العودة   منتديات صحابي > أقسام الشريعة الاسلامية > منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما


منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما كل ما يتعلق بالحديث والسيرة النبوية ركن نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم


(“'•.¸§((`'•.¸*سلسلة السيرة النبوية*¸.•'´))§ ¸.•”)

منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما


إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 21 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي


1- كانت أولى المعارك بدرا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج لاعتراض قافلة قريش في عودتها من الشام إلى مكة، ولكن القافلة نجت، وكان المشركون قد صمموا على القتال، فكان من أمر المعركة ما ذكرناه. واعتراض قافلة قريش لا يدل على الرغبة في أخذ الأموال وقطع الطريق، كما يدعي الأفاكون من المستشرقين، بل كان من بواعثه الاقتصاص من قريش لأخذ أموالها لقاء ما أخذت من أموال المؤمنين المهاجرين، فقد أجبرتهم أو أكثرهم على ترك دورهم وأراضيهم وأموالهم، ومن علمت بهجرته بعد غيابه عن مكة باعت له دوره واستولت على أمواله، فشريعة المعاملة بالمثل المعترف بها اليوم في القوانين الدولية تبيح مثل هذا العمل، كما هو الشأن بيننا وبين إسرائيل. ومن المهم أن نلاحظ أنه سبقت غزوة بدر سبع محاولات لاعتراض عير قريش، وكان الذين يخرجون فيها من المهاجرين فحسب، ولم يرسل فيها أنصاريا واحدا، ذلك لأن هؤلاء المهاجرين إن اعترضوا قافلة قريش واستولوا عليها، فإنما يفعلون ذلك عن حق مشروع في جميع القوانين الإلهية، والشرائع الوضعية، ونشير إلى هذه المحاولات السبع وهي:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533886
بعث حمزة على رأس سبعة أشهر من الهجرة، وسرية عبيدة بن الحارث على رأس ثمانية أشهر منها، وسرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر منها، و (غزوة ودان) على رأس اثني عشر شهرا منها، و (غزوة بواط) على رأس ثلاثة عشر منها، و(غزوة بدر الأولى) في الشهر الثالث عشر أيضا، و(غزوة العشيرة) على رأس ستة عشر من الهجرة. وكل هذه السرايا والغزوات كانت مؤلفة من المهاجرين فحسب، ليس فيهم أنصاري واحد، وهذا يؤكد ماقلناه.
2- إن النصر في المعارك لا يكون بكثرة العدد، ووفرة السلاح، وإنما يكون بقوة الروح المعنوية لدى الجيش، وقد كان الجيش الإسلامي في هذه المعارك، يمثل العقيدة النقية والإيمان المتقد، والفرح بالاستشهاد، والرغبة في ثواب الله وجنته، كما يمثل الفرحة من الانعتاق من الضلال، والفرقة والفساد، بينما كان جيش المشركين يمثل فساد العقيدة، وتفسخ الأخلاق، وتفكك الروابط الاجتماعية، والانغماس في الملذات، والعصبية العمياء للتقاليد البالية، والآباء الماضين، والآلهة المزيفة.
انظر إلى ما كان يفعله الجيشان قبل بدء القتال، فقد حرص المشركون قبل بدء معركة بدر على أن يقيموا ثلاثة أيام يشربون فيها الخمور، وتغني لهم القيان، وتضرب لهم الدفوف، وتشعل عندهم النيران لتسمع العرب بما فعلوا فتهابهم، وكانوا يظنون ذلك سبيلا إلى النصر، بينما كان المسلمون قبل بدء المعركة يتجهون إلى الله بقلوبهم، يسألونه النصر، ويرجونه الشهادة، ويشمون روائح الجنة، ويخر الرسول ساجدا مبتهلا يسأل الله أن ينصر عباده المؤمنين، وكانت النتيجة أن انتصر الأتقياء الخاشعون، وانهزم اللاهون العابثون.
والذي يقارن بين أرقام المسلمين المحاربين، وبين أرقام المشركين المحاربين في كل معركة، يجد أن المشركين أكثر من المؤمنين أضعافا مضاعفة، ومع ذلك فقد كان النصر للمسلمين، حتى في معركتي أحد وحنين حيث انتصر فيها المسلمون، ولولا ما وقع من أخطاء المسلمين في هاتين المعركتين ومخالفتهم لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما لقي المسلمون هزيمة قط.
3- إن شدة عزائم الجيش واندفاعه في خوض المعركة، وفرحه بلقاء عدوه مما يزيد القائد إقداما في تنفيذ خطته، وثقته بالنجاح والنصر، كما حدث في معركة بدر.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533886
4- إن على القائد ألا يكره جيشه على القتال، إذا كانوا غير راغبين ومتحمسين حتى يتأكد من رضاهم وتحسسهم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من استشارة أصحابه يوم بدر قبل خوض المعركة.
5- إن احتياط الجنود لحياة قائدهم أمر تحتمه الرغبة في نجاح المعركة والدعوة، وعلى القائد ان يقبل ذلك، لأن في حياته حياة الدعوة، وفي فواتها خسارة المعركة.
وقد رأينا في معركة بدر كيف رضي النبي صلى الله عليه وسلم ببناء العريش له، ورأينا في بقية المعارك: (أحد) و (حنين)، كيف كان المؤمنون الصاقون والمؤمنات الصادقات يلتفون جميعا حول رسولهم، ويحمونه من سهام الأعداء، بتعريض أنفسهم لها، ولم يعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه أنكر ذلك مع شجاعته وتأييد الله له، بل أثنى على هؤلاء الملتفين حوله، كما رأينا في ثنائه على نسيبة أم عمارة، ودعائه لها بأن تكون هي وزوجها وأولادها رفقاءه في الجنة.
6- إن الله تبارك وتعالى يحيط عباده المؤمنين الصادقين في معاركهم بجيش من عنده، كما أنزل الملائكة يوم بدر، وأرسل الريح يوم الأحزاب. ومادام هؤلاء المؤمنون يحاربون في سبيله، فكيف يتخلى عنهم وهو الذي قال: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [ الروم:47] وقال: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} [الحج:38 ].
7- إن من طبيعة الداعية الصادق أن يحرص على هداية أعدائه، وأن يفسح لهم المجال لعل الله يلقي في قلوبهم الهداية، ومن هنا نفهم ميل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فداء الأسرى يوم بدر، فقد كان يرجو أن يهديهم الله وأن تكون لهم ذرية من بعدهم تعبد الله وتدعو إليه، وإذا كان القرآن الكريم قد عاتب الرسول على ذلك، فلأن هناك مصلحة أخرى للإسلام يومئذ، وهو إرهاب اعداء الله والقضاء على رؤوس الفتنة والضلالة، ولو قتل الأسرى يوم بدر لضعفت مقاومة قريش للقضاء على زعمائهل ومؤججي نار الفتنة ضد المؤمنين.
ويلوح لي سر آخر في قبول الرسول أمر الفداء، وهو أن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم كان من بين الأسرى، وللعباس مواقف في نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قبل إعلان إسلامه، فقد شهد معه بيعة العقبة الثانية سرا، وكان يخبر الرسول عن كل تحركات قريش، مما يؤكد عندي أنه كان مسلما يكتم إسلامه، فكيف يقتله الرسول وهذا شأنه معه؟ ولو استثناه الرسول من بين الأسرى لخالف شرعته في تحريم قتل المسلم إن كان العباس مسلما، و إن كان مشركا فشريعته لا تفرق بين قريب وبعيد في الوقوف موقف الحزم والعداء من كل من يحارب الله ورسوله، ولاغتنمها المشركون والمنافقون فرصة للتشهير به، ولإضعاف الثقة بعدالته وتجرده عن الهوى في كل ما يصدر عنه، وليس ذلك من مصلحة الدعوة في شيء.
8- إن مخالفة أمر القائد الحازم البصير يؤدي إلى خسارة المعركة، كما حصل في وقعة أحد، فلو أن رماة النبل الذين أقامهم الرسول صلى الله عليه وسلم خلف جيشه ثبتوا في مكانهم كما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم لما استطاع المشركون أن يلتفوا من حولهم، ويقلبوا هزيمتهم أول المعركة إلى نصر في آخرها، وكذلك يفعل العصيان في ضياع الفرص، ونصر الأعداء، وقد أنذر الله المؤمنين بالعذاب إن خالفوا أمر رسولهم، فقال: { } [النور:63]
9- والطمع المادي في المغانم وغيرها يؤدي إلى الفشل فالهزيمة، كما حصل في معركة أحد حينما ترك الرماة مواقفهم طمعا في إحرازالغنائم، وكما حصل في معركة حنين حين انتصر المسلمون في أولها، فطمع بعضهم في الغنائم، وتركوا تتبع العدو، مما أدى إلى عودة العدو وهجومه على المسلمين، فانهزموا، ولولا ثبات الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الصادقين حوله، لما تحولت الهزيمة بعد ذلك إلى نصر مبين، وكذلك الدعوات يفسدها ويفسد أثرها في النفوس طمع الداعين إليها في مغانم الدنيا، واستكثارهم من مالها وعقارها وأراضيها. إن ذلك يحمل الناس على الشك في صدق الداعية، فيما يدعو إليه، واتهامه بأنه لا يقصد من دعوته وجه الله عزوجل، وإنما يقصد جمع حطام الدنيا باسم الدين والإصلاح، ومثل هذا الاعتقاد في أذهان الناس صد عن دين الله، وإساءة إلى كل من يدعو إلى الإصلاح عن صدق وإخلاص.
10- وفي ثبات نسيبة أم عمارة، ووقوفها وزوجها وأولادها حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انكشف المسلمون يوم أحد. دليل من الأدلة المتعددة على إسهام المرأة المسلمة بقسط كبير من الكفاح في سبيل دعوة الإسلام، وهو دليل على حاجتنا اليوم إلى أن تحمل المرأة المسلمة عبء الدعوة إلى الله من جديد، لتدعو إلى الله في أوساط الفتيات والزوجات والأمهات، ولتنشئ في أطفالها حب الله ورسوله، والاستمساك بالإسلام وتعاليمه، والعمل لخير المجتمع وصلاحه.
وما دام ميدان الدعوة شاغراً من الفتاة المسلمة الداعية، أو غير ممتلئ بالعدد الكافي منهن، فستظل الدعوة مقصرة في خطاها، وستظل حركة الإصلاح عرجاء حتى يسمع نصف الأمة وهن النساء – دعوة الخير ويستيقظ في ضمائرهن وقلوبهن حب الخير والإقدام على الدين، والإسراع إلى الاستمساك بعروته الوثقى.
11- وفي إصابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجراح يوم أحد عزاءٌ للدعاة فيما ينالهم في سبيل الله من أذى في أجسامهم، أو اضطهاد لحرياتهم بالسجن والاعتقال، أو قضاءٍ على حياتهم بالاعدام والاغتيال، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: ?الم، أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين? [ العنكبوت 2 و 3]
12- وفيما فعله المشركون يوم أحد من التمثيل بقتلى المسلمين، وبخاصة حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم، دليل واضح على خلوِّ أعداء الإسلام من كل إنسانية وضمير، فالتمثيل بالقتيل لا يؤلم القتيل نفسه، إذ الشاة المذبوحة لا تتألم من السلخ، ولكنه دليل على الحقد الأسود الذي يملأ نفوسهم، فيتجلى في تلك الأعمال الوحشية التي يتألم منها كل ذي وجدان حي، وضمير إنساني.
كذلك رأينا المشركين يفعلون بقتلى المسلمين يوم أحد، وكذلك رأينا اليهود يفعلون بقتلانا في معارك فلسطين، وكلا الفريقين يصدرون عن ورْدٍ واحد نابعٍ من حنايا نفوسهم التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر، ذلك هو الحقد على المستقيمين في هذه الحياة من المؤمنين إيماناً صحيحاً صادقاً بالله ورسله واليوم الآخر.
13- وفي قبول الرسول صلى الله عليه وسلم إشارة الحباب بن المنذر بالتحول من منزله الذي اختاره للمعركة يوم بدر، وكذلك في قبول استشارته يوم خيبر، ما يحطم غرور الديكتاتوريين المتسلطين على الشعوب بغير إرادة منها ولا رضى، هؤلاء الذين يزعمون لأنفسهم من الفضل في عقولهم وبعد النظر في تفكيرهم ما يحملهم على احتقار إرادة الشعب، والتعالي عن استشارة عقلائه وحكمائه ومفكرِّيه، إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي علم الله منه أكمل الصفات ما أهَّلَه لحمل أعباء آخر رسالاته وأكملها يقبل رأي أصحابه الخبيرين في الشؤون العسكرية، وفي طبيعة الأراضي التي تتطلبها طبيعة المعركة دون أن يقول لهم: إني رسول الله، وحسبي أن آمر بكذا، وأنهى عن كذا، إذ قبل منهم مشورتهم، وآراءهم فيما لم ينزل عليه وحي، فكيف بالمتسلِّطين الذين رأينا كثيراً منهم لا يتفوَّق عل الناس بعقل ولا علم ولا تجربة، بل بتسلُّطه على وسائل الحكم بعد أن تواتيه الظروف في ذلك؟ كيف بهؤلاء الذين هم أدنى ثقافة وعلماً وتجربة من كثير ممن يحكمونهم، ألا يجب عليهم أن يستشيروا ذوي الآراء، ويقبلوا بنصيحة الناصحين وحكمة المجربين.
إن حوادث التاريخ القريب والبعيد دلَّتنا على أن غرور الديكتاتوريين قضى عليهم وعلى أمتهم، وهوى بالأمة إلى منحدر سحيق يصعب الصعود منه إلا بعد عشرات السنين أو مئاتها، ففيما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم من قبول مشورة الحباب في بدر وخيبر قدوة لكل حاكم مخلص، ولكل قائد حكيم، ولكل داعية صادق.
وإن من أبرز شعارات الحكم في الإسلام هو الشورى ?وأمرهم شُورى بينه? [الشورى: 38] وأبرز صفات الحاكم المسلم الخالد في التاريخ هو الذي يستشير ولا يستبد، ويتداول الرأي مع ذوي الاختصاص في كل موضوع يهمه أرمه ?وشاورهم في الأمر? [آل عمران: 159]. ?فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون? [النحل: 43 والأنبياء: 7].
14- وفي تقدمه الصفوف في كل معركة وخوضه غمارها معهم إلا فيما يشير به أصحابه، دليل على أن مكان القيادة لا يحتله إلا الشجاع المتثبت، وأن الجبناء خائري القوى لا يصلحون لرئاسة الشعوب، ولا لقيادة الجيوش، ولا لزعامة حركات الاصلاح ودعوات الخير، فشجاعة القائد والداعية بفعله وعمله يفيد في جنوده وأنصاره في إثارة حماسهم واندفاعهم ما لا يفيده ألف خطاب حماسي يلقونه على الجماهير. ومن عادة الجنود والأنصار أن يستمدوا قوتهم من قوة قائدهم ورائدهم، فإذا جبن في مواقف اللقاء، وضعف في مواطن الشدة، أضر بالقضية التي يحمل لواءها ضرراً بالغاً.
