوزي - الواعظ الكبير - ثَمَرةً من ثِمار شيخه أبي القاسم البلخي؛ فإنَّه علَّمه كلمات، ثم أصعَدَه المنبر، فقالها وكان عمره ثلاث عشرة سنة، ثم صارت مجالس ابن الجوزي - بعد ذلك - يؤمها عشرات الآلاف.

لهذا كان أبناء السَّلَف أحذق من أبنائنا، وأحفَظ للعلم منهم، وأعظم اهتِمامًا به منهم.

عن ابن عمر - رضِي الله عنْهما - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها، وإنها مثل المسلم، فحدِّثوني ما هي؟))، فوقع الناس في شجر البوادي، قال عبدالله: "ووقع في نفسي أنها النخلة، فاستحييتُ"، ثم قالوا: "حدِّثنا ما هي يا رسول الله؟"، قال: ((هي النخلة))، قال عبدالله: "فحدثتُ أبي بما وقع في نفسي، فقال: لَأَن تكونَ قُلتَها أحبُّ إلي من أن يكون لي كذا وكذا"؛ متفق عليه.

وعن سهل بن سعد الساعدي - رضِي الله عنْه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - أُتِي بشرابٍ فشَرِب، وعن يمينِه غلامٌ (هو ابن عباس) وعن يَسارِه الأشياخ، فقال للغلام: ((أتأذن لي أن أُعطِي هؤلاء؟))، فقال الغلام: "لا والله لا أُوثِر بنصيبي منك أحدًا"، فَتَلَّهُ في يده؛ متفق عليه.

وابن عباس هذا هو الذي يقول: "كان عمر يُدخِلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: لِمَ تُدخِل هذا الفتى معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنَّه ممَّن قد علمتم، قال: فدعاهم ذات يومٍ ودعاني، وما رأيته دعاني يومئذٍ إلا ليريهم مِنِّي، فقال: ما تقولون في قوله - تعالى -: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا... ﴾ [النصر: 1 - 2] حتى ختَم السورة، فقال بعضهم: أُمِرنا أن نحمدَ الله ونستغفرَه إذا نصرنا وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، ولم يقل بعضهم شيئًا، فقال لي: يا ابن عباس، كذلك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أَجَلُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أعلمه الله له؛ ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾؛ فتح مكة، فذاك علامة أجلك، ﴿ فسبِّحْ بحمد ربِّك واستغفره إنَّه كان توابًا ﴾، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم"؛ البخاري.

بهذه الفِطنَة كان أبناء السلف، وبهذه التربية سادُوا وظهَروا، وَلأنَّ كثيرًا من أبنائنا تربوا على التَّرَف وحبِّ الدنيا، والخلود للكسل والتَّواني، كان اهتمامهم بالعلم ضعيفًا، وجاءَتْ نتائجهم الدراسيَّة مخيِّبة للآمال.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 54 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

أبناؤنا وأبناء السلف (2)

كثيرٌ من الناس يَشتكي سوءَ معاملة أبنائه له، ويتذمَّر من سوء أخلاقِهم، وضَعْفِ إيمانِهم، وحبِّهم لحياةِ اللهو والتَّرف، وانزوائهم مع رُفَقاء السوءِ في الأماكن المشبوهة، وانشغالهم بمتابعة الأفلامِ الخليعة، وتتبُّع المواقعِ المائعة التي أصبحتِ المربِّي الحقيقي، في غفلة عن كثيرٍ من الآباء والأمَّهات المنشغلين بذواتهم، وأمورهم الخاصة؛ ممَّا أحدثَ تَذَبْذُبًا في العلاقة بيْن الآباء والأبناء، وتوتُّرًا في تعامل طَرَفٍ مع طَرَف.

ولقد وقفتُ في هذا الأسبوع على دراسة تُبرزُ اهتزازَ هذه العلاقة بالأرْقام؛ حيث تَبَيَّنَ أنَّ 74 % من المشاركين من الأبناء يَصِفُون علاقتهم بآبائهم بأنَّها متوتِّرة أو متذبْذبَة، وصرَّح بعضهم أنَّ 30 % من آبائهم متشدِّدون، و30% منهم مزاجِيُّون، أمَّا الأبُ المربِّي الحكيم، فلم يحْظَ بأكثر من 17 %، وأجاب الآباءُ أنَّ 90% من أبنائهم يرغبون في الاستقلال عن آبائهم؛ أي: أن يعيشوا أحرارًا في الاختيار والتعبير والقرارات، من غيرِ مراقبة؛ لأنَّهم يعتقدون أنَّهم أصبحوا رِجالاً، لا يحتاجون إلى وصاية أحدٍ عليهم، فإذا صحَّ هذا الكلام، فأينَ دَورُ الآباء تُجاهَ أبنائهم؟!
وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّبْهُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ
يُؤَدِّبْهُ رَوْعَاتُ الرَّدَى وَزَلاَزِلُهْ


ولقدْ حَاوَلْنا في الجُمُعة الماضية أنْ نجيبَ على جانبٍ من جوانبِ هذه المشكلة المستعصية، والعلاقة المزمنة، بأنْ قَارَنَّا بيْن أبنائنا وأبناء السلف في باب تشجيعهم على طلبِ العِلْم، وحثِّهم على التحصيل والاجتهاد، ونودُّ اليوم - إن شاء الله تعالى - أنْ نقفَ على جانبٍ آخَرَ من جوانبِ هذا الاهتمام، وهو حثُّهم على الاعتناء بالعبادة، والاشتغال بما فَرَضَه الله - تعالى - عليهم.

