العودة   منتديات صحابي > أقسام الأدب والشعر > منتدى القصص و الروايات


منتدى القصص و الروايات منتدى خاص بالأدب والقصة والرواية والقصص المنقولة


مأتم

منتدى القصص و الروايات


مأتم

توفي قبل يومين رجل كان يسكن حيّنا مع عائلته، وذهبنا لتقديم التعازي، كنا أربعة رجال، وكان المأتم يقام في قاعة كبيرة يبدو واضحا أنها كانت مخزنا يضع فيه أصحابها أشياءهم

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-25-2007   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة


البيانات
التسجيل: Aug 2007
العضوية: 66
المشاركات: 126 [+]
بمعدل : 0.03 يوميا
اخر زياره : 05-21-2008 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 13

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد جنازرة غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى القصص و الروايات
توفي قبل يومين رجل كان يسكن حيّنا مع عائلته، وذهبنا لتقديم التعازي، كنا أربعة رجال، وكان المأتم يقام في قاعة كبيرة يبدو واضحا أنها كانت مخزنا يضع فيه أصحابها أشياءهم القديمة أو تلك التي لا يستعملونها في الوقت الحاضر .. بعد برهة من المسير كنا على مشارف القاعة المأتم، ما إن رآنا من كان بداخلها حتى وقف بضعة رجال لاستقبالنا، كانوا أبناء الميت وأخوته، تقدمنا منهم مصافحين مواسين قائلين " عظم الله أجركم " فجاء الرد شاحبا كأحزانهم أو كما اصطنعوا من حزن " شكر الله سعيكم " ثم جلسوا وواصلنا نحن السير باحثين عن مجلس لنا ...

كان المكان يغص بالكراسي التي شغل معظمها أناس جلسوا على شكل جماعات صغيرة ليتبادلوا أطراف الحديث. ألقينا السلام على الموجودين ثم تركت من جئت وإياهم واخترت كرسيا كان في إحدى الزوايا ليتسنى لي مراقبة الجميع دون جهد. للوهلة الأولى أذهلني المشهد الذي كان . الكل يتحدث ويبتسم وكأنهم ليسوا في مأتم، جاءوا ليقدموا التعازي في رجل ميت فإذا بهم تأخذهم مشاغل الحياة وتنسيهم ما جاءوا لأجله ...

في حضرة الموت كان الحديث دائرا عن الحياة وهمومها وعن ما أنجز من أعمال هذا اليوم .. كانت هذه هي المرة الأولى التي أدخل فيها مأتما .. كنت أظنه قبل ذلك صمت وحزن فإذا به صخب وضحك وكلام لا ينتهي ...

أيقظني من ذهولي رجل دخل لتوه، اقترب من أهل الميت وعانقهم جميعا، توقف عند آخر رجل فيهم وبعد أن عانقه ربت على كتفه ثم قال : "يا حسرتي عليه، لقد مات شابا" صمت قليلا ثم واصل بصوت هو أقرب للعويل "كان مثل أخي لم نكن نفارق بعضنا البتة..." ثم تركه وجاء يجلس بالقرب مني، وقبل أن يجلس رفع يده وقال بصوت مرتفع "أسعد الله مساءكم" فتوالت أيدي الجالسين ترتفع محيية، شاكرة إياه على ما تمنى لهم من السعادة هذا المساء ..

كان هناك شاب قصير القامة نحيل الوجه يقدم القهوة للحاضرين، صرخ هذا الرجل الذي لم أكن قد رأيته قبل هذا اليوم على الشاب وطلب منه أن يأتي ويقدم له القهوة، وحدها "القهوة السادة" كانت تذكرني أنني في مأتم، وحدها كانت تدل على وجود مأتم في هذا المكان ... اقترب الشاب منه مبتسما لتصرفه وقدم له فنجانا ..فأعاده له طالبا منه أن يملأه ففعل .. شرب فنجان القهوة على عجل، بنهم من لم يشرب القهوة منذ زمن .. أعاد الفنجان للشاب ثم ترحم على الميت بصوته المرتفع والذي اعتدنا عليه مذ دخل .. ثم صمت ...

لا أدري أي نوع من الرجال هو هذا الرجل، لقد كاد يجهش بالبكاء وهو يعانق أبناء الميت وأخوته وها هو الآن يتمنى لنا مساء سعيدا.. يشرب القهوة .. ويبتسم ... لقد أيقظني من ذهولي ليضعني أمام ذهول أكبر .. أعجب كيف لهؤلاء الجالسين أن يستحضروا سعادتهم داخل مأتم ؟! أمن المفترض أن يكون هناك سعادة في مأتم ؟ ألم يعد للموت سطوة على قلوب البشر ؟ ....

