العودة   منتديات صحابي > أقسام الأدب والشعر > منتدى القصص و الروايات


منتدى القصص و الروايات منتدى خاص بالأدب والقصة والرواية والقصص المنقولة


الكلب الـــــــــــــــــــــــ ـــضال

منتدى القصص و الروايات


الكلب الـــــــــــــــــــــــ ـــضال

الكلب الضّال شهر أغسطس الكئيب دوما ، شهر النّار والحب واليأس . استفتح شيخ الحارّة صباحه بأن قام ببعض الحركات الجسمانيّة اللاواعية . ثم تناول كأس الصعتر بالنعناع. اعتكف

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-28-2008   المشاركة رقم: 1 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد الباسط لهويملي


البيانات
التسجيل: May 2008
العضوية: 1770
المشاركات: 986 [+]
بمعدل : 0.28 يوميا
اخر زياره : 04-23-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 15

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد الباسط لهويملي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي



الكلب الضّال

شهر أغسطس الكئيب دوما ، شهر النّار والحب واليأس .
استفتح شيخ الحارّة صباحه بأن قام ببعض الحركات الجسمانيّة اللاواعية . ثم تناول كأس الصعتر بالنعناع.
اعتكف كعادة كل سبت في المكتبة . وقد شدّد على الخادم العجوز قائلا :
ـ لا تزعجيني . مهما كان الخطب ملحّا .
إن أقبـح شيء يمكن أن يقلّبَ مزاجه الهادئ إلى الحضيض ، هو أن يشوش عليه طارق ما ساعة المعدودة في المكتب .
شرع متعجلا في كتابة رسالة ، من مجمل الرسائل التي مازال البتّ فيها من طرف العمدة مؤجلا حتى أجل مسمّى . كان يضرب على مفاتيح الآلة الكاتبة تلقائيا .
وكان بمستطاع أي أصمّ أن يسمع رقن أصابعه تعود بالصدّى في كل موطئ في بيت الضخم . طبعا كان له منزل ذو طابقين ، مزّين بالسجاجيد الغالية ، وبلوحات تشكيلية للفنانين مجهولي الهويّة ، وأيضا وآواني رخاميّة موضوعة فوق نضد متوزعة هنا وهناك .وشدّ ماكانت الخادم العجوز تشقى في سقي أصص النبات المتسلق بماء فاتر ومسح وكنس وتنظيف الغرف الكثيرة . بينما بدت أوزار البيت شيئا تافها لدى شيخ الحارّة ، إذا ماقورنت بمهامه الثقيلة والمصيرية . فمنذ تنصيبه شيخا للحارة ، والوقت يضيق عليه يوما فيوما . فقد كانت الوفود التعسة تحج إليه ، حاملة مطالبها اليومية وبشاكياتها الفوضوية ولك أن تتخيل : الأصوات المرتفعة ، والأقدام العارية المتعفرة بالطين ، ووالجوه الكدّرة الممتقعة . وهذا ماحدا به لتقنين الوقت ، وتحديد زمن معيّن لاستقبال الوفود ، هو