أمَّا في مجال الصلاة - التي يعزفُ عنها كثيرٌ من أبنائنا - فقد عَلَّمَنا رسولُنا الكريمُ - صلَّى الله عليه وسلَّم - أنْ نبادرَ إلى تعليمهم إيَّاها في سِنٍّ مبكِّرة؛ حتى يَشِبُّوا وقد تعوَّدوا عليها؛ يقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مُرُوا أولادَكم بالصلاة وهم أبناء سَبع سِنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشْر، وفرِّقوا بينهم في المضاجع))؛ صحيح أبي داود.

فكان عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - يُعلِّم الصبيَّ الصلاةَ إذا عَرَفَ يمينَه من شِماله، وقال الإمامُ النَّخَعيُّ: "كانوا يعلِّمون الصِّبيان الصلاةَ عند سقوطِ أسنانِهم الرواضع"، وقالَ بعضُهم: "إذا عَدَّ العشرين".

ولقد كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُحْضِرُ معه الحسنَ والحسينَ؛ لشهود الصلاة وهم صِغار.

عن شدَّاد بن الهاد - رضي الله عنه - قال: "خَرَجَ علينا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في إحدى صلاتي العَشِيِّ - الظهر أو العصر - وهو حاملٌ حَسَنًا أو حُسَينًا، فتقدَّم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فوضعَه عند قَدَمِه اليُمْنَى، ثم كَبَّرَ للصلاة فصلَّى، فسجد بين ظَهراني صلاتِه سجدةً أطالها، قال: فرفعتُ رأسي من بيْن الناس، فإذا الصبيُّ على ظهْرِ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو ساجد، فرجعتُ إلى سجودي، فلمَّا قَضَى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الصلاةَ، قال الناس: يا رسولَ الله، إنَّك سجدتَ بين ظَهراني صلاتِك هذه سجدةً أطلْتَها؛ حتى ظننَّا أنَّه قد حَدَثَ أمرٌ، أو أنَّه يُوْحَى إليكَ، قال: ((كلُّ ذلك لم يكنْ، ولكنَّ ابْنِي ارتحلني، فكرهتُ أنْ أعجلَه حتى يقضيَ حاجتَه))؛ صحيح النسائي، وفي حديث آخر: "كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصلِّي، فإذا سجد وَثَبَ الحسنُ والحسينُ على ظهرِه، فإذا منعوهما أشار إليهم أنْ دَعُوهُما، فلمَّا قَضَى الصلاة، وَضَعَهما في حِجْرِه، وقال: ((مَن أحبَّني فلْيُحَبَّ هذين))، ﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ﴾ [الأعراف: 58].

وهذا عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - يقول: "بِتُّ عند خَالَتِي - وهي مَيْمُونَةُ أم المؤمنين - فَقَامَ النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُصَلِّي مِنَ اللَّيْل، فَقُمْتُ أُصلِّي معَه، فَقُمْتُ عن يسارِه، فأخذَ برأْسي فأقامَنِي عن يَمِينِه".

وكانَ هذا الغلامُ قد حَظِي من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بمزيد عناية؛ يقول ابن عبَّاس عن نفسه: "ضَمَّنِي النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلى صَدْرِهِ، وقالَ: ((اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَة))؛ البخاري.

وعند أحمد: ((اللَّهُمَّ فقِّهْه في الدِّين، وعَلِّمْهُ التَّأويل))، فكانَ حَرِيًّا بابن عبَّاس أنْ يُلَقَّبَ - فيما بعدُ - بِحَبْرِ الأُمَّة، وترجمان القُرْآن.
قَدْ يَنْفَعُ الأَدَبُ الأَحْدَاثَ فِي مَهَلٍ
وَلَيْسَ يَنْفَعُ بَعْدَ الكَبْرَةِ الأَدَبُ


دَخَلَ أبو هريرةَ - رضي الله عنه - المسجدَ يومَ الجمعة، فرأى غُلامًا، فقالَ له: "يا غُلام، اذْهَبْ الْعَبْ"، قالَ: "إنَّما جِئْتُ إلى المسجد"، قالَ: "يا غُلامُ، اذْهَبْ الْعَبْ". قَالَ: "إنَّما جِئْتُ إلى المسجد"، قالَ: "فتَقْعُد حتى يَخْرُجَ الإِمامُ؟"، قالَ: "نعم"؛ رواه أحمد، وقال الأرنؤوط: إسناده حَسَنٌ.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post363994

وكم هو جميل ألاَّ يجدَ جماعةٌ من الناس مَن يَؤُمُّهم في الصلاة إلا غلامًا صغيرًا؛ لأنَّه فَاقَ الكِبارَ بحِفْظه لكتاب الله تعالى!