15- على الجنود وأنصار الدعوة ألاَّ يخالفوا القائد الحازم البصير في أمر يعزم عليه، فمثل هذا القائد وهو يحمل المسؤولية الكبرى، جدير بالثقة بعد أن يبادلوه الرأي، ويطلعوه على ما يرون، فإن عزم بعد ذلك على أمر، كان عليهم أن يطيعوه، كما حصل بالرسول يوم صلح الحديبة، فقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم شروط الصلح، وتبين أنها كانت في مصلحة الدعوة، وأن الصلح كان نصراً سياسياً له، وأن عدد المؤمنين بعد هذا الصلح ازداد في سنتين أضعاف من أسلم قبله، هذا مع أن الصحابة شق عليهم بعض هذه الشروط، حتى خرج بعضهم عن حدود الأدب اللائق به مع رسوله وقائده وقد حصل مثل ذلك بأبي بكر يوم بدأت حوادث الرِّدَّة، فقد كان رأي الصحابة جميعاً ألا يخرجوا لقتال المرتدين، وكان رأي أبي بكر الخروج، ولما عزم أمره على ذلك أطاعوه، فنشطوا للقتال، وتبين أن الذي عزم عليه أبو بكر من قتال المرتدين هو الذي ثبَّت الاسلام في جزيرة العرب، ومكَّن المؤمنين أن ينساحوا في أقطار الأرض فاتحين هادين مرشدين.
16- ومما طلبه الرسول صلى الله عليه وسلم من نُعيم بن مسعود، أن يخذِّل بين الأحزاب ما استطاع في "غزوة الأحزاب" دليل على أن الخديعة في حرب الأعداء مشروعة إذا كانت تؤدي إلى النصر، وأن كل طريق يؤدي الى النصر وإلى الإقلال من سفك الدماء مقبول في نظر الاسلام، ما عدا الغدر والخيانة، وهذا من حكمته السياسية والعسكرية صلى الله عليه وسلم، وهو لا ينافي مبادئ الأخلاق الاسلامية، فإن المصلحة في الاقلال من عدد ضحايا الحروب مصلحة إنسانية.
والمصلحة في انهزام الشر والكفر والفتنة مصلحة إنسانية وأخلاقية، فاللجوء الى الخدعة في المعارك يلتقي مع الأخلاق الانسانية التي ترى في الحروب شراً كبيراً، فإذا اقتضت الضرورة قيامها، كان من الواجب إنهاؤها عن أي طريق كان، لأن الضرورة تقدر بقدرها، والله لم يشرع القتال إلا لحماية دين أو أمة أو أرض، فالخدعة مع الأعداء بما يؤدي إلى هزيمتهم، تعجيل بانتصار الحق الذي يحاربه أولئك المبطلون. ولذلك أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم في "غزوة الأحزاب" قوله لعروة ابن مسعود: "الحرب خدعة" وهذا مبدأ مسلم به في جميع الشرائع والقوانين.
17- وفي قبوله صلى الله عليه وسلم إشارة سلمان بحفر الخندق، وهو أمر لم تكن تعرفه العرب من قبل، دليل على أن الاسلام لا يضيق ذرعاً بالاستفادة مما عند الأمم الأخرى من تجارب تفيد الأمة وتنفع المجتمع فلا شك أن حفر الخندق أفاد إفادة كبرى في دفع خطر الأحزاب عن المدينة، وقبول رسول الله هذه المشورة، دليل على مرونته صلى الله عليه وسلم، واستعداده لقبول ما يكون عند الأمم الأخرى من أمور حسنة، وقد فعل الرسول مثل ذلك أكثر من مرة، فلما أراد إنفاد كتبه إلى الملوك والأمراء والرؤساء قيل له: إن من عادة الملوك ألاَّ يقبلوا كتاباً إلا إذا كان مختوماً باسم مرسله، فأمر على الفور بنقش خاتم له كتب عليه: محمد رسول الله، وصار يختم به كتبه، ولما جاءته الوفود من أنحاء العرب بعد فتح مكة تعلن إسلامها، قيل له: يا رسول الله إن من عادة الملوك والرؤساء أن يستقبلوا الوفود بثياب جميلة فخمة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تشترى له حلة، قيل: إن ثمنها بلغ أربعمائة درهم، وقيل: أربعمائة بعير، وغدا يستقبل بها الوفود، وهذا هو صنيع الرسول الذي أرسل بآخر الأديان وأبقاها إلى أبد الدهر، فان مما تحتمه مصلحة أتباعه في كل زمان وفي كل بيئة أن يأخذوا بأحسن ما عند الأمم الأخرى، مما يفيدهم، ولا يتعارض مع أحكام شريعتهم وقواعدها العامة، والامتناع عن ذلك جمود لا تقبله طبيعة الاسلام الذي يقول في دستوره الخالد: ?فبشر عبادِ، الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه? [الزمر: 17 و 18] ولا طبيعة رسوله الذي رأينا أمثلة عما أخذ من الأمم الأخرى، وهو القائل: "الحكمة ضالة المؤمن يتلمسها أنَّى وجدها" ويوم غفل المسلمون في العصور الأخيرة، وخاصة بعد عصر النهضة الاوروبية عن هذا المبدأ العظيم في الاسلام، وقاوموا كل إصلاح مأخوذ عن غيرهم مما هم في أشد الحاجة اليه، أصيبوا بالانهيار، وتأخروا من حيث تقدم غيرهم ?ولله عاقبة الأمور? [الحج: 41].
18- ومن وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم للجيش الاسلامي في "غزوة مؤتة" تلمس طابع الرحمة الانسانية في قتال الاسلام، فهو لا يقتل من لا يقاتل، ولا يخرب ما يجده في طريقه إلا لضرورة ماسة، وقد التزم أصحابه من بعده والمسلمون في مختلف العصور بعد ذلك هذه الوصايا، فكانت حروبهم أرحم حروب عرفها التاريخ، وكانوا هم محاربون أدمث أخلاقاً، وأشد رحمة من غيرهم وهم مسالمون، والتاريخ قد سجل للمسلمين صفحات بيضاء في هذا الشأن، كما سجل لغيرهم صفحات سوداء، ولا يزال يسجلها حتى اليوم، ومن منا لا يعرف الوحشية التي فتح بها الصليبيون بيت المقدس، والانسانية الرحيمة التي عامل بها صلاح الدين الفرنجة حين استردها، ومن من لا يذكر وحشية الأمراء والجنود الصليبيين حين استولوا على بعض العواصم الاسلامية، كطرابلس، والمعرة وغيرهما، مع رحمة الأمراء والجنود المسلمين حين استردوا تلك البلاد من أيدي محتليها الغاصبين، ونحن اليوم نعيش في عصر النفاق الأوروبي في ادِّعاء الحضارة والرحمة الانسانية وحب الخير للشعوب، وهم يخربون البلاد، ويسفكون دماء العُزَّل من الشيوخ والنساء والأطفال، ولقد عشنا – بكل أسف – عصر قيام إسرائيل على أرض فلسطين السليبة، وعلمت الدنيا فظائع اليهود الهمجية الوحشية في دير ياسين، وقبية، وحيفا، ويافا، وعكا، وصفد، وغيرها من المدن والقرى، ومع ذلك فهم يَدَّعون الانسانية، ويعملون عكسها، ونحن نعمل للانسانية، ولا نتشدق بها، ذلك أنّا شعب نحمل في نفوسنا حقاً أجمل المبادئ الأخلاقية في السلم والحرب، وننفذها براحة ضمير واطمئنان، بينما هم مجردون من هذه المبادئ في داخل نفوسهم، فلا يجدون إلا المناداة بها نفاقاً وتخديراً، نحن شعب نؤمن بالله القوي الرحيم، فلا تكون قوتنا إلا رحمة، وهم شعب يرون من النفاق أن ينكروا علينا وصف الله بالقوة والبطش، زاعمين أنهم ينعتونه بالحب والرحمة، فما كان لعلاقتهم مع الشعوب وحروبهم مع المسلمين ومع أعدائهم من أبناء ملتهم أثر لهذا الحب ولهذه الرحمة، نحن شعب ما كانت حروبنا إلا لخير الانسانية، فكنا أبرَّ الناس بها، وهم قوم ما كانت حروبهم إلا للغزو والسلب والتسلط والاستعمار، فكانوا أعدى الناس لها.
ومع ذلك فنحن اليوم في حروبنا معهم إنما ندافع عن أرض وحق وكرامة، فلن يجدينا التغنِّي بمبادئنا مع قوم لا يفهمون مبادئ الرحمة والشرف والانسانية، بل يجب علينا أن نستمر في كفاحنا لهم، متمسكين في معاركنا معهم بمبادئ رسولنا وشريعتنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو أحكم الحاكمين.
19- إن الجيش إذا كان غير متساوٍ في الحماس والايمان والإخلاص، بل كان فيه المتخاذلون والمرتزقة والمتهاونون، لا يمكنه أن يضمن النصر على أعدائه، كما حصل في "غزوة حنين"، وكذلك شأن الدعوات لا يمكنها أن تعتمد على كثرة المصفقين لها، بل على عدد المؤمنين بها المضحين في سبيلها.
20- ودرس آخر نستفيده من سيرة الرسول في حروبه ومعاركه، هو موقفه من اليهود، وموقف اليهود منه ومن دعوته، فلقد حرص الرسول أول مقامه في المدينة أن يقيم بينه وبينهم علائق سلم، وأن يؤمِّنهم على دينهم وأموالهم، وكتب لهم بذلك كتاباً، ولكنهم قوم غدر، فما لبثوا غير قليل حتى تآمروا على قتله، مما كان سبباً في "غزوة بني النضير" ثم نقضوا عهده في أشد المواقف حرجاً "يوم الأحزاب" مما كان سبباً في "غزوة بني قريظة"، ثم تجمَّعوا من كل جانب يهيِّئون السلاح ويبيِّتون الدسائس، ويتجمَّعون ليقضوا في غدر وخسَّة على المدينة والمؤمنين فيها، مما كان سبباً في "غزوة خيبر".
هؤلاء قوم لا تنفع معهم الحسنى، ولا يصدق لهم وعد، ولا يستقيم لهم عهد وكلما وجدوا غرة اهتبلوها، فهل كان على النبي من حرج فيما فعله بهم؟ وهل كان عليه أن يتحمل دسائسهم وخياناتهم ونقضهم للعهود فيعيشوا وأصحابه دائماً في جو من القلق والحذر وانتظار الفتنة والمؤامرات؟ لقد ضمن النبي صلى الله عليه وسلم بحزمه معهم حدود دولته الجديدة، وانتشار دعوته في الجزيرة العربية كلها، ثم من بعد ذلك إلى أرجاء العالم ولا يلوم النبيَّ على حزمه معهم إلا يهوديٌّ أو متعصب أو استعماري وها هي سيرة اليهود في التاريخ بعد ذلك، ألم تكن كلُّها مؤامراتٍ ودسائسَ وإفساداً وخيانةً؟ ثم ها هي سيرتهم في عصرنا الحديث هل هي غير ذلك؟ ولقد كان فينا قبل حرب فلسطين وقيام اسرائيل فيها من يخدع بمعسول كلامهم فيدعوا إلى التعاون معهم، وكان فينا من يساق إلى دعوة التعاون معهم من قبل أصدقائهم من الدول الكبرى، وكانت نتيجة ذلك التخاذل وفسولة الرأي في معالجة قضية فلسطين، أما بعد ذلك فلا يوجد من يغترُّ بهم، وليس لنا سبيل إلى التخلص من شرهم إلا حزم كحزم الرسول صلى الله عليه وسلم في معاملتهم لنطمئن على بلادنا ولنتفرغ لدورنا الجديد المقبل في حمل رسالة الاسلام والسلام إلى شعوب الأرض قاطبة.
تلك أمانة نؤديها بصدق وإيمان إلى الجيل الجديد عساه يستطيع أن يفعل ما لم يستطع فعله جيلنا المتخاذل.
21- وفي غزوة مؤتة كان أول لقاء بين المسلمين والروم، ولولا أن العرب الغساسنة قتلوا رسولَ رسولِ الله إلى أمير بصرى، لكان من الممكن أن لا يقع الصدام، ولكن قتل رسوله إلى أمير بصرى يعتبر عملاً عدائياً في جميع الشرائع، ويدل على عدم حسن الجوار، وعلى تثبيت الشر من هؤلاء عمال الروم وصنائعهم، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسال جيش مؤتة ليكون فيه إنذار لهم ولسادتهم الروم بقوة الدولة الجديدة واستعدادها للدفاع عن نفسها حتى لا يفكروا بالعدوان عليها، ولما وصل المسلمون إلى مؤتة وجدوا جموعاً من الروم ومن العرب المتنصرِّة الخاضعة لحكمهم قدَّرها المؤرخون بمائتي ألف، وكان أخو هرقل قد قاد الجيش وعسكر في "مآب" قرب عمّان اليوم، مما يؤكد ما توقعه الرسول منهم في تصميمهم على مناجزة الدولة الجديدة والقضاء عليها توجُّساً من قيام دولة عربية مستقلة داخل الجزيرة العربية تكون نذيراً بانتهاء استعمارهم لبلادهم واستعبادهم لعربها القاطنين على حدودها مما يلي الحجاز، وهكذا بدأت المعارك بين المسلمين والروم.
22- وفي غروة تبوك أو العسرة آيات بينات على ما يفعله الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين من إثارة عزائمهم للقتال واندفاع أيديهم في بذل المال ومن استعذابهم الحر والعناء والتعب الشديد في سبيل الله ومرضاته، ولذلك لما تخلَّف ثلاثة من المؤمنين الصادقين في إيمانهم عن هذه الغزوة من غير عذر، أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بمقاطعتهم، فامتنع أزواجهم وآباؤهم عن مكالمتهم فضلاً عن جمهور المسلمين، مما اضطر بعضهم إلى ربط نفسه بعمد المسجد، وآخر إلى احتباس نفسه في البيت، حتى تاب الله عليهم بعد أن أخذ المسلمون درساً بليغاً فيمن يتخلف عن أداء الواجب لغير عذر، إلا أن يؤثر الراحة على التعب، والظل الظليل على حر الشمس وشدتها.
23- أما فتح مكة، ففيها من الدروس والعظات ما تضيق عن شرحه هذه الصفحات القلائل، ففيها نجد طبيعة الرسول صلى الله عليه وسلم الداعية الذي لا يجد الحقد على مقاوميه إلى نفسه سبيلاً، فقد منّ عليهم بعد كفاح استمر بينه وبينهم إحدى وعشرين سنة لم يتركوا فيها طريقاً للقضاء عليه وعلى أتباعه وعلى دعوته إلا سلكوها، فلما تم له النصر عليهم، وفتح عاصمة وثنيتهم، لم يزد على أن استغفر لهم، وأطلق لهم حريتهم، وما يفعل مثل هذا ولا فعله في التاريخ، ولكنما يفعله رسول كريم لم يرد بدعوته ملكاً ولا سيطرة، وإنما أراد له الله أن يكون هادياً وفاتحاً للقلوب والعقول، ولهذا دخل مكة خاشعاً شاكراً لله، لا يزهو كما يفعل عظماء الفاتحين.
24- وفيما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة حكمة أخرى، فقد علم الله أن العرب سيكونون حملة رسالته إلى العالم، فأبقى على حياة أهل مكة وهم زعماء العرب ليدخلوا في دين الله، ولينطلقوا بعد ذلك إلى حمل رسالة الهدى والنور إلى الشعوب، يبذلون من أرواحهم وراحتهم ونفوسهم ما أنقذ تلك الشعوب من عمايتها، وأخرجها من الظلمات الى النور.
25- وآخر ما نذكره من دروسها ودروس معاركه الحربية صلى الله عليه وسلم، هي العبرة البالغة بما انتهت اليه دعوة الله من نصر في أمد لا يتصوره العقل، وهذا من أكبر الأدلة على أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى أن الاسلام دعوة الله التي تكفل بنصرها ونصر دعاتها والمؤمنين بها والحاملين للوائها، وما كان الله أن يتخلى عن دعوته وهي حق ورحمة ونور، والله هو الحق وهو الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، والله نور السماوات والأرض، فمن يستطيع أن يطفئ نور الله!. وكيف يرضى للباطل أن ينتصر النصر الأخير على الحق، وللهمجية والقسوة والفساد أن تكون لها الغلبة النهائية على الرحمة والصلاح.
ولقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين جراح في معركتي أحد وحنين، ولا بد في الدعوة من ابتلاءٍ وجراح وضحايا ?ولينصرنَّ الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز? [الحج: 40].