الساعة العاشرة صباحا . ولم يعد كالسابق يقبض مبلغا معينا لقاء كل شكاية ، إنما صار يفعل ذلك مجانيا . إذ تضاءل عدد الناس الذين مازال لديهم متسع من الوقت للتفكير في مشاكل مـجاري المياه ، والكهرباء الضعيفة المتقطعة ، والكلاب الضّالة ، والطرق الوعرة التي لم تسفلت بعد ، أو الباص البلدية الخردة . وأصبح لا يقبل خبط عشواء على أية قضية في الحارة ، إنما يغربل من القضايا القليلات التي يستلمها مايراه حقيقا لكي يصدّع به رأس العمدة ، ثم يحرّر في الأمر تقريرا مقتضبا أو شكاية ، أو استغاثة ، يقوم بذلك كيفما يتحقق .
أخذ شيخ الحارّة يطوف عبر الرفوف الملأى بالكتب المتنوعة ، ونسخ أصلية نادرة لبضع مرسلات الإدارية الشهيـرة في البلدة . مازال محتفظا بها منذ أن عثـر عليها أحد منقبي براميل القمامة ، مرمية في وادي البلدة ، ملفوفة في حقيبة جلدية صغيرة . وقد سلّمها المسكين لعبد الناصر قبل أن ينصّب شيخا للحارة ، الذي كاد حينذاك يؤجج فيها النار ، إذلم تكن في نظره سوى كلام جرائد . تذكر شيخ الحارة أنه انتوى ليلة أمس أن يطلّع على نسخة قديمة من رسالة ، كان قد أرسلها للعمدة تتعلق بانقطاع التيّار الكهربائي المتكرر . ولكنه وجد نفسه يمرّر أصابعه على كتاب في رّف مكتبته .كان لذلك الكتاب أثر السحر في تقويم أسلوبه الكتابي . فقد اقتـصر الأمر على نسـخ ماهو مدّون في ذلك الكتاب ، مع تصرّف قليل في طبع تاريخ جديد ، وإضافة اسم العمدة واسمه المكنّى " شيخ الحارة لترقية الحياة ". بحيث استحالت شكاويه محترمة جدا ، وذات رهبة لدى من يقرؤها . خلافا لرسائله الأولى التي كانت ركيكة ، وغارقة في الأخطاء النحوية البديهية ، بل أن أسلوبه كان كالمراهقين الذين يستجدون الحب من فتيات دميمات ، مما خلى النائب السادس للعمدة يبرقه برسالة مقتضبة يصارحه فيها قائلا :
ـ بوسع العمدة أن يجد لك مصيبة متفرغة للحب ؟
جلس شيخ الحارة وراء مكتبه ، وقيّد تاريخا اليوم الموافق : الثالث أغسطس 95. ثم استدار صوب النافذة ، فتأكدّ أنها مسدولة الستائر فأردف :
ـ هكذا أحسن ؟
فإلى وقت قريب كان يراهن على حالة الجوّ ، إذا ما كان العمدة سيبعث له ردّا عن رسائله المائتين أم يستمر في تأجيل ذلك . ولكم راهن على هطول المطر ولكن شموسا لا تحصى ، كانت تخيّب أمله على الدوام . أخذ يرقن على ضوء الشمعدان المطلىّ بالنحاس ، قصة الطفل الذي مات قبل أسبوع . فقبل أيام قلائل استقبل رجلا بدينا ، ذو سوالف عريضة ، وشارب مفتول كالبحارة . قصّ عليه موت ابنه البكر الوحيد قائلا :