فقدْ آمنتْ قبيلةُ عمرو بن سَلِمة، فسألوا النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: "مَن يُصلِّي لنا، أو يصلِّي بنا؟"، فقالَ لهم النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا حَضَرتِ الصلاة، فليؤذِّنْ أحدُكم، ولْيَؤُمَّكم أكثرُكم قُرْآنًا))، قال عمرو بن سلمة: "فنظروا، فلم يكنْ أحدٌ أكثرَ قرآنًا مني؛ لِمَا كنتُ أتلقَّى منَ الرُّكْبان، فقدَّموني بيْن أيديهم وأنا ابن ستِّ أو سبعِ سِنين، وكانتْ عليَّ بُرْدَة كنت إذا سجدتَ تقلَّصت عني، فقالتِ امرأة مِنَ الحي: "ألاَ تغطُّوا عنَّا إستَ قارئكم"، قال: فاشترَوا، فقطَعوا لي قميصًا، فما فرحتُ بِشَيءٍ فَرَحي بذلكَ القمِيصِ"؛ البخاري.

قال شيخ الإسلام: "ومَن كانَ عنده صغيرٌ مملوكٌ، أو يتيم أو ولدٌ، فلم يأْمُرْه بالصلاة، فإنَّه يُعاقَبُ الكبيرُ إذا لم يَأْمُرِ الصغيرَ، ويُعَزَّرُ الكبير على ذلك تعزيرًا بليغًا؛ لأنَّه عصى الله ورسولَه".

الخطبة الثانية

أمَّا في عبادة قيام اللَّيل، فقد كانوا يحرِصون أنْ يقومَ أبناؤهم شيئًا من اللَّيل؛ تعويدًا لهم على الاجتهاد في العبادة، وإذهابًا للعجزِ والكسَل.

قال إبراهيم بن وكيع: "كانَ أَبِي يصلِّي، فلا يَبْقَى في دارِنا أحدٌ إلا صلَّى، حتى جارية لنا سوداء".

وعن معاوية بن قُرَّة: أنَّ أباه كانَ يقول لبنِيه إذا صلَّى العِشاء: "يا بَنِيَّ، ناموا لعلَّ الله يرزقُكم من الليل خيْرًا".

وكان طلحة بن مصرِّف يأمرُ نِساءَه وخَدَمَه وبناتِه بقيام اللَّيْل، ويقول: "صلُّوا ولو ركعتين في جوْف الليل؛ فإنَّ الصلاة في جوفِ الليل تحطُّ الأوزارَ، وهي مِن أشْرف أعمال الصالحين".

ولربَّما اقْتسمَ أفرادُ الأسرة الليلَ بينهم، فقد كان أبو هريرة - رضي الله عنه - يقوم ثُلُثَ اللَّيلِ، وتقوم امرأتُه ثُلُثَ الليل، ويقومُ ابنه ثُلُثَ الليل، إذا نامَ هذا، قامَ هذا"، وكان يتمثَّل حديثَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - الذي يقول فيه: ((رَحِمَ اللهُ رجلاً قَامَ مِن الليل فصلَّى وأيْقَظَ امرأتَه، فإنْ أبَتْ نضحَ في وجهها الماء، ورَحِمَ اللهُ امرأةً قامتْ من الليل فصلَّتْ وأيْقَظَتْ زوجَها، فإنْ أبَى نَضَحَتْ في وجهه الماءَ))؛ وهو في صحيح أبي داود.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363994

وكان الحَسنُ بن صالح وأخوه وأُمُّه قد جَزَّؤُوا الليلَ ثلاثة أجزاء، فكلُّ واحد يقوم ثُلُثًا، حتى ماتتْ أُمُّهما، فاقتسمَا الليلَ، ثم مات أخوه، فقام الحَسنُ الليلَ كلَّه.

وقالَ إبراهيم بن شمَّاس: "كنتُ أعرفُ أحمدَ بن حنبل وهو غلام، يُحْيِي الليلَ".
قال - تعالى -: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [السجدة: 16].
وَالْبَيْتُ لاَ يُبْتَنَى إِلاَّ لَهُ عَمَدٌ
وَلاَ عِمَادَ إِذَا لَمْ تُرْسَ أَوْتَادُ


فهل نحن مع أزواجنا كذلك؟! وهل نحن مع أبنائنا كذلك؟! أو أنَّ الترف وتحقيق الحاجات صارَا من لوازم التربية عندنا؟!