انصرفت بنظري عن هذا الرجل الغريب الأطوار، و تركت لعيني حرية التجوال في المكان، انطلقت عيناي من حيث دخلت القاعة، من المكان الذي كان يجلس فيه أبناء الميت وأخوته .. كانوا تارة يتأملون الجالسين وتارة أخرى يتهامسون فيما بينهم وأخرى يخفضون رؤوسهم مفكرين في أشياء لا علم لي بها، ربما كانوا يفكرون بالميت وربما كانوا يفكرون بهؤلاء الجالسين على كراسي الحزن ليقدموا التعازي، وربما كانوا يفكرون بأشياء أخرى . نظر أحدهم إلى اثنين كانا يخوضان نقاشا حادا ارتفع صوتهما جراءه بعض الشيء فابتسم لما شاهده ابتسامة خائفة من أن يلحظها أحد، كان المبتسم أحد أبناء الميت ولقد شغله هذا الموقف عن أبيه فابتسم.

تركت أهل الميت وانتقلت بعيني إلى وسط القاعة حيث تحلق سبعة رجال حول شيخ طاعن في السن له لحية بيضاء كثة ويلبس ثوبا أبيض فوقه عباءة بنية ويمسك في يده عصا، وكان يتحدث إليهم بصوت مرتفع وصلني بوضوح تام، كان يحدثهم عن الصلاة وعن إثم تاركها فتوقعت أن يكون إمام مسجد أو داعية ما ... وفي مكان آخر من القاعة كان يجلس رجلان مقابلين لبعضهما وكانا قريبين مني، سأل أحدهما الآخر إن كان قد ذهب اليوم للعمل أم لا ، فأجابه بأن صلاحية تصريحه قد انتهت وعلى الرغم من ذلك فقد حاول الذهاب إلا أن الجنود الإسرائيليين قد شددوا التفتيش على الحواجز مما حال دون وصوله إلى مكان عمله ...


كان المكان نابضا بالحركة ، أناس يدخلون وآخرون يخرجون ليفرغوا مكانا للقادمين الجدد .. وكأن الناس اتخذوا المأتم مكانا للالتقاء ببعضهم فما إن يجلسوا حتى يشرعوا بالحديث عن أمورهم الخاصة ، كأنهم جاءوا فقط ليخبروا الميت أن الحياة بعده ستستمر ...

دخل ثلاثة رجال وجلسوا في مكان ما من القاعة ثم أشار أحدهم بيده إلى أحد إخوة الميت فقام الأخير وجلس بجانبه وغرقا في حديث أسفر في نهايته عن ابتسامة عريضة ارتسمت على وجه كل منهما ...

حملتني الذاكرة إلى عجوز توفي قبل سنوات، كان أول شيء قام به أولاده بعد دفنه أن تخلصوا من أشيائه الخاصة ، تصدقوا بثيابه ، باعوا سريره ، رموا بعض أشيائه ، وأغلقوا غرفته فصارت مسكنا للأشباح .. تلك الغرفة التي من المؤكد أنها كانت في يوم من الأيام مليئة بأصواتهم فها هم يغلقونها بعد وفاته كي لا يرتطموا بذكراه إن هم دخلوها ...

كم سيء هو النسيان ، لسنا سوى عابري طريق على هذه الأرض ، نسير على رمل وبعد مرورنا تأتي الأمواج لتمحو خطى أقدامنا ...

قلت في نفسي : (( الكل سيخوض هذه التجربة ، جميعنا سوف نموت وجميعنا سوف ننسى كأننا لم نكن موجودين يوما أو كأن أحدا لم ينتبه لغيابنا ... )) ، كأبله صمت للحظة دون التفكير بشيء ثم واصلت مخاطبا نفسي
(( يلزمك بعض الغياب كي تعي عبثية وجودك هنا على هذه الأرض .. )).