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/t9511.html#post101344
ـ .. لقد تسوّر ابني حائط بيتي ، ولما ظن انه يتشبث بحجر ليتسلق صاعد ، إذ أطبق كفه على سلك كهربائي غير عازل سعته 280فولت .فتهالك على الأرض متفحما ومحترقا كفراشات النور .
ولما سأله شيخ الحارة عن السبب في تسوّره الحائط ، ذكر الرجل البدين :
ـ لا مراء أنه كان خائفا من القتلة المأجورين من السماء . طبعا ياسيدي لقد سمعت أنهم مجموعة من شذاذ الأفاق ، وجياع ، ومتسولين . ولقد حذّرته دائما بأنهم يجهزون على كل من يصادفونه في الشارع بعد الساعة الثامنة مساء ، حيث تقرع أجراس المدارس إيذانا بحظر التجوال ، لذا عدّ باكرا إذا استطعتْ . كنت أقول له.
وعند استمع شيخ الحارّة لقصة الطفل صرفه واعدا إياه بأن يقوم بالواجب . ولم يكن يؤيده بتاتا فيما يعتقد ، وعدّ أنها أوهام من فعل أفلام الرعبّ التي تخاطب الخمول العقلي . وأمضى يتدبرّ في حكاية الطفل أربعة أيام بلياليها . وليلة أمس توقف على عدة استنتاجات قيّدها في رءوس أقلام :
ـ لقد أضاع الطفل مفتاح الدار في زحمة السوق ، وعندما قفل راجعا ليلا لم يجد وسيلة إلا تسوّر الحائط .
ـ كان الظلام دامسا ليلتها فلم يتمكن من التفريق بين سلك كهربائي وحجر .
ـ وأخيرا إما انه انتحر مخيّرا أم ماتَ مسيّرا .
وكل هذه الاستنتاجات البوليسية ، كانت تنبع من إيمانه الراسخ :" أطلق رصاصة ، عندها قد تصيب شيئا ما ". ولعل هذه الأفكار المبتكرة المتعالية عن الخوف من الأشياء التي دفعت بالعمدة بعد أربعة عشر عاما ، لإقامة مزاد علني لبيع مكاتبيه المائتين ، واعتبرها مخطوطات ذات قيمة إنسانية وأدبية عالمية .
كان في هذه الصبيحة يرصّ الكلمات حذو بعض على غير عادته . فلطالما ساوى بين الحبّ والرّقن على الآلة الكاتبة ، كما ساوى بين الحدادة والموسيقى والجرائد والصراصير . كان وجهه قناعا من أبخس الأتربة . كما شعر بماء بارد يزحف كثعبان عبر عموده الفقري ، وأوعز ذلك للألم مبرح في مثانته المحتقنة .
أطلّت في هذه الأثناء الخادم العجوز من الباب ، وبقيت سامدة ثم قالت :
ـ سيدي إن أحدا بالباب ؟
تفحصها مدة دقيقة وخمسين ثانية ثم قال :
ـ متى يجدون دواء لمرض فقدان الذاكرة ؟
ـ ماذا ؟
ثم أومأ لها بيده ، فهمتها الخادم العجوز أن تفعل ما تراه مناسبا .
وعندما فتحت الخادم الباب ، رأت امرأة بدت كوكبة أقمار وسط أسمال بالية . خالتها الخادم أنها من الأشخاص القلائل الذين يأتون من حين لحين عند الساعة العاشرة ، لعرض شكاويهم . ثم تابعت النظر إلى هذه المرأة المتناثرة الشعر على كتفيها ، ذات العينين الخضرواين كالقطط .
قالت الخادم العجوز :
ـ ماذا تريدين ؟ ماأنتِ؟
أجابت المرأة ، وهي تلتفت إلى الوراء :
ـ أنا راقصة . وهنالك شخص بالخارج يتبعني ؟
أمالت الخادم العجوز رأسها وأردفت :
ـ لعلك تريدين كتابة شكاية للعمدة في الأمر ؟
ـ لا أدرِ ؟ ولكن ألم يمت العمدة منذ وقت بعيد .؟
ـ كفاك فنحن لا نعلم مثلما يعلم شيخ الحارّة ؟
قالت المرأة :
ـ أشيخ أصمّ يعيش هنا ؟
هرعت الخادم العجوز تقول :
ـ صه . أتريدينني مطرودة من عملي في الساعة العاشرة . هذا طالع نحس ؟
عندما ولجت السيدتان إلى المكتب ، كان شيخ الحارة قد مزّق وأتلف أوراقا كثيرة ، تكوّمت وراء ظهره . كانت يداه تغطيان وجهه من اليأس والتعب ، فهو لم يشهد يوما مزريا كهذا اليوم .
رفع بصره نحو الراقصة ثم ابتسم وقال :
ـ أية خدمة أيتها السيدة ؟
اندفعت المرأة بجنون نحوه ، جاثية على ركبتيها أمام عينيه المستديرتين ، جعلت الخادم العجوز في حالة حيرة واستغراب .
ثم قال ملتمسة :
ـ سيدي ..في الخارج ، هناك شخص ما يريد بي شرا .
وضع يده على خده وقال :
ـ أي نوع من الشرّ؟
استطردت :
ـ لايخفى عليك أنه هذه الأيام اغتيال انسان فيها أهون بكثير من نتف دجاجة نيئة .؟
طلب شيخ الحارة من المرأة الجلوس على المقعد ، ثم أمر الخادم العجوز المندهشة باعداد للضيفة كأسا من الليّمون .
ولما رأى المرأة اطمأنت في مقعدها ، قال بتأني وحنوّ جميلين :
ـ هوّني عليك .أريد أن أطرح عليك سؤالا وحيدا ، فهل بالامكان طرحه الآن ؟
اجابت المرأة متوسمة خيرا :
ـ تفضل ..؟
ـ كم مضى على آخر جريدة منذ قرأتها ؟
ـ أنا لا أقرأ ولا أكتب ..أنا ؟
ـ أنت ماذا ؟ قولي بلا حرج ؟
ـ أنا راقصة ؟
تبلبت أفكاره قليلا ثم قال :
ـ لا يوجد شىء في الخارج . فكيف تفسرين أني يوم أمس تجولت شخصيا في مثل هذه الساعة ، وكان الجوّ مشمسا والحرّ خانقا ـ قهقهة ضاحكا ـ ولمحت سرب عصافير دورّية نائمة .