يقول الشيخ عبدالله آل جار الله - رحمه الله -: "جنِّبْ أولادَك الترفَ، وعوِّدهم الخشونةَ؛ فالترفُ يُضْعِفُ إرادة النفس، ويَثْنِيها عن المطالب العالية، التي تتطلب صبرًا وجُهْدًا".
عَوِّدْ بَنِيكَ عَلَى الآدَابِ فِي الصِّغَرِ
كَيْمَا تَقَرَّ بِهِمْ عَيْنَاكَ فِي









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 55 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

توحيد الاتباع


تَحدَّثْتا فيما مَضَى عن كثيرٍ من المشكلات التي يعيشُها المسلمون في زماننا، وتناولْنا من أسباب ذلك خُطورة الإعلام المُعَادِي، وأثَرَه في إفْساد كثيرٍ من أبنائنا وبناتنا، وانتهى بنا المطافُ إلى الوقوفِ على بعض النماذج النَّيِّرَة الرقْرَاقَة مِن تربية السَّلف لأبنائهم؛ من حيثُ تشجيعُهم على طلبِ العِلْم النافع، وتنشئتُهم على العبادة الصحيحة.

وقصْدُنا اليومَ أنْ نضعَ اليدَ على أحدِ أهمِّ أسباب النهوض بالأمَّة الإسلاميَّة، وإخراجها مِن هذا الوضْعِ المتحدِّر، الذي آلتْ إليه، وهذه الصُّورة الشوْهَاء التي صارتْ تُنْعَتُ بها؛ حتى إنها لا تُذْكَرُ بَيْنَ الأُممِ إلا بالتخلُّف والتبعيَّة، والاستهلاكيَّة والنمطيَّة؛ ممَّا أغْرَى أعداءَها بالتطاول على مُقَدَّساتها، والطعْنِ في عقيدتها، والتنقيص من قَدْرِ نبيِّها - صلَّى الله عليه وسلَّم - حتى قالَ قائلُهم: "لن تتوقَّفَ جهودُنا وسعيُنا في تنصير المسلمين؛ حتى يرتفعَ الصليبُ في سماء مَكَّةَ، ويُقَامَ قُدَّاسُ الأَحدِ في المدينة"، وقال الآخَر: "لن تستطيعوا أنْ تغلبونا، حتى يكونَ عددُ المصلِّين في صلاة الفجْر كعددهم في صلاة الجُمُعة".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post363998

تجرَّؤوا على القولِ بذلك؛ لأنَّهم وجدوا مِن بعض مَن ينتمون إلى المسلمين مَن يكره الإسلامَ، ويَرى التقدُّم والازدهار في غيره.
إِذَا كَانَ تَرْكُ الدِّينِ يَعْنِي تَقَدُّمًا
فَيَا نَفْسُ مُوْتِي قَبْلَ أنْ تَتَقَدَّمِي



إنَّه ضَعْفُ صفة الاتِّباع في نفوسنا، وضَعْف الرجوع إلى مصادرِ التشريع في تحقيق هُويَّتنا، واستقلالنا في أفكارنا، وآرائنا ومُعْتَقَدَاتنا.

لقد وَرَدَ لفظُ "تَبِعَ" ومشتقاتُه في كتاب الله أزْيد مِن 180 مرة؛ منها 23 موضعًا تحثُّ على اتِّباع الله - عزَّ وجلَّ - واتِّباع رسولِه الكريم، والرُّسل الآخرين، وأولياء الله الصالحين، و26 موضعًا تحثُّ على اتِّباع الحقِّ والهُدَى وما أنزلَ اللهُ.

قال ابن عبدالبر: "الاتِّباع ما ثَبَتَ عليه الحُجَّة، وهو اتِّباع كلِّ مَن أوْجَبَ عليك الدليلُ اتِّباع قولِه، فالرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو المثَلُ الأعْلَى في اتِّباع ما أمَرَ به".

فإذا وُجِدَ في العالَم اليوم أزيدُ من مليار شخص لا يعرفون الله، ويُنكرون وجودَه، ووُجِدَ أزيدُ مِن مليار آخرَ يعبدون الحجرَ والشجرَ، فهل علمتَ أنَّك خُلِقْتَ لتحقيق هذا الاتِّباع لكتاب الله، ولسُّنَّة رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم؟


يقول - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، قال عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾: أنْ يُطاعَ فلا يُعْصَى، وأنْ يُذْكَرَ فلا يُنْسَى، وأنْ يُشْكَرَ فلا يُكْفَرَ".

قال ابنُ كثير - رحمه الله -: "﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾؛ أي: حافظوا على الإسلام في حالِ صِحَّتِكم وسلامتكم؛ لتموتوا عليه، فإنَّ الكريمَ قد أجْرَى عادتَه بكَرَمِه أنَّه مَن عَاشَ على شيءٍ مَاتَ عليه، ومَنْ مَاتَ على شيءٍ بُعِثَ عليه، فعياذًا بالله مِن خِلاف ذلك".

ويقول النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عن النار ويُدْخَل الجنَّةَ، فلْتَأْتِه مَنِيَّتُه وهو يؤمِنُ بالله واليوم الآخِر، ولْيَأْتِ إلى الناسِ ما يحبُّ أنْ يُؤْتَى إليه))؛ رواه مسلم.

