العودة   منتديات صحابي > الأقسام العامة > المنتدى العام


المنتدى العام يهتم بالمواضيع المميزه و المهمه و الكبيره و العامة والتي فيها فائدة على الفرد و المجتمع.


جلساتي مع رفيقي كتابي .. العدد 1 معـ ... كتاب عاشق

المنتدى العام


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 04-15-2011   المشاركة رقم: 41 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري




الفصل الرابع


مع العشاق في رحلة العشق







هنا قصص جذاب ، وحديث غلاب ، عن حكايات القراء ، وعن حديث عشاق الكتاب ؛ عن
ولههم بالحرف ، عن تعلقهم بالأوراق ، عن صبابتهم بالدفتر ، كــل ذلك معـايشة طــويلة
غرام جارف ، بهذا المعشوق ن الذي أثبت مِن خلال رحلة طويلة مِن عـمر الإنســـانية أنه
أنفع صاحب ، وأوفى صديق ، وأنبل رفيق ، وللعشاق معه وقفات ، ولمحبين وإياه حكايات
..



بعد أن قدمنا في الفصل السابق وقــفــات للتـأمل
في حال مَن عشقوا الكتب ، سنستعرض في هذا
الفصل حكاياتهم في رحلة العشق ، وكيف قضوا
حياتهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه ؟









مالك بن أنس

(93 – 179 هـ)

" ما ظهر على الأرض كتاب بعد كتاب الله أصح مِن كتاب مالك "
الإمام الشافعي

عُرف عن الإمام مالك أنه كان قوي الحافظة ، وجيد التحرّي في رواية الحديث ، مدققًا في ذلك كل التدقيق ، لا ينقل إلا عن الأثبات ولا يغتر بمظهر الراوي أو هيأته .


وكان يقول : " لقد أدركت في هذا المسجد (مسجد المدينة النبوية) سبعين من يقول : قال فلان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أخذت عنهم شيئًا ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا عليه ، إلا إنهم لم يكونوا مِن أهل هذا الشأن " .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post492604


كما كان الإمام مالك يتتبع الآثار النبوية ويميل إلى الأخذ برأي أهل المدينة ويتجنب أصحاب الأهواء وأهل الفرق ويأبى كل الإباء أي انحراف عن الدين .

بداية طلب العلِم والأم هي المشجع


قال مطرف : قال مالك : قلت لأمي : أذهب فأكتب العلم ؟ فقالت : تعال فالبس ثياب العِلم ، فألبستني ثيابًا مشمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها ، ثم قالت : اذهب فاكتب الآن . وقال رحمه الله : كانت أمي تعممني وتقول لي : اذهب إلى ربيعة فتعلم مِن أدبه قبل علمه .


نِعم الأم ونِعم الولد ؛ هذه الأم التي تشجع الولد وتحثه وتبعث فيه الهمة على الطلب ، وتوضح له الوجهة الصحيحة ، وهي تحصيل الأدب قبل العلم ؛ لأن العلم بلا أدب لا نفع فيه ولا خير – أيضًا - ؛ فلابد مِن الأدب مع العلم .

ألمٌ وحِرصٌ واجتهاد


همة لا تعرف التوقف ولا الانتظار ، وإنما هو الجد والتشمير والصبر والمصابرة ؛ قال مالك : كان لي أخ في سن أبي شهاب ، فألقى أبي علينا يومًا مسألة فأصاب أخي وأخطأت ، فقال لي أبي : ألهتك الحمامُ عن طلب العلم ! . فمضيت وانقطعت إلى ابن هرمز سبع سنين ، وفي رواية ثمان سنين لم أختلط بغيره .


هذه هي الغيرة الحقيقية على النفس ، وهذه هي الرجولة ، وهذه هي العظمة ، فتأمل كيف كانت الأمة وعلى ماذا كانت تغار وتغضب ، وكيف أصبحت الآن ؟!


قال مالك : كنت آتي ابن هرمز بكرةً فما أخرج مِن بيته حتى الليل . وقال مصعب : كان مالك يقود نافعًا مِن منزله إلى المسجد وكان قد كفّ بصره فيسأله فيحدثه ، وكان منزل نافع بناحية البقيع . قال مالك : كنت آتي نافعًا مولى ابن عمر فيحدثني وأنا يومئذٍ غلام ومعي غلام لي وينزل إلي مِن درجة له فيقعدني معه فيحدثني ، وقال : كنت آتي نافعًا نصف النهار وما تظلني الشجر مِن الشمس إلى خروجه ، فإذا خرج أدعه ساعة كأني لم أرده ثم أتعرض له فأسلم عليه وأدعه ، حتى إذا دخل البلاط أقول له كيف قال ابن عمر في كذا وكذا ؟ فيجيبني ، ثم أحبس عنه وكان فيه حِدّة .


تأمل حرصه على الطلب في الليل والنهار حتى مع شدة حر الشمس وصبره على الشيوخ ومجاهدته للأخذ منهم وهكذا يحصّـل العلم ؛ فالعلم لا يأتي إلا بصبرٍ وحُب وعشقٍ وحرٍ وقد قال أهل العلم سابقًا ولاحقًا : أعطِ العلم كلك يعطك بعضه .


واقرأ وتأمل معي هذه القصة العجيبة لهذا الإمام العلم :


رُوي عنه أنه قال : قدم علينا الزهري فأتيناه ومعنا ربيعة فحدثنا نيفًا وأربعين حديثًا ، ثم أتيناه في الغد فقال : انظروا كتابًا حتى أحدثكم منه أرأيتم ما حدثتكم أمس ، أفي شيء مِن أيديكم منه ؟ فقال له ربيعة : ها هنا مَن يرد عليك ما حدثت به أمس ، فقال ومَن هو ؟ قال : ابن أبي عامر ، قال هات .. فحدثته أربعين حديثًا منها ، فقال الزهري : ما كنت أرى باقيًا مَن يحفظ هذا غيري !!


لا يعرف العطلة في طلب العلم


لقد كان الإمام مالك حريصًا على طلب العلم ، حريصًا على استثمار الوقت في تحصيل المعرفة ، حتى وإن كان ذلك الوقت أيام راحة وعيد ، وقد روي عنه قوله : شهدت العيد فقلت هذا اليوم يخلو فيه ابن شهاب فانصرفت مِن المصلى حتى جلست على بابه ، فسمعته يقول لجاريته انظري مَن على الباب ، فنظرتْ فسمعتـُـها تقول : مولاك الأشقر ، قال : أدخليه ، فدخلتُ فقال : ما أراك انصرفت بعدُ إلى منزلك ؟ قلت : لا . قال : هل أكلتَ شيئًا ؟ قلت : لا ، قال : فاطعم ، قلت : لا حاجة لي فيه ، قال : فما تريد ؟ قلت : تحدثني سبعة عشر حديثًا ، ثم قال : وما ينفعك إن حدثتك ولا تحفظها ، قلت : إن شئت رددتها عليك ، فحدثني أربعين حديثًا ، فقلت : زدني ، قال : حسبك إن كنت رويتَ هذه الأحاديث فأنت مِن الحفاظ ، قلت : قد رويتها ! فجبذ الألواح مِن يدي ، ثم قال : حدّث ، فحدثته بها ، فردها إليّ وقال : قم فأنت مِن أوعية العلم ، أو قال : إنك لنعم المستودع .


وأما الحرص ، فاسمع إلى ما يقوله هذا الإمام العظيم : إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه ، لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ، عنده هذه الأساطين – وأشار إلى المسجد – فما أخذت عنهم شيئًا ، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينًا ، إلا أنهم لم يكونوا مِن أهل هذا الشأن .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=492604

ثناء العلماء عليه

عُرف عن الإمام مالك احترامه للحديث وصاحب الحديث صلى الله عليه وسلم حيث كان – رحمه الله – إذا أراد أن يحدّث توضأ وسرح لحيته وجلس متمكنًا في جلوسه على صدر فراشه في وقار وهيبة وحدّث ، فقيل له في ذلك ؟ ، فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدّث إلا على طهارة متمكنًا . وكان يكره أن يحدث في الطريق أو هو قائم أو يستعجل .


قال الإمام مالك : أحب أن أفهم ما أحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .


قال ابن هرمز له : أنت مِن أوعية العلم .
وقال سفيان بن عيينة : ما نحن عند مالك ؟
وقال – أيضًا - : مالك سيد أهل المدينة .
وقال حماد بن زيد عندما وصله نعي مالك : " لقد كان مالك مِن الدين " .
وقال الشافعي : " إذا جاءك الأثر عن مالك فشد به يدك " .
وقال أيضًا : " إذا جاءك الخبر فمالك النجم " .
وقال أيضًا : " إذا ذُكر العلماء فمالك النجم " .
وقال أيضًا : " مالك بن أنس معلمي ، وفي رواية أستاذي " .
وقال أيضًا : " لولا مالك وابن عيينة لذهب علم الحجاز" .


وكان الإمام مالك جوادًا كريمًا سمح المحيا ، وكان مهيبًا نبيلاً محترم المجلس والجلساء ، حازمًا في الدفاع عن الحق ، يكره الجدال واللغط ورفع الصوت خاصةً في مجلس الحديث ، ومِن كلماته :



الدنو مِن الباطل هلكة ، والقول الباطل بُعد عن الحق ، ولا خير في شيء وإن كثر مِن الدنيا بفساد دين المرء ومروءته .

قدوة العلماء والأمراء


لم يرحل الإمام مالك في طلب الحديث مع أن الرحلة في ذلك الوقت كانت مِن السمات المميزة لرجال الحديث ، على أنه لم يخسر شيئًا بعدم الرحلة ، لكون المدينة المنورة كانت ملاذ العلماء ، ولم يخلُ محدث ممن رحلوا مِن المرور بها لزيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلمس العلم مِن مظانه والحديث مِن مصدره ، فالتقى الإمام مالك أكثرهم واستفاد منهم .


وعن ابن المبارك قال : كنت عند مالك وهو يحدثنا حديث رسول الله r فلدغته حشرة كالعقرب ست عشرة مرة ، ومالك يتغير لونه ويتصبر ولا يقطع الحديث ، فلما فرغ مِن المجلس وتفرق الناس قلت له : لقد رأيت منك عجبًا ؟ فقال : نعم ، إنما صبرت إجلالاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .



يقول صاحب كتاب (مناقب الإمام مالك) :


هذا وشهد لهذا الأئمة العلم ، وتضافروا عليه بالنظر والتعظيم توافقوا فيه مِن كل مصر ، وما اشتهر به في كل عصر ، وأما رفعة قدره مع الخلفاء وعظم منزلته عند الأمراء ورجوعهم إلى رأيه دون غيره مِن الآراء وتقديمهم له على مَن سواه ونفوذ كلمته بين العامة ، وانقيادهم له بالطاعة ، وكمال سيادته عند الكافة ، فقد كان له المقام الأشرف والمحل الرفيع بحيث إنه لم يكن له في وقته مَن يساويه ولا مَن يقرب منه فيساميه ولا طمع فيه أحد فيباريه ، فكانت الخلفاء تقتدي بعلمه ، والأمراء تستضيء برأيه ، والعامة منقادة إلى قوله ، وكان يأمر فيمتثل أمره بغير سلطان ، ويقول فلا يسأل عن دليل قوله ، ولا يُطالب ببرهان ويأبى الجواب فلا يجترئ على مراجعته إنسان ، فلذلك قال فيه شاعرهم :


يأبى الجواب فما يراجـــع هيبةً والمســـلمون نـــواكس الأذقان
أدب الوقار وعِز السلطان التقى فهو المطاع وليس ذو السلطانِ














التعديل الأخير تم بواسطة عبد للرحمان ; 04-16-2011 الساعة 04:03 PM
عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-16-2011   المشاركة رقم: 42 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري


لم يُـفـتِ حتى سأل مَن هو أعلم


لم يكن – رحمه الله – مِن أولئك السابقين إلى الرد حول كل قاصية ودانية بعلمٍ وبلا علم ، ولكنه كان حريصًا على الورع وأخذ الحيطة والحذر ، قال – رحمه الله - : " ما أجبت في الفتوى حتى سألت مَن هو أعلم مني : هل تراني موضعًا لذلك ؟ سألت ربيعة وسألت يحيى بن سعد فأمراني بذلك " .

رؤيا خير

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post493156


قال خلف : دخلت عليه فقال لي : انظر ماذا ترى تحت مصلاي أو حصير ، فنظرت فإذا أنا بكتاب فقال : اقرأه فإذا رؤيا بعثها بعض إخوانه يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام في مسجد قد اجتمع الناس عليه فقال لهم : إني قد خبأت تحت منبري طيبًا أو علمًا وأمرت مالكًا أن يفرقه على الناس، فانصرف الناس وهُم يقولون : إذًا ينفــّــذ مالك ما أمره به رسول الله r ثم بكى .

أصول مذهب مالك


لم يدون الإمام مالك أصول مذهبه وقواعده في الاستنباط ومناهجه في الاجتهاد ، وإن كان قد صرّح بالبعض منه وأشار إلى البعض الآخر ، ومما صرح به في كتابه (الموطأ) أنه يأخذ بعمل أهل المدينة ويقدمه على خبر الأحاد المعارض له ، وحجته في ذلك أنّ عمل أهل المدينة متوارث عن آبائهم وأجدادهم فهو بمثابة السنة المتواترة وما كان هذا شأنه يقدم على خبر الآحاد ، وقد نازعه في هذا المسلك المجتهدون الآخرون كالشافعي والإمام محمد بن حسن . وجماع أصول مذهب مالك – بناءً على ما صرح به وأشار إليه – استنبطه فقهاء المذهب مِن الفروع المنقولة عنه والآراء المدونة في موطّئه ، كما صرح بها الإمام القرافي المالكي : (الكتاب – السنة – الإجماع – إجماع أهل المدينة – القياس – قول الصحابي – المصلحة المرسلة – العرف – العادات – سد الذرائع – الاستحسان – الاستصحاب) .


ومِن هذه الأصول يتبين لنا خصوبة المذهب وسعته ، وإمكان تخريج الأحكام عن أصوله الملائمة لكل عصر ومكان ، لاسيما على أصل المصلحة المرسلة الذي سيطر على جميع فقه مالك في كل المسائل التي لا نص فيها ، حتى قًرن اسم المصالح المرسلة بمذهب مالك .

تدوين فقه مالك ونقله


دُوِّن فقه ملك ونُقل عنه بطريقتين :
الأولى : كـُتب ألـّـفها مالك نفسه وأهمها الموطأ .


الثانية : بواسطة تلامذته فقد نشروا ودون بعضهم آراءه وأقواله في (المدونة) .


الموطأ


وهو أجلّ ما كتبه مالك جمع فيه ما صح عنده مِن أحاديث رسول الله r المتصلة والمرسلة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وأقوال التابعين ، كما ذكر آراءه في بعض المسائل قياسًا على الآثار التي رواها أو توجيهًا وتفسيرًا لما رواه أو ترجيحًا لبعض ما رواه على البعض الآخر . وقد ظل يعمل فيه تأليفًا وتهذيبًا وتنقيحًا مدة أربعين سنة ؛ جعله على أبواب الفقه ، وقد تلقته الأمة بالقبول في زمانه وبعد زمانه ورواه عن الجمع الغفير ، وشرحه أكثر مِن واحد . وأراد الرشيد ، وقبله أبو جعفر المنصور ، حمل الأمة على اتباعه فأبى مالك .