: منتديات صحابي http://www.s7aby.com/showthread.php?p=101344
ثم ختم مقهقها ، مما صدم الراقصة ، ولم تكف عن إستمراء النظر إليه . وشعرت أنها سمعت هذه القهقهة ونفس العبارة قبل يوم أمس ، في الساعة العاشرة ، وفي مكان يوشك أن يكون هو هذا المكان .
قالت مندفعة ، وساذجة :
ـ بلى يوجد شىء غريب في الخارج . العين الخبيرة لا تخطىء .؟
حاول شيخ الحارة مدراة تذمره ، فاستدرك وهويعضض على أسنانه :
ـ لنفرض جدلا أنّ كلامك صحيح ؟ فمن يملك للموت رادعا ؟
ثم أضاف بعد ثواني وقال مبتسما :
ـ لعلك فقط ممن يقرءون الجرائد قبل النوم .؟
قالت المرأة محتقنة :
ـ قلت لك أني لا أقرأ ولا أكتبْ ؟
واصل شيخ الحارة قائلا :
ـ لذا سأجهر لك بسرّ خطير : إن كل شىء تنشره الجرائده ، ماهو في نهاية الأمر إلا كلام جرائد مفلسة .
ظنت الراقصة أن الرجل لم يفهم عليها جيدا ، وهمت بأن تجلّي الأمر على حقيقته ، لولا أن قاطعها شيخ الحارة بحركة من يده ، جزّأت شتات أفكارها ثم قال :
ـ لقد انقضى وقتك ، فهلا غادرت الآن . أيتها الراقصة .؟
جعلتها نبرته المزدرية ، المرتبكة ، تتعرق بغزارة تحت مروحة السقف . ولم تعرف ما فكرّها بالبعوض في تلك اللحظة ؟
أشار شيخ الحارة بيد مبسوطة للباب . نظرت إليه الراقصة مختلجة العينين الخضراوين وقال بتحدي :
ـ لن اتزحزح من هنا ؟
وشعرت بانها تصفعه ، ولكنها اختزلت غضبها في عبارة محتقرة :
ـ تبالك أيها الداي البائس ؟ وأفعل ما تشاء . اقتلني حتى إذا ارتأيت ذلك لترتاح ؟
أسند شيخ الحارة كلتا يديه على سطح المكتب . وقال متصنعا الهدوء :
ـ أيتها الراقصة الموت هو الموت ؟ وطالما كان زمن الموت هو المستقبلْ ؟
أجابت المرأة :
ـ أنت قد تكون نبتة ، أو فيلا .. نمسا ، ولكن أبدا لست آدميا ألبتة .
استشاط شيخ الحارة جزعا وانتفض لكبريائه المجروح . كوّر قبضته وضرب المكتب ضربة ارتجت لها الغرفة ، حتى تبعثر الشمعدان على الأرض ، وكادت الآلة الكاتبة أن تقع هي الآخرى لوما سارع وأسندها بيده الشمال .
ثم قال مكززا :
ـ علّام واقفة ؟ ماذا تحتاجين لترحلي من هنا ؟ مكانك في الكابريهات ليس في مكتبي أنا ؟
ردت الراقصة :
ـ على الأقل . نحن معشر الراقصات أميّات ، فلا نكتب غرامياتنا الصبيانية والموت يكتسح البلدة بيتا بيتا .؟
ركن شيخ الحارة واقفا بكل برودة ، ولم يحر جوابا لهذا الصمت الذي غلّله على حين غرّة . حام حول المكتب حومتين ، ثم دلف إلى الراقصة ، وتحدث كلاما بدا مستفزا أكثر منه إفادة منطقية لما يجرى في الخارج :