ويومُ الموتِ: هو الموْعِد؛ فعن أنس - رضي الله عنه - أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - دَخَلَ على شابٍّ وهو في الموت، فقال: ((كيف تجدُك؟))، قال: "أرجو اللهَ يا رسولَ الله، وأخافُ ذُنوبي"، فقال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يجتمعانِ في قلْبِ عبدٍ في مِثْل هذا الموطن، إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمَّنه ممَّا يخافُ))؛ "صحيح ابن ماجه".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=363998

إنَّه حُسْنُ التديُّن الذي أمرَ به ربُّ العِزَّة والجلال، وقالَ تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: 64]، قال الإمام الشوكانيُّ: "أي: كافيكَ اللهُ، وكافيك المؤمنون، ويحتملُ أن تكونَ بمعنى: كافيك وكافي المؤمنين اللهُ".

فهل الذي يتمادَى في معصية الله يخافُ الله؟! وهل الذي يَظلِم عبادَ الله، ويسطو على أموالِهم بالسَّرِقة، أو الرِّشوة، أو الغشِّ والتدليس يخافُ الله؟! وهل الذي جلَ حياتَه لَهْوًا ولَعِبًا، وشهوةً وقضاءَ وطرٍ - يخافُ الله؟!


قال ابنُ القَيِّم - رحمه الله - في كلام نفيس: "خَلَقَ الله الكونَ كلَّه، بسمائه وأرضه، وبأشجاره وأنهاره، وبِحَاره وسُهوله، وكلّ ما فيه لك أنت أيُّها المكلَّف، وخَلَقَك أنتَ له، فانْشَغِلْ بما خُلِقْتَ له، ولا تنْشَغِلْ بما خُلِقَ لك". ووِزَانُ كلامِه - رحمه الله - قولُ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((أيُّها الناس، اتَّقوا الله وأجْمِلوا في الطلب؛ فإنَّ نفْسًا لن تموتَ حتى تَسْتَوفِيَ رِزْقَها، وإنْ أبْطَأ عنها، فاتَّقوا اللهَ وأجْمِلوا في الطلبِ، خُذوا ما أحلَّ، ودَعُوا ما حرَّمَ))؛ "صحيح سنن ابن ماجه".
وَلْتَسْتَقُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَنْهَجَكُمْ
فَلَيْسَ فِي الأَرْضِ مِنَهَاجٌ يُدَانِيهِ



فما لم يكنْ عندَ الرعيلِ الأوَّلِ دِينًا، فلنْ يكونَ اليومَ دينًا.
عن العِرْباض بن ساريةَ - رضي الله عنه - قال: "وَعَظَنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - مَوْعظةً ذَرَفَتْ منها العيونُ، ووَجِلتْ منها القلوبُ، فقلْنا: يا رسولَ الله، إنَّ هذه لموعظة مودِّعٍ، فماذا تعْهَدُ إلينا؟ قال: ((قدْ تركْتُكم على البيضاء، ليلُها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها بعْدي إلا هالكٌ، مَن يَعِشْ منكم فسيرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بما عَرَفْتُم مِن سُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهْدِيِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وعليكم بالطاعة، وإنْ عبدًا حبشيًّا؛ فإنَّما المؤمِنُ كالجَمَلِ الأَنِفِ - الذي جُعِلَ الزِّمامُ في أَنْفِهِ - حيثما قِيدَ انْقَادَ))؛ صحيح سُنن ابن ماجه.

ولذلك قال - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ ﴾ [محمد: 33]. فمَن لم يكنْ على هَدْي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولم يزنْ أعمالَه بسُنَّته، فقدْ بَطَلَ عملُه؛ قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بَشِّرْ هذه الأمَّة بالسَّناءِ - الضياء والرفعة - والدِّين، والرِّفعة، والنصْر والتمكين في الأرْض؛ فمَن عمِلَ منهم عملَ الآخرة للدنيا، لم يكنْ له في الآخِرة مِن نصيب))؛ رواه أحمد، وهو في "صحيح الجامع".

الخطبة الثانية
أيُّها المسلمون والمسلِمات:
مِن صُوَر هذا الاتِّباع ما رواه عبدالله بن عمر - رَضِي الله عنهما -: "أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - اتَّخذَ خَاتمًا من ذَهبٍ، فاتَّخذ الناسُ خواتيمَ مِن ذهبٍ، فقال النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إني اتَّخذتُ خَاتمًا مِن ذهب))، فنبذَه، وقال: ((إني لنْ ألبسَه أبدًا))، فنبذَ الناسُ خواتيمَهم"؛ رواه البخاري.

وفي الصحيحين عن سعيد بن جُبَير - رضي الله عنه -: أنَّ قريبًا لعبدالله بن مغفَّل خَذَفَ - والخَذْف الرَّمْي بالحَصَى - فنهاه، وقال: "إنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نهى عن الخَذْفِ، وقال: ((إنَّها لا تصيدُ صيدًا، ولا تَنْكَأُ - تَقْتُلُ - عَدُوًّا، ولكنَّها تَكْسِرُ السِّنَّ، وتفْقَأُ العينَ))، قال: فعاد، فقال: "أُحدِّثُك أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - نَهَى عنه، ثم تَخْذِفُ؟! لا أكلِّمُك أبدًا".