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 22 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

غزوة حنين


بعد أن فتح الله مكة على رسوله والمسلمين فانهارت بذلك مقاومة قريش التي استمرت إحدى وعشرين سنة منذ بدء الرسالة، تجمعت هوازن لقتال الرسول صلى الله عليه وسلم، فكانت معركة حنين التي تجد تفاصيلها في سيرة ابن هشام.
ونذكر من دروس هذه المعركة ما يلي:
1- ما كان من غرور مالك بن عوف وعدم استماعه لنصيحة دريد ابن الصمة حرصاً منه على الرئاسة، واغتراراً منه بصواب فكره، وتكبُّراً عن أن يقول قومه – وهو الشاب القوي المطاع -: قد استمع إلى نصيحة شيخ كبير لم يبق فيه رمق من قوة، ولو أنه أطاع نصيحة دريد لجنَّب قومه الخسارة الكبيرة في أموالهم، والعار الشنيع في سبي نسائهم، ولكنه الغرور وكبرياء الزعامة يوردان موارد الهلكة ويجعلان عاقبة أمرها خسراً، فقد أبى له غروره أن يستسلم لقوة الاسلام التي ذلت لها كبرياء قريش بعد طول كفاح وشديد بلاءٍ، وظن أنه بما معه من رجال وما عنده من أموال، يستطيع أن يتغلب على قوة الاسلام الجديدة في روحها، وفي أهدافها، وفي تنظيمها عليه وعلى قومه، ثم أبى له غروره إلا أن يخرج معه نساء قومه وأموالهم ليحول ذلك دون هزيمتهم، وعدا نصيحة دريد الذي قال له: إن المنهزم لا يرده شيء، فإنه غفل عن أن المسلمين الذين سيحاربهم لا يستندون في رجاء النصر على مال ولا عدد ولا عدة، وإنما يستندون إلى قوة الله العزيز الجبار، ووعده لهم بالنصر والجنة، ولا يمتنعون عن الهزيمة رغبة في الاحتفاظ بنسائهم وأموالهم، بل رغبة في ثواب الله وخوفاً من عقابه الذي توعد المنهزمين في ميادين الجهاد بأليم العذاب وشديد الانتقام ?ومن يولِّهم يومئذ دبره إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله، ومأواه جهنم وبئس المصير? [الأنفال: 16].
وهكذا حلت الهزيمة بمالك وقبيلته هوازن ومن معه، ولم يقتصر شؤم غروره وكبريائه عليه وحده، بل أصاب قومه جميعاً، لأنهم أطاعوه في هذا الغرور، ولما أنذرهم بأنهم إن لم يستجيبوا له، بقر بطنه بالسيف، سارعوا إلى طاعته، ولو أنهم اتبعوا نصيحة شيخهم المجرب، وكفكفوا من كبرياء زعيمهم الشاب، لما أصابهم ما أصابهم، لقد خافوا من غضب هذا الزعيم المغرور عليهم، ولو أنهم سألوا أنفسهم: ماذا يكون لو أغضبناه؟ لكان الجواب: انهم يفقدون زعيمهم! وماذا في هذا؟ ماذا في ذهاب زعيم مغرور أنانيٍّ يريد أن يستأثر بشرف المعركة دون من هم أقدم وأخبر منه بالمعارك وشؤونها؟ وهل توازي حياة شخص حياة قبيلة أو أمة من الناس بأكملها؟ لقد حذَّرنا الله في القرآن من نتيجة هذا الاستسلام الجماعي لأهواء المغرورين من الكبراء والزعماء، يقول الله تعالى في قصة موسى مع فرعون: ?فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين, فلما آسفونا? أغضبونا باعراضهم عن الحق واتباعهم لطاغيتهم المغرور ?انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفاً? قدوة للعقاب ?ومثلاً للآخرين? [الزخرف: 54 – 56].
2- ما كان من استعارة الرسول صلى الله عليه وسلم من صفوان وهو مشرك مائة درع مع ما يكفيها من السلاح، ففيه عدا وجوب الاستعداد الكامل لقتال الأعداء، جواز شراء السلاح من الكافر، أو استعارته على أن لا يؤدي ذلك الى قوة الكافر واستعلائه، واتخاذه من ذلك وسيلة لأذى المسلمين وإيقاع الضرر بهم، فقد استعار الرسول من صفوان السلاح بعد فتح مكة، وكان صفوان من الضعف والهوان بحيث لا يقوى على فرض الشروط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك قوله للرسول حين طلب منه ذلك: أغَصباً يا محمد؟ فأجابه الرسول صلى الله عليه وسلم: بل عاريةً مضمونةً حتى نُؤديها إليك.
وفي هذا أيضاً مثلٌ من أمثلة النبل في معاملة المسلمين لأعدائهم المنهزمين، فلو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يأخذها منه غصباً لاستطاع، ولما قدر صفوان أن يقول شيئاً، ولكنه هدي النبوة في النصر ومعاملة المغلوبين، والعف عن أموالهم بعد أن تنتهي المعركة ويلقوا السلاح، وما علمنا أن أحداً فعل هذا قبل محمدٍ صلى الله عليه وسلم ولا بعده، وفيما شهدناه من معاملة الجيوش المنتصرة للمغلوبين والتسلط على أموالهم وكراماتهم وحقوقهم أكبر تأييد لما قلناه ?والله يقولُ الحق وهو يهدي السبيل? [الأحزاب: 4].
3- حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال في هذه المعركة، كان معه اثنا عشر ألفاً: عشرة آلاف ممن خرجوا معه من المدينة فشهدوا فتح مكة، وهم المهاجرون والأنصار، والقبائل التي كانت تجاور المدينة، أو في طريق المدينة، وألفان ممن أسلموا بعد الفتح، وكان أكثر هؤلاء ممن لم تتمكن هداية الاسلام في قلوبهم بعد، وممن دخلوا في الإسلام بعد أن انهارت كل آمالهم في مقاومته وإمكان التغلب عليه، ففي هذا الجيش كان المؤمنون الصادقون الذين باعوا الله أرواحهم وأنفسهم في سبيل إعزاز دينه، وفيه كان الضعاف في دينهم، والموتورون الذين أسلموا على مضضٍ وهم ينطوون على الحقد على الإسلام والتألم من انتصاره، فلم يكن الجيش كله في مستوى واحد من قوة الروح المعنوية، والإيمان بالأهداف التي يحارب من أجلها، وفيه الراغبون في غنائم النصر ومكاسبه، ولذلك كانت الهزيمة أول الأمر شيئاً غير مستغرب، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى كثرة من معه: لن نغلب اليوم من قلة[1] أي: إن مثل هذا الجيش في كثرة عدده لا يغلب إلا من أمور معنوية تتعلق بنفوس أفراده، تتعلق بإيمانهم وقوة أرواحهم واخلاصهم وتضحياتهم، وقد وضع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قاعدة جليلة، وهي أن النصر لا يكون بكثرة العدد، ولا بجودة السلاح، وإنما يكون بشيء معنوي يغمر نفوس المحاربين، ويدفعهم إلى التضحية والفداء، وقد أكد القرآن الكريم على هذا في غير موضع، فقال تعالى: ?كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين? [البقرة: 249].
وفي الآيات التي نزلت بعد انتهاء المعركة ما يشير بصراحة إلى هذا المعنى: ?ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنوداً لم تروها وعذب الذين كفروا، وذلك جزاء الكافرين? [التوبة: 25-26].
4- وفي قول بعض المسلمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم في طريقهم إلى المعركة: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وفي جواب الرسول صلى الله عليه وسلم: قلتم – والذي نفس محمد بيده – كما قال قوم موسى لموسى: ?اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون? [الأعراف: 138] إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم.
في هذا إشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما ستسلكه هذه الأمة من تقليد الأمم السابقة لها، وفيه تحذير من ذلك، وأنها لا تسلكه إلا من غلبة الجهالة عليها، فالأمم التي تعرف وجوه الخير والفساد، وطريق الضرر والنفع، تأخذ الخير وتتمسك به، وتعرض عن الفساد وتفر منه، وتأبى أن تسلك أيَّ طريق يضر بها ولو سلكته الأمم وسارت فيه، فإذا سارت في طريق التقليد غير عابئة بنتائجه، كانت قد وضعت الشيء في غير موضعه، وهذا هو الجهل الذي قال الله عنه: ?إنكم قوم تجهلون?، والأمة الواثقة بنفسها، المعتزة بشخصيتها، المطمئنة إلى ما عندها من حق وخير تأبى أن تسير وراء غيرها فيما يؤذيها وينافي مبادئها، فإذا قلدت، كانت ضعيفة الشخصية، مضطربة التفكير، مستسلمة للأهواء، متردية في الضعف والانحلال، وتلك هي الجاهلية التي أنقذنا الله منها برسوله وكتابه وشريعته، ليس العلم والجهل في نظر دعوات الاصلاح هما القراءة والأمية، وإنما هما الهدى والضلال، والوعي والغباوة، فالأمة الواعية لما يفيدها وما يضرها، هي الأمة العالمة ولو كانت أمية، والأمة التي لا تهتدي إلى الخير سبيلاً منهجاً، هي الأمة الجاهلة ولو كانت تعرف شتى العلوم، وتحيط بمختلف الثقافات.
ان الذي هوى ويهوي بالأمم – أي أمة كانت – انما هو استيلاء الجاهلية على عواطف أبنائها وأهوائهم، واسألوا التاريخ: هل انهارت حضارة اليونان والرومان الا بسيطرة الجاهلية عليها.
ان المقلدين جهال مهما تعلموا، أطفال مهما كبروا، وسيظلون أولاداً جهالاً حتى يتحرروا.
5- في هذه المعركة بعد أن انهزم المسلمون أول الأمر، وتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظن شيبة بن عثمان أنه سيدرك ثأره من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبوه قد قتل في معركة أحد، قال شيبة: فلما اقتربت من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقتله أقبل شيء تغشى فؤادي، فلم أطق ذلك، وعلمت أنه ممنوع مني.
ولقد تكررت في السيرة مثل هذه الحادثة، تكررت مع أبي جهل، ومع غيره في مكة، وفي المدينة، وكلها تتفق على أن الله قد أحاط رسوله بجو من الرهبة أفزع الذين كانوا يتآمرون على قتله، وهذا دليل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة، وعلى أن الله قضى بحفظ نبيه من كل كيد، وببقائه حياً، حتى يبلغ الرسالة، ويؤدي الامانة، وينقذ جزيرة العرب من جاهليتها، ويقذف بأبنائها في وجه الدنيا، يعلمون، ويهذِّبون، وينقذون، ولولا حماية الله لرسوله، لقضى المشركون على حياته منذ أوائل الدعوة، ولما كمل الدين، وتمت النعمة، ووصل إلينا نور الرسالة وهدايتها ورحمتها، ولما تحول مجرى التاريخ تحوله الذي خلص الانسانية من عمايتها وشقائها بانتشار الاسلام، وانتهاء عهود التحكم بالشعوب، والاستبداد بتصريف شؤونها، من ملوك ورؤساء أقاموا سلطانهم على البغي والظلم، ومنع الشعوب من أن تشعر بكرامتها، أو تثأر لظلامتها، ولقد تم كل هذا بفضل حماية الله لرسوله، حتى أدى الأمانة كاملة غير منقوصة.
لا جرم أن فضل الله كان على رسوله عظيماً ?وكان فضل الله عليك عظيماً? [النساء:113]. وأن فضل رسوله على البشرية كان عظيماً، ?وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين? [الأنبياء: 107].
ولا جرم في أن نجاة دعاة الحق من كيد أعدائه ومن تربصهم بهم، هو استمرار لذلك الفضل العظيم الذي ابتدأ بحماية رسوله.
وأن على الدعاة أن يلجؤوا دائماً – بعد الاحتراس والحذر – إلى كنف الله، ويحتموا بعزته وسلطانه، ويثقوا بأن الله معهم نصير، ولهم حفيظ، وأن من أراد الله له النجاة من كيد أعداء الهداية سينجو مهما يكن سلطانهم شديد الوطأة، عظيم الكيد والتآمر والإجرام، فالحماية حماية الله، والنصر نصره، والخذلان خذلانه، والنافذ قضاؤه وأمره، ?إن ينصركم الله فلا غالب لكم? [آل عمران: 160] ومهما يعظم كيد الانسان الظالم، فان نصر الله العادل أعز وأعظم، فلا يجبن داعية ولا يخف مصلح، ولا يتأخر عن تأدية الحق مؤمن بالله، واثق بعونه وتأييده ?وكان حقاً علينا نصر المؤمنين? [الروم: 47] ?إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز? [المجادلة: 20-21] ولا ينافي هذا نجاح أعداء الله في الوصول إلى بعض أئمة الهدى من دعاة الاصلاح، وتمكنهم من القضاء عليهم، أو ايقاع الأذى بهم، فان الموت حق، وهو نصيب ابن آدم لا محالة، فمن يكتب عليه الموت بأيدي الظالمين، فانما هي كرامة أكرمه الله بها، وفضل أنعم به عليه، وكل موت في سبيل الله شهادة، وكل أذى في دعوة الحق شرف، وكل بلاء بسبب الإصلاح خلود ?ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤن موطئاً يغيظ الكفار، ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين? [التوبة: 120].
6- فوجئ المسلمون أول المعركة بكمين أعدائهم لهم، مما أدى إلى وقوع الخلل في صفوف المسلمين واضطرابهم وتفرُّقهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت معه الا القليل، ثم أخذ رسول الله ينادي: أيها الناس! هلمو اليّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، فلم يسمع الناس صوته، فطلب من العباس – وكان جهوري الصوت – أن ينادي في الناس: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة! فأجابوا: لبيك لبيك، فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله، ثم يؤم الصوت حتى ينتهي الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا اجتمع اليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا ثم كان النصرُ.