ـ أيتها المسكينة . اعلمي أنه لا وجود للموت ولا للقتلة . وليس هذين الشيئين بالخارج بل هما داخل رأسك أنت فحسب .
تريث لحظة ثم عاد يقول:
ـ خذيني مثلا فأنا لم أسمع قط بأعمال قتل متكررة ، إذ أني أعدّها كحوادث السير .
انهمكت الراقصة تبكي بحرقة ، وتزفر بالانّات . ولما أبصرها شيخ الحارة في تلك الحالة الكئيبة ، تمثّلت له قطعة زجاج تتندّى . لم يجد بدا إلا التنحي جانبا ، مستكينا في ركن الغرفة ، فلم يكن يحتمل رؤية انسان باك ، وكان ينعته بالضعف المكتسب الذي يعاب على الإنسانية .
قال مراوغا لتخفيف روعها :
ـ أي نوع من الرقص تمارسين .؟
هدر صوت عيار ناري متسلسل في هذه الأثناء ، كان يصدرمن الباحة الخلفية لمنزله ، فاخذته نوبة من الرّهب وصاح هاذيا :
ـ ماهذا ؟ ما كل هذا؟
كفكفت الراقصة دموعها وانتفظت بدورها ، ومشت متمهلة نحو النافذة المغلقة لتستطلع ما يجري ، وقبل أن تخطو للأمام ، كان شيخ الحارّة يسحبها من كم قميصها بكل ماأوتي من بأس . وعنّفها لمااطمئن أنها بمأمن بقربه قائلا :
ـ هل أصاب عقلك مس من السحر ؟ هذه طلقات رصاص لا جوقة موسقية .؟
إنبريا منزوين في ركن الغرفة ، والذعر يحشرهما كفرخي حمام مبلّلين وطلقات الرصاص تهدر بلا فترة أو توقف .
احتوته الراقصة بذراعيها المكتنزتين وقد أنهكها الخوف والتفكير ، بينما هو كان يزدرد أنفاسه في غرق ، ويهذي بكلمات غير مفهومة . واستنفد وقتا ليس بالقصير ، ليستدرك زمن مايحدث . فقال متقنعا بأنه على يقين بما يحدث :
ـ لا تخافي أيتها المسكينة . أكبر الظن أنهم يجهزون على كلب ضّال . لقد تكالبت هذه الحيوانات وبراغيثها في هذه الصائفة .
أصاخ السمع قليلا وأضاف :
ـ ولا تشغلي بالك مطلقا . سأحرر للعمدة شكاية عن هذه الظاهرة المسيئة للبلدة .
قالت الراقصة بسأم شديد :
ـ مع أنني لا أشك أنك جئتنا من كوكب بلا قلب ، ولكن منذا الذي يقتل كلبا في الساعة العاشرة صباحا .
وفيما هما ينظران في شتى الجهات فرقا ، وملتصقان ببعض ، إذ اخترقت رصاصة لوح وزجاج النافذة ، وأدى إلى تناثر شظايا الزجاج في داخل الغرفة . في تلك اللحظة رأى شيخ الحارة أن ما ينقص هذه المشهد المحتدم من رصاص ، وراقصة ، وكلاب ، وسراب ،سوى جرامفون قديم به اسطوانة "la vie en rose" .
انثنى جاثيا على ركبته والراقصة أيضا ، مسترسلة النظرات المخبولة ، الزائغة في كل وجهة . ولم تعقل لماذا شدّت على يديه الناعمتين كصنيّة ، وداعبتهما مرتأفة ثم قالت :
ـ ألم أقل لك ؟ هاهم قد جاءوا ليقتلونني ؟