المدونة


وأما المدونة فالأساس في تدوينها أن أسد بن الفرات سمع مِن مالك كتابه الموطأ ثم ذهب إلى العراق فلقي أبا يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة وسمع منهما ، فأراد أن يعرف رأي مالك في المسائل التي دونها الإمام محمد إلا أن مالكًا توفي فرجع إلى مصر والتقى بعبد الله بن وهب – تلميذ مالك – وعرض عليه الفكرة فتهيب وأحجم ، فقصد عبد الرحمن بن القاسم فأجابه إلى طلبه ، وأخبره في كل مسألة فقهية برأي مالك ، وإن شك في حفظه عنه قال أخال وأحسب وأظن ، وإن لم يجد لمالك قولاً في مسألة قال هو برأيه فيها ، إما بالقياس على ما قاله مالك في نظائر تلك المسألة ، وإما بمحض اجتهاده في ضوء أصول المذهب المالكي إن لم يجد قولاً لمالك في نظير المسألة المسؤول عنها ، وجمع أسد أجوبة ابن القاسم في كتب سماها (الأسدية) ثم رحل بها إلى القيروان بعد أن ترك نسخة منها بمصر . وفي القيروان تلقاها عنه سحنون وهو عبد السلام بن سعيد التنوخي وقد سمع مِن ابن القاسم وابن وهب وأشهب فارتحل بها إلى ابن القاسم وعرضها عليه ؛ فنقحها ابن القاسم وأسقط منها ما كان ظنًا وما كان يشك فيه أدنى شك في نسبته إلى مالك ، وما لم يجد فيه نصًا يثق فيه قال برأيه واجتهاده على ضوء أصول مالك ، أو على قياس قول مالك في مثيله ، فدوّن سحنون ما سمعه مِن ابن القاسم ورجع بها إلى القيروان ، فأقبل الناس على ما كتبه سحنون وسُمي ما كتبه (المدونة) ثم رتبها وهذبها وزاد عليها ما اختلف فيه مالك مع كبار أصحابه وذيل أبوابها بالحديث والآثار فكانت هذه المدونة تجمع آراء مالك وأقواله كما سمعها منه تلميذه ابن القاسم ؛ كما تجمع الأقوال المخرجة على أصوله وآراء أصحابه التي خالفوا فيها شيخهم ؛ مع الآثار والأحاديث الواردة في مسائل الفقه ، ثم جاء العلماء وشرحوها ولخصوها وعلقوا عليها .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=493156



سفيان الثوري

(97 – 161هـ)
" كان الثوري عندنا إمام الناس ؛ وسفيان في زمانه كأبي بكر وعمر ي زمانهما " .
بِشر الحافي

عناية الله من الصغر



لقد كان العصر الذي نشأ فيه سفيان الثوري زاخرًا بالعلوم وخاصةً الشرعية منها ، حيث كان الخلفاء يشجعون على ذلك ، ويأخذون بيد العلماء وطلبة العلم ، بل ربما بذلوا الجهد في التقرب إليهم وطلب الرضا منهم .
فهذا العصر برع فيه العلماء ؛ وانتشروا بين الأمصار يعلمون الناس وينشرون ما عندهم مِن علم ودين ، فكان لهذا أبلغ الأثر في كثرة العلماء وطلاب العلم .


والإمام أبو عد الله سفيان الثوري هو أحد أئمة الحديث وأعلامه البارزين المشهود لهم بالحفظ والإتقان في ذلك العصر .


حدّث سفيان بن عيينة قال : جاع سفيان الثوري جوعًا شديدًا ومكث ثلاثة أيام لا يأكل شيئًا فمرّ بدار فيها عرس فدعته نفسه إلى أن يدخل فعصمه الله ومضى إلى منزل أخته ، فأتته بقرص فأكل وشرب ماء ، فتجشأ ثم قال :


سيكفــيك عما أغلق الباب دونه وضـف به الأقوام ملحٌ وجردقُ
وتشرب مِن ماءٍ فرات وتغتدي تعارض أصحاب الثريد الملبقُ
تجشأ إذا ما هُــم تجـشـوا كأنما ظللـت بأنـــواع الخبيص تفتقُ

صبر وأيُّ صبر ؟!


قال أبو شهاب الحناط : (( بعثت أخت سفيان الثوري معي بجراب إلى سفيان وهو بمكة في (كعك) وخـَـشكـُـنان [خبز يُصنع مِن دقيق الحنطة مملوء بالسكر واللوز] فقدمت مكة فسألت عن سفيان فقيل لي : إنه ربما يقعد دبر الكعبة مما يلي باب الحناطين قال أبو شهاب : فأتيته هناك - وكان لي صديقًا – فوجدته مستلقيًا فسلمت عليه ، فلم يسائلني تلك المساءلة ولم يسلم عليّ كما كنت أعرف منه ، فقلت له : إن أختك بعثت إليك معي بجراب فيه كعك وخشكنان قال : فعجل به عليّ واستوى جالسًا ، فقلت له : يا أبا عبد الله آتيك وأنا صديقك فسلمت عليك فلم تردّ عليّ ذلك الرد ، فلما أخبرتك أني أتيتك بجراب كعك لا يساوي شيئًا جلست وكلمتني ؟ فقال : يا أبا شهاب لا تلمني فإن لي ثلاثة أيام لم أذق فيها ذواقًا ! ، قال أبو شهاب : فعذرته .

شيوخ كثر وتلامذة أكثر


اشتهر عن سفيان الثوري أنه كان رحّالة لا ينقطع في طلب العلم ، ولا يسمع بشيخ في أطراف الأرض إلا ورحل إليه .


قال الذهبي : يقال أن عدد شيوخ سفيان ستمائة شيخ ، وأما الرواة عنه فخلق كثير ؛ ذكر أبو الفرج ابن الجوزي أنهم أكثر مِن عشرين ألفًا وهذا مدفوع ممنوع فإن بلغوا ألفًا فبالجهد ! .

حفظ مذهل وذاكرة فولاذية


قال الأشجعي : سمعت مِن الثوري ثلاثين ألف حديث . وكلها يسردها عن ظهر قلب دون خلط في الأسانيد أو لخبطة بين الرواة .


وإليك قِصة عن حفظ سفيان المذهل :


عن مهران الرازي قال : كتبت عن سفيان الثوري إضافة ، فضاع مني كتاب الرايات فذكرت ذلك له فقال : إذا وجدتني خاليًا فاذكر لي حتى أملِه عليك ، فحج فلما دخل مكة طاف بالبيت وسعى ثم اضطجع ، فذكّرته فجعل يملي عليّ الكتاب بابًا في إثر باب حتى أملاه جميعه مِن حِفظه .










عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-17-2011   المشاركة رقم: 43 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري






مكانته العلمية



لقد حظي سفيان الثوري بشهادات أهل عصره وزمانه .



قال ابن المبارك : ما أعلم على وجه الأرض أعلم مِن سفيان . وقال ابن حنبل الروذي : أتدري مَن الإمام ؟ الإمام سفيان الثوري لا يتقدمه أحد في قلبي .



وقال شعيب بن حرب : إني أحسب أنه يُجاء غدًا بسفيان حجة مِن الله على خلقه ، يقول لهم : لم تدركون نبيكم قد رأيتم سفيان .



وقال بِـشر الحافي : كان الثوري عندنا إمام الناس ، بل قال عنه : سفيان الثوري في زمانه كأبي بكر وعمر في زمانهما .



وقال شعبة : سفيان أمير المؤمنين في الحديث ، مجمع على إمامته مع الإتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع .



وقال الوليد بن مسلم : رأيته بمكة يُستفتى ولما يخط وجهه بعد .



علم واتباع




قال عبد الرحمن بن مهدي : (( الناس على وجوه فمنهم مَن هو إمام في السنة إمام في الحديث ، ومنهم مَن هو إمام في السنة وليس بإمام في الحديث ومنهم مَن هو إمام في السنة وإمام في الحديث فسفيان الثوري )) .

لقد تبوأ سفيان مكانة عالية في الفقه حتى أصبح أحد الأئمة المتبوعين ممن يرجع إليهم في الفقه والفتيا .



وكان رحمه الله آية في تفسير القرآن ، وقد استشهد بأقواله أئمة التفسير حتى لو تتبع أحدٌ أقواله في التفسير لأخرج مجلدًا كاملاً ، قال عبد الرزاق : سمعت سفيان يقول : سلوني عن القرآن فإني به عالم وسلوني عن المناسك فإني بها عالم .



وكان لا يحب الشهرة ويخاف منها على نفسه وهرب ما استطاع ؛ فعن سفيان بن عيينة قال : قال سفيان الثوري : كنت إذا رأيت الرجال يجتمعون إلى أحد غبطته ، فلما ابتليت بها ؛ وددت أني نجوت منهم كفافًا لا عليّ ولا لي .



وعن خلف بن تميم قال : سمعت سفيان الثوري يقول : لولا أن أستذل لسكنت بين قوم لا يعرفونني .



وعن أحمد بن يونس قال : سمعت سفيان يقول : ما رأيت للإنسان شيئًا خيرًا مِن أن يدخل في جحر ، قال ابن يونس : اليوم ينبغي أن يدخل في قبر .

قال الثوري رحمه الله : العلماءُ إذا عَـلـِـموا عـَـمِـلوا ، فإذا عـَـمِـلوا شُغِلوا ، فإذا شُغِلوا فـُـقِدوا ، فإذا فـُـقِدوا طـُـلِـبوا ، فإذا طـُـلِـبوا هَـربوا .












الشافعي


(150 – 204هـ)


" ما أحد مس محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منه "

أحمد بن حنبل




وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي . وكان أبوه قد هاجر مِن مكة إلى غزة بفلسطين بحثًا عن الرزق ، لكنه مات بعد ولادة محمد بمدة قصيرة ، فنشأ محمد يتيمًا فقيرًا . وشافع السائب يوم بدر في جملة مَن أُسر وفدى نفسه ثم أسلم . ويلتقي نسبه مع رسول الله r في عبد مناف .



الأم هي البداية



يقول الشافعي عن نفسه : " ولدت باليمن فخافت أمي عليّ الضيعة وقالت : الحق بأهلنا فتكون منهم ، فإني أخاف عليك أن تغلب على نسبك ، فجهزتني إلى مكة فقدمتها يومئذ وأنا ابن عشر سنين فصرت إلى نسيب لي وجعلت أطلب العلم فيقول لي : لا تشتغل بهذا وأقبل على ما ينفعك ، فجعلت لذتي في طلب العلم ، وفي رواية ولدت بغزة " .



فنعم الأم أم الشافعي ونِعم الفتى الشافعي ، منذ نعومة أظفاره والعلم محبب إليه وقد قال عن نفسه : " لم يكن لي مالٌ وكنت أطلب العلم في الحداثة وكنت أكتب ي العظام " ، بل كان العلم عنده هو اللذة والفهم والرغبة القصوى ؛ قال - رحمه الله - : " كانت نهمتي في الرمي وطلب العلم ، فنلت مِن الرمي حتى كنت أصيب مِن عشرةٍ عشرةً " ، هذا الرمي فكيف بالعلم ؟! .



العلوم التي نبغ فيها



نبغ الإمام الشافعي في عدد مِن العلوم المختلفة كالفقه ، والتفسير ، والشِعر ، واللغة ، وعلم الأنساب ، وكإشارات سريعة على نبوغه في هذه العلوم نستخلص ما يلي :



1- الفقه : وهو إمام فيه بشهادة القريب والبعيد ويكفي أن شيخه هو مفتي مكة (مسلم بن خالد الزنجي) ، ونظرًا لقوته وتمكنه في هذا اعلم أُذِن له بالفتوى وعمره خمس عشرة سنة ؛ قال الحميدي : سمعت مسلم ابن خالد الزنجي يقول للشافعي : افتِ يا أبا عبد الله فقد والله آن لك أن تفتي ، وهو ابن خمس عشرة سنة .



2- التفسير : فقد كان ابن عيينة إذا جاءه شيء مِن التفسير والفتيا التفت إلى الشافعي فيقول : سلوا هذا . وقال يونس بن عبد الأعلى : كان الشافعي إذا أخذ مِن التفسير كأنه شهد التنزيل .



3- الشعر واللغة : قال ثعلب (الإمام في اللغة) : الشافعي إمام في اللغة .

وقال المبرد : كان الشافعي مِن أشعر الناس وآدب الناس .



4- أيام العرب وأنسابهم :قال عنه يونس الصدفي : كان الشافعي إذا أخذ في أيام العرب قلت هذه صناعته . وقال مصعب بن عبد الله : ما رأيت أحدًا أعلم بأيام الناس مِن الشافعي .



أما الأنساب : فهذه قصة تكفي دلالةً على سعة علمه واطلاعه في هذا الجانب : فقد اجتمع معه نفر فذاكرهم بأنساب النساء إلى الصباح ، وقال : أنساب الرجال يعرفها كل أحد . وكان الإمام أحمد بن حنبل يقول : " الشافعي فيلسوف في أربعة أشياء في اللغة واختلاف الناس ، والمعاني ، والفقه "





5- أصول الفقه : وهو أبو هذا العلم والمؤسس له ؛ قال صاحب المراقي : أول مَن ألفه في الكتب : محمد بن شافع المطلب ، وقد كان منثورًا قبله ، فنال شرف التدوين لهذا العلم فألف كتابه (الرسالة) . ورحم الله الإمام أحمد حيث يقول : " ما أحدٌ مسّ محبرة ولا قلمًا إلا وللشافعي في عنقه منه " .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post493560



الحرص والحُب والألم في عشق العلم



فالحرص على الطلب ظهر منذ الصغر ، ويتضح ذلك مِن قوله : وكنت أطلب العلم في الحداثة . كما يتضح الحرص في أخذ دقيق العلم : قال – رحمه الله - : " مَن تعلم علمًا فليدقق لئلا يضيع دقيق العلم "




وأما الحُب : فاسمع مِن شعره وهو يقول :



وما أنا بالغيران مِن دون أهله إذا أنا لم أصبح غيورًا على علمي

طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجـة وصيقل ذهني والمفرج عن همـي



وقال المزني : قيل لمحمد بن إدريس الشافعي : كيف شهوتك للعلم ؟ قال : أسمع بالحرف مما لم أسمعه فتود أعضائي أن لها أسماعًا تنعم لها مثل ما تنعمت الأذنان ! ، قيل : وكيف حرصك عليه ؟ قال : حرص الجموح الممنوع على بلوغ لذاته في المال . قيل : وكيف طلبك له ؟ قال : طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره .



وأما الألم فاسمعه وهو يقول : " بقيت ست عشرة سنة ما كان طعامي إلا رغيفين وتمرًا آكل منه بقدر ما يقوم به جسدي ، فقيل له : ما الذي أردت به يا أبا عبد الله ؟ قال : أردت الحفظ للعلم والفقه ؛ تركته لذلك فرزقني الله بعد ذلك " . ويقول أيضًا : " يا أبا موسى لقد أفلست ثلاث مرات ، وقد رأيتني آكل السمك بالتمر لا أجد غيرهما " .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=493560



مِن مشكاة الشافعي



يقول – رحمه الله - : " كفى بالعلم فضيلة أنه يدعيه مَن ليس فيه ويفرح إذا نُسب إليه ، وكفى بالجهل شرًا أن يتبرأ منه هو فيه ويغضب إذا نسب إليه " .












عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-19-2011   المشاركة رقم: 44 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري




يحيى بن معين


(158 – 233هـ)


" كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث " .

أحمد بن حنبل




هو الإمام الحافظ الجهبذ ، شيخ المحدثين ، أبو زكريا ن يحيى بن معين بن عون بن زياد بن بسطام . وقيل : اسم جده غياث بن زياد بن عون بن بسطام الغطفاني ثم المري ، مولاهم البغدادي ، أحد الأعلام المشهورين .



ليذهب المال مِن أجمل العلم



كان (معين) على خراج الري ، فخلّف ليحيى ابنه ألف ألف درهم ، فأنفقتها كلها على الحديث حتى لم يبقَ له نعل يلبسه ! .



إن المال حبيب إلى النفوس ؛ كما قال المولى عز وجل { وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا } ولا يتركه الإنسان إلا إلى أحب منه ؛ ولهذا كان العلم عند يحيى أحب مِن المال الذي أنفقه كله في سبيل العلم .



كتب بيده ستمائة ألف حديث !