في هذا الموقف عدة من العبر والدروس يجدر بدعاة الحق وجنوده أن يقفوا عندها طويلا، فإن انهزام الدعوة في معركة قد يكون ناشئاً من وهن في عقيدة بعض أبنائها، وعدم اخلاصهم للحق، وعدم استعدادهم للتافني في سبيله، كما أن ثبات قائد الدعوة في الأزمات، وجرأته، وثقته بالله ونصره، له أثر كبير في تحويل الهزيمة الى نصر، وفي تقوية قلوب الضعاف والمترددين ممن معه، وللثابتين الصادقين من جنود الحق والتفافهم حول قائدهم الجريء المخلص، أثر كبير أيضاً في تحويل الهزيمة إلى نصر، إن الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة أول المعركة، ثم الذين استجابوا لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتجاوزوا مائة، وعندئذ ابتدأ التحول في سير المعركة، وابتدأ نصر الله لعباده المؤمنين، وابتدأ تخاذل أعدائه، ووقوع الوهن في قلوبهم وصفوفهم، وكلما تذكر قائد الدعوة وجنودها أنهم على حق، وأن الله مع المؤمنين الصادقين، ازدادت معنوياتهم قوة، وازداد إقدامهم على الفداء والتضحية.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533890
وفي قوله صلى الله عليه وسلم: أنا رسول الله، وفي رواية غير ابن هشام أنه قال:
أنا النبيُّ لا كذب، أنا ابن عبد المطلب دلالة على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوى الرسالة وثقته بنصر ربه، وهكذا ينبغي أن يكون القائد دائماً وأبداً في الشدائد، واثقاً من نفسه، ملتجئاً إلى ربه، متأكداً من نصره له وعنايته به، فإن لثقة القائد بهدفه وغايته ورسالته أكبر الأثر في نجاحه والتفاف الناس حوله، ولها أكبر الأثر في تخفيف الشدائد عن نفسه وتحمل آلامها راضياً مطمئناً.
7- وفي موقف أم سليم بنت ملحان مفخرة من مفاخر المرأة المسلمة في صدر الاسلام، فقد كانت في المعركة مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها وهي حامل، ومعها جمل لأبي طلحة وقد خشيت أن يفلت منها، فأدخلت يدها في خزامته (وهي حلقة من شعر تجعل في أنف البعير) مع الخطام، فرآها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لها: أم سليم؟ قالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقاتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم! وكان معها خنجر، فسألها زوجها أبو طلحة عن سر وجوده معها! فقالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به! فأعجب بها أبو طلحة، ولفت نظر الرسول إلى ما تقول.
هكذا كانت المرأة المسلمة، وهكذا ينبغي أن تكون: جريئة تسهم في معارك الدفاع بحضورها بنفسها، حتى إذا احتيج اليها أو دنا منها الأعداء، ردت عدوانه بنفسها كيلا تؤخذ أسيرة مغلوبة، وللمرأة المسلمة في تاريخ الاسلام حين نشوئه صفحات مشرقة من الفداء والبلاء والتضحية والشجاعة، مما يصفع أولئك المتعصبين من المستشرقين وغيرهم من الغربيين الذين زعموا لقومهم أن الاسلام يهين المرأة ويحتقرها، ولا يجعل لها مكانها اللائق في المجتمع في حدود رسالتها الطبيعية، بل تمادى بهم الإفك الى الادِّعاء بأن الاسلام لا يفسح مجالاً للمرأة في الجنة، فلا تدخلها مهما عملت من خير، وقدَّمت من عبادة وتقوى!!.
وبقطع النظر عن نصوص القرآن والسنة الصريحة في رد هذا الافتراء، فإن تاريخ الاسلام نفسه، قد سجل للمرأة المسلمة، من المآثر في نشره، والدعوة اليه، والتضحية في سبيله ما لم يسجله للمرأة دين من الأديان قط، وما وقع من أم سليم في هذه المعركة (معركة حنين) مثال من مئات الأمثلة الناطقة بذلك، ونحن لا يهمنا الرد على أعداء الاسلام المتعصبين في هذا الموضوع بقدر ما يهمنا أن نتخذ من حادثة أم سليم هنا درساً بليغاً يحفِّزنا على دعوة المرأة المسلمة من جديد للقيام بدورها الطبيعي في خدمة الاسلام، وتربية أجيالنا المقبلة على هدية ومبادئه، إن المرأة المسلمة اليوم، بين صالحة مستقيمة تكتفي من صلاحها باقامة الصلوات، وقراءة القرآن، والبعد عن المحرمات، وبين منحرفة في تيار الحضارة الغربية، قد استبدلت بآداب الاسلام آدابها، وبأخلاق المرأة العربية المسلمة أخلاق المرأة الغربية التي جرت عليها وعلى أسرتها وشعبها البلاء والشقاء، وإذا كان بعض الناس قد أخذوا على عاتقهم تجريد المرأة العربية المسلمة من أخلاقها وخصائصها التي ربت بها أكرم أجيال التاريخ سمواً ونبلاً وخلوداً في المآثر والمكرمات، فإن الإسلام وتاريخه وبخاصة تاريخ رسوله صلى الله عليه وسلم، يهيب بها اليوم أن تتقدم من جديد لتخدم الاسلام والمجتمع الاسلامي في حدود وظيفتها الطبيعية، ورسالتها التربوية، وخصائصها الكريمة، من نبل، وعفة، وحشمة، وحياء، ترى هل تعيد فتياتنا المسلمات المتدينات تاريخ خديجة، وعائشة، وأسماء، والخنساء، وأم سليم، وأمثالهن؟ هل يعدن إلينا اليوم تاريخ هؤلاء المؤمنات الخالدات، والنجوم الساطعات؟ هل يصعب أن يوجد فيهن اليوم عشرات من خديجة، وعائشة، وأسماء، وأم سليم؟ كلا، ولكن التوجيه الصحيح، والإيمان الواعي المشرق، كفيل بذلك وأكثر منه، فمن التي تفتح سجل الخلود للمرأة العربية المسلمة في عصرنا الحاضر، غير عابئة بتضليل المضللين، واستهزاء المستهزئين من أعداء الخير والحق والفضيلة والدين؟
8- وفي هذه المعركة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد، والناس متقصفون (مزدحمون) عليها، فقال: ما هذا؟ قالوا: امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعض من معه: أدرك خالداً فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاك أن تقتل وليداً، أو امرأة، أو عسيفاً (أجيراً).
لا شك في أن النهي عن قتل الضعفاء، أو الذين لم يشاركوا في القتال، كالرهبان، والنساء، والشيوخ، والأطفال، أو الذين أجبروا على القتال، كالفلاحين، والأجراء (العمال) شيء تفرد به الاسلام في تاريخ الحروب في العالم، فما عهد قبل الاسلام ولا بعده حتى اليوم مثل هذا التشريع الفريد المليء بالرحمة والانسانية، فلقد كان من المعهود والمسلم به عند جميع الشعوب أن الحروب تبيح للأمة المحاربة قتل جميع فئات الشعب من أعدائها المحاربين بلا استثناء، وفي هذا العصر الذي أعلنت فيه حقوق الانسان، وقامت أكبر هيأة دولية عالمية لمنع العدوان، ومساندة الشعوب المستضعفة كما يقولون، لم يبلغ الضمير الإنساني من السمو والنبل حداً يعلن فيه تحريم قتل تلك الفئات من الناس، وعهدنا بالحربين العالميتين الأولى والثانية تدمير المدن فوق سكانها، واستباحة تقتيل من فيها تقتيلاً جماعياً، كما كان عهدنا بالحروب الاستعمارية ضد ثورات الشعوب التي تطالب بحقها في الحياة والكرامة.
إن المستعمرين يستبيحون في سبيل إخماد تلك الثورات تخريب المدن والقرى وقتل سكانها بالآلاف وعشرات الآلاف، كما فعلت فرنسا أكثر من مرة في الجزائر، وكما فعلت إنجلترا في أكثر من مستعمرة من مستعمراتها، وكما تفعل اليوم البرتغال في مستعمراتها في إفريقيا.
كما أننا لم نعهد قط في التاريخ شعب من شعوب العالم القديم والحديث النهي عن قتل العمال والفلاحين الذين يجبرون على الحرب جبراً، ولكن الاسلام جاء قبل أربعة عشر قرناً بالنهي الصريح عن قتلهم، ولم يقتصر الأمر على مجرد النهي تشريعاً، بل كان ذلك حقيقة وواقعاً، فهنا في معركة حنين ترى الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه وهو صاحب الشريعة ومبلغها عن الله إلى الناس، يغضب لقتل امرأة، ويرسل إلى بعض قواده أن لا يتعرض للنساء والأطفال والأجراء، وحين جهز جيش أسامة لقتال الروم – قبل وفاته بأيام – كان مما أوصاهم به: الامتناع عن قتل النساء، والأطفال، والعجزة، والرهبان الذين لا يقاتلون، أو لا يعينون على قتال، وكذلك فعل خليفته أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين أنفذ بعث أسامة، وحين كان يوجه الجيوش للقتال في سبيل الله: في سبيل الحق والخير والهدى والعدالة، وكذلك فعل سيف الله خالد بن الوليد رضي الله عنه في فتوحه بالعراق، فلم يتعرض للأكارين (الفلاحين) العاكفين على زراعة أراضيهم بسوء، وهكذا أصبح من تقاليد الجيش الإسلامي في كل مكان، وفي مختلف العصور هذه المبادئ الانسانية النبيلة التي لم يعرفها تاريخ جيش من جيوش الأرض، ويدلك على حرص الجيش الإسلامي على هذه التقاليد معاملة صلاح الدين للصليبيين بعد أن انتصر عليهم، واسترد منهم بيت المقدس، فقد أعطى الأمان للشيوخ، ورجال الدين، والنساء، والأطفال، بل وللمحاربين الأشداء، فأوصلهم إلى جماعاتهم بحراسة الجيش الإسلامي، لم يمسسهم سوء، بينما كان موقف الصليبيين حين فتحوا بيت المقدس يتجلى فيه الغدر، والخسة، والوحشية، والدناءة، فقد أمن الصليبيون سكان بيت المقدس المسلمين على أرواحهم وأموالهم، إذا رفعوا الراية البيضاء فوق المسجد الأقصى، فاحتشد فيه المسلمون مخدوعين بهذا العهد، فلما دخل الصليبيون بيت المقدس ذبحوا كل من التجأ إلى المسجد الأقصى تذبيحاً عاماً، وقد بلغ من ذبحوا فيه سبعين ألفاً من العلماء، والزهاد، والنساء، والأطفال، حتى إن كاتباً صليبياً رفع البشارة بهذا الفتح المبين إلى البابا، وقال فيه مباهياً: لقد سالت الدماء في الشوارع حتى كان فرسان الصليبيين يخوضون في الدماء إلى قوائم خيولهم.
إننا لا نقول اليوم هذا للمفاخرة والمباهاة بتاريخ فتوحاتنا وقوادنا وجيوشنا التي قال فيها لوبون: ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم ولا أعدل من العرب وإنما نقول هذا لننبه الى أننا كنا أرحم بالانسانية وأبر بها من هؤلاء الغربيين وهم في القرن العشرين، والى أن هؤلاء الغربيين حين يتحدثون الينا عن حقوق الانسان ويوم الأطفال، ويوم الأمهات، تدليلاً منهم على سمو حضارتهم انما يخدعوننا نحن، بل يخدعون السذج والسخفاء، وفاقدي الثقة بأمتهم وتاريخهم، ممن يزعمون أنهم أبناؤنا ومثقفونا.
نريد أن يكون جيلنا المعاصر واعياً لهذه الدسائس، واثقاً بدينه وتراثه الحضاري الانساني النبيل، فلا يخضع لهؤلاء الغربيين خضوع الفقير الذليل أمام الغني القوي، ولا يتهافت على زادهم الفكري دون تمييز بين غثه وسمينه، تهافت الفراش على النار ليحترق بها.
لقد أثبت العلم أن الاسلام خير الأديان، وأقربها الى فطرة الإنسان، وأضمنها لصلاح الناس، وأثبت التاريخ أن حروب الاسلام أرحم الحروب، وأقلها بلاءاً، وأكثرها خيراً، وأنبلها هدفاً، وفي كل يوم جديد برهان جديد على أن الإسلام دين الله، وأن محمداً رسول الله، وأن المسلمين الصادقين صفوة عباد الله وخيرتهم من الناس أجمعين. ?سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد? [فصلت: 53].
9- بعد أن تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من انهزم من هوازن الى ثقيف بالطائف، وحاصرها أياماً فلم تفتح عليه، عاد الى المدينة وفي الطريق قسم غنائم معركة حنين، وكانت ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الابل والشياه مالا يدرى عدته، وقد أعطى قسماً كبيراً منها لأشراف من العرب يتألفهم على الاسلام، وأعطى كثيراً منها لقريش، ولم يعط منها للأنصار شيئاً، وتكلم بعضهم في ذلك متألمين من حرمانهم من هذه الغنائم، حتى قال بعضهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، أي إنه لم يعد يذكرنا بعد أن فتح الله مكة ودانت قريش بالاسلام، فجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار وخطب فيهم فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار! مقالة بلغتني عنكم، وجدة (أي عتب) وجدتموها عليّ في أنفسكم؟ ألم تكونوا ضلاّلاً فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟ بلى! الله ورسوله أمنّ وأفضل.
ثم قال :ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال صلى الله عليه وسلم: أما والله، لو شئتم لقلتم فلصدقتم: أتيناك مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (البقية اليسيرة) من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، وتركتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولوسلك الناس شعباً (هو الطريق بين جبلين) وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا (بللوا) لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533890