***

الصمت هو اللغة الشرعية الوحيدة للحزن، وما البكاء إلا طريقا مختصرا للنسيان ، جميع أقارب الميت ذرفوا الدموع عندما علموا بموته ولكنهم ذرفوا معها ذاكرتهم فما إن فرغوا من البكاء حتى فرغوا من أحزانهم .. وحده من كانت دموعه ترتد إلى داخله فتترك حزنا عميقا خلفها ، وحده كان صامتا .. وحده كان حزينا .. كان يجلس في زاوية مقابلة لي .. هو الابن الأصغر للميت ، شاب صغير لم يجاوز العشرين .. وحده من شعر بفقدان شيء ، فقد كان أبوه بالنسبة له كل عالمه، فبعد أن توفيت أمه قبل أعوام وبعد أن تزوج آخر أخوته لم يكن لكل منهما غير أخره ليستعين به على الوحدة وليستعيض به عن غياب من غابوا .. ليس مجرد أب هو ما فقد هذا الشاب .. لقد فقد جزءا منه .. فمن سيملأ هذا الغياب بعد والده ...؟!

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t895.html#post5396

وحيدا كان يجلس في زاوية مقابلة لي ، عيناه ساهمتان غارقتان في شيء ما .. لا شك بأن الذكرى كانت قد رحلت بهما إلى مكان وزمان آخرين .. زمن كان فيه أبوه جزءا من هذا العالم ... وكمن ينتبه إلى الجالسين للمرة الأولى ، راح ينظر إليهم بذهول ، باحتقار كأنه يود لو يطردهم جميعا ... راودتني فكرة القيام والجلوس بجانبه لعلي أستطيع أن آخذ عنه بعض حزنه لكني عدلت عنها .. قلت في نفسي : ( ليس من السهل أن يحمل أحد عنك أحزانك .. )

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=5396


نظرت إلى ساعتي ، كانت تشير إلى الثامنة مساء ، وكان قد مر على وجودي هنا ما يقارب الساعة شربت خلالها القهوة ثلاث مرات .. في العادة يمكث الناس هنا مدة قصيرة ، إلا أنني كنت مأخوذا بفظاعة النسيان فنسيت نفسي جالسا هنا على مقعد الدهشة .. نظرت حولي فإذا بالذين جئت معهم قد غادروا المكان ، ربما حاولوا إعلامي برحيلهم دون أن أنتبه لهم .. وقفت ، ألقيت السلام مرة أخرى ، ثم غادرت المكان ..
.



lHjl










عرض البوم صور محمد جنازرة   رد مع اقتباس

قديم 08-25-2007   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة


البيانات
التسجيل: Aug 2007
العضوية: 64
المشاركات: 79 [+]
بمعدل : 0.02 يوميا
اخر زياره : 04-12-2008 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 10

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
علي حيدر بيرين غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد جنازرة المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

القصة كلها تستدعي الى التأمل العميق..
ففيها ينعكس الوضع النفسي للأفراد , الذين يعيشون تحت الموت..
وكأني بك , يامحمد تتنقل بالة الكاميرا وتصور لنا..
رغم وصفك القليل للاشياء..الا انك جعلتنا نشاركك المكان والزمان ..
وحتى ماكنت ترمي اليه وراء سطورك تلك
شكرا صديقك علي حيدر









عرض البوم صور علي حيدر بيرين   رد مع اقتباس
قديم 08-31-2007   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية سعاد.س


البيانات
التسجيل: Jul 2007
العضوية: 9
المشاركات: 2,500 [+]
بمعدل : 0.66 يوميا
اخر زياره : 12-05-2009 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 12

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
سعاد.س غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : محمد جنازرة المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

لن أكذب عليك أخي محمد
قرأتها كلها..
بقشعريرة قرأتها..
ربما نلتقي أنا وأنت في اشياء كثيرة
وقد التقينا هنا كثيرا
فقرات كثيرة تجمعنا,,

لنتأمّل

شكرا لهذه الحروف وهذا النزف

سعاد









عرض البوم صور سعاد.س   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
•|~ آمتلگ آسطوآنة ~ Microsoft Office 2010 ~ آلنسخة آلنهآئية ~ آصدآر مستقرة ولآ تعآني DzaYerna Group منتدى البرامج الكامله 1 06-08-2011 01:26 AM
فأعدوا لمثل هذا اليوم ............سلسلة في رحاب الدار الآخرة ( يوم الحساب) ياسمين نجلاء ركن الــمواعظ والرقائـق 4 06-29-2010 12:52 PM
ممثل العرب...في...جنوب افريقيا بنت البليدة ركن صور الأفــناك 4 06-24-2010 04:22 PM
وفد ممثل محركات البحث العالمية ضيوف هنا في جزائرنا سوزان منتدى الاعضاء الجدد 3 02-21-2010 02:16 PM
هل تعرضت لمثل هذا الموقف سمراء منتدى الجــدال المحمود { حوار جاد } 10 11-17-2007 03:39 PM


الساعة الآن 05:21 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302