قال علي بن المديني : " ما أعلم أحدًا كتب ما كتب يحيى بن معين " ، وقال أيضًا : " لا أعلم أحدًا مِن لدن آدم كتب مِن الحديث ما كتب يحيى " . وهذا يدل على شدة التحصيل عند يحيى بن معين ؛ ولهذا نجد التحصيل الشديد والحصيلة الوافية عندما سُئل يحيى بن معين : كم كتبت مِن الحديث ، فقال : كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث ! وخلّف يحيى مِن الكتب مائة وأربعة عشر قمطرًا ، وأربعة جباب شرائية .



التحري والدقة في الأخذ والرواية



كان الإمام يحيى بن معين ذا حرص ودقة في الأخذ والرواية ؛ وكان دقيقًا أيضًا في تثبيت المعلومة ، ولهذا كان – رحمه الله – يقول : " لو لم نكتب الحديث خمسين مرة ما عرفناه " .



وقال – رحمه الله - : " إني لأحدث بالحديث فأسهر له مخافة أن أكون قد أخطأت فيه " . وقال مجاهد بن موسى : " كان يحيى بن معين يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة " . وقال – رحمه الله - : " أشتهي أن أقع على شيخ ثقة ، عنده بيت مليء بكتب أكتب عنه وحدي " .



إمام الجرح والتعديل



أتى رجل إلى الإمام أحمد بن حنبل وقال له : يا أبا عبد الله انظر في هذه الأحاديث فإن فيها خطأ ، قال : عليك بأبي زكريا فإنه يعرف الخطأ .



وقال أحمد – رحمه الله - : ها هنا رجل خلّفه الله لهذا الشأن ، يظهر كذب الكذابين ، يعني (ابن معين) .



ويقول يحيى نفسه : "كتبنا عن الكذابين ، وسجّرنا به التنور ، وأخرجنا به خبزًا نضيجًا " .



وقصته مع نعيم بن حماد خير شاهد على دقته وحفظه ، وأنه إمام في الجرح والتعديل : (( قال يحيى بن معين : حضرت نعيم بن حماد بمصر فجعل يقرأ كتابًا صنفه فقال : حدثنا ابن المبارك عن ابن عون وذكر أحاديث ، فقلت : ليس ذا عن ابن المبارك ، فغضب وقال : تردُّ عليّ ؟ قلت أي والله ، فأبى أن يرجع فلما رأيته لا يرجع قلت : لا والله ما سمعت هذه مِن ابن المبارك ، ولا سمعها هو من ابن عون قط ، فغضب وغضب مَن كان عنده ، وقام فدخل فأخرج صحائف فجعل يقول : - وهي بيده – أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث ؟ نعم يا أبا زكريا غلطتُ وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك عن ابن عون )) .



ثناء أهل العلم عليه



قال أبو حاتم الرازي : إذا رأيت البغدادي يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة ، وإذا رأيته يبغض يحيى بن معين فاعلم أنه كذاب . وقال علي بن المديني : انتهى العلم إلى يحيى بن آدم ، وبعده إلى يحيى بن معين . وقال الإمام أحمد بن حنبل : السماع مِن يحيى بن معين شفاء لما في الصدور . وقال الإمام أحمد : كل حديث لا يعرفه يحيى بن معين فليس بحديث .



وقال الخطيب : كان إمامًا ربانيًا عالمًا حافظًا ثبتًا متقنًا . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : (( انتهى الحديث إلى أربعة : أحمد بن حنبل وهو أفقههم فيه ، وإلى يحيى بن معين وهو أكتبهم له ، وإلى علي بن المديني وهو أعلمهم به ، وإلى أبي بكر بن أبي شيبة وهو أحفظهم له – وفي رواية - : وإلى ابن معين ، وهو أعلمهم بصحيحه وسقيمه )) .



لكل بداية نهاية



مات – رحمه الله – بالمدينة ، فأخرجوا له الأعواد التي غُسّل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحُمل على سرير النبي صلى الله عليه وسلم ورحل يُنادى بين يديه هذا الذي كان ينفي الكذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال حبش بن مبشر الفقيه – وهو ثقة - : رأيت يحيى بن معين في النوم ، فقلت له ما فعل الله بك ؟ قال أدخلني عليه في داره وزوجني ثلاثمائة حوراء ، ثم قال للملائكة انظروا إلى عبدي كيف تطرى وحسن . رحمة الله على أبي زكريا ، وجزاه الله خيرًا عن الإسلام والمسلمين .






: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post494225





أحمد بن حنبل


(164 – 241هـ)

" خرجت مِن بغداد فما خلّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه مِن ابن حنبل " .

الشافعي




بداية محرقة



لقد كان النبوغ والتفوق ظاهرًا على الإمام أحمد منذ الصغر , فقد كان في الكتَاب (أماكن يتعلم فيها الصغار الكتابة) متفوقا على أقرانه ؛ يقول صاحب المنهج الأحمد : " وكان في الكتاب وهو غلام يعرف فضله , وكان الخليفة بالرقة فيكتب الناس إلى منازلهم الكتب فتبعث نساؤهم إلى المعلم : ابعث لنا بأحمد بن حنبل فيبعثه ليكتب لهم جواب كتبهم , فيبعثه , فكان يجيء إليهم مطأطئ الرأس , فيكتب لهم جواب كتبهم فربما أملوا عليهم الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم ...




فنبوغه ظاهر , وكذلك ورعه , وكان لا يجامل أحداً ؛ "فيكتب له المنكر " , وكأن الله يعده إعدادًا لأمر الفتنة والمحنة !.



طلب الحديث في سن المراهقة




كثير من أسر المسلمين اليوم تشكو من الأبناء عندما يصل الواحد منهم إلى سن المراهقة , وربما جلب لهم الكثير من المشاكل , ولكن الوضع مع الإمام أحمد كان غير ذلك تمامًا, فقد كان انطلاقه إلى العلم في هذا السن ؛ قال صاحب المنهج الأحمد : " طلب الحديث وهو ابن ست عشر سنة ".

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=494225



حفظ وفهم ورحلة




كان من الأسباب التي أهلت الأمام أحمد إلى هذه المرتبة أمران :



الأول :الحفظ




فعن أبي محمد بن أبي حاتم قال : قال يوماً سعيد بن عمرو البردعي لأبي زرعة يا أبا زرعة : أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل ؟ قال بل أحمد ابن حنبل , قال وكيف علمت ذلك ؟ قال وجدت كتب أحمد بن حنبل ليس بها في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدثين الذين سمع منهم , فكان يحفظ كل جزء ممن سمعه وأنا لا أقدر على هذا .



وقال أبو جعفر التبري : قيل لأبي زرعة : مَن رأيت مِن المشايخ المحدثين أحفظ ؟ فقال أحمد بن حنبل ؛ حزرت (أحصيت) كتبه في اليوم الذي مات فيه فبلغ اثني عشر حملاً وعدلاً وكل ذلك يحفظه عن ظهر قلب .



وقال عبد الوهاب الوراق : ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ، فقالوا له : وأي شيء بان لك مِن فضله وعلمه ؟ قال : رجل سئل ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال : حدثنا وأخبرنا .



الثاني : الفهم



فعن أحمد بن سعيد قال : ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله ، أو لا أعلم بفقهه ومعانيه مِن أبي عبد الله أحمد بن حنبل .



وعن إبراهيم الحربي قال : رأيت أحمد بن حنبل فرأيت كأن الله تعالى جمع له علم الأولين والآخرين مِن كل صنف .



وعن محمد بن يونس قال : سمعت أبا عاصم – وذكر الفقه – فقال : ليس ثـَـمَّ ؛ يعني ببغداد إلا ذلك الرجل – يعني أحمد بن حنبل - ، ما جاءنا مَن ثـَـمَّ أحد غير يحسن الفقه . وقال عبد الوهاب الوراق : أبو عبد الله أحمد إمامنا وهو مِن الراسخين في العلم ؛ فإذا وقفت غدًا بين يدي الله عز وجل وسئلت بمن أقتدي ، أقول بأحمد بن حنبل .



الثالث : الرحلة




كسائر أترابه تعلم القرآن في صغره وتلاه تلاوة جيدة وحفظه عن ظهر قلب ، وعندما تجاوز الخامسة عشرة مِن عمره ، بدأ يطلب العلم ، وأول مَن طلب العلم عليه هو الإمام أبو يوسف القاضي . والإمام أبو يوسف كما هو معلوم مَن أئمة الرأي مع كونه محدّثًا ، ولكن في البداية وبعد مرور فترة لأحمد مع أبي يوسف وجد الإمام أحمد أنه يرتاح لطلب الحديث أكثر ، فتحول إلى مجالس الحديث وأعجبه هذا النهج واتفق مع صلاحه وورعه وتقواه ، وأخذ يجول ويرحل في سبيل الحديث حتى ذهب إلى الشام والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراق وفارس وخرسان والجبال والأطراف والثغور ، وهذا فقط في مرحلته الأولى مِن حياته . ولقد التقى الشافعيّ في أول رحلة مِن رحلاته الحجازية في الحرم ، وأُعجِب به . وكان يقول عندما يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله يبعث على رأس كل أمّة مَِن يجدد لهذه الأمة أمر دينها . وكان يقول : لقد أرسل الله تعالى سيدنا عمر بن عبد العزيز يجدد لهذه الأمة دينها على رأس المئة الثانية وآمل أن يكون الشافعي على رأس المئة الثالثة .



وقد حيل بين أحمد ومالك بن أنس فلم يوفـّـق للقائه وكان يقول : لقد حُـرمت لقاء مالك فعوّضني الله عز وجل عنه سفيان بن عيينة . وكان الشافعي يكثر مِن زيارة الإمام أحمد ، فلما سئل عن ذلك أنشد قائلاً :



قالوا يزورك أحمد وتـزوره قلت الفضائل لا تبارح منزله

إن زارني فبفضله أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له



قال أحمد : " رحلت في طلب العلم والسنة إلى الثغور والشامات والسواحل والمغرب والجزائر ومكة والمدينة والحجاز واليمن والعراقين جميعاً وفارس وخراسان والجبال والأطراف ثم عدت إلى بغداد " .



ويقول عنه ابن الجوزي – رحمه الله – " طاف أحمد بن حنبل الدنيا مرتين حتى جمع المسند ".



نية لا تعرف الرجوع



من العوامل التي ساعدت هذا الإمام العظيم في طلبه العلم علو همته وعدم تردده في عزم يعزم عليه , وهاكم الدليل على صدق المقال " خرج الإمام أحمد إلى عبد الرزاق بصنعاء سنة سبع وتسعين ومائة ورافق يحيى بن معين قال يحيى : لما خرجنا إلى اليمن حججنا فبينا أنا بالطواف إذا بعبد الرزاق فسلمت عليه وقلت له : هذا أخوك أحمد بن حنبل فقال حيَّاه الله وثبته فإنه بلغني عنه كل جميل فقلت لأحمد : قد قرب الله خطانا ووفَّر علينا النفقة وأراحنا من مسيرة شهر فقال , أحمد بن حنبل : إني نويت من بغداد أن أسمع من عبد الرزاق بصنعاء والله لا غيرتُ نيتي "



وهذه قصة أخرى تدل على حب العلم والحرص عليه في حياة هذا الإمام الجليل قال صالح بن أحمد بن حنبل : رأى رجل مع أبي محبرة فقال له : يا أبا عبد الله أنت قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين فقال : مع المحبرة إلى المقبرة ! .. وقال رحمه الله : أنا أطلب العلم إلى أن أدخل المقبرة .



تلك المواقف والقصص تحمل دلالات كثيرة على مدى عشق الإمام أحمد للعلم وحبه له وحرصه عليه وحتى لا نغبط الإمام حقه من تلك المشقة فعلينا أن نتخيل وعورة الأراضي في ذلك الزمان , وانعدام التنقل إلا على الدواب , وما تحتويه الأرض من سباع وهوام , ولكنها النفس الأبية عندما تبحث عن سمو الروح .



علوم نبغ فيها وأخلاق هدي إليها




لقد عاش الإمام أحمد بن حنبل متنقلاً بين عددٍ من المعارف والفنون , فما ترك فناً من الفنون الإسلامية ولا باباً إلا ولجه باقتدار وثقة , ومن تلك العلوم التي خاض غمارها ما يلي:




(1) الحديث :




فهذا فنه وهذا علمه الأول ويسبب الاشتغال به أخّر الزواج فما تزوج إلا بعد الأربعين قال – رحمه الله - : " ما تزوجت إلا بعد الأربعين " .



وأما ضبطه للحديث فإنه آية من آيات الله تعالى ؛ قال – رحمه الله - : " نحن كتبنا الحديث من ستة وجوه وسبعة وجوه لم نضبطه ؛ فكيف يضبطه من كتبه من وجه واحد ؟ " .



وقال عبد الله بن أحمد : قال لي أبو زرعة : أبوك يحفظ ألف ألف حديث , فقيل له : وما يدريك ؟ فقال : ذاكرته فأخذت عليه الأبواب .




قال الذهبي : فهذه حكاية صحيحة في سعة علم أبي عبد الله وكانوا يعدون ذلك في المكرر والأثر وفتوى التابعي , وما فُسر ونحو ذلك و إلا فالمتون المرفوعة لا تبالغ عُشر معاشر ذلك .



وعن أبي زرعة قال : حزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حملاً وعدلاً ما كان على ظهر كتاب منها : ( حديث فلان ) ولا في بطنه ( حدثنا فلان ) كل ذلك كان يحفظه



(2) الفقه :



لقد حظي الإمام ابن حنبل بشهادات واعترافات مشايخه وجيل عصره مِن المحدثين والفقهاء ، وكلهم أجمع على فضله وقدره ، ومِن ذلك ما ذكره عبد الرزاق حين قال : " ما رأيت أحدًا أفقه ولا أورع مِن أحمد بن حنبل " ، وقال الذهبي معلقًا : " وقد رأى مثل الثوري ومالك وابن جريج " .



وقال عنه شيخه الشافعي : " خرجت مِن بغداد فما خلفت رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى مِن أحمد بن حنبل " .



(3) الزهد :



لقد كان أبرز ما يميز الإمام أحمد زهده وابتعاده عن مفاتن الدنيا ، حتى قال عنه الشافعي t : " أحمد بن حنبل إمام في ثماني خصال : إمام في الحديث ، إمام في الفقه ، إمام في اللغة ، وإمام في القرآن ، وإمام في الحديث ، وإمام في الزهد ، وإمام في الورع ، وإمام في السنة " .




سئل الإمام أحمد عن الفتوى ، فقال : ترك ما تهوى لما تخشى . وقال : كل شيء مِن الخير تهتم به فبادر به قبل أن يحال بينك وبينه .



وقال : عزيز عليّ أن تذيب الدنيا أكباد رجال وعت صدورهم القرآن . وقال : ما قلَّ مِن الدنيا كان أقلَّ للحساب . ورأى رجلاً يكتب بخط دقيق فقال له : لا تفعل أحوج ما تكون إليه يخونك .



بركة العلم في العمل



ومِن المميزات لهذا الجبل الأشم حرصه على الاتباع والعمل بالذي يعلم ؛ وهنا تظهر بركة العلم ؛ فقد اختفى أحمد – أيام المحنة – عند إبراهيم بن هانئ ، قال إبراهيم : اختفى عندي أحمد ثلاثة أيام ، ثم قال : اطلب لي موضعًا حتى أتحول إليه ، قلت لا آمن عليك يا أبا عبد الله ، فقال : افعل فإذا فعلت أخبرتك ، فطلبت له موضعًا فلما خرج قال لي : اختفى رسول الله ثلاثة أيام ثم تحول ، وليس ينبغي أن يتبع رسول الله في الرخاء ويُترك في الشدة .







آلام في سبيل العلم




ومَن المعلوم أن حال الدنيا متقلبة ، فليس لها على حال ثابت ، وفيها المحن ، ولا بد فيها مِن الآلام ، وقد قاسى الإمام أحمد آلامًا عند طلبه للعلم ؛ ومِن هذه الآلام ما ذكره أبو إسحاق الجوزجاني : " كان أحمد بن حنبل يصلي بعبد الرزاق فسها ، فسألنا عنه عبد الرزاق فأخبر أنه لم يأكل منذ ثلاثة أيام شيئًا " .