إنَّ الخيرَ في الأمَّة الإسلاميَّة باقٍ ما بَقِيَ الكتابُ والسُّنَّة بين ظهرانيها، وإنَّ التمكينَ في الأرض لا يتحقَّق إلا بسبيلهما؛ فقدْ بشَّرَنا بذلك رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حينَ قال: ((تركْتُ فيكم ما إنْ اعتصمتُم به، فلن تضلُّوا أبدًا؛ كتاب الله وسُنَّة نبيِّه))؛ سنن البيهقي، وهو في "صحيح الترغيب"، ويقول - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَثَلُ أُمَّتي مثَل المطرِ، لا يُدْرَى أوَّله خيرٌ أم آخِره))؛ صحيح سُنن الترمذي.

فلا تغترَّ - أخي المسلم - بكثرة الفِتَن، وقِلَّة السالكين، ورَحِمَ اللهُ الفُضيلَ بن عِياض، الذي قال: "الْزَمْ طُرقَ الهُدَى، ولا يَضُرَّك قِلَّةُ السالكين، وإيَّاك وطرقَ الضلالة، ولا تغترَّ بكثرة الهالكين".

وقال سُفيان بن عُيينة: "كانَ يُقَال: اسْلُكوا سُبَلَ الحقِّ، ولا تستوحشوا مِن قِلَّة أهلها".

وكان الإمام الأوْزاعي يقول: "نَدور مع السُّنَّة حيث دارتْ".

وقال أبو حفص: "مَن لم يزنْ أفعالَه وأحواله في كلِّ وقتٍ بالكتاب والسُّنَّة، ولم يتَّهمْ خواطرَه، فلا يُعَدَّ في ديوان الرِّجال".

فشمِّر على سُنَّة نبيِّك - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحَكِّمْها في كلِّ أقوالك وأفعالك ما استطعتَ؛ لأنَّ في ذلك نجاتَك، قبلَ أنْ يأتيَ يومُ الحسْرة والنَّدَامة.

عن سهْل بن سعدٍ الساعدي قال: "سمعتُ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((أنا فَرَطُكم على الحوْض، مَن وَرَدَه شَرِبَ منه، ومَن شَرِبَ منه لم يظمأْ بعدَه أبدًا، ليَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرِفهم ويعرفونني، ثم يُحَالُ بيني وبينهم، إنهم منِّي، فيُقال: إنَّك لا تدري ما بَدَّلوا بعدَك، فأقول: سُحْقًا سُحْقًا لمن بَدَّلَ بعدي))"؛ متفق عليه.









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-13-2010   المشاركة رقم: 56 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد الامين


البيانات
التسجيل: Jul 2010
العضوية: 11432
المشاركات: 8,006 [+]
بمعدل : 2.96 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 124

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد الامين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

الشكر



تتوالى نِعَم الله - تعالى - على عباده، وتحيط بهم عنايتُه من كل جانب، وتَكْلَؤهم رعايته في كلِّ طرفة عين، ثم هم يجحدون عطاياه، وينكِرون أفضاله، ويَصْرفون الحمد والشُّكر إلى غيره، إلاَّ مَن عرفَ قدْرَ نِعَمه عليه، فتعَبَّده بصفة "الشُّكر"، التي ستكون موضوعَنا الخامس والخمسين، ضمن سلسلة مكارم الأخلاق.

وشُكْر الله: الثناء عليه بما يولي من النِّعم، ويضادُّه الكفر الذي هو نسيان هذه النِّعم وجحودُها؛ قال - تعالى -: ﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾ [الإنسان: 3].

قال ابن القيِّم في "المدارج": "الشكر: هو ظهور أثَر نعمة الله على لِسان عَبْده ثناءً واعترافًا، وعلى قلبه شهودًا ومحبَّة، وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة".

فالشكر يكون باللِّسان عن طريق الحمد والثناء؛ قال - تعالى -:﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، ويكون بالقلب بالإقرار والاعتراف بأنَّ المنْعِم هو الله، ويكون بالجوارح بالعمل الصالح، قال الله – تعالى -: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ [سبأ: 13] قال ثابت: "كان داود جَزَّأَ ساعات الليل والنهار على أهْله، فلم تَكُن تأتي ساعةٌ من ساعات اللَّيل والنهار إلاَّ وإنسانٌ من آل داود قائم يُصلِّي".

ولقد كان نبينا - صلَّى الله عليه وسلم - مثالاً في الاعتراف بنِعَم الله عليه وشُكْره عليها؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلم - كان يقوم من الليل حتَّى تتفطَّر قدَماه، فتقول له: "لِمَ تصنع هذا - يا رسول الله - وقد غفَر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟" فيقول: ((أفلا أكون عبدًا شَكُورًا؟!))؛ متَّفق عليه.

إِلَهِي لَكَ الْحَمْدُ الَّذِي أَنْتَ أَهْلُهُ
عَلَى نِعَمٍ مَا كُنْتُ قَطُّ لَهَا أَهْلاَ


وكان من دعائه - صلَّى الله عليه وسلم -: ((اللهم اجعلني لك شاكرًا لك ذاكرًا))؛ "ص. أبي داود"، وفي "ص. الترمذي": ((ربِّ اجعلني لك شَكَّارًا لك ذَكَّارًا)).