-يبتع-









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 23 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

وها هنا مسائل يمكن التعليق عليها:
أولاً: قضية الغنائم كجزء من نظام الحرب في الاسلام، وقد اتخذها أعداؤه وسيلة للطعن فيه على أنها باعث مادي من بواعث إعلان الحرب في الإسلام، ومنشط فعال للجنود المسلمين يدفعهم الى التضحية والفداء، ولذلك يتهافتون عليها بعد الحرب، كما في هذه المعركة، ولا ريب في أن كل منصف يرفض هذا الادعاء، فبواعث الحرب في الاسلام معنوية تهدف إلى نشر الحق، ودفع الأذى والعدوان، وهذا ما صرحت به آيات وأحاديث كثيرة صريحة، ومن الغرابة بمكان أن يضحي الإنسان بحياته، ويعرض مستقبل أسرته للضياع، طمعاً في مغنم مادي مهما كبر، والطمع في المغانم المادية لا يمكن أن يؤدي الى البطولات الخارقة التي بدت من المحاربين المسلمين في صدر الاسلام، ولا يمكن أن يؤدي الى النتائج المذهلة التي انتهت اليها معارك الاسلام مع العرب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي انتهت اليها معاركه مع فارس والروم فيما بعد، على أن أعداء الاسلام لم تكن تنقصهم المطامع المادية، فغنيمة أموال المسلمين ورقابهم في حال هزيمتهم كانت من نصيب أعدائهم حتماً، ولم يكن المسلمون وحدهم هم الذين يقتسمون أموال أعدائهم ورقابهم عند الانتصار عليهم، بل كان هذا شأن كل جيشين متحاربين، فلماذا لم تؤد المطامع المادية عند الأعداء إلى البطولات الخارقة، والنتائج المذهلة التي كانت تبدو من الجنود المسلمين، والتي أسفرت عنها الحروب الاسلامية؟ وفي وقائع الحروب الاسلامية ما ينفي نفياً قاطعاً بأن الدوافع المادية كانت هي الباعث الرئيسي في نفس الجندي المسلم، ففي معارك بدر، وأحد، ومؤتة، وغيرها كان البطل المسلم يتقدم الى المعركة مؤملاً في إحراز شرف الشهادة ونعيم الجنة، حتى كان أحدهم يقذف بالتمرة من فمه حين يسمع وعد الرسول للشهداء بالجنة، ويخوض المعركة وهو يقول: بخٍ بخٍ، ما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا هذه التمرات، والله إنها لمسافة بعيدة، ثم ما يزال يقاتل حتى يقتل، وكان أحدهم يبرز لقتال الأعداء، وهو يقول: الجنة! الجنة! والله إني لأجد ريحها دون أحد (أي أقرب من جبل أحد، وكان ذلك في معركة أحد).