وذكر عبد الرزاق أحمد بن حنبل فدمعت عيناه ، ثم قال : قدم علينا فأقام ها هنا سنتين إلا شيئًا ، وبلغني أن نفقته نفدت ، فأخذت بيده فأقمته خلف الباب وأشار إلى بابه وما معي ومعه أحد فقلت : " إنه لا يجتمع عندنا الدنانير وإذا بعنا الغلة شغلناها في شيء ، وقد وجدت عند النساء عشرة دنانير فخذها ؛ فأرجو أن لا تنفقها حتى يتهيأ عندنا شيء ، فقال أحمد : يا أبا بكر لو قبلت شيئًا مِن الناس قبلت منك " .



وقال إسحاق بن راهوية : " لما خرج أحمد إلى عبد الرزاق انقطعت به النفقة فأكرى نفسه مِن بعض الجمالين إلى أن وافى صنعاء ، وقد كان أصحابه عرضوا عليه المواساة فلم يقبل مِن أحد شيئًا " .










عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-21-2011   المشاركة رقم: 45 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري


ثناء عطِر


لقد حظي الإمام أحمد في حياته بثناء كل مِن عاصره مِن مشايخه وتلامذته ، فقد قال عنه الشافعي t : " ما رأيت أعقل مِن أحمد بن حنبل " .


وقال عبد الرزاق : " رحل إلينا مِن العراق أربعة مِن رؤساء الحديث .. الشاذوكي ؛ وكان أحفظهم للحديث ، وابن المديني وكان أعرفهم باختلافه ، ويحيى بن معين وكان أعلمهم بالرجال ، وأحمد بن حنبل وكان أحمسهم لذلك كله " .


وعن شجاع بن مخلد قال : كنت عند أبي الوليد الطيالسي ، فورد عليه كتاب أحمد بن حنبل فسمعته يقول : ما بالمصرين – يعني البصرة والكوفة – أحد أحب إليّ مِن أحمد بن حنبل ولا أرفع قدرًا في نفسي منه .


وقال المزني : سمعت الشافعي يقول : ثلاثة مِن العلماء مِن عجائب الزمان .. عربي لا يعرب كلمة وهو أبو أثور ، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني ، وصغير كلما قال كلمة صدقه الكبار وهو أحمد بن حنبل .
وقال علي بن المديني : أحمد بن حنبل سيدنا ، وقال أبو زرعة الدمشقي : ما رأت عيني مثل أحمد بن حنبل ، قلت له في العلم ؟ فقال في العلم والزهد والفقه والمعرفة وكل خير ما رأت عيناي مثله .


وعن الحسين بن الحسن الرازي قال : حضرت بمصر عند بقـّـال فسألني عن أحمد بن حنبل فقلت قولاً كريمًا عنه ، فلم يأخذ ثمن المباع مني ، وقال لا آخذ ثمنًا ممن يعرف أحمد بن حنبل .


وقال ابن ماكولا : الإمام أحمد هو إمام في النقل وعَـلَـم الزهد والورع .


وقال ابن عساكر : هو أحد الأعلام مِن أئمة الإسلام . وقال أبو داوود : كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يُذكر فيها شيء مِن أمر الدنيا ما رأيته ذكـر الدنيا قط . وقال إسحاق بن راهوية : أحمد حجة بين الله وبين خلقه . وقال قتيبة بن سعيد : إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة . وقال أبو جعفر محمد بن هارون المخرمي المعروف بالغلاس : إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع ضال .

جوانب العظمة في حياته


تميزت شخصية الإمام أحمد بن حنبل بعدد مِن الخصال البارزة ، ومنها :

1- الإخلاص في الأعمال :


قال عنه تلميذ أبو بكر المروزي : كنت مع أبي عبد الله نحوًا مِن أربعة أشهر بالعسكر ، وكان لا يدع قيام الليل وقراءة النهار فما علمت بختمة ختمها وكان يُـسرّ بذلك .


حــدّثـتـني يا سـعــد عــنها فزدتني جنونًا فزدني مِن حديثك يا سعدُ
هواها هوىً لم يعرف القلب غيره فـلـيس لـه قبــلٌ ولــيس له بعدُ

2- الصلاة ودوام الاتصال :


قال عبد الله بن أحمد : كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة ، فلما فرض مِن تلك الأسواط أضعفته ، فكان يصلي كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة .

3- الدعوة إلى الخير وتعليم الرجال :


لم يكن يخبئ الإمام علمه بين الجدران ، بل كان ينزل إلى الجموع يعلمها ، وخاصةً عامة الأمة ، المثقف منها والأمي . وكان بِـشر الحافي الزاهد المشهور – رحمه الله – يعدد ثلاث خصال امتاز بها الإمام أحمد وفـُـضّل بها على غيره وقـَـصّر هو عنها ؛ إحداها أنه نـُـصّـب إمامًا للعامة . وقد قال صالح بن أحمد : جعل أبي يواصل الصوم يفطر في كل ثلاث على مر شهرين ، فمكث بذلك خمسة عشر يومًا يفطر في كل ثلاث ، ثم جعل بعد ذلك يفطر ليلة وليلة لا يفطر إلا على رغيف .


هكذا كان الإمام أحمد عليمًا بالحديث ، الأمر الذي وفـّـر له ثروة هائلة في العلم مكنته مِن الاستنباط . وقد وسّـع باب القياس مما جعل الأحكام أقرب إلى مرامي الشارع ومقاصده المستوحاة مِن أعمال الرسول وأقواله ، وكانت هناك حاجة ماسة إلى أحكامه ، لأنّ العرب تفرّقوا بين الأمصار التي فتحوها وفيها أمم وشعوب مختلفة . وقد قدّم الإمام أحمد الحديث على الرأي والقياس ولو كان ضعيفًا . كما أنه أكمل مشوار الشافعي مِن ناحية تعظيم دور السنة في البناء الفقهي .


وكانت شخصية الإمام أحمد رمزًا للصمود والثبات على الإيمان الراسخ ورفض الأفكار الدخيلة على الإسلام والعقيدة الإسلامية .






مسلم بن الحجاج

(206 – 261هـ)

" إمام لا يلحقه مَن بعده عصره ، وقلَّ مَن يساويه بل يدانيه مِن أهل وقته ودهره " .
الحافظ أبو علي النيسابوري

صاحب الصحيح ، أحد أئمة الحديث ، ثقة حافظ مصنّف إمام عالم بالفقه ، مِن أهل خراسان وكان موطنه مِن أحسن مدن خراسان وأجمعها للميزات ، نشأ غنيًا سخيًا كما وردت الأخبار عنه ، فقد صرّح الذهبي في السِيَر أنه : كان صاحب تجارة وكان محسن نيسابور ولو أملاك وثروة .

رحلاته في طلب السماع


قال الإمام الذهبي : وأول سماعه في سنة ثمان عشرة مِن يحيى بن يحيى ، وحج في سنة عشرين وهو أمرد مستمع بمكة ، وسمع بالكوفة مِن أحمد بن يونس وجماعة وأسرع إلى وطنه ثم ارتحل بعد أعوام قبل الثلاثين : كان الإمام مسلم – رحمه الله – أحد الأعلام في الحديث وأئمة الشأن وكبار المبرزين فيه مِن أهل الحفظ والإتقان والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار والبلدان ، والمعترف له بالتقدم فيه بلا خلاف عند أهل الحذق والعرفان والمرجوع إلى كتابه ، والمعتمد عليه في كل الأزمان ، سمع بخراسان مِن يحيى بن يحيى وإسحاق بن راهوية وآخرين ، وبالري مِن محمد بن مهران وأبي عتبان وآخرين ، وبالعراق مِن أحمد بن حنبل وعبد الله بن مسلمة وآخرين ، وبالحجاز مِن سعيد بن منصور وأبي مصعب وآخرين ، وبمصر مِن عمرو بن مسواد وحرملة بن يحيى وآخرين ، وخلائق كثيرين . كما أنه قدم بغداد غير مرة فروى عنه أهلها وآخر قدومه إليها في سنة تسع وخمسين ومائتين .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post494932

صلته بشيخه الإمام البخاري


لما قدِم الإمام البخاري إلى نيسابور كان أبو حاتم وأبو زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول ؛ ولم يكن مسلم يبلغه ، ولكن في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه . وقال الخطيب : إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذو . وقال الدار قطني : لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء .


وقال أحمد بن حمدون القصار : رأيت مسلمًا بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبّـل بين عينيه وقال : دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأساتيذ ، ويا سيد المحدثين وطبيب الحديث في علله ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته ، فلما فرغ قال مسلم : لا يبغضك إلا حاسد وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك .


وقد كان مسلم يناضل عن البخاري حتى أوحش ما بينه وبين محمد بن يحيى الذهلي بسببه ؛ قال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ : " لما استوطن البخاري نيسابور أكثر مسلم مِن الاختلاف إليه فلما وقع بين محمد بن يحيى والبخاري ما وقع في مسألة اللفظ ، نادى عليه ومنع الناس مِن الاختلاف إليه حتى هُجر وخرج مِن نيسابور في تلك المحنة ، وقطعه أكثر الناس غير مسلم فإنه لم يتخلف عن زيارته حتى إن الذهلي قال يومًا لأهل مجلسه وفيهم مسلم بن الحجاج : ألا مَن كان يقول بقول البخاري في مسألة لفظ القرآن فليعتزل مجلسنا ، فنهض مسلم مِن فوره إلى منزله ، وجمع ما كان سمعه مِن الذهلي جميعه وأرسله إليه وترك الرواية عن الذهلي بالكلية ، فلم يروِ عنه شيئًا لا في صحيحه ولا في غيره ، واستحكمت الوحشة بينهما " .




ثناء وإجلال


أجمع العلماء على جلالته وإمامته وعلو مرتبته وحذقه في هذه الصنعة وتقدمه فيها , وتضلعه منها , ومن أكبر الدلائل على جلالته وإمامته وورعه وحذقه وتقدمه في علوم الحديث وتفننه في كتابه الصحيح ؛ قال الحاكم :
سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول رأيت شيخًا حسن الوجه والثياب وعليه رداء حسن وعمامة قد أرخاها بين كتفيه , فقيل هذا مسلم فتقدم أصحاب السلطان فقال قد أمر أمير المؤمنين أن يكون مسلم بين الحجاج إمام المسلمين , فقدموه في الجامع فكبر وصلى بالناس.



وقال أيضًا : قرأت بخط ابن عمرو المستملي , فقال : أملى علينا إسحاق ابن منصور إحدى وخمسين ومائتين ومسلم بن الحجاج يجيب عليه , وأنا أستملي , فنظر إسحاق بن منصور إلى مسلم فقال : لن نعدم الخبر ما أبقاك الله للمسلمين .


وقال عبد الرحمن بن أب حاتم :"كان مسلم ثقة من الحفاظ كتب عنه برأي " , وقال أبو قريش الحافظ : سمعت محمد بن بشار يقول :" الدين أربعة : أبو زرعة بالري , ومسلم بنيسابور , وعبد الله الدارمي بسمرقند , ومحمد بن إسماعيل ببخارى" . وقال أحمد بن مسلمة رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلمًا في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما .


وقال أيضًا : وسمعت الحسين بن منصور يقول : سمعت إسحاق بن راهوية ذكر مسلمًا فقال بالفارسية كلامًا معناه : أي رجل يكون هذا ؟! , وقال أبو عمر بن حمدان: " سألت الحافظ بن عقدة عن البخاري ومسلم أيهما أعلم ؟ فقال كان محمد عالمًا ومسلم عالمٍا ".


وقال فيه شيخه محمد بن عبد الوهاب الفراء كان مسلم من علماء الناس وأوعية العلم , ما علمته إلا جيدًا
وكان بزازًا , وكان أبوه الحجاج من المشيخة , وقال أبو بكر بن الجارودي : حدثنا مسلم بن الحجاج وكان من أوعية العلم . وقال عنه مسلمة بن القاسم : ثقة جليل القد من الأئمة . وقال ابن الأخرم : إنما خرجت مدرستنا هذه من رجال الحديث ثلاثة محمد بن يحي , إبراهيم بن أبي طالب , ومسلم .

ثناء أهل العلم على صحيحه



مع أن مسلمًا أخذ عن البخاري , إلا انه حصل له في كتابه حظ عظيم مفرط , لم يحصل لأحد مثله , بحيث أن بعض الناس كان يفضله على صحيح البخاري ؛ وذلك لما اختص به جمع الطرق , وجودة السياق , والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي من غير تقطيع ولا رواية بمعنى , وقال الحافظ أبو علي النيسابوري : ما تحت أديم السماء كتاب أصح مِن كتاب مسلم في علم الحديث . ومَن حقق نظره في صحيح مسلم – رحمه الله – واطلع على ما أودعه في أسانيده وترتيبه وسن سياقه وبديع طريقته ؛ مِن نفائس التحقيق وجواهر الدقيق وأنواع الدرر والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها وضبط متفرقها وانتشارها وكثرة اطلاعه ، واتساع روايته ، وغير ذلك مما فيه مِن المحاسن والأعجوبات واللطائف الظاهرات والخفيات ، علم أنه إمام لا يلحقه مِن بعد عصره ، وقلَّ مَن يساويه بل يدانيه مِن أهل وقته ودهره وذلك فضل الله يؤتيه مَن يشاء والله ذو الفضل العظيم .


وقال ابن الشرقي : سمعت مسلمًا يقول : " وما وضعت شيئًا في كتابي هذا إلا بحجة وما أسقطت منه شيئًا إلا يحجة " . وقال أحمد بن مسلمة : كنت مع مسلم في تأليف صحيحه خمس عشرة سنة وهو اثنا عشر ألف حديث . وقال محمد بن الماسرجي : سمعت مسلمًا يقول : صنفتُ هذا الصحيح مِن ثلاثمائة ألف حديث مسموعة .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=494932



مع العلم حتى الممات


قال محمد بن عبد الله بن أحمد بن سلمة النيسابوري : سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب يقول سمعت احمد بن سلمة يقول : عُقد لأبي الحسين مسلم بن الحجاج مجلس للمذاكرة ، فذكر له حديث لم يعرفه فانصرف إلى منزله وأوقد السراج وقال لمن في الدار : لا يدخلن أحد منكم هذا البيت فقيل له : أهديتَ لنا سلة فيها تمر ، فقال : قدموها إليّ ، فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرةً تمرة يمضغها فأصبح وقد فنيَ التمر ووجد الحديث .


قال محمد بن عبد الله : زادني الثقة مِن أصحابنا أنه منها مات . وقال ابن كثير فحصل له بسبب ذلك ثـقـلٌ ومرضٌ حتى توفي .











عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-22-2011   المشاركة رقم: 46 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري




: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post495785
ابن حزم


(384 – 456هـ)
" أجمعُ أهل الأندلس لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة "
الإمام أبو القاسم صاعد بن أحمد

قصته مع طلب العلم


وذلك أنه شهد جنازة فدخل المجلس فجلس ولم يركع فقال رجل : قم فصلّ تحية المسجد ، وكان قد بلغ ستًا وعشرين سنة قال : فقمتُ وركعتُ فلما رجعنا مِن الصلاة على الجنازة دخلت المسجد فبادرت بالركوع ، فقال لي : احبس ! .. ليس ذا وقت صلاة وكان بعد العصر ، قال : فانصرفت وقد حزنت وقلتُ للأستاذ الذي رباني : دلني على دار الفقيه ابن دحّون قال : فقصدته فأعلمته بما جرى فدلني على موطأ مالك فبدأت عليه ، وتتابعت قراءتي عليه وعلى غيره نحوًا مِن ثلاثة أعوام وبدأت بالمناظرة . وألّف ابن حزم في الأدب كتاب طوق الحمامة ، وألـّف في الفقه وأصوله وشرح منطق أرسطو وأعاد صياغة الكثير مِن المفاهيم الفلسفية وربما يعتبر أول مَن قال بالمذهب الاسمي في الفلسفة الذي يلغي مقولة الكليات الأرسطية ( الكليات هي أحد الأسباب الرئيسية للكثير مِن الجدالات بين المتكلمين والفلاسفة في الحضارة الإسلامية وهي أحد أسباب الشقاقات حول طبيعة الخالق وصفاته ) .