لاريب أن شيخ الحارة سمعها وفهمها ولكنه التزم السكون والصمت . كان ساهما ومنفعلا ومتخلخل الرأس ، يفلت الراقصة حينا ثم يحتضنها ، يدور حول نفسه ثم يستند على الحائط ، حتى أن الراقصة حسبته خنع للأمر الواقع ، وللرصاص ، والنافذة المكسورة . ولكنها فوجئت به عندما نادى بصوت مستقيم الحركة خادمه العجوز عدة مرات ، ثم قال مشفقا على نفسه :
ـ تلك المرأة هي الأشياء الوحيدة في العالم ، الذي أحنّ لمجالستها اللحظة وسماع ذكرياتها القديمة كلها .؟
عقبت الراقصة بحسرة :
ـ لعلها الآن تضع إصبعين شمعيين في أذنيها . وربما هى تحت خوان المطبخ منبطحة ؟
أضاف شيخ الحارة مستغربا :
ـ ما أطالت يوما في اعداد كأس القهوة ، أمن الممكن أن يستغرق تحضير كوب الليمون وقتا أطول بقليل ؟
هدّأ منحى الحديث التوتر والفـرَق اللذين استوليا على كليهما ، كما أن الرصاص خفت رويد رويدا . تخلص شيخ الحارّة حالته المزرية ، وسحب يده من يد الراقصة بهدوء ، ثم وثب واقفا من الجثو .
وأخذ يدلف إلى النافذة ، وظهر أنه يريد النظر عبر شقها المثقوب ، لالقاء نظرة أو نظرتين في الباحة الخلفية للمنزل .
صاحت الراقصة :
ـ مكانك . أيها المخبول .؟
انفرجت شفتاه عن ابتسامة عميقة ، ورّج يده ناحية رأسه مستهونا خيالتـها الوهمية . قبل أن يضع عينه على ثقب النافذة ، تحرّس قليلا ، ثم أخذ يجيل بعين سوداء النظر مدة دقيقتين ، وقال فيما هو ينظر :
ـ ستصلني رسالة من عند العمدة هذا المساء ؟
ثم أضاف :
ـ وإذا كنت على صواب بشأن من يطلق الرصاص ، فلا مانع أن يوجد من يتصيّد الكلاب عند الساعة العاشرة ؟
استدار نحوها وكان يريد أن يسهب بالقدر الكافي عن أمراض الكلاب الضّالة ، لولا أن رصاصة اخترقت النافذة في هذه اللحظة ، واحدثت ارتطاما بلا صوت ، مثلما يقع حجر في بركة عميقة راكدة .
تلفت وراءه ثم عاد ينظر إلى الراقصة الخائفة قائلا:
ـ حتى هذا الصوت لايخيف كلبا ضامرا ؟
رأت الراقصة شيخ الحارة يركع جاثيا ، ويتمايل صدره ذات اليمين والشمال ، فهرعت إليه وامسكته واسندته صدرها ، ثم راحت يدها تربّت على صدره ، فأحست بدمه ينزف رويدا ، خاثرا ودافئا .
راحت تندب بلا صوت دقائق عديدة ، ولم تستطع التفوه بشىء عدا كلمة واهية سقطت من فمها سهوا :
ـ اعذرني ؟
بينما شيخ الحارّة قال بجسارة المحتضرين :
ـ عديني بألا تعطي خبرا للجرائد بما وقع هنا . فدائما ما كنت أؤمن بان مايحدث في غرفتي ،يظل للأبد في غرفتي ؟
وبعد أقل من دقيقة مات ، بعدما انتظر أن تعده بذلك ، وكأنه لم يتبين في لحظاته الأخيرة ، أن صوتها قد رحل بعيدا بعيدا .

