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533894
وفي معارك الفرس كان جواب قائد الوفد المسلم لرستم حين عرض أن يدفع للمسلمين أموالاً أو ثياباً ليعدلوا عن الحرب ويرجعوا الى بلادهم، والله ما هذا الذي خرجنا من أجله، وإنما نريد إنقاذكم من عبادة العباد إلى عبادة الواحد القهار، فان أنتم أسلمتم رجعنا عنكم ويبقى ملككم لكم، وأرضكم لكم، لا ننازعكم في شيء منها.. فهل هذا جواب جماعة خرجوا للمغانم والاستيلاء على الاراضي والاموال.
أما أن يستشهد لتلك الدعوى الباطلة بما حصل عند تقسيم الغنائم بعد معركة حنين من استشراف نفوس كثيرين من المحاربين إليها، وموجدة الأنصار لحرمانهم منها، فذلك تعام عن واقع المعركة والمتحاربين، فقد كان الذين استشرفوا لتلك المغانم من حديثي العهد بالاسلام الذين لم تتمكن هداية الاسلام من نفوسهم كما تمكنت من السابقين إليه، ولذلك لم يستشرف لها أمثال أبي بكر، وعمر، وعثمان, وعلي، وابن عوف، وطلحة، والزبير، من كبار الصحابة السابقين إلى دعوة الاسلام، وما حصل من الأنصار إنما كانت مقالة بعضهم ممن رأوا في تقسيم الغنائم يومئذ تفضيل بعض المحاربين على بعض في مكاسب النصر، وهذا يقع من أكثر الناس في كل عصر، وفي كل مكان، وهذا المعنى مما يجده كل إنسان في نفسه في مثل تلك الظروف.
وليس أدل على إرادة الله وثوابه وجنته، وطاعة رسوله عند الأنصار، من بكائهم حين خطب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم، وكان مما قاله لهم: ألا تريدون أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فمن فضلوا صحبة رسوله وقربهم منه وسكناه بينهم على الأموال والمكاسب، أيصح أن يقال فيهم: إنهم إنما جاهدوا للأموال والمكاسب؟
ولا معنى لأن يقال: لماذا جعل الاسلام الغنائم من نصيب المحاربين، ولم يجعلها من نصيب الدولة كما في عصرنا هذا؟ لأن القول بذلك غفلة عن طبيعة الناس، وتقاليد الحروب في تلك العصور، فلم يكن الجيش الاسلامي وحده دون الجيش الفارسي أو الرومي هوالذي يقتسم أفراده أربعة أخماس الغنائم، بل كان ذلك شأن الجيوش كلها، ولو أن مجتهداً اليوم ذهب إلى أن غنائم الجيش الاسلامي في عصرنا الحاضر تعطى للدولة، لما كان بعيداً عن فقه هذه المسألة وفق مبادئ الاسلام وروحه.
ثانياً: أن إغداق العطاء للذين أسلموا حديثاً، يدل على حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعرفته بطبائع قومه، وبعد نظرة في تصريف الأمور، فهؤلاء الذين ظلوا يحاربون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويمتنعون عن قبول دعوته، حتى فتح مكة، والذين أظهر بعضهم الشماتة بهزيمة المسلمين أول المعركة، لا بد من تأليف قلوبهم على الاسلام، وإشعارهم بفضل دخولهم فيه من الناحية المادية التي كانوا يحاربونه من أجلها، إذ كانوا – في الحقيقة – إنما يحاربونه وهم أشراف القوم إبقاء على زعامتهم، وحفاظاً على مصالحهم المادية، فلما خضد الاسلام من شوكتهم بفتح مكة، كان من الممكن أن يظلوا في قرارة أنفسهم حاقدين على هذا النصر، واجدين من هزيمتهم وانكسارهم، والاسلام دين هداية وإصلاح، فلا يكتفي بفرض سلطانه بالقهر والغلبة، كما تفعل كثير من النظم التي تعتمد في قيامها وبقائها على القوة دون استجابة النفوس والقلوب، بل لا بد من تفتح القلوب له، واستبشارها بهدايته، وتعشقها لمبادئه ومثله، وما دام العطاء عند بعض الناس مفيداً في استصلاح قلوبهم وغسل عداواتهم، فالحكمة كل الحكمة أن تعطى حتى ترضى، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولقد علم الله أن دعوته التي انتصرت أخيراً في جزيرة العرب، لا بد من أن تمتد الى شرق الدنيا وغربها، فلا بد من إعداد العرب جميعهم لحمل هذه الرسالة، والتضحية في سبيلها فإذا صلحت نفوس أشرافهم بهذه الأعطيات، تفتحت قلوبهم بعد ذلك لنور الدعوة، وحمل أعبائها، وهذا هو الذي حصل، فانه بعد أن تألف رسول الله صلى الله عليه وسلم قلوب هؤلاء الزعماء، زالت من نفوسهم كل موجدة وحقد على الاسلام ودعوته، فلما انساح الجيش الاسلامي في الأرض للتبشير بمبادئ الاسلام، وإخراج الناس من ظلمتهم إلى نوره، كانت الجزيرة العربية مستعدة لهذا العمل التاريخي العظيم، وكان هؤلاء الرؤساء المؤلفة قلوبهم في أوائل الراضين المندفعين لخوض معركة التحرير، وقد أثبت التاريخ بلاء كثير منهم في الفتوحات بلاءً حسناً، كما كان لكثير منهم بعد ذلك فضل كبير في تثبيت دعائم الاسلام خارج الجزيرة، وإرادة مملكته الواسعة، وقيادة جيوشه المتدفقة.
ولا يضر هؤلاء المجاهدين أنهم كانوا في أول إسلامهم ممن ألفت قلوبهم على الاسلام، أو تأخر دخولهم فيه عن فتح مكة، فكثيراً ما يلحق المتأخر بالسابق، ويدرك الضعيف فضل القوي، ويخلص العمل من لم يبدأه مخلصاً، وقد قال الحسن رحمه الله: طلبنا هذا العلم لغير الله، فأبى إلا أن يكون لله. وقال غيره: طلبنا هذا العلم ولم تكن لنا فيه نية، ثم حضرتنا النية بعد. وحسب المتأخرين أن الله وعدهم بالحسنى، كما قال تعالى: ?لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد، وقاتلوا، وكلاًّ وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير? [الحديد: 10].
ثالثاً: وفي جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار واسترضائهم على حرمانهم من المغانم، دليل على حسن سياسته صلى الله عليه وسلم، ودماثة خلقه، فهو حين بلغه ما قاله بعضهم بشأن الغنائم، اهتم باسترضائهم وجمعهم لذلك، وقال لهم ذلك القول الحكيم، مع أنه يعلم أنهم يحبونه ويتبعونه، وقد بذلوا في سبيل الله دماءهم وأموالهم، فليس يخشى عليهم ما ينقص من إيمانهم، أو يوقعهم في غضب الله ورسوله، ولكنه أحب أن يزيل ما علق في أذهان بعضهم حول هذا الموضوع، وتلك سنة حميدة يجب أن يتبعها القادة والزعماء مع أنصارهم ومحبيهم، فان الأعداء متربصون لاستغلال كل حادثة أو قول يضعف تعلق المحبين بقادتهم، والشيطان خبيث الدس، سريع المكر، فلا يهمل القادة استرضاء أنصارهم مهما وثقوا بهم.
ثم انظر إلى ذلك الأسلوب الحكيم المؤثر الذي سلكه عليه الصلاة والسلام لاسترضائهم وإقناعهم بحكمة ما فعل، فقد ذكر فضلهم على دعوة الاسلام، ونصرتهم لرسوله، ومبادرتهم إلى التصديق به حيث كذبه قومه وطاردوه، بعد أن ذكَّرهم بفضل الله عليهم في إنقاذهم من الضلالة والشتات والعداوة، ليسهل عليهم كل ما فاتهم من مال الدنيا بجانب ما ربحوه من السعادة والهداية، وبذلك أكد لهم أمرين: أنه لم ينحز إلى قومه وينسى هؤلاء الأنصار كما زعم بعضهم، وأنه كان حين حرمهم الغنائم، إنما كان يعتمد على قوة دينهم، وعظيم إيمانهم، وحبهم لله ولرسوله، ولعمري ليس بعذ هذا الأسلوب أسلوب أبلغ في استرضاء ذوي الفضل والسبق في الدعوة ممن آمنوا بها مخلصين صادقين، لا يرجون جزاءً ولا شكوراً. فصلى الله وسلم عليه ما أصدق قول الله فيه: ?وإنك لعلى خلق عظيم? [ن: 5].
رابعاً: إن في موقف الأنصار بعد أن سمعوا كلامه، أروع الأمثلة في صدق الايمان، ورقة القلوب، وتذكر فضل الله في الهداية والتقوى، فقد ذكروا أن الفضل لله ولرسوله فيما قاموا به من النصرة والتأييد والجهاد، وأنهم لولا الله لما اهتدوا، ولولا رسوله لما استضاءت قلوبهم وبصائرهم، ولولا الاسلام لما جمع الله شملهم بعد الشتات، وصان دماءهم بعد الهدر، وأنقذهم من سيطرة اليهود إلى عز الاسلام وخلاصهم من جيرانهم المستغلين، ثم أعلنوا إيثارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل ما تفيض به الدنيا من مال ومتاع، ولما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحمة لهم، ولأولادهم ولأولاد أولادهم، سالت مدامعهم فرحاً بعناية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم ودعوته المستجابة لهم، فهل بعد هذا دليل على صدق الايمان، وهل هناك حب أسمى وأروع من هذا الحب؟ رضي الله عنهم وأرضاهم، وخلَّد ذكراهم في العالمين، وألحقنا بهم في جنات النعيم، مع رسوله الحبيب العظيم، والذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والمقربين.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533894
وأخيراً فان هذا الموقف وما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والأنصار، مما يجب أن يتذكره كل داعية، وأن يحفظه كل طالب علم، فانه مما يزيد في الايمان، ويهيج لواعج الحب والشوق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 24 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
تحطيم الأصنام


كان إبراهيم عليه السلام – وهو أبو الأنبياء بعد نوح – ممن حارب الوثنية في قومه، حتى حاول قومه إحراقه بالنار. كما يحكي القرآن الكريم، ولما جاء إلى مكة أودع ولده إسماعيل عليه السلام فيها مع أمه، فلما شب اسماعيل عليه السلام بنيا الكعبة معاً لتكون بيتاً يعبد الله عنده، ويحج الناس اليه، وتكاثر ولد اسماعيل – وهم العرب المستعربة، كما يسميهم المؤرخون – واستمروا لا يعرفون عبادة الأوثان والأصنام[1]، ثم كان من عبادتهم أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن، إلا احتمل معه حجراً من حجارة الحرم، تعظيماً للحرم، وصبابة بمكة، فحيثما حلوا وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، تيمناً منهم بها، وحباً منهم للحرم، وشوقاً اليه، واستمروا كذلك حتى أدخل فيهم عمروابن لحي عبادة الأوثان – وكان ذلك قبل البعثة النبوية بخمسائة سنة على ما يقولون – فهو أول من غيّر دين إسماعيل عليه السلام، وكان من أمره أن تولى حجابة البيت بعد إجلاء جرهم عن مكة وما حولها، ثم مرض مرضاً شديداً، فقيل له: إن بالبلقاء من الشام حمة – وهي التي يقال لها الحَمة الآن – إن أتيتها برأت، فأتاها فاستحم بها فبرأ، ووجد أهلها يعبدون الأصنام فقال: ما هذه؟ فقالوا: نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو، فسألهم أن يعطوه منها، ففعلوا، فقدم بها مكة، ونصبها حول الكعبة[2], وانتشرت بعد ذلك عبادة الأصنام في جزيرة العرب، حتى كان لأهل كل دار في مكة صنم يعبدونه في دارهم، فإذا أراد أحدهم السفر، كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح به، وإذا قدم من سفره، كان أول ما يصنع إذا دخل منزله أن يتمسح به أيضاً.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533897
ثم أولعت العرب بعبادة الأصنام، فمنهم من اتخذ بيتاً، ومنهم من اتخذ صنماً، ومن لم يقدر عليه ولا على بناء بيت، نصب حجراً أمام الحرم، وأمام غيره مما استحسن، ثم طاف به كطوافه بالبيت، وكان الرجل إذا سافر فنزل منزلاًَ، أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها فاتخذه رباً، وجعل ثلاث أثافي لقدره، وإذا ارتحل تركه، فإذا نزل منزلاً آخر فعل مثل ذلك[3].
وكانت للعرب ثلاثة أصنام كبرى تعظمها، وتحج إليها، وتنحر لها الذبائح: أقدمها مناة وكان منصوباً على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين المدينة ومكة، وكانت العرب جميعاً تعظمه، وأشدهم إعظاماً له الأوس والخزرج، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة في السنة الثامنة للهجرة، أرسل إليه عليَّاً رضي الله عنه، فهدمه، وأخذ ما كان له، وأقبل به الى النبي صلى الله عليه وسلم، فكان فيما أخذ: سيفان، كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما له، والحارث هذا هو الذي قتل شجاع بن وهب الأسدي رضي الله عنه حين سلمه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم يدعوه للاسلام، ولم يقتل للنبي صلى الله عليه وسلم رسول غيره.
وثانيهما اللات وكانت بالطائف، وهي صخرة مربعة، وكانت قريش وجميع العرب تعظمها، فلما جاء وفد ثقيف بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من فتح مكة إلى المدينة، طلب وفدها منه عليه الصلاة والسلام أن يدع لهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى ذلك عليهم، فما برحوا يسألونه سنة سنة وهو يأبى عليهم، حتى سألوا شهراً واحداً، فأبى عليهم.
قال ابن هشام: وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم، ونسائهم، وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الاسلام، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة فيهدماها، فلما أخذ المغيرة يضربها بالمعول، خرج نساء ثقيف حسراً يبكين عليها ويقلن:

لتُبكينَّ دُفَّاع--- أسلمها الرُّضَّاع
لم يُحسنوا المِصَاع

يردن بذلك: واحسرتا على التي كانت تدافع عنا أعداءنا، وتدفع عنا البلاء، قد أسلمها اللئام للهدم، فلم يدافعوا عنها، ولم يجالدوا بالسيوف في سبيلها.
وثالثتها العزى كانت عن يمين المسافر من مكة إلى العراق، وكانت قريش تخصها بالإعظام، فلما نزل القرآن يندد بها وبغيرها من الأصنام، اشتد ذلك على قريش، ولما مرض أو أحيحة وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف مرضه الذي مات فيه، دخل عليه أبو لهب يعوده، فوجده يبكي، فقال: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟ قال: لا، ولكني أخاف ألا تعبد العزى بعدي! قال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك، فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة!.. وأعجبه شدة نصبه في عبادتها[4].
فلما كان عام الفتح دعا النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد، وأمره أن ينطلق بهدمها، فلما جاءها خالد، قال سادنها ديبة بن حرمي الشيباني:

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533897

أعُزاء شدِّي شدة لا تكذبي--- على خالد أَلقي الخمار وشمري
فانك إلا تقتلي اليوم خالدا--- تبوئي بذلٍّ عاجل وتنصرَّي

فقال خالد:
يا عُزَّ كفرانك لا غفرانك--- اني رأيت الله قد أهانك

وقد زعموا أنها كنت حبشية، نافشة شعرها، واضعة يدها على عاتقها في داخل شجرة كان قد قطعها خالد، فبرزت له بهذا الشكل، فضربها ففلق رأسها، فاذا هي حممة (أي كالفحم) فلما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأداء مهمته، قال عليه الصلاة والسلام: تلك العزى، ولا عزى بعدها للعرب، أما إنها لن تعبد بعد اليوم. تلك هي أشهر أصنام العرب في الجاهلية، وهي التي ذكرها القرآن الكريم بقوله: ?أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى? [النجم: 19 – 20].
ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت الحرام يوم فتح مكة، رأى صور الملائكة وغيرهم، فرأى ابراهيم عليه السلام مصوراً في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟ ?وما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين?، [آل عمران: 68] ثم أمر بتلك الصور كلها، فطمست.
قال ابن عباس: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده الى الأصنام ويقول: ?جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً? [الاسراء: 81] فما أشار الى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.
ولم تمض على فتح مكة إلا شهور، حتى كانت أصنام جزيرة العرب كلها قد سقطت عن عروشها، وكفر بها عبَّادها، وأصبح من كان يعبدها بالأمس يخجل من تفاهة رأيه إذ كان يعبد حجراً لا يضر ولا ينفع ولا يغني عن حوادث الدهر شيئاً.
لقد قامت رسالة الإسلام أول ما قامت على التشهير بهذه الأصنام الآلهة، والتشنيع على عبادتها والدعوة إلى دين الفطرة: عبادة الله خالق الكون ورب العالمين، وقاومت جزيرة العرب وفي مقدمتها قريش هذه الدعوة، ورأت فيها عجباً عجاباً ?أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب? [ص:5].
وماجت جزيرة العرب واضطربت لهذا الدين الجديد، وحاولت وأْده والقضاء على رسوله بكل وسيلة، ولكن النصر كان أخيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نضال استمر إحدى وعشرين سنة، فافتتح عاصمة الوثنية، وحطم آلهتها، وهزم جيوشها، وتغلب على مؤامرات زعمائها، هل يصدق العقل آن ذلك كله قد تم خلال هذه الفترة القصيرة، ولم يكن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ابتدأ هذه الدعوة إنسان لولا أن يكون الله من ورائها، يهيء كتائبها، ويوجه معاركها؟ ?وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى? [الأنفال: 17].
لقد أنهى محمد بن عبد الله مأساة العرب الفكرية التي استمرت زهاء خمسمائة عام أو تزيد، وحرر العقل العربي من أغلال الوثنية وخرافاتها، وأنقذ الكرامة العربية من مهانة الوثنية وحقارتها، وفتح أبواب الخلود للعرب يدخلون منه ثم لا يخرجون، ولقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: لا عزى بعدها للعرب، إما إنها لن تعبد بعد اليوم فقد ودعت جزيرة العرب حياة الوثنية إلى الأبد، وبلغ العقل العربي سن الرشد، فلم يعد يرضى بعودته إلى طفولته: طفولة الوثنية التي تحمل صاحبها على أن يضع جبهته عند أقدام حجارة صماء بكماء، ولقد قامت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حروب وفتن، وادعى النبوة من ادعاها، وعارض القرآن من عارضه، ولكنا لم نسمع أن عربياً واحداً فكر في العودة إلى الوثنية وآلهتها، ذلك أن الراشد لن يعود طفلاً، وكل ذلك إنما تم بفضل محمد صلى الله عليه وسلم ورسالته، فله على كل عربي إلى انتهاء الدنيا فضل الإنقاذ والتحرير، ثم فضل زيادة الهدى لشعوب الأرض من اتبع الهدى ومن أعرض عنه، وجل الله حين يقول: ?هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، ويزكّيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين? [الجمعة: 2].









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 25 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم
غزوة تبوك وأهم ما في هذه الغزوة من عبر ودروس هو ما نوجز الكلام عنه
أولاً-كان سبب هذه الغزوة أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه سنة، وانضمت اليه من القبائل العربية، لخم، وجذام، وغسان، وعاملة، ثم قدموا طلائعهم إلى البلقاء – كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ندب الناس للخروج إلى تبوك، ودعاهم إلى التأهب والاستعداد، ودعا الأغنياء إلى البذل والإنفاق.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533900
وهذا يفسر لنا طبيعة الحرب في الاسلام، فهي ليست عدوانية، ولا استفزازية، ولكنها للدفاع عن الدين والبلاد، وردع المعتدين، ومنعهم عن الأذى والفساد، وهذا ما صرحت به آيات كثيرة من القرآن الكريم، وقد تكلمنا عن أسباب مشروعية الحرب في الاسلام، وأهدافه، وطرائقه، في مذكرات السنة الأولى. وفي خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك بعد تأهب الروم وجمعهم للجموع تأييد لما قلناه هناك.
وفي انضمام بعض القبائل العربية إلى الروم ضد المسلمين، دليل على أنهم كانوا بعيدين عن فهم الاسلام ورسالته التحريرية للناس عامة وللعرب خاصة، ولو كانوا يعلمون ذلك لأبوا أن يكونوا أعواناً للروم على أبناء قومهم من العرب المسلمين.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533900
ثانياً-لقد كانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم للتأهب في وقت عسر وحر وموسم لجني الثمار، فأما المؤمنون الصادقون، فقد سارعوا إلى تلبيتهم للرسول غير عابئين بمشقة ولا حرمان، وأما المنافقون، فقد تخلفوا، وأخذوا يعتذرون بشتى الأعذار، وهكذا يتبين المخلصون من المنافقين في أيام الشدائد، وينكشف أمر الأدعياء في أيام المحن، وقد قال الله تعالى: ?الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين? [العنكبوت: 1-3].
وإنما تقوم الدعوات، وتنهض الأمم بتطهير صفوفها من المنافقين والمخادعين، ولا يثبت للشدة إلا كل صادق العزيمة، مخلص النية، ثابت المبدأ، وكثيراً ما عوق الضعاف والمخادعون سير دعوات الاصلاح في الأمة، وحالوا بينها وبين النصر، أو أخروها ولو إلى حين، ولقد تخلص جيش العسرة في غزوة تبوك من أمثال هؤلاء بفضل افتضاح أمرهم، وانكشاف ضعف إيمانهم، وخور عزائمهم، وإن جيشاً متراص الصف، متحد الكلمة، قوي الإيمان، صادق العهد، أجدى للأمة – ولو كان قليل العدد – وأدعى لاكتساب النصر من جيش كثير العدد، متفاوت الفكرة والقوة والثبات ?كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين? [البقرة: 249].
ثالثاً-ان في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والإنفاق، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، دليلاً على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها، مما تحتاج إليه كل أمة، وكل دعوة، لضمان النصر على أعدائها، وتأمين الموارد اللازمة لها، وهذا ما نجد أمتنا اليوم أشد الحاجة إليه، فالأعداء كثر، والأعباء ثقيلة، والمعركة رهيبة، والعدو قوي ماكر، فلا نستطيع التغلب عليه إلا بمزيد من التضحيات في الأموال والأنفس والأهواء والشهوات، ولا يحقق ذلك إلا الدين الصحيح المفهوم على حقيقته الذي يربي النفوس على احتساب الانفاق والتعب في سبيل الأمة جهاداً يثيب الله عليه كما يثيب المجاهدين في ميادين النضال.
وخير ما يفعله المصلحون وزعماء النهضات، هو غرس الدين في نفوس الناس غرساً كريماً، وكل مقاومة للدين، أو دعوة إلى التحرر منه، أو تظاهر بالاستخفاف من شأنه، جريمة وطنية تؤدي إلى أسوأ النتائج، وأخطر الآثار، كذلك علمنا الله، وكذلك أثبت لنا التاريخ في الماضي، وأثبتت التجربة في الحاضر، وكل انكار لهذه الحقيقة مغالطة لا يلجأ اليها إلا الذين لم تخلص للحق نفوسهم، ولم تتفتح للخير أفئدتهم، ولم تتحل بالسمو والنبل طباعهم.
رابعاً-وفي قصة الذين جاؤوا الى رسول الله يطلبون أن يأخدهم معه إلى الجهاد، فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه. فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً على حرمانهم من شرف الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذه القصة التي حكاها الله في كتابه أروع الأمثلة على صنع الإيمان للمعجزات، فطبيعة الانسان أن يفرح لنجاته من الأخطار، وابتعاده عن الحروب، ولكن هؤلاء المؤمنين الصادقين بكوا من أجل ذلك، إذ اعتبروا أنفسهم قد فاتهم حظ كبير من ثواب الله والتعرض للشهادة في سبيله، فأي مبدأ يعمل في النفوس كما فعل الإيمان في نفوس هؤلاء؟ وأي خسارة تلحق بالأمة حين تخلو من أمثال هؤلاء؟
خامساً-وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد إيثاراً للراحة على التعب، والظل على الحر، والإقامة على السفر، مع أنهم مؤمنون صادقون، درس اجتماعي من أعظم الدروس، فقد استيقظ الإيمان في نفوسهم بعد قليل، فعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عن رسول الله والمؤمنون إثماً كبيراً، ومع هذا فلم يعفهم ذلك من العقوبة، وكانت عقوبتهم قاسية رادعة، فقد عزلوا عن المجتمع عزلاً تاماً، ونهي الناس – حتى زوجاتهم – عن كلامهم والتحدث إليهم، ولما علم الله منهم صدق التوبة، وبلغ منهم الندم والألم والحسرة مداه، تاب الله عليهم، فلما بشروا بذلك كانت فرحتهم لا تقدر، حتى انسلخ بعضهم عن ماله وثيابه شكراً لله على نعمة الرضى والغفران.
إن مثل هذه الدروس تمنع المؤمن الصادق في إيمانه عن أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب أو يرضى لنفسه بالراحة والناس يتعبون، والنعيم والناس يبتئسون، وتلك هي طبيعة الإيمان: أن تشعر دائماً وأبداً أنك فرد من جماعة، وجزء من كل، وأن ما يصيب الجماعة يصيبك، وما يفيدها يفيدك، وأن النعيم لا معنى له مع شقاء الأمة وبؤسها، والراحة لا لذة لها مع تعب الناس وعنائهم، وأن التخلف عن الواجب نقص في الإيمان، وخلل في الدين، وإثم لا بد فيه من التوبة والانابة.
كما تعطينا القصة درساً بأن العقيدة فوق القرابة، وأن تنفيذ النظام المشروع مقدم على طاعة الهوى والعاطفة، وأن القرابة لا تغني شيئاً إزاء غضب الله ومقته ?فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم? [النور: 63].