ولم يمت ابن حزم حتى كتب (المحلّى) ؛ الذي يحتاج إليه المجتهد المطلق ! .

ومع الهمة .. عقل وقاد


ومع الهمة حفظ وعقل وقاد ، قال ابن حزم لما أحرق المعتضد العبادي عددًا مِن كتبه :


فإن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صــدري
يســير معـــي حيــث استقلت ركائبي وينزل إن أنـــزل ويدفنُ فــي قــبري
دعـــونيَ مِــن إحـــراق رَقَّ وكــاغـدٍ وقولوا بعلمٍ كي يرى الناس مَن يدري
وإلا فعـــودوا فـــي المكــاتــب بــــدأة فكـــم دون مـا تبـغــون لله مِـــن سِــترِ
كذاك النصارى يحــرقون – إذا علت أكــفهم – القـــرآن فـــي مــــدن الثغــرِ

هو البحر !


قال الإمام أبو القاسم صاعد بن أحمد : كان ابن حزم أجمع أهل الأندلس قاطبة لعلوم الإسلام وأوسعهم معرفة مع توسعه في علم اللسان ، ووفور حظه مِن البلاغة والشِعر والمعرفة بالسير والأخبار ، أخبرني ابنه الفضل أنه اجتمع عنده بخط أبيه أبي محمد بن تواليفه أربعمائة مجلد ، تشمل على قريب مِن ثمانين ألف ورقة .


قال أبو عبد الله الحميدي : كان ابن حزم حافظًا للحديث وفقيهًا مستنبطًا للأحكام مِن الكتاب والسنة متفننًا في علوم جمة ، عاملاً بعلمه ، ما رأينا مثله فيما اجتمع له في الأدب والشعر نفسًا واسعًا وباعًا طويلاً وما رأيت مَن يقول الشعر على البديهة أسرع منه وشعره كثير .


وقال الإمام الذهبي في (السير) : لم ينصف القاضي أبو بكر ابن العربي – رحمه الله – شيخ أبيه في العلم ولا تكلم بالقسط وبالغ في الاستخفاف به ، وأبو بكر – على عظمته في العلم – لا يبلغ رتبة أبي محمد ولا يكاد رحمهما الله وغفر لهما .


وقال اليسع بن حزم الغافقي وذكر أبا محمد فقال : " أما محفوظه فبحر عجاج وماء ثجاج ، يخرج مِن بحره مرجان الحكم ، ينبت بثجاجة ألفاف النعم في رياض الهم ، لقد حفظ علوم المسلمين وأربى على كل أهل دين وألّف الملل والنحل " .


وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام – وكان أحد المجتهدين - : " ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل المحلّى لابن حزم وكتاب المغني للشيخ موفق الدين " . قال الذهبي : قلت : لقد صدق الشيخ عز الدين وثالثهما السنن الكبير للبيهقي ورابعهما التمهيد لابن عبد البر ، فمن حصّل هذه الدواوين وكان مِن أذكياء المهتمين وأدمن المطلعة فيها ، فهو العالم حقًا .


وقال ياقوت الحموي في معجم الأدباء : (( ذُكر أن ابن حزم اجتمع يومًا مع الفقيه أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي ، صاحب التواليف الكثيرة ، وجرت بينهما مناظرة في سنة (440هـ) فلما انقضت ، قال أبو الوليد الباجي لابن حزم : تعذرني فإن أكثر مطالعاتي كانت على سرج الحراس ، قال ابن حزم : وتعذرني أيضًا فإن أكثر مطالعاتي كانت على منائر الذهب والفضة . قال ياقوت الحموي : أراد ابنُ حزم أن الغني أضيع لطلب العلم مِن الفقير .

فخر وأمنيات


وحق لابن حزم أن يفخر ؛ حيث يقول :


أنا الشمس في جو العلوم منــيرة ولكــن عيـبـي أن مطـلعي الغـربُ !
ولو أنني مِن جانب الشرق طالعٌ لجدَّ على ما ضاع مِن ذكري الشُهبُ

ولله دره حين يقول :


مــناي مِــن الدنيا علوم أثــبها وأنشــرها في كـــــل بادٍ وحاضرِ
دعاء إلى القرآن والسنن التي تناسى رجال ذكرها في المحاضرِ
وألزم أطراف الثغور مجـاهدًا إذا هيعـــة ثــــارت فـــأولُ نافــرِ
لألقى حمامي مقبلاً غير مـدبرٍ بسمـــر العـــوالي والرقاق البواترِ

إن رؤية ابن حزم الفلسفية التجديدية تجعله ركنًا أساسيًا في أي قراءة للتراث العربي الإسلامي رغم أن مدرسته الفقهية رُفضت أشد الرفض مِن قِبل المدرسة الإسلامية التقليدية التي اعتمدت المذاهب الأربعة للسنة وأغلقت الباب أمام أي تعديل أو اجتهاد .








ابن تيمية

(661 – 728هـ)
" لو أقسمت بين الركن والمقام أني ما رأيت مثله ولا رأى مثله لصدقت ولبررت " .
الذهبي

عشقٌ منذ الصِغر


لقد كانت بداية شيخ الإسلام ابن تيمية وولعَه بالعلم منذ الصغر ؛ قال الحافظ عمر البزار في الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية : لم يزل منذ صغره مستغرق الأوقات في الجد والاجتهاد ، وختم القرآن صغيرًا ، ثم اشتغل بحفظ الحديث والفقه والعربية حتى في ذلك ... إلى أن قال ... وكان الله قد خصه بسرعة الحفظ وإبطاء النسيان ، لم يكن ليقف على شيء أو يتسمع لشيء غالبًا إلا ويبقى على خاطره إما بلفظه أو معناه . وكان العلم قد اختلط بحكمه ودمه وسائره فإنه لم يكن مستعارًا بل كان له سفارًا ودثارًا .


وقال الحافظ الذهبي : كان يحضر المدارس والمحافل في صغره ، ويناظر ويفحم الكبار ، ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم ، فأفتى وله تسع عشرة سنة ، بل أقل ، وشرع في الجمع والتأليف مِن ذلك الوقت وواكب على الاشتغال .

بحرٌ في سائر العلوم


لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية مقتصرًا على فن مِن الفنون العلمية بل كان بحرًا في سائر ما كان معروفًا في عصره مِن العلوم ، فبعد علمه بما جاء في الكتاب والسنة كان عالمًا – كذلك – بالفلك والرياضيات والجغرافيا والطب وغيرها مِن العلوم المنتشرة في عصره ، وكان يناقش كل أهل فن مِن تلك الفنون بعلم غزير ، وكان أعلم بمذاهب أهل الباطل أنفسهم ، وبهذا تمكن مِن الدخول إلى صميم دعاويهم حتى أبطلها بالعقل والنقل .
وقال ابن الزملكاني : كان إذا سئل عن فن مِن العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن ، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله .

حسن تصنيف وجودة عبارة



وعن مصنفه يقول الذهبي : (( جمعت مصنفات شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد بن تيمية فوجدت ألف مصنف ، ثم رأيت له مصنفات أخرى ... )) ، ومِن العجيب أن شيخ الإسلام ذو ذاكرة فولاذية فربما ألف المصنف وهو في السجن وينقل فيه كل شيء ويعزو إلى المصدر وفي هذا يقول الحافظ عمر البزار : " ومَن أعجب الأشياء أنه في محنته الأولى بمصر لما أُخذ وسجن وحيل بينه وبين كتبه صنف عدة كتب صغارًا وكبارًا ، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره مِن الأحاديث والآثار وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم وعزا كل شيء في ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم وذكر أسماء الكتب التي ذكر منها ، وأي موضع هو منها ، كل ذلك بديهة مِن حفظه ، لأنه لم يكن عنده حينئذ كتاب يطالعه ونقبت واعتبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير وهذا مِن الفضل الذي خصه الله تعالى به "
وقد صنف تلميذه النجيب ابن القيم : كتابًا أسماه مؤلفات ابن تيمية ، حققه صلاح الدين المنجد وطبع بدار الكتاب الجديد ببيروت . وكانت له اليد الطولي في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقييم والتبيين شهد له بذلك خصمه ابن الزملكاني وكان يتكلم اللغات العربية والفارسية واللاتينية ويُفهم ذلك مِن قوله .


بالدعاء كان الفتح


كان ابن تيمية يستعين بالدعاء في كل أموره فكان – رحمه الله – يقول : ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير ثم أسأل الله الفهم وأقول : يا معلم آدم وإبراهيم علمني ، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله تعالى وأقول : يا معلم إبراهيم فهمني .

ابن تيمية في عيون العلماء


ما عاصر ابن تيمية أحدًا إلا وأثنى عليه ، وشهد له كثير ممن رآه ، فقد قال عنه ابن سيدة : " ألفيته ممن أدرك مِن العلوم حظًا وكاد أن يستوعب السنن والآثار حفظًا ، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته ، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وذو روايته ... ولم ترَ عين مَن رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه " .


وقال عنه الذهبي : " هو أكبر مِن أن ينبه مثلي على تفوقه فلو حلفت بين الركن والمقام حلفت أني ما رأيت بعيني مثله ، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم " .


وقال عنه ابن دقيق العيد : " لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلاً العلوم كلها بين عينيه ، يأخذ منها ما يريد ويدع ما يريد " .


وقال ابن حجر العسقلاني : " لو لم يكن للشيخ تقي الدين مِن المناقب إلا الشيخ شمس الدين ابن القيم صاحب التصانيف السائرة التي انتفع بها الموافق والمخالف لكان غاية في الدلالة على عظيم منزلته ، فكيف وقد شهد له بالتقدم في العلوم والتميز في المنطوق والمفهوم أئمة عصره مِن الشافعية وغيرهم فضلاً عن الحنابلة .


وقال فيه العلامة شيخ الشافعية ابن الزملكاني :


مــاذا يقــــول الواصفون له وصــفاته جلت عن الحصرِ
هـــو حــجــة الله قــــاهـرة هو بيــننا أعجـــوبة الــدهرِ

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=495785
هو آية للخــــلق ظـــــاهرة أنـــواره أربت على الفجــرِ


حياةٌ حافلة ومماتٌ مشرّف



كان خصوم ابن تيمية في كثير مِن المحن هم قضاته مِن الفقهاء الذين كبر عليهم مخالفته لهم في فتاويهم وآرائهم ، ومِن الصوفية وأهل الكلام وقد سُجن مرات عديدة منها (سنة 705هـ) في يوم الجمعة السادس والعشرين مِن رمضان وفي ليلة العيد نقل إلى مكان آخر بالجب وظلَّ حبيسًا عامًا كاملاً ثم خرج مِن السجن في الثالث والعشرين مِن ربيع أول (سنة 707هـ) ثم حُبس مرة أخرى بسب دعاوى بعض الصوفية ثم خرج (سنة 709هـ) يوم عيد الفطر ثم امتحن مرةً أخرى (عام 726هـ) ومنع مِن الإفتاء واعتقل وكان ذلك يوم الجمعة السابع مِن شعبان وظل في سجنه سنتين وأشهر ومات في ليلة الاثنين لعشرين خلت مِن ذي القعدة (سنة 728هـ) وشهد جنازته مِن الخلائق ما لا يحصره عد ، وكانت مثلاً واضحًا لقول الإمام أحمد : " قولوا لأهل البدع بينا وبينكم شهود الجنائز " .


وهكذا مات شيخ الإسلام ابن تيمية بعد حياة حافلة بالدعوة والجهاد والتدريس والفتوى والتأليف والمناظرة والدفاع عن منهج السلف ولم يتزوج ولم يتسرَّ ولم يخلّف مالاً .


رحم الله شيخ الإسلام رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته ، وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خير الجزاء .










عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2011   المشاركة رقم: 47 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
حصري


الذهبي

(673 – 748 هـ)
" محدث العصر، اشتمل عصرنا على أربعة مِن الحفاظ بينهم الذهبي " .
تاج الدين السبكي

أسرة تحب العلم تصنع عالمًا


عاش الذهبي طفولته بين أكناف عائلة علمية متينة ، فكانت مرضعته وعمته (ست الأهل) بنت عثمان الحاجة أم محمد قد حصلت على الإجازة مِن ابن أبي السير ، وجمال الدين بن مالك ، وزهير بن عمر الزرعي ، وجماعة آخرين . وسمعت مِن عمر بن القراسن وغيره وروى الذهبي عنها .


وقد أسرع أخوه مِن الرضاعة علاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار ليستجيز له جملة مِن مشايخ عصره في سنة مولده ؛ مِن دمشق وحلب ومكة والمدينة ، فانتفع بهذه الإجازة انتفاعًا شديدًا – كما يقول ابن حجر - .

بداية الرحلة


بدأ الذهبي رحلة طلب العلم ، وبدأ بالمؤدب علي بن محمد المعروف بالبصيص ، فأقام في مكتبته أربعة أعوام ثم اتجه بعد ذلك إلى شيخه مسعود بن عبد الله الصالحي فلقنه جميع القرآن ثم قرأ عليه النحو .

وبداية العشق


وبدأ الذهبي يعتني بطلب العلم حينما بلغ الثامنة عشرة مِن عمره وتوجهت عنايته إلى القراءات والحديث وتميز في دراسة القراءات وبرع فيها براعة جعلت شيخه شمس الدين محمد بن عبد العزيز الدمياطي يتنازل له عن حلقته بالجامع الأموي في أواخر سنة (692 هـ) حينما أصابه المرض الذي توفي فيه .

عاشق الحديث


وفي الوقت نفسه كان الذهبي وهو في الثامنة عشرة مِن عمره قد مال إلى سماع الحديث واعتنى به عناية فائقة ، وطغى هذا العلم على كل تفكيره واستغرق كل حياته فسمع ما لا يُحصى مِن الكتب ولقي كثيرًا مِن الشيوخ والشيخات وأصيب بشرهٍ في سماع الحديث وقراءته وافقه ذلك طيلة حياته حتى كان يسمع مِن أناس قد لا يرضى عنهم ؛ كما أخبر هو بذلك في ترجمة علي بن مظفر الإسكندراني فقال عنه : " لم يكن عليه ضوء في دينه ، حملني الشره على السماع مِن مثله " .

آية مِن آيات الله



قرأ على عبد الرحمن بن عبد الحليم الدكالي بالإسكندرية فختم عليه بقراءتي ورش وحفص في أحد عشر يومًا . وكان يجهد نفسه في قراءة أكبر كمية ممكنة على شيوخ تلك البلاد ، فقد ذكر – مثلاً – أنه قرأ سيرة ابن هشام على شيخه أبي المعالي الأبرقوهي في ستة أيام فقط .

همةٌ لا تكلُّ ولا تملُّ


لم ينقطع الذهبي عن السماع والدراسة طيلة حياته ، وكان سماعه متنوعًا ، فقد درس النحو ودرس على شيخ العربية ابن النحاس ، واهتم بالأدب وقرأ في التاريخ لكن علمه الأول هو الحديث سماعًا وإقراءً .

حياةٌ حافلةٌ بالعطاء



اختصر الذهبي عددًا ضخمًا مِن الكتب تربو على خمسين كتابًا ، منها أسد الغابة ، منها تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص ، واختصر تاريخ بغداد للخطيب ، والذيول عليه ، وتاريخ دمشق لابن عساكر ، وتاريخ نيسابور للحاكم ، وتاريخ خوارزم لابن رسلان ، والحق أن الذهبي هو صاحب التآليف الجمة الغزيرة العلم ؛ قال ابن ناصر الدين عنه : " ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين ، كان آية في نقد الرجال ، عمدة في الجرح ولتعديل " .