1-












التعديل الأخير تم بواسطة عبد الباسط لهويملي ; 08-28-2008 الساعة 09:18 PM سبب آخر: تغير الحجم
عرض البوم صور عبد الباسط لهويملي   رد مع اقتباس

قديم 08-28-2008   المشاركة رقم: 2 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد بديع


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2366
المشاركات: 5,459 [+]
بمعدل : 1.59 يوميا
اخر زياره : 08-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 29

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد بديع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

قصة من صميم الواقع فكانت أحداثها متتالية وصورها المندفعة إلى الإبداع الذي يعطي رونقا جميلا .
شكرا الأخ عبد الباسط على هذا الإبداع .









عرض البوم صور محمد بديع   رد مع اقتباس
قديم 08-28-2008   المشاركة رقم: 3 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد الباسط لهويملي


البيانات
التسجيل: May 2008
العضوية: 1770
المشاركات: 986 [+]
بمعدل : 0.28 يوميا
اخر زياره : 04-23-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 15

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد الباسط لهويملي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

شكرا يا محمد بديع
ولقد قفزت بعيدا عن أسيجة اللغة ، فأستعصى علي ابداع ما ابدعت من ردود والتكرار لعبة الحياة ولكن تكرار المدح والاطراء حين يكونان لعبة في يد الكاتب يصيران رزأ وعيبا عليه
فانت مشكور
رجاء إلى اللامنتمي أن يكبر الخط ليتسنى الجميع قراءة القصة وشكرا









عرض البوم صور عبد الباسط لهويملي   رد مع اقتباس
قديم 08-29-2008   المشاركة رقم: 4 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد بديع


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2366
المشاركات: 5,459 [+]
بمعدل : 1.59 يوميا
اخر زياره : 08-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 29

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد بديع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الباسط لهويملي مشاهدة المشاركة
شكرا يا محمد بديع
ولقد قفزت بعيدا عن أسيجة اللغة ، فأستعصى علي ابداع ما ابدعت من ردود والتكرار لعبة الحياة ولكن تكرار المدح والاطراء حين يكونان لعبة في يد الكاتب يصيران رزأ وعيبا عليه
فانت مشكور
رجاء إلى اللامنتمي أن يكبر الخط ليتسنى الجميع قراءة القصة وشكرا
بعد وقت طويل في قراءة القصة
رأيتَ ردي إطراء فاعذرني على الإطراء
وأقدم اعتذاري .









عرض البوم صور محمد بديع   رد مع اقتباس
قديم 08-29-2008   المشاركة رقم: 5 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد الباسط لهويملي


البيانات
التسجيل: May 2008
العضوية: 1770
المشاركات: 986 [+]
بمعدل : 0.28 يوميا
اخر زياره : 04-23-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 15

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد الباسط لهويملي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
Post

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد بديع مشاهدة المشاركة
بعد وقت طويل في قراءة القصة
رأيتَ ردي إطراء فاعذرني على الإطراء
وأقدم اعتذاري .
يا محمد
ربما أخطئت أنا في سياق الكلام إذ أني أردت أن أرمز بأني أمام ابداعك في الردود وذائقتك الأدبية خجلت أن أردد لك نفس عبارات الشكر والاطراء التي مافتئت أكتبها لك من حين لحين ، واضفت أن التكرار لعبة الحياة وبريقها أما تكراري أنا فهوعيب ورزأ عليّ
أرجوا أن أزيل الالتباس الذي وقتُ فيه وأوقعتكَ فيه أيضا
ودمت محبا يا بديع