وكان - صلَّى الله عليه وسلم - إذا جاءه أمرُ سرورٍ أو بُشِّر به، خرَّ ساجدًا شاكرًا لله؛ ص. أبي داود.
ومِن أعظم ما امْتَنَّ الله - عزَّ وجلَّ - به علينا نعمةُ الإسلام، قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ونعمة القُوتِ الضروري الذي به تقوم الحياة، قال - تعالى -: ﴿ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102].


ومن أعظم هذه النِّعَم نعمة الأمن، قال - تعالى -: {﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82].

ومن أحوج النِّعم إلى الشكر نعْمة الصِّحة والعافية: حيث إنَّ عُشرَ العالَم (650 مليون شخص) هم من ذوي الاحْتياجات الخاصَّة، فقد أنعم الله عليك بنعمة البصر، وفي العالَم اليومَ أكثَرُ من 58 مليون كفيف، قد يَصِلون إلى 76 مليونًا عام 2020.

وأنعم عليك بنعمة السَّمْع، وفي العالم العربي وحْدَه أكثرُ من 17 مليون أصَمّ، وهكذا سائر الحواس؛ قال - تعالى -: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾[النحل: 78].

وإذا كنت تَرفُل في صحَّة البدن وسلامته، فاعْلم أنَّ المرض في زماننا صار هو الأصْل، ولا يتمتَّع بالعافية إلاَّ القليل، حتَّى قال القائل:
تَعْجَبِينَ مِنْ سِقَمِي
صِحَّتِي هِيَ العَجَبُ




فحَوْل العالَم اليوم يُوجَد أكثرُ من 500 مليون مُصاب بالتهاب الكبد الفَيْروسي من الدَّرجة الأولى أو الثانية، ويقدِّر الاتِّحاد الدولي لِمَرضَى السكَّر أنه يوجد حاليًّا نحْوُ 246 مليون مريض بالسكَّر في العالم، وفى عام 2030 سيرتفع إلى نحو 380 مليون مريض، قرابة 80% من الحالات تحْدث في الدول النامية، وتُوُفِّي نحو مليون ومائة ألف شخص بسببه في عام 2005.

أما مرض العصر: الزَّهايمر، فإنَّه أصاب أكثر من 35 مليون شخص في العالَم، ومِن المتوقَّع أن يتضاعف تقريبًا بحلول عام 2030، وأن يتجاوز 115 مليونًا عام 2050 كما تقول المنظَّمة الدولية لهذا المرض.

أما المرض الخبيث: السَّرطان، فتتوقَّع منظَّمة الصحَّة العالَمية أنْ يَصِل عدد المصابين به عام 2030م إلى 75 مليونًا، مع وَفيات سنويَّة تبلغ سبعة ملايين شخص.

أمَّا مرْضَى الاكتئاب فيزيد عددهم على 500 مليون إنسان في العالم، وعدد المرضى بالسِّيدا وصل إلى أكثَر من 60 مليون شخص.

يقول النبي - صلَّى الله عليه وسلم -: ((من أصبَح منكم آمنًا في سِرْبه، مُعافًى في جسده، عنده قُوت يومه، فكأنَّما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها))؛ الترمذي، وهو في "ص. الترغيب".

قال يونس بن عبيد - رحمه الله - لرجل يشْكو ضيق حاله: "أيَسُرُّك ببصرك هذا مائةُ ألف درهم؟ قال الرجل: لا، قال: فبِيَديك مائةُ ألف؟ قال: لا، قال: فبرجليك مائةُ ألف؟ قال: لا، فذكَّره نِعَم الله عليه، ثم قال له: أرى عندك مئِين الألوف وأنت تشكو الحاجة؟!".


إِذَا اجْتَمَعَ الإِسْلاَمُ وَالْقُوتُ لِلْفَتَى
وَكَانَ صَحِيحًا جِسْمُهُ وَهْوَ فِي أَمْنِ


فَقَدْ مَلَكَ الدُّنْيَا جَمِيعًا وَحَازَهَا
وَحَقَّ عَلَيْهِ الشُّكْرُ لِلَّهِ ذِي الْمَنِّ



- فالشكر سببٌ في بقاء النِّعم وزيادتها؛ {﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: 7].

- والشُّكر أمانٌ من العذاب؛﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ ﴾ [النساء: 147].

- والشُّكر سبب للنجاة من العذاب عند حلوله؛﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ﴾[القمر: 34 - 35].

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t48180-6.html#post364004

أما قلَّة الشكر، فسبب لغضب الله – تعالى - قال - تعالى -: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112].
وأهلك اللهُ قارونَ بعد أن أنعَمَ عليه بالدنيا؛ لأنَّه قال: ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ [القصص: 78].