ثناء مستحـَـق


قال تلميذه الصفدي : " الشيخ لإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي ، حافظ لا يُجارى ولا قط يُبارى ، أتقن الحديث ورجاله ، ونظر علله وأحواله وعرف تراجم الناس وأزال الإبهام في تواريخهم والإلباس ، أكثر مِن التصنيف ووفـّـر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف " .


ووصفه تلميذه ابن كثير فقال : الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين ، قال عنه تلميذه محمد بن محمد بن عبد الكريم :


ما زلت بالسمع أهواكم وما ذُكرت أخبـــاركم قـــط إلا مِلتُ عن طربِ
وليس مِن عجبٍ إن مِلتُ نحــوكم فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهبِ

قال سبط ابن حجر : " حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علمًا عليه ، فلله دره مِن إمام محدث ، فكم دخل في جميع الفنون وخرج ، وصحح وعدّل وجرح وأتقن هذه الصناعة ، فهو الإمام ، سيد الحفاظ ، إمام المحدثين ، قدوة الناقدين " .


وقال السيوطي : " إن المحدثين في عصره عيال في الرجال وغيره مِن فنون الحديث على أربعة أحدهم الذهبي " .

مع السبكي في رثائه


توفي الإمام الذهبي عام (748 هـ) بدمشق ، ورحم الله السبكي يوم أن قال يرثيه :


مَن للحديث وللســارين في الطــلبِ مِن بعد موت الإمام الحافظ الذهــبي
مَــن للــرواية والأخـــبار ينشــرها بيــن البــرية مِن عجــمٍ ومِن عربِ
مَــن للـدراســة والآثـــار يحفـظــها بالنقد مِن وضع أهل الــفيّ والكذبِ
مَن للصـــناعة يـــدري حل معظلها حتى يريــك جـــلاء الشك والــريبِ
مَن للجـــماعة أهــــــل العلم تلبسهم أعلامه الغـــر مِــن أبــرادها القشبِ
مَن للتخــــاريج يبديها ويــدخل فـي أبـــوابـــها فـــاتحًا لمقفــل الأشـــبِ
مَن في القــراءات بين الناس نافعهم وعـــاصم ركنها في الجحفل اللجبِ
مَــن للخطـــابة لــما لاح يــرفل في ثوب الســـوادِ كبــدرٍ لاح في سحبِ
هـو الإمــــام الـــذي روت روايــته وطبــق الأرض مِـن طــلابه النجبِ
مهـــذب الـقـــول لاعــيٌّ ولـجلجــةٌ مثبت النقل سامي القصــدِ والحسبِ
ثبت صــــدوق خبــيـر حــافظ يقظ في النقلِ أصــدق أنباءً مِـــن الكتبِ
كالزُهرِ في حسبٍ والزَهر في نسبٍ والنهر في حـــدبٍ والدهر في رتبِ

وقد ترك الإمام الذهبي إنتاجًا غزيرًا مِن المؤلفات ، بلغ أكثر مِن مائتي كتاب ، شملت كثيرًا مِن ميادين الثقافة الإسلامية فتناولت القراءات ، والحديث ومصطلحه ، والفقه وأصوله ، والعقائد والرقائق ، غير أن معظم هذا الإنتاج يُغطّي علم التاريخ وفروعه .


وثلث هذا العدد مختصرات قام بها الذهبي لأمهات الكتب التاريخية المؤلَّفة قبله ، فاختصر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ، وتاريخ دمشق لابن عساكر ، وتاريخ نيسابور لأبي عبد الله الحاكم النيسابوري ، وتاريخ مصر لابن يونس ، وكتاب الروضتين في أخبار الدولتين لأبي شامة ، والتكملة لوفيات النـّـقلة للمنذري ، وأسد الغابة لابن الأثير . وقد حصر الدكتور شاكر مصطفى الكتب التي اختصرها الذهبي في 367 عملاً .


غير أن أشهر كتبه كتابان هما : ( تاريخ الإسلام وفيات المشاهير والأعلام ) ، وهو أكبر كتبه وأشهرها ، تناول فيه تاريخ الإسلام مِن الهجرة النبوية حتى سنة (700 هـ - 1300 م) وتضمن هذا العمل الحوادث الرئيسية التي مرت بالعالم الإسلامي مع تراجم للمشهورين في كل ناحية مِن نواحي الحياة . ويبلغ عدد مَن تَرْجَم لهم الذهبي في هذا الكتاب الضخم أربعين ألف شخصية . أما الكتاب الثاني فهو : ( سير أعلام النبلاء ) وهذا الكتاب أضخم أعمال الذهبي بعد كتابه (تاريخ الإسلام) ، وهو كتاب عام للتراجم التي سبقت عصر الذهبي .











بقيُّ بن مَخـْـلد

(201 – 267 هـ)
" صاحب التفسير والمسند ، اللذين لا نظير لهما "
الذهبي

كتابان جليلان وجهاد جبّار


لقد ألف الإمام بقي بن مخلد كتابين للدنيا ؛ الأول المسند والثاني التفسير ، قال عنهما الذهبي : صاحب التفسير والمسند اللذين لا نظير لهما ، عُني بالحديث عناية لا مزيد عليها ، وأدخل جزيرة الأندلس علمًا جمًا ، وبه وبمحمد بن وضاح صارت تلك الناحية دار حديث .


وأما التفسير فقد قال عنه ابن حزم : " أقطع أنه لم يؤلف في الإسلام مثل تفسير (بقي) ، ولا تفسير محمد بن جرير ولا غيره " . وقال ابن حزم في المسند : " ومسند بقيٍّ روى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف ورتب حديث كل صاحب على أبواب الفقه ، فهو مسند ومصنف ، وما أعلم هذه الرتبة لأحد قبله ، مع ثقته وضبطه وإتقانه في الحديث " .


ومِن الإنتاج العلمي الذي يحسب لبقيّ بن مخلد أنه ادخل كتبًا إلى الأندلس لم تكن معروفة عند أهل الأندلس ، وهي : مصنف أبي بكر بن أبي شيبة ، وكتاب (الأم) للشافعي ، وكتاب (سيرة عمر بن عبد العزيز) لأحمد بن إبراهيم الدورقي ، وغيرها .

إلى الإمام أحمد


قال حفيده عبد الرحمن بن أحمد : سمعت أبي يقول : (( رحل أبي مِن مكة إلى بغداد وكان رجلاً يبغي ملاقاة احمد بن حنبل ، قال : فلما قربت بلغتني المحنة وأنه ممنوع فاغتممت غمًا شديدًا فاحتللت بغداد واكتريت بيتًا في فندق ، ثم أتيت الجامع وأنا أريد أن أجلس إلى الناس فدفعت إلى حلقة نبيلة ، فإذا برجل يتكلم في الرجال فقيل لي : هذا يحيى بن معين ففرجت لي فرجة فقمت إليه فقلت : يا أبا زكريا رحمك الله ، رجل غريب ناء عن وطنه يحب السؤال فلا تستجف ، فقال : قل ، فسألت عن بعض مَن لقيته فبعضًا زكى وبعضًا جرح ، فسألته عن هشام بن عمار ؟ فقال لي : أبو الوليد صاحب ثقة وفوق الثقة ، لو كان تحت ردائه كبر ما ضره لخيره وفضله ، وصاح أصحاب الحلقة يكفيك غيرك له سؤال ، فقلت له وأنا واقف على قدم : اكشف عن رجل واحد : احمد بن حنبل ، فنظر إليّ كالمتعجب ، فقال لي : ومثلنا نحن نكشف عن أحمد ، ذاك إمام المسلمين وخيرهم وفاضلهم ، فخرجت أستدلُّ على منزل أحمد بن حنبل ، فدللتُ عليه ، فقرعت بابه فخرج إليَّ فقلت : يا أبا عبد الله ، رجل غريب ، نائي الدار ، هذا أول دخولي هذا البلد ، وأنا طالبُ حديثٍ ومقيدُ سنة ، ولم تكن رحلتي إلا إليك ، فقال : ادخل الأصطوان ولا تقع عليك عين ، فدخلت فقال لي : وأين موضعك ؟ قلت : المغرب الأقصى ، فقال : أفريقية ؟ قلت : أبعد مِن أفريقية ، أجوز مِن بلدي البحر إلى أفريقية ، بلدي الأندلس ، قال : إن موضعك لبعيد ، وما كان شيء أحب إليّ مِن أحسن عون مثلك ، غير أني ممتحن بما لعله قد بلغك ، فقلت : بلى ، وقد بلغني وهذا أول دخولي وأنا مجهول العين عندكم فإن أذنت لي أن آتي كل يوم في زي السؤال ، فأقول عند الباب ما يقول السؤال فتخرج إلى هذا الموضع ، فلو لم تحدثني كل يوم إلا بحديث واحد لكان لي فيه كفاية ، قال : نعم ، على شرط أن لا تظهر في الحـِـلـَـق ولا عند المحدثين قلت : لك شرطك ، فكنت آخذ عصا بيدي ، وألفُّ رأسي بخرقة مدنسة وأجعل كاغدي وأوراقي في كمي وآتي بابه فأصيح : الأجر – رحمك الله – (والسؤال هناك كذلك) ، فيخرج إليّ ويغلق ، ويحدثني بالحديثين والثلاثة والأكثر ، فالتزمت ذلك حتى مات الممتحن له ، وولي بعده مَن كان على مذهب السنة ، فظهر أحمد وعلت إمامته ، وكانت تُضرب إليه آباط الإبل ، فكان يعرف لي حق صبري ، فكنت إذا أتيت حلقته فسح لي ، ويعرض على أصحاب الحديث قصتي معه ، وكان يناولني الحديث مناولة ويقرأه عليّ وأقرأه عليه ، فاعتللت علة أشفيت منها ، ففقدني مِن مجلسه فسأل عني فأُعلم بعلتي ، فقام مِن فوره مقبلاً إليّ عائدًا لي بمن معه ، وأنا مضطجع في البيت الذي اكتريته ولبدي تحتي وكسائي عليَّ وكتبي عند رأسي فسمعت الفندق قد ارتج بأهله وأنا أسمعهم : هو ذلك إمام المسلمين مقبلاً فبدر إليّ صاحب الفندق ، فقال لي : يا أبا عبد الرحمن هذا أبو عبد الله أحمد بن حنبل إمام المسلمين مقبلاً إليك عائدًا لك ، فدخل فجلس عند رأسي وقد احتشى البيت مِن أصحابه ، فلم يسعهم حتى صارت فرقة منهم في الدار وقوفًا وأقلامهم بأيديهم ، فما زادني على هذه الكلمات : أبا عبد الرحمن أبشر بثواب الله ،أيام الصحة لا سقم فيها ، وأيام السقم لا صحة فيها ، أعلاك الله إلى العافية ومسح بيمينه الشافية ، فرأيت الأقلام ثم خرج عني فأتاني أهل الفندق يلطفون بي ويخدمونني ديانة وحسبة ، فواحد يأتي بفراش وآخر بلحاف وبأطايب الأغذية وكانوا في تمريضي أكثر مِن تمريض أهلي لو كنت بين أظهرهم ؛ لعيادة الرجل الصالح )) .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post497271

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=497271

مِن عجائب طلبه للعلم


قام بقيّ بن مخلد برحلتين إلى مصر والشام والحجاز وبغداد طلبًا للعلم ، امتدت الرحلة الأولى أربعة عشر عامًا والثانية عشرين عامًا . مع العلم أن جميع رحلاته على قدميه ؛ قال – رحمه الله – " كل مَن رحلت إليه فماشيًا على قدمي ، وكل مَن سمعت منه في البلدان ماشيًا على قدمي " .


وقال أحد تلاميذه عن : " كان بقيّ طوالاً قويًا جلدًا على المشي ، لم يُرَ راكبًا دابة قط ، متواضعًا ملازمًا لحضور الجنائز " .


وكان مِن مناقبه – رحمه الله – أنه كان يصلي بعد حزبه مِن المصحف صلاةً طويلةً جدًا ، ثم ينقلب إلى داره – وقد اجتمع في مسجده الطلبة – فيجدد الوضوء ، ويخرج إليهم فإذا انتهى صار إلى صومعة المسجد ، فيصلي الظهر ، ثم يكون هو المبتدئ بالأذان ثم يهبط ثم يسمع إلى العصر ويصلي ويسمع ، وربما خرج في بقية النهار فيقعد بين القبور يبكي ويعتبر . فإذا غربت الشمس أتى مسجده ثم يصلي ويرجع إلى بيته فيفطر ، وكان يسرد الصوم إلا يوم الجمعة ، ويخرج إلى المسجد فيخرج إلى جيرانه فيتكلم معهم في دينهم ودنياهم ثم يصلي العشاء ويدخل بيته فيحدث أهله ثم ينام نومة قد أخذتها نفسه ثم يقوم وكان هذا دأبه إلى أن توفي . وكان جلدًا قويًا على المشي .






الشوكاني

(1173 – 1250 هـ)
" كان مبرزًا في علوم كثيرة ، ولا سيما علوم لسنة والتفسير والفقه ؛ فروعه وأصوله ، مؤرخ له شعر حسن " .
القاضي إسماعيل الأكوع

منبتٌ حسن وولد صالح


إن الأسرة هي المحضن الأول للتربية ، ويوم تقوم بالدور الأكمل تخرج للأمة رجالاً أبطالاً ، وعلماء أجلاء فهذا الإمام تربى على يد والده بصنعاء ، وكان أبوه قاضيًا وعالمًا ومعروفًا بالطيبة والصلاح ، فتربى الابن على العفاف والطهارة والتفرغ لطلب العلم ، يتلقى في بيت أبيه جميع أسباب الحياة ووسائل الرزق . وقد ابتدأ تحصيله العلمي الواسع بقراءة القرآن وحفظه على جماعة مِن المعلمين وختمه على الفقيه حسن بن عبد الله الهبل ، وجوّده على جماعة مِن مشايخ القرآن بصنعاء ، ثم انتقل إلى حفظ كثير مِن المتون كـ (الأزهار) للإمام المهدي في الفقه ، و (مختصر الفرائض) للعصيفري ، و (الملحة) للحريري ، و (الكافية) و (الشافية) لابن الحاجب ، و (التهذيب) للتفتازاني ، و (التلخيص في علوم البلاغة) للقزويني ، وغيرها .
وقرأ عدة كتب في التاريخ والأدب ، ثم شرع في السماع والطلب على العلماء البارزين في اليمن ، حتى استوفى كل ما عندهم مِن كتب ، وتقدم للإفتاء وهو في نحو العشرين مِن عمره ، ولم يعترض عليه شيوخه .

علم وتعليم


وكان الشوكاني ذا طريقة خاصة في الطلب ؛ فقد كان يجمع في وقت واحد بين الأخذ والعطاء والعلم والتعليم ، فكان يحصل دروسه عند مشايخه ثم يتفرغ بهد ذلك لطلاب العلم .

همة عالية لا تعرف الدنوّ


ومِن العجيب عند هذا الإمام أنه ذو همة عالية لا تعرف الدنو ، بل ألِفت العلوّ الدائم ؛ فهو طالب ومعلم في الوقت نفسه ، ولهذا قال مَن ترجم عنه : إن دروسه كانت تبلغ في اليوم والليلة ثلاثة عشر درسًا ، منها ما يأخذه عن أساتذته ، ومنها ما يبقيه على تلاميذه ، وكان كل درس يأخذ ساعة ونصف أو ساعتين ، فهو يحتاج إلى ثلاث عشرة ساعة أو ستٍ وعشرين ساعة ، ولكنها البركة الربانية لهؤلاء الذين أعلوا راية العلم وبذلوا مِن أجله الغالي والرخيص .

جدٌّ وزهدٌ واجتهاد


ٍيمتاز الإمام الشوكاني بالجد والمثابرة والحيوية والنشاط والذكاء الفطري ، وقد ظهر هذا في اتساع ثقافته وعمق تفكيره وتصديه للإصلاح والاجتهاد ، وهو لم يرحل في طلب العلم بسبب عد إذن والديه له , ولكنه عوَّض ذلك بالسماع والإجازة , لكل ما وقعت عليه يده من الكتب وفي مختلف العلم.