عرض البوم صور عبد الباسط لهويملي   رد مع اقتباس
قديم 08-29-2008   المشاركة رقم: 6 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
:: رفيق الدرب ::
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية محمد بديع


البيانات
التسجيل: Jul 2008
العضوية: 2366
المشاركات: 5,459 [+]
بمعدل : 1.59 يوميا
اخر زياره : 08-01-2011 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 29

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
محمد بديع غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الباسط لهويملي مشاهدة المشاركة
يا محمد
ربما أخطئت أنا في سياق الكلام إذ أني أردت أن أرمز بأني أمام ابداعك في الردود وذائقتك الأدبية خجلت أن أردد لك نفس عبارات الشكر والاطراء التي مافتئت أكتبها لك من حين لحين ، واضفت أن التكرار لعبة الحياة وبريقها أما تكراري أنا فهوعيب ورزأ عليّ
أرجوا أن أزيل الالتباس الذي وقتُ فيه وأوقعتكَ فيه أيضا
ودمت محبا يا بديع
أخي عبد الباسط
أكنّ لك احتراما وتقديرا وأنني معجب بما تكتب
وقرأت القصة كلمة كلمة وأتابعك باهتمام بليغ
لم أجد إلا بعض الأخطاء المطبعية فأنا أعرف جيدا كتاباتك وأسلوبك وقيمة فكرك
شكرا مرة أخرى كالعسل صافية لا شية فيها .









عرض البوم صور محمد بديع   رد مع اقتباس
قديم 08-31-2008   المشاركة رقم: 7 (permalink)
المعلومات
الكاتب:
اللقب:
الرتبة
الصورة الرمزية
 
الصورة الرمزية عبد الباسط لهويملي


البيانات
التسجيل: May 2008
العضوية: 1770
المشاركات: 986 [+]
بمعدل : 0.28 يوميا
اخر زياره : 04-23-2010 [+]
معدل التقييم:
نقاط التقييم: 15

التوقيت

الإتصالات
الحالة:
عبد الباسط لهويملي غير متواجد حالياً
وسائل الإتصال:

كاتب الموضوع : عبد الباسط لهويملي المنتدى : منتدى القصص و الروايات
افتراضي

شكرا جزيلا لك أخي المحترم
أتمنى أن أكون دوما كما أناَ في عيني القراء الحداثيين
الذي يعيدون انتاج النص في كل قراءة
ولك مني أحلى سلام
محمد بديع المبدع









عرض البوم صور عبد الباسط لهويملي   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
يباع في مكتبات الادوات المدرسية الى اولادنا اليهود اولاد الكلب فاحذروا Dzayerna المنتدى العام 4 09-20-2010 04:58 PM
عمليـــة تجميل تدمر حياة الرجل الكلب.... Nafissa37 منتدى فضــــــاء الصور 11 04-06-2010 08:15 AM
الخنزير شعبولا يشتم الجزائريين ويسجل أغنية ''يا ابن الكلب'' امحمد خوجة منتدى أخبار الجزائر [ DJAZAIRNEWS ] 16 12-17-2009 07:56 PM
الخنزير شعبولا يشتم الجزائريين ويسجل أغنية ''يا ابن الكلب'' امحمد خوجة منتدى أخبار الجزائر [ DJAZAIRNEWS ] 6 12-10-2009 08:01 PM
هل يتحول الكلب الى اسد ؟ اميرة سلام منتدى النكت 12 11-01-2009 08:05 PM


الساعة الآن 06:03 AM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO 3.6.1 TranZ By Almuhajir
new notificatio by 9adq_ala7sas
جميع حقوق محفوظة لشبكة صحابي لكل جزائرين والعرب

//

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99 100 101 102 103 104 105 106 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 182 183 184 185 186 187 188 189 190 191 192 193 194 195 196 197 198 199 200 201 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216 217 218 219 220 221 222 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 244 245 246 247 248 249 250 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 262 263 264 265 266 267 268 269 270 271 272 273 274 275 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 290 291 292 293 294 295 296 297 298 299 300 301 302