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 26 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

حجّة الوداع

كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد البعثة، ولما تسامع الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيحج في تلك السنة، توافدوا إلى الحج من مختلف أنحاء الجزيرة العربية حتى بلغوا – كما قال بعض المؤرخين – مائة وأربعة عشر ألفاً، ونحسب أن هذا العدد تقديري، وإلا فكيف أمكن إحصاؤهم وتحديد عددهم بهذا القدر؟

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533901
وقد خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطتبه الشهيرة التي يجب أن يحفظها كل طالب علم، لما تضمنته من إعلان المبادئ العامة للاسلام، وهي آخر خطبه صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيها:
"أيها الناس، اسمعوا قولي، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً" – وهذا من معجزات رسوله صلى الله عليه وسلم – أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب – وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل – فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أما بعد أيها الناس، فان الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا على دينكم.
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً، ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=533901
أما بعد أيها الناس فان لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فان فعلن فان الله قد أذن لكم أن تهجروهنَّ في المضاجع وتضربوهنَّ ضرباً غير مبرح، فان انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فانهن عندكم عوان، لا يملكن لانفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله.
فاعقلوا أيها الناس قولي، فاني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟".
إن أول ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الجمهور الضخم الذين حضروا مع الرسول صلى الله عليه وسلم من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، مؤمنين به، مصدقين برسالته، مطيعين لأمره، وقد كانوا جميعاً قبل ثلاثة وعشرين سنة فحسب على الوثنية والشرك، ينكرون مبادئ رسالته، ويعجبون من دعوته الى التوحيد، وينفرون من تنديده بآبائهم الوثنيين، وتسفيهه لاحلامهم، بل كان كثير منهم قد ناصبوه العداء، وتربصوا به الشر، وبيتوا على قتله، وألبّوا عليه الجموع، وجالدوه بالسيوف والرماح، فكيف تم هذا الانقلاب العجيب في مثل هذه المدة القصيرة، وكيف استطاع صلى الله عليه وسلم أن يحول هذه الجموع من وثنيتها وجاهليتها وترديها وتفرقها الى توحيد الله وعلم ذاته وصفاته، واجتماع الكلمة، ووحدة الهدف والغاية؟ وكيف كسب حب هذه القلوب بعد عداوتها، وهي المعروفة بشدة الشكيمة وعنف الخصام؟ ألا إن إنساناً مهما بلغت عبقريته، ودهاؤه، وقوة شخصيته ليستحيل أن يصل إلى هذا في مئات السنين، وما سمعنا بهذا في الأولين والآخرين، إن هو إلا صدق الرسالة، وتأييد السماء، ونصرة الله، ومعجزة الدين الشامل الكامل الذي أتم الله به نعمته على عباده، وختم به رسالاته للناس، وأراد أن ينهي به شقاء أمة كانت تائهة في دروب الحياة، مستذلة للأهواء العصبيات، وأن يدلها على طريق الهداية، ويفتح أعينها لأشعة الشمس، ويقلدها قيادة الأمم، ويحوُّل بها مجرى التاريخ، ويمحي بها مهانة الانسان، ويورثها الحكمة والكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب.
مائة وأربعة عشر ألفاً كانوا له مكذبين، فأصبحوا له مصدقين، وكانوا له محاربين، فأصبحوا له مذعنين، وكانوا له مبغضين، فأصبحوا له محبين، وكانوا عليه متمردين، فأصبحوا له طائعين، كل ذلك في ثلاث وعشرين من السنين.. ذلك هو صنع الله الحق المبين، فتعالى الله عما يشركون، وتنزهت ذات رسوله عما يقول الملحدون، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وثاني ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الخطاب القوي الحكيم الذي خاطب به رسول الله الناس أجمعين، وتلك المبادئ التي أعلنها بعد إتمام رسالته ونجاح قيادته، مؤكدة للمبادئ التي أعلنها في أول دعوته، يوم كان وحيداً مضطهداً، ويوم كان قليلاً مستضعفاً، مبادئ ثابتة لم تتغير في القلة والكثرة، والحرب والسلم، والهزيمة والنصر، وإعراض الدنيا وإقبالها، وقوة الأعداء وضعفهم، بينما عرفنا في زعماء الدنيا تقلباً في العقيدة والمبدأ، وتبايناً في الضعف والقوة، وتغيراً في الوسائل والأهداف، يظهرون خلاف ما يبطنون، وينادون بغير ما يعتقدون، ويلبسون في الضعف لبوس الرهبان، وفي القوة جلود الذئاب، وما ذلك إلا لأن هؤلاء رسل المصلحة، وأولئك رسل الله وشتان بين من يحوم فوق الجيف، وبين من يسبح في بحار النور، شتان بين الذين يعملون لأنفسهم، وبين الذين يعملون لإنسانيتهم، شتان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن ?الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون? [البقرة: 257].









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 27 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم



بعث أسامة




إن آخر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لنشر الدعوة وحمايتها، ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز جيشاً الى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وقد كان في هذا الجيش جميع المهاجرين والأنصار، ومن كان حول المدينة من المسلمين، لم يتخلف منهم أحد، ولما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، فتوقف الجيش عن السير انتظاراً لشفاء الرسول، ورغبة في تلقي تعاليمه وهديه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي بعد أيام، واختاره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهيأ جزيرة العرب كلها لحمل لواء الاسلام، ونشر حضارته وتعاليمه في أنحاء الأرض، وبعد أن تكون الجيش الذي يقوم بحمل أعباء هذه الأمانة العظيمة الأثر في التاريخ، بعد أن تهيأ جنوده الصالحون لخوض معاركها، والقادة الأكفاء لقيادة حروبها، والرجال العظماء الصالحون لادارة دولتها، فصلى الله وسلم على رسوله، وجزاه الله عنا وعن الانسانية خير الجزاء، فلولاه ولولا جنوده الأوفياء الذين أدّوا الأمانة من بعده لكنا الآن في ضلال مبين.
لقد أكرم الله رسوله بما لم يكرم نبياً من قبله، إذ طالت حياته حتى رأى ثمرة دعوته وكفاحه تلف الجزيرة كلها، فتطهرها من الأوثان تطهيراً أبدياً، وتجعل الذين حطموا هذه الأصنام بأيديهم فرحين بنعمة الله في إنقاذهم من الضلال، هم الذين عبدوها من قبل، وعفّروا لها وجوههم بالسجود لها، وطلب الزلفى عندها، ثم تجعل هؤلاء مستعدين تمام الاستعداد للانسياح في الارض، يحملون إلى الناس نور الهداية التي أنعم الله عليهم بها، إنه جيل واحد هو الذي كان يعبد الأصنام ويؤلِّهها، ويعيش في جاهليته هملاً مبعثراً الكفاءات والمواهب، ثم هو الذي حطم الأوثان، وأقام الدولة العربية الأولى في تاريخ العرب كله، التي تحمل رسالة وتحدد هدفاً، وتقف من أقوى أمم الأرض حولها موقف المعلم المنقذ، والرائد المعتز بما يحمل من هدى ونور وخير المشفق على ما كانت تتردى فيه الأمم من جهالة وظلام وانحلال، بينما كان العرب يبظرون اليها قبل الاسلام نظر الإكبار والإعظام، ويقفون منها موقف التبعية السياسية والفكرية والاجتماعية، إنه حدث فريد في التاريخ قديمه وحديثه، وليس بعث أسامة إلا عنوان هذا الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة.
ثم يتجلى من جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة الجيش لأسامة بن زيد وهو شاب في سن العشرين وتحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهم من هم في سبقهم الى الاسلام، وحسن بلائهم فيه، وتقدمهم في السن والمكانة على أسامة، ان في هذا سنة حميدة من سنن الاسلام في الغاء الفوارق بين الناس من جاه وسنٍّ وفضل، وتقديم الكفء الصالح لها مهما يكن سنِّه ومكانته، ثم في رضى هؤلاء العظماء الذين أثبت التاريخ من بعد أن التاريخ لم ينجب مثلهم في عظمتهم وكفاءاتهم، على أن يكونوا تحت إمرة أسامة الشاب، ما يدل على مدى التهذيب النفسي والخلقي الذين وصلوا اليه بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهدايته وتربيته وإرشاده.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533902
إن في تأمير أسامة على مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، سابقة عظيمة لم تعهدها أمة من الأمم، تدل على وجوب فسح المجال لكفاءات الشباب وعبقرياتهم، وتمكينهم من قيادة الأمور حين يكونون صالحين لذلك، وهذا درس عظيم لو بقي المسلمون يذكرونه من بعد لاختفت من تاريخ الاسلام محن وكوارث، ومن تاريخ دولته عواصف وفتن زعزعت أركانها وأضعفت من قوتها، فنعم ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤيد بوحي السماء، الموهوب من الحكمة والسداد، وبعد النظر، وعظيم السياسة، مالم يوهب نبي قبله، ولم يعرف عن عظيم في التاريخ من قبله ومن بعده، ورضي الله عن أسامة الشاب، وهنيئاً له ثقة رسول الله صلى الله عليه وسلم بكفاءة قيادته وصدق عزيمته، وحسن إسلامه، رضي الله عنه وجعله قدوة لشبابنا المؤمنين العاملين.











عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-18-2011   المشاركة رقم: 28 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم


وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم



توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان قد علم من طريق الوحي بقرب أجله، فودع الناس في حجة الوداع، وكانت قلوب الصحابة واجفة هلعة خشية أن يكون أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اقترب، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، فلما أشيع عن وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم اضطرب الصحابة جميعاً لهول الكارثة، وزلزلت المدينة زلزالها، وطاشت عقول كثير من كبار الصحابة والسابقين الى الاسلام، فمنهم من عقل لسانه، ومنهم من أقعد عن الحركة، ومنهم وهو عمر من شهر سيفه ينهى الناس أن يقولوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، ويزعم أنه غاب، وسيرجع اليهم، ولكن أبا بكر وحده هو الذي كان ثابت الجأش، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى على فراشه، فقبله وقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما أطيبك حياً وميتاً! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، يا رسول الله اذكرنا عند ربك.
ثم خرج أبو بكر الى الناس، فخطب فيهم وقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً، فان محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فان الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ?وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين? [آل عمران: 144]. فلما تلاها أبو بكر أفاقوا من هول الصدمة، وكأنهم لم يسمعوها من قبل، قال أبو هريرة: قال عمر: فوالله ما هو الا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت – أي دهشت وتحيرت – حتى وقعت الى الأرض وما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات.

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t69057-3.html#post533903
وهنا درسان بالغان:
أولهما: أن الصحابة دهشوا لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لكأن الموت لا يمكن أن يأتيه، مع أن الموت نهاية كل حي، وما ذلك إلا لحبهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم حباً امتزج بدمائهم وأعصابهم، والصدمة بفقد الأحباب تكون على قدر الحب، ونحن نرى من يفقد ولداً أو أباً كيف يظل أياماً لا يصدق أنه فقده، وأي حب في الدنيا يبلغ حب هؤلاء الصحابة الأبرار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد هداهم الله به، وأنقذهم من الظلمات إلى النور، وغير حياتهم، وفتح عقولهم وأبصارهم، وسما بهم إلى مراتب القادة العظماء، ثم هو في حياته مربيهم وقاضيهم ومرشدهم يلجؤون اليه في النكبات، ويسترشدونه في الحوادث، ويأخذون منه خطاب الله لهم وحديثه اليهم وتعليمه لهم، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم انقطع ذلك كله، فأي صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثراً.
ثانيهما: أن موقف أبي بكر دل على أنه يتمتع برباطة جأش وقوة أعصاب عند النكبات لا يتمتع بها صحابي آخر. وهذا ما جعله أولى الناس بخلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أثبت ذلك في حركة الردة في جزيرة العرب.

المصدر : الشبكة الدعوية
كتاب السيرة النبوية دروس وعبر
مصطفى السباعي









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-20-2011   المشاركة رقم: 29 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية حبوب المحبوب


البيانات
التسجيل: Jun 2011
العضوية: 31162
المشاركات: 729 [+]
بمعدل : 0.31 يوميا
اخر زياره : 08-07-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 275

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
حبوب المحبوب غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

تم بحمد الله









عرض البوم صور حبوب المحبوب   رد مع اقتباس
قديم 06-21-2011   المشاركة رقم: 30 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: الرقابة العـامة ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد للرحمان


البيانات
التسجيل: Sep 2010
العضوية: 12097
المشاركات: 3,574 [+]
بمعدل : 1.34 يوميا
اخر زياره : 06-09-2013 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 65

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد للرحمان غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : حبوب المحبوب المنتدى : منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما
افتراضي

جزاك الله خيرا على السلسلة تذكيرا بسيرة خير الانام عليه الصلاة والسلام









عرض البوم صور عبد للرحمان   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
السيرة النبوية لقمان عبد الرحمن منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما 8 04-04-2011 12:06 AM
بحث حول السيرة النبوية Dzayerna منتدى خاص بالبحوث و الكتب المدرسية 1 01-22-2010 12:13 PM
كلمات في السيرة النبوية بنت البليدة منتدى الحديث والسنة النبوية وعلومهما 4 01-12-2010 10:08 AM


الساعة الآن 02:27 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302