وكان - رحمه الله – زهداً في الدنيا والمناصب , ولكنها أبت إلا أن تأتي إليه صاغرة , فقد اختير للقضاء في صنعاء وعمره ستٌّ وثلاثون سنة , وجمع بين القضاء والوزارة , فأصبح متوليًا شؤون اليمن الداخلية الخارجية , وسار في الناس بأحسن سيرة .


وأما اجتهاده فقد كان الشوكاني حرباً ضروساً على التقليد وأهله , بل دعا إلى نبذ التقليد والتعصب بالنظر في الأدلة والعودة إلى هدي الكتاب والسنة ؛ وسبب ذلك هو الاطلاع الواسع الذي عرف به ؛ يقول العفاني : في الجملة فقد درس دراسة واسعة واطلع اطلاعاً قلَّ أن يحيط به جمع غفير , فليس مِن المستطاع سرد ما درسه من كتب واستفادة من مراجع , ومن يرجع إلى كتابه ( إتحاف الأكابر بإمساك الدفاتر ) – مثلاً- يدرك ما كان عليه الرجل من تنوع في الثقافة واتساع فيها , وقد برع في كل ذلك تقريباً , وصنف في كل ذلك ودرس فيه .

المذهب والعقيدة


كان مذهب الشوكاني في مطلع حياته المذهب الزيدي , وقد حفظ أشهر كتب المذهب , وألف فيه كتابًا وبرع في مسائله وأحكامه , حتى أصبح قدوة , ثم طلب الحديث وفاق أهل زمانه من الزيدية وغيرهم , مما جعله يخلع ربقة التقليد , ويدعو إلى الاجتهاد ومعرفة الأدلة من الكتاب والسنة .


ويظهر هذا الموقف الاجتهادي في رسالة له سماها (القول المفيد في حكم التقليد) , وفي كتاب فقهي كبير اسمه ( السيل الجرَّار المتدفق على حدائق الأزهار ) .


وأما عقيدته فكانت عقيدة السلف الصالح ؛ وهي حْمل صفات الله تعالى الواردة في القرآن والسنة الصحيحة على ظاهرها من غير تأويل ولا تحريف , وله رسالة اسماها (التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف) وقد دعا إلى نبذ كلام المتكلمين , وتطهير عقيدة التوحيد من مظاهر الشرك , وتخليص ما دخل على حياة الناس وتدينهم من البدع والخرافات , و ويظهر هذا جليًا في كثير من كتبه , وبخاصة كتابه (قطر الولي على حديث الولي) .

من مشكاة الشوكاني


يقول الشوكاني رحمه الله : (( استكثر من الفنون ما أردت , وتبحر في الدقائق ما استطعت , وجاوب من خالفك وعزلك وشنَّع عليك بقول القائل :


أتانا أن سهلاّ ذمَّم جــهلاً عــلومًا ليس يعرفها سهـلُ
علومًا لو دراها ما قلاها ولكنّ الرضا بالجهل سهلُ

علمٌ غزير وتصنيف بديع


قال صاحب كتاب أبجد العلوم :


جم الإمام الشوكاني – رحمه الله تعالى – في شخصيته العلمية الفذة ثلاثة أمور رشحته إلى أن يُعدَّ من أعلام المسلمين ومن المجددين , الذين يبعث الله على رأس كل قرن واحدًا للأمة دينها ويشحذ روح العزة والمحبة فيها وهي :


1- سعة التبحر في العلوم علة اختلاف أجناسها .
2- كثرة التلاميذ المحققين الذين يحيطون به ويسجلون كلامه وينقلون كتبه وأفكاره .
3- سعة التأليف في مختلف العلوم والفنون .
ويمكن تقسيم كتبه إلى قسمين:


الأول : المطبوعات , ومنها :



1- إتحاف الأكابر بإسناد الدفاتر.
2- إرشاد الثقات .
3- إرشاد الفحول إلى علم الأصول .
4- البدر الطالع في محاسن من بعد القرن السابع .
5- التحف في الإرشاد إلى مذهب السلف .
6- تحفة الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين .
7- تنبيه الأفاضل على ما ورد في زيادة العمر ونقصانه مِن الدلائل .
8- تنبيه الأعلام على تفسير المشبهات بين الحلال والحرام .
9- الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد .
10-الدرر البهية في المسائل الفقهية .
11-السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار .
12-فتح القدير الجامع بين فن الرواية والدراية في علم التفسير .
13-نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار .

والقسم الثاني للكتب المخطوطة


يقول محمد صبحي حلاق : إن مؤلفات الإمام الشوكاني المخطوطة بلغت مائتين وأربعين مؤلفًا ما عدا الكتب المطبوعة السابقة .

ما سبق كان مقتطفات مِن سير السلف الصالح ، صحبناهم في سيرة مقتطفة مِن حياتهم ، كان حرصنا في ذلك ومبتغانا هو شحذ الهمم في نفسك أيها القارئ لتعلم أن ما وصلوا إليه مِن درجات ، وما خلّد اسمهم طيلة هذه القرون حتى يومنا هذا إنما هو العلم الذي سعوا إليه وضحوا لأجله بالغالي والنفيس ، فهلا شمرت عن ساعدك وبدأت العمل ؟!











عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2011   المشاركة رقم: 48 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
افتراضي


الفصل الخامس

كيف تعشق ؟ ومَن تعشق ؟






تركنا عشق الخدود والقدود والعيون السود ، وسمَوْنا إلى عشق ديوان المكارم وموسوعة
القيم ومنبر المجد ومنارة المعرفة لنصل بأنفسنا وبإخواننا إلى أعــــذب قصة في العشــق
وأجمل رواية في الحب وأحسن أنشودة في الغرام ، إنه عشق كتاب نافع مِن مغرمٍ محبٍّ
ذكي وجَد في الكتاب بغيته وفي الحرف مطلوبه ، فنسي كلَّ معشوق آخر !








سوف نحط رحالك – في هذا الفصـــل –
على عتبات كتبٍ تبدأ بها رحلة عشقـك ..
نحاول أن نقدم لك خلاصة تجـــاربنا فـي
التعامـــل مـــع هــــذه الكــتب ، وكيفــية
الاستفادة منها على الوجه الأكمل .














: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post498301

قرة عيون العشاق

اقرأ كتابك كفى بك داءً أن ترى الجاهل يُقبل عليك ثم لا تقرأ ، وقفا نبك مِن ذكرى أمّة أوتيت كتابًا هجرته ولكل امرئ مِن دهره ما تعودا ، وعادة أهل الفضل مطالعة دواوين المعرفة في كل آن ، إن العيون التي سهرت لطلب العلم مأجورة وعلى قدر أهل العزم تتدلى لها النجوم وتحتفل بهم الكواكب ، ولا عيب في العباقرة غير أن كتبهم مِن كثرة التفتيش والقراءة تكاد تتمزق ، ليس الغبي بسيد قومه ؛ لكن الذكي بعلمه الألمعي بفطنته هو سيد الأقوام ، وإذا أراد الله نشر فضيلة الأبرار أتاح لهم رغبة عارمة في العلم ، ومطالعة راشدة في أسفار الخلود ولوحة الوجود ، أو لم يكفهم أنّا ترحم عليهم جزاء ما صنفوا وألّفوا ؟ إن مِن نكد الدنيا على الحُر أن لا يقرأ ، ومَن لا يذُد عن وقته بحرصه هدم عمره ، وقل لأهل الجهل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين : إما خلود لأسمائنا في الدفاتر أو صعود لأشخاصنا على المنابر ، مع خدمة محابر وإعلان منائر . انتظر فتح الباري ، وعش في ظلال القرآن ، وانزل رياض الصالحين ؛ لتنال بلوغ المرام ، فإن حادي الأرواح هو الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ، ومِن مبادئ اقتضاء الصراط المستقيم سلوك منهاج السنة ؛ لأنه مدارج السالكين ، إذا حملوا زاد المعاد وكانوا على ميزان الاعتدال وساروا على سير أعلام النبلاء ، وما أجمل طالب العلم لمحلّى بالأخلاق ؛ لأن سيرته إحياء لعلوم الدين ، ومن صعد مراقي الصعود ، هبط الروض المربع إذا لم يخطئ منار السبيل ، والكافي له ربه مِن كل حاسد ، والمغني له مولاه مِن كل جاحد ؛ لأن الشفاء هو البرهان ، وهو الحجة البالغة ، فبداية المجتهد ونهاية المقتصد هو دليل الطالب مِن الوحي ، وأضواء البيان في ذلك هي معالم الطريق ، فإذا عرف العبد ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ، وصل إلى ربيع الأبرار وقرة عيون الأخيار ، فوجد حدائق ذات بهجة ، وهتف به لسان الحال : لا تحزن !








تعلم كيف تعشق

عدد الكتب حولك لئلا تملّ ، ونوّع قراءتك واجعل في جيبك وعند رأسك وفي مجلسك وصالون انتظارك وحقيبتك وسيارتك كتبًا حتى تُسعد نفسك وغيرك بالمطالعة ، فإنك بهذا العمل تطرد عنك سحابة الحزن ، وليلَ الهم ، وتنمي فكرك ، وتزيد مِن علمك وفهمك ، إن الذي لا يقرأ رجلٌ بسيط عادي مقلَّد مكرر ، لا جديد عنده ، ولا فائدة لديه ، ولا حلاوة لكلامه .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=498301









وعلم أبناءك كيف يعشقون

لو علما أطفالنا القراءة ودرّبناهم على المطالعة كل يوم ، واخترنا لهم ألطف الكتب وأنفعها ؛ لتعلقوا بالمعرفة وانجذبوا إلى الكتاب وتأدبوا بأحسن الآداب وحفظوا وقتهم ، وسلموا مِن الشتات والضياع ونجوا مِن جلساء السوء ورفقاء الباطل ، ونصيحتي لل ابٍ ان يدرّب أبناءه على القراءة ويضع لهم الجوائز ويفتح باب المنافسة ، ويجمع في بيته مكتبة عامرة بأنفع الكتب ، فهذا دليل رقيِّ الإنسان وسعيه في أسباب الكمال ، فليس هناك أعظم ممن أدى حق ربّه ، ثم جاهد نفسه في طلب العلم النافع ، وطرد الجهل عن نفسه بمطالعة آثار الأولين ، ثم إنه يجد مِن الأنس والمتعة وحفظ الزمان وزيادة العقل وانشراح الصدر ، ما لم يجده في غرس الأشجار ، وجري الأنهار ، وسكنى القصور والدور .









وقرب معشوقك إليك

ثم تأمل في قول بلقيس { إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ } ففيه دليل على أن الكتاب أرفع مِن الرسل ، فإن سليمان عنده علماء الإنس والجن ، وعنده مِن العفاريت ما يسبق الريح ، ومع ذلك أرسل كتابًا ؛ لأنه بالعز مرقوم وبالحكمة مختوم والخط فيه شاهد عيان ، والمداد به أعظم برهان ، ثم إن صورة الكتاب تهول الحجاب ؛ لأنه أنبه وأكرم وأشرف وأفخم ، لأنه يحفظ الرسالة في إتقان وإصابة ، ثم إن الكلام المحفوظ في الرأس أبعد عن الضبط مِن المرقوم في القرطاس ، أما ترى أن الله جل اسمه أنزل رسالته في كتاب ؛ لتكون محفوظة بين الأمم والأحزاب ؟ فسليمان لما كان نبيًا ملكًا اختار الكتاب وسيلة لإبلاغ بلقيس دعوته ؛ لأن الصحيفة مهابة ، والحروف جذابة فقد بان لك الآن أن كتابة العلم وتأليفه وتصنيف أبوابه واقتناء أسفاره مِن أنبل أعمال العظماء ومِن أفخم صفات النجباء ، وما ساد مَن ساد إلا بالورق والمداد ، وانظر أي عالم في الدنيا مهما كثر الجمع عنده والحضور لديه فإنه لا يعادل عشر معشار مَن يقرأ كتابه بعد ذهابه وتوسّده في ترابه ، وكم قرأ (صحيح البخاري) مِن بشر كثير وجمع غفير وعلم خطير وشهير مُشير ووزير وأمير ، وهذا (ديوان المتنبي) طُبع حتى ملأ الأدراج وصار الناس في شرائه كالأمواج ، ودونك (كتاب) سيبويه أصبح في البيوت آية واقتناؤه غاية ، وهذه (مقدمة ابن خلدون) لأنها مكتوبة أقيمت لها مراكز عالمية ومنابر دولية ، ورسالة ماركس في أوراق طبقت الآفاق مع ما فيها مِن إلحاد ونفاق وأقول لك لن تجد أشرف ولا أعز ممن رضي بالكتاب عن الأصحاب ، وخلا بالصحف عن هذا الخلف ، فتدرع بدفاترك واحتضن أوراقك وكب بقية المحبرة في المقبرة ، فوالذي رفع الخضراء فسواها وبسط الغبراء فدحاها ، لقد دخلتُ على الملوك وجالستُ العلماء وناظرتُ الأدباء وطارحتُ الشعراء وراسلتُ النجباء وشاجيتُ الشرفاء ، وداخلتُ الأمراء وشرّقتُ إلى جاكرتا وغربتُ إلى لوس أنجلوس ، فما وجدتُ أنفع ولا أفيد ولا أعزّ ولا أشرف مِن صحبة الكتاب ، في عزلة حاسد وحاقد وجاحد وجامد وشامت .













عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2011   المشاركة رقم: 49 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
افتراضي


واقرأ كتابك

فإنك كلما ، فُتحت أمامك آفاق واسعة مِن المعرفة والتجارب والدراية ، فكل سطر له معنىً وكل كلمة لها رمز ، وما عليك إلا أن تكون قارئًا ذكيًا يوظف المعلومة ، ويجيد تخزين المعرفة في ذاكرة اكتسبت الوعي مِن المران ، وحفظت الفوائد بالمراس افتح كتابًا نافعًا وكأنك فتحت مدينة ، وطالع ديوانًا مفيدًا وكأنك طالعت قارة ، إنما المهم أن تقرأ وأوصيك دائمًا أن تقرأ ولو قبلت نصيحتي لقلت لك : اقرأ .

كيف تحقق مسألة شرعية ؟


تحقيق المسألة يتم بأمور ، هي :
(1) جمع النصوص في المسألة مِن الكتاب والسنة .
(2) النظر في الحديث صحةً وضعفًا .
(3) التأكد مِن النسخ في الآية أو الحديث .
(4) حصر أقوال أهل العلم في المسألة .
(5) النظر في الأقوال والترجيح ، وذلك يمكّنه مِن أصول الفقه .
(6) ذِكر القول الراجح وسبب ترجيحه ولماذا أهملت الأقوال الأخرى .

كيف تخرج حديثًا ؟


إذا أردت تخريج حديث ما ، فلا بد أن تبحث عن مظانه ، ومَن رواه ؟ وهذا يكون بأمور :
(1) إن عرفت مظانه بالاستقراء والنقل فحسن .
(2) وإن لم يحصل ذلك ، فبمعرفة أول الحديث والنظر في الفهارس والمعاجم .
(3) وإن لم يحصل ذلك ، فخذ مادة مِن الحديث وارجع إلى المعجم المفهرس ، إن كان الحديث عند التسعة .
(4) ثم انظر في سند الحديث رجلاً رجلاً بواسطة علم الرجال .
(5) ثم اجمع أقوال أهل العلم في الحديث لتخرج بحكمٍ متأنٍ على الحديث .







الطريق إلى المعشوق


: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t62087-5.html#post498806
كم هو جميل ذلك الطريق المؤدي إلى عالم الكتب ، فدعني أحلّق معك في رياض تلك الكتب ، فإنَّ أشرف ما يمكن أن نعيش به في الحياة – بعد الإيمان والعمل الصالح – التحصيل وقراءة كتب العلم ، فأهل العلم هم أهل النفع والفائدة .


يا ذكـــــيًا والذكــا جـــلبابــه وتقـــيًا حــــسُـــنت آدابــهُ
قم وصاحب مَن هم أصحابه لا تقل قد ذهـــبت أربــابهُ


كل مِن سار على الدرب وصل

وليست العبرة بكثرة اقتناء الكتب ، فقد تجد عالمًا ليس في بيته سوى عشرة كتب قد هضمهما وفهمها ، وتجد طالبًا عريًا مِن العلم ، في بيته مكتبة هائلة مِن الكتب قد تراكم عليها الغبار ، لا يعرف منها إلا عناوين الكتب . فالعبرة بالمضمون لا بالمظاهر .


واعلم أنه لا يخلو كتاب مِن فائدة فلا تحتقر أي كتاب ، فإنك قد تجد الدر بين القش ، وكم مِن مسألة محققة منقحة في كتيب لا تظفر بها في مجلدات . وأنت مخير في ترتيب مكتبتك : إما على الفنون : القرآن وعلومه والتفسير والحديث وهكذا ... أو على المؤلفين .


وسندخل المكتبة الإسلامية لنقف مع الكتب المشهورة والشروح والمختصرات ، ونعرض بعض الأمثلة ، وبعض النقد الذي لا يسلم منه كتاب مِن كتب البشر .







القرآن الكريم أعظم الكتب

الكتاب بالنسبة إلى طالب العلم هو رفيقه في درب الحياة ، وأنيسه في الوحدة وصاحبه الذي لا يخونه ولا يمله ولا يسأمه ولا يضجره . والكتاب أحسن ما يمكن أن تجلس معه ، قال أبو الطيب المتنبي :


أعز مكانٍ في الدنيا سرج سابح وخير جليس في أنام كتابُ

فإذا كان الكتاب جليسك فأبشر ثم أبشر ، خاصةً إذا كان الكتاب الإسلامي النافع المفيد . وأعظم كتاب طرق المعمورة هو كتاب الله عز وجل ، ويحتاج ذكر فضائله إلى دروس ودروس ، ويكفي هذا الكتاب فضلاً أنه معجز وأنه : { لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ } وقوله تعالى {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} وقوله تعالى { قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} وقوله تعالى {الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ} .


ولما كان الكلام في هذه العجالة عن كتب البشر ، فإني أستميحكم عذرًا معلنًا عجزي عن عرض فضائل القرآن ، ثم أحيلكم على كتاب (التبيان في آداب حملة القرآن) للإمام النووي ، وإلى غيره مِن كتب أهل العلم ، ويوم تكون طالب علم فيجب أن يكون القرآن في مكتبتك وتحفظ منه ما تيسر ، وتدبره ، ويكون هو وردك دائمًا ومعلمك وأنيسك وربيع قلبك ، فهو الذي يزيدك إيمانًا وطموحًا .





أولاً : في رياض التفسير

لندخل الآن إلى فن التفسير , هذا العلم الذي أجاد فيه المسلمون وأغزروا فيه من الفوائد وخدموه خدمة بارعة . وهو على قسمين : التفسير بالرواية , والتفسير بالدراية ؛ فالرواية هي النقل والدراية هي النقل . وسنذكر بعض التفسير التي لا يستغني عنه طالب العلم , ثم نذكر جملاً من فوائدها .

1- تفسير ابن جرير الطبري




أعظم تفسير عند المسلمين وهو التفسير الذي جمع فأوعى ومن مميزاته وخصائصه :


أولاً : أنه اعتنى بالتفسير المأثور المنقول عن الرسولr وأصحابه .

ثانيًا : أنه أثبت ما نقل بالسند ولم يأت بكلام بلا خطام ولا زمام فلا تثريب عليه في ذلك

ثالثًا : أنه أتى بلب اللغة العربية واستشهد بالأبيات التي أقرها أهل اللغة من شعر الجاهليين وغيره .

ولكن الله سبحانه وتعالى لم يضمن العصمة إلا لكتابه فهناك بعض المؤاخذات على هذا التفسير :



أولها : التطويل فقد أطال فيه ومد الكلام وبسط الحديث بشيء يمل وبسبب ذلك أنه يأتي بالسند الطويل ثم يأتي في المتن بكلمة أو ما إلى ذلك . وهذا يستنفذ وقتًا طويلاً على طالب العلم .

ثانيها : أنه قد يأتي بروايتين أو ثلاث ثم لا يرجح وطالب العلم يحتاج إلى تحقيق المسائل والترجيح بيت الأقوال واعتماد قولٍ واحد يكون عليه مدار العمل .

ثالثها : أنه مر على كثير من الأحاديث الضعيفة ولم ينبه عليها وحق على طالب العلم أن لا يمر بحديث إلا ويبين درجته لتبرأ ذمتـُه خاصة من مثل العالم الفذ ابن جرير الطبري – رحمه الله – ويمكن أن يُعتذر له بذكره للسند .

2- تفسير ابن كثير


ذكر عن الشوكاني – كما في البدر الطالع – أنه قال (( ما أعلم تفسيراً أحسن منه فكيف بمثله ؟!)) وذكر عن السيوطي أنه قال (( ما على وجه الأرض أحسن من تفسير ابن كثير )) وهو التفسير المشرق ، ومن مميزاته :
1) أنه تفسير القرآن بالقرآن فيورد الآية ثم الآيات التي تدور حول المعنى بالجملة وهذه منقبة عظيمة .


2) أنه يأتي بالأحاديث النبوية ويسندها إلى الكتب المعتمدة ويكثر الاعتماد على مسند الإمام أحمد ثم على الكتب الستة وغيرها .
3) أورد كلام التابعين ومن بعدهم ونبه على أسمائهم .


ومِن المؤاخذات عليه :


1) أنه وإن كان أنقى الكتب مِن الإسرائيليات ، ورغم أنه حذر منها في أول الكتاب ، إلا أنه وُجد فيه – مع ذلك – بعض الإسرائيليات .


2) أنه في بعض الأحيان لا يستوعب ما نقل في الآية مِن كلام أهل اللغة ، فإن بعض الآيات إذا راجعتها لا تجد إلا كلامًا قليلاً فيها ، رغم أنها تحتاج إلى بسط وتوضيح وإيراد شروح ، حتى تقرب مِن فهم القارئ والسامع وطلب العلم .


وقد بدأ بعض طلبة العلم – فيما أعلم – في تخريج الأحاديث التي تحتاج إلى تخريج ، وتحقيق هذا التفسير العظيم ، وقد رأيت مجلدًا محققًا منه .

3- مختصرات تفسير ابن كثير


اختصره علماء ، منهم نسيب الرفاعي في مختصر جيد ، ولو أنه أبقى على روح الكتاب وعلى كلام السلف ونقولاتهم بألفاظها لكان أفضل .
ومنهم الصابوني وقد أحسن في كثير مِن اختصاره ، لو أنه ترك التدخل في بعض المسائل وأبقاها على أصلها وعى مجمل اعتقاد السلف .

4- تفسير القرطبي


لا بد أن تحفل مكتبتك بهذا التفسير ، قال عنه الذهبي : " ألّف القرطبي تفسيرًا فأتى فيه بكل عجيب " .

ومِن مميزاته :


1) أنه يجمع آيات وأحاديث الأحكام وأقوال أهل العلم في مسائل الأحكام ، ثم يستخلص منها الراجح عنده فهو كتاب فقه وأحكام قبل أن يكون كتاب تفسير .


2) أنه حشد حشدًا هائلاً مِن الأدلة والإيرادات ، فأتى – كما قال الذهبي – بكل عجيب .


3) أنه لم ينسَ جانب اللغة والشعر والأدب فأتى بالشواهد اللغوية كما فعل ابن جرير .

ومِن مثالبه :


1) أنه أتى بأحاديث موضوعة معروفة ، وكان الواجب عليه أن ينبه عليها خاصةً وهو محدّث ، فلا تبرأ ذمته بإيراد الحديث بلا تنبيه .


2) أنه قد يؤول في بعض الصفات كما فعل في بعض المواطن ، بخلاف منهج أهل السنة الذين يمرونها كما جاءت مِن غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تعطيل ، فليـُـتنبه لذلك .

5- تفسير الكشاف للزمخشري


الزمخشري عالم لغوي جهبذ فذ ، وهو حجة في اللغة ، لكنه معتزلي الرأي ، معتزلي الفكر ، معتزلي المعتقد ، وقد شنع على أهل السنة والجماعة فشنعوا عليه وردوا عليه ، وقد كتب قصيدة في أهل السنة والجماعة أزرى عليهم فيها ، وكان مِن أبياتها :

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=498806


لَجماعة سموا هواهم سنةً لجماعة حمرٌ لعمري موكفهْ !

فردوا عليه بما يقارب ست قصائد سحقت قصيدته ، فلم تبقَ في ساحته عوجًا ولا أمتًا . منها قول البليدي :


هل نحن مِن أهل الهــــوى أو أنتم ومَــــن الـــذي مــــنا حمير موكفهْ
اعكسْ تصبْ فالوصف فيكم ظاهرٌ كالشمس فارجع عن مقال الزخرفهْ
يكــفــيك فــــي ردي عليك بـــأننا نحـــتـــج بالآيــــات لا بالسفـــســة

ومِن لطائف الحديث عن الزمخشري أنه كان في طفولته يربط طائرًا في بيته ، فأتى الطائر فاقتطع فنشبت رجله فانقطعت مع الحبل وذهب الطائر برجل واحدة ، قالت أم الزمخشري له قطع الله رجلك كما قطعت رجل هذا الطائر فوقع في الثلج وهو في طريقه إلى مكة فتجمدت رجله ، فبُترت مِن فخذه فأصبح برجل واحدة ، ويُعرف بجار الله لمجاورته البيت الحرام . وهذا مِن استطراد الحديث .

مميزات كتابه :


أنه كتاب حجةٌ في اللغة ، وللزمخشري فيه إيرادات ونكت عجيبة في اللغة واللطائف وهو صاحب إشراقات في باب البديع والبيان .

ومِن مثالبه :


1) بضاعة الزمخشري في الحديث مزجاة ، وليس بحجة فيها .

2) يجب أن يتنبه له في باب المعتقد ؛ لأنه معتزلي العقيدة – كما سبق - .

3) لم يوفِ بعض الآيات حقها مِن البسط والبيان كما فعل غيره كالقرطبي .

6- تفسير الرازي


هذا التفسير قيل عنه : فيه كل شيء إلا التفسير ! ، وهذه الكلمة لا تقبل على الإطلاق ، بل فيه تفسير كثير ولا يخلو مِن فوائد . لكن يؤخذ عليه :
1) أنه جمع علم الكيمياء والفيزياء والأحياء والجغرافيا والتاريخ والمنطق وعلم الكلام ، فحشا بها كتابه حتى جعل الفاتحة في مجلد كامل .


2) الرجل ليس بحجة في الحديث النبوي وقد أورد حديث : القمر والشمس يكوران كالثورين ويوضعان في جهنم ؛ وهذا حديث لا يساوي فلسًا واحدًا وليس بصحيح كما أن الرجل منحرف عن منهج أهل السنة والجماعة في باب الاعتقاد ويعد مِن أئمة الأشعرية وغلاتهم .


3) أن الرجل معجب بعلم الكلام ، ويعقد معانيَ ودلالات القرآن تعقيدًا فلسفيًا ، وقد رد عليه ابن تيمية في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) .


4) أنه ابتعد عن روح القرآن فلم يأتِ بنقل ، ولم يجمع الآيات التي في المعنى الواحد كما فعل ابن كثير وترك كلام لصحابة والتابعين فلم يورده إلا نادرًا .


وقد مات قبل أن يكمل كتابه ، فأكمله أحد تلاميذه وسار فيه على طريقة شيخه .

فتح القدير للشوكاني


الشوكاني مِن علماء أهل السنة والجماعة ، ومعتقده هو معتقد السلف في الجملة ، وهو عالم فذ متبحر في العلوم ، ومَن أراد أن يعرف تبحره فليقرأ رسالته (أدب الطلب ومنتهى الأرب) ؛ يقول – رحمه الله - : إنني في بداية شبابي قرأت بيتين لشريف الرضي في طلب العلم يقول فيهما :


أقسـمت أن أوردهـــا حـــرةً وقـّـاحة تحـــت غـــــلام وقاحْ
إما فتىً نال المنى فاشــتـفى أو فارسًا ذاق الردى فاستراحْ

وهذا البيتان في طلب الملك والإمارة ، أما الشوكاني فالعلم عنده أفضل ، وقد قلت معارضًا هذين البيتين :


إذا سألت الله في كل ما أمّـلته نلتَ المنى والنجاحْ
بهمةٍ تُخرج ماء الصفا وعــزمةٍ ما شابها قول آحْ



وبدأ الشوكاني يطلب العلم حتى برع فيه وصنف المصنفات العظيمة التي مِن أجلها : نيل الأوطار ، وفتح القدير :


ومِن مميزات تفسيره :


1) أنه فسر القرآن بالدراية والرواية .
2) أنه استوعب كلام النحاة حتى يُخيل إليك وأنت تقرأه أنك تقرأ في كتب لسيبويه أو للزجاج أو لغيرهما مِن علماء اللغة والنحو .
3) أنه يأتي بعلم المأثور بعدما ينتهي مِن تفسير الآيات ، فيقول : و أخرج فلان ....

وأما المآخذ على تفسيره فمنها :


1) أنه شحن الكتاب باللغة والصرف حتى أصبح مملاً ، وكأنه أصبح كتاب نحو وتصريف وحال وتمييز ومبتدأ وخبر ، وهذا إنما يؤخذ بقدر الحاجة .
2) أنه لم يجمع الآيات التي في المعنى الواحد ليفسر بعضها بعضًا ، كما فعل ابن كثير .
3) أنه لم يعتمد على الصحاح مِن الأحاديث ، وإنما يذكر الصحيح والضعيف .
4) أنه أورد الأحاديث بلا خطام ولا زمام مِن كتب ابن مردويه والطبراني ومَن على شاكلتهما ، - وكتب هؤلاء مظنة الأحاديث الضعيفة – ثم جعلها في كتابه ولم ينبه عليها .

8 – تفسير أضواء البيان


وهو للعالم الأريب الكبير محمد الأمين الشنقيطي ، كتابه هذا فذّ بين كتب التفسير .

مميزات تفسيره :


العقلية المتوقدة ، والاستنباط اللطيف وتحقيق المسائل خاصةً في سورة الحج في مجلد الحج ، فقد أبدع فيه ، والرجل نظار مِن الدرجة الأولى ، وعلاّمة بحر فهّامة ، حافظ اللغة ، وهو مِن أئمة أهل السنة ، وقد أبدع في بيان معتقد أهل السنة والرد على أهل البدع في مواضع مِن كتابه .

المآخذ على تفسيره :


1) أن فيه عشرات الآيات والمقاطع لم يفسرها .
2) أنه أكثر فيه مِن أصول الفقه والتعقيدات الأصولية ، وكأن كتابه كتاب أصول الفقه .












عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2011   المشاركة رقم: 50 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: مراقبة عامة وادارية لمنتديات صحابي ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حياة


البيانات
التسجيل: Jun 2010
العضوية: 10301
المشاركات: 22,432 [+]
بمعدل : 8.16 يوميا
اخر زياره : 07-13-2016 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 942

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حياة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد للرحمان المنتدى : المنتدى العام
افتراضي

بارك الله فيك اخي عبد للرحمان على كل هذه المواضيع

نحن بانتظار المزيد









عرض البوم صور حياة   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
كتاب،عاشق،عائض،القرني

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
رفيقي في جلساتي ..كتابي .. عبد للرحمان المنتدى العام 65 06-14-2011 02:23 PM
كتاب رائع لحلويات العيد Peace صـحّ عـــــيدكـــــم { هـــكا كوزينتــنا مع العيد } 94 05-13-2011 11:12 AM
انشودة تناديني و أمضي يا صديقي و أرحل دون دربك يا رفيقي Tina-HinDou منتدى الألبومات الإنشادية 25 03-01-2011 04:00 PM
تعبير كتابي !!!!! cheima منتدى النكت 4 07-22-2010 01:08 PM


الساعة الآن 10:56 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302