وَمَنْ غَدَا لاَبِسًا ثَوْبَ النَّعِيمِ بِلاَ
شُكْرٍ عَلَيْهِ فَعَنْهُ اللهُ يَنْزِعُهُ




أمَّا كيفية الشكر، فقد ذَكَر ابنُ القيِّم في "عُدَّة الصابرين": أنَّ رجلاً قال لأبى حازم: "ما شكر العينين يا أبا حازم؟" قال: "إن رأيتَ بهما خيرًا أعلَنْتَه، وإن رأيتَ بهما شرًّا سترتَه" قال: "فما شُكْر الأذنين؟" قال: "إنْ سَمِعت بهما خيرًا وعَيْتَه، وإن سمعت بهما شرًّا دفعتَه"، قال: "فما شكر اليدين؟" قال: "لا تأخذ بهما ما ليس لهما، ولا تمنع حقًّا لله هو فيهما"، قال: "فما شكر البطن؟" قال: "أن يكون أسفله طعامًا، وأعلاه علمًا" قال: "فما شكر الفرج؟" قال: "قال الله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [المؤمنون: 5 - 7].
الخطبة الثانية:

إنَّ من أعظم الشكر لله – تعالى - أنْ نَسَأ في أعمارنا حتَّى أشهَدَنا هذا الشهر المبارك؛ شهر شعبان، الذي يُعتبر مقدِّمةَ عبادة الصيام في رمضان، فقد كان النبي - صلَّى الله عليه وسلم - يكثر صيامه، حتَّى سأل أسامةُ بن زيد - رضي الله عنهما - رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلم - قائلاً: "يا رسول الله، لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان" قال: ((ذاك شهر يَغْفل الناس عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر تُرْفَع فيه الأعمال إلى ربِّ العالمين، وأحب أن يُرفع عملي وأنا صائم)) النسائي وهو في "ص. الترغيب".

قال ابن حجر - رحمه الله -: "كان صيامه في شعبان تطوُّعًا أكثر من صيامه فيما سواه، وكان يصوم معظم شعبان".

قال ابن رجب - رحمه الله -: "صيام شعْبان أفْضل من صيام الأشْهر الحرم، وأفْضل التطوُّع ما كان قريبًا من رمضان قبْله وبعده، وتكون منْزلته من الصِّيام بمنْزلة السُّنَن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها".

ويحسن أن يقوم المسْلم في شعبان ببعض ما يقوم به في رمضان، من الصيام وقراءة القرآن والصَّدَقة، قال سلمة بن سهيل: "كان يقال: شهر شعبان شهر القرَّاء"، وكان عمرو بن قيس المُلائي إذا دخل شعْبان، أغلق دكَّانه وتفرَّغ لقراءة القرآن.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=364004

وعلى المتخاصِمين والمتشاحنين أن يَصْطلحوا قبْل ليلة النِّصف من شعبان؛ حتَّى لا تُرَدَّ مغفرة الله لذنوبهم، فعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلم - قال: ((يَطَّلِع الله إلى جميع خلْقه ليلة النِّصف من شعبان، فيَغْفر لجميع خلقه إلاَّ لِمُشرك أو مشاحن))؛ "ص. ابن ماجه" وقال الأوزاعي: "أراد بالمُشَاحن ها هنا صاحبَ البِدْعة المفارق لجماعة الأمة".

لكن لا تُخَصَّص هذه الليلة بشيء من العبادة دون غيرها، فلم يَرِد في فضلها إلا ما ذُكر من مغفر
الكاتب د. محمد ويلالي









عرض البوم صور محمد الامين   رد مع اقتباس
قديم 09-14-2010   المشاركة رقم: 57 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: مشرف :: أقسام الشريعة اسلامية
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية AZOU.FLEXY


البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 10829
المشاركات: 4,915 [+]
بمعدل : 1.80 يوميا
اخر زياره : 07-30-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 91

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
AZOU.FLEXY غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

سبحانك اني اتوب اليك
شكرا لك اخي محمد
بارك الله فيك على الموضوع الهادف والقيم
جزاك الله الجنة
دمت في خدمت الاسلام والمسلمين









عرض البوم صور AZOU.FLEXY   رد مع اقتباس
قديم 09-14-2010   المشاركة رقم: 58 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية خولة دريوش


البيانات
التسجيل: Dec 2009
العضوية: 6601
المشاركات: 133 [+]
بمعدل : 0.05 يوميا
اخر زياره : 01-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
خولة دريوش غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد الامين المنتدى : منتدى الشريعة والحياة
افتراضي

شكرا لك واصل التميز و التألق









عرض البوم صور خولة دريوش   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الأخلاق لقمان عبد الرحمن منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 21 05-16-2011 03:22 PM
فتش عن الأخلاق رحيل82 المنتدى الاسلامي العام 5 11-25-2010 05:21 PM
الأخلاق أساس الانطلاق ... نونو الجزائرى المنتدى العام 5 10-10-2010 06:58 PM
جواهر الأخلاق و الالتزام نادية25 المنتدى الاسلامي العام 2 01-08-2010 06:19 PM
التربية علي مكارم الاخلاق هانــــي أرشيف رمضان جزائرنا- 1431 3 09-02-2009 02:49 AM


الساعة الآن 01